العربية  

books islamic philosophy and the struggle for survival

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

الفلسفة الإسلامية وصراع البقاء (Info)


هناك رأيان: أولهم من يرى أن الفلاسفة المسلمون تحدثوا وتنبئوا عن الأفكار التطورية قبل العلم الحديث، وفي المقابل هناك رأي مغاير لذلك يرى أن الكلام عن أن الفلسفة الإسلامية أيدت التطور الدارويني ما هو إلا تفسيرات خاطئة لأراء الفلاسفة المسلمين.

الرأي الأول

مع إن الأفكار التطورية عند اليونان والرومان قد انتهت في أوروبا بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، إلا أنها لم تنتهِ عند الفلاسفة والعلماء المسلمين. في العصر الذهبي للإسلام، تم استكشاف الأفكار التطورية المبكرة على يد العلماء المسلمين. هذه الأفكار لم تناقش فكرة تحول النوع الحي إلى آخر بل والتحول من غير الحي إلى الحي: "من معدن إلى نبات، ومن نبات إلى حيوان، ومن حيوان إلى إنسان".

كان الجاحظ أول أحيائي وفيلسوف مسلم يتكهن بالتطور تفصيليا في القرن التاسع للميلاد. في كتابه الحيوان، أخذ بعين الاعتبار التأثيرات البيئية على فرص الحيوان للبقاء، ووصف الصراع من أجل البقاء، وكتب الجاحظ أيضا عن سلاسل الغذاء. يعتبر تكهن الجاحظ عن تأثير البيئة على الحيوانات طورت نوع مبكر من نظريات التطور. ووصف الصراع من أجل البقاء حيث توقع فيه الاصطفاء الطبيعي.

كتاب ابن مسكويه الفوز الأصغر ورسائل إخوان الصفا وضعت بها فكرة في كيفية تطور الأنواع: من مادة إلى بخار ومن ثم إلى ماء، ومن ثم معدن إلى نبات، ومن نبات إلى حيوان، ومن الحيوان تأتي القردة العليا، وفي النهاية، الإنسان.

الرأي الآخر

في المقابل هناك من يرى إن علماء المسلمين تحدثوا فقط عن ترتيب الكائنات (النبات بدرجاته، الحيوان بدرجاته، الإنسان المدرك، الملائكة) حسب أهميتها وأفضليتها، وليس أنهم تحدثوا عن التطور، فالتطور بمعناه الدرويني غير وارد أصلا، ولا يمكن أن نفهم من نصوصهم تلك هذا المعنى الذي فهمه التطوريون، وعلم التصنيف فرع من علم الأحياء يعنى بتقسيم الكائنات الحية ودرجتها، وقد أسهم العلماء المسلمون في تصنيف الكائنات الحية، كالجاحظ في كتابه الحيوان، والدميري في كتاب حياة الحيوان الكبرى، وابن البيطار وغيرهم وهنا بعض تلك النصوص الذي إستخدمها التطوريون لإثبات نظرياتهم: - مسكويه: هذا نص يقول فيه: "فأما اتصال الموجودات التي نقول أن الحكمة سارية فيها حتى إذا أوجدتها وأظهرت التدبير المتقن من قِبَل الواحد الحق في جميعها، حتى اتصل آخر كل نوع بأول نوع آخر، فسار كالسلك الواحد الذي ينظم خرزاً كثيراً على تأليف صحيح، وحتى جاء من الجميع عقد واحد". في هذا النص يصف مسكويه أصناف الكائنات وترتيبها على بعضها، فشبهها بعقد الخرز مصفوف ليكون منظومة واحدة.

- إخوان الصفا: وقد جاء في رسائلهم: "تركبت على طول الزمان أنواع التراكيب، فالمعادن أشرف تركيبا في الأركان الأربع والنبات أشرف تركيبا من المعادن والحيوان أشرف تركيا من النبات، والإنسان أشرف تركيبا من جميع الحيوان". وفيها أيضا: "آخر مرتبة النبات متصلة بأول مرتبة الحيوانية، وآخر مرتبة الحيوانية متصل بأول مرتبة الإنسانية، وآخر مرتبة الإنسانية متصل بأول مرتبة الملائكة". فلماذا لا يذكر التطوريون صنف الملائكة؟ حيث نجد في النص السابق ما يوحي -بنفس منطقهم وفهمهم- أن الملائكة تطورت عن الإنسان.

- ابن سينا: حيث يقول في كتابه الإشارات والتنبيهات: "ما يحدث في عالمنا، إنما يجب عنه بمعاضدة الأفلاك. فالأفلاك تتحرك تحركا شرقيا فيلزم من قرب الكواكب وبعدها، خصوصا الشمس : الحرارة والبرودة، فتحدث الأبخرة والأدفئة وتتصاعد منها وتحدث منها الآثار العلوية وما يبقى في الأرض إذا لم يجد نفعا ووجد امتزاجا تحصل منه المعادن وإن وجد امتزاجا أكثر يحدث النبات وإن وجد امتزاجا أخر يحصل الحيوان غير الناطق وإن وجد امتزاجا آخر وأحسن وأعدل يحدث الإنسان.". فابن سينا هنا يتحدث عن امتزاج العناصر الأرضية، فبامتزاجها تتكون المعادن ثم بامتزاجها أكثر (أي العناصر) يكون النبات، ثم بامتزاج آخر لــ(العناصر) يكون الحيوان، ثم إن كان امتزاج أحسن لـتلك (العناصر) يكون الإنسان. وليس يفهم منها امتزاج تلك المتحصلات وإنما المقصود هو امتزاج تلك العناصر الأرضية، فابن سينا هنا يقول بالأصل الأرضي لكل الكائنات ولا يفهم منه أنه يقول بالتطور.

- الجاحظ: في كتاب الحيوان يقول: "إن المادة الواحدة مكونة من عناصر كثيرة تكمن فيها، فإذا ظهر عنصر واحد من هذه العناصر أمام أنظارنا، فهذا يعني سيطرته على العناصر الأخرى وتغلبه عليها". هذا النص يفهم منه أن الجاحظ يتكلم عن العناصر المكونة للمادة وإذا سيطر عنصر كان هو السيمة البارزة للمادة، فهذه محاولة لتوجيه النص إلى ما يفيد التطور دون أن يقصد صاحب النص ذلك.

ابن خلدون: وهو أهم نص من النصوص القديمة التي يستندون عليها من خلال فقرة منزوعة من السياق حيث يقول في كتاب المقدمة: "ثم انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج. آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش، وما لا بذر له، وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف، ولم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد الغريب لأن يصير أول أفق الذي بعده. واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه، وانتهى في تدريج التكوين إلى الانسان صاحب الفكر والروية، ترتفع إليه من عالم القردة الذي اجتمع فيه الحس والإدراك، ولم ينته إلى الروية والفكر بالفعل، وكان ذلك أول أفق من الإنسان بعده. وهذا غاية شهودنا.". إنتهى النص.

فهذا النص وحده لا يسعف التطوريين فكيف إذا أعدناه إلى سياق كلام ابن خلدون كله، إذ يقول: "اعلم أرشدنا الله وإياك، أنا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب والإحكام، وربط الأسباب بالمسببات، واتصال الأكوان بالأكوان، واستحالة بعض الموجودات إلى بعض، لا تنقضي عجائبه في ذلك ولا تنتهي غاياته. وأبدأ من ذلك بالعالم المحسوس الجثماني. وأولاً عالم العناصر المشاهدة كيف تدرج صاعداً من الأرض إلى الماء ثم إلى الهواء ثم إلى النار متصلاً بعضها ببعض. وكل واحد منها مستعد إلى أن يستحيل إلى ما يليه صاعداً وهابطاً، ويستحيل بعض الأوقات. ثم انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج. آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش، وما لا بذر له، وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف، ولم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد الغريب لأن يصير أول أفق الذي بعده. واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه، وانتهى في تدريج التكوين إلى الانسان صاحب الفكر والروية، ترتفع إليه من عالم القردة الذي اجتمع فيه الحس والإدراك، ولم ينته إلى الروية والفكر بالفعل، وكان ذلك أول أفق من الإنسان بعده. وهذا غاية شهودنا. ثم إنا نجد في العوالم على اختلافها آثاراً متنوعة: ففي عالم الحس آثار من حركات الأفلاك والعناصر، وفي عالم التكوين آثار من حركة النمو والإدراك، تشهد كلها بأن لها مؤثراً مبايناً للأجسام. فهو روحاني ويتصل بالمكونات لوجود اتصال هذا العالم في وجودها، وذلك هو النفس المدركة والمحركة. ولا بد فوقها من وجود آخر يعطيها الإدراك والحركة، ويتصل بها أيضاً، ويكون ذاته إدراكاً صرفاً وتعقلاً محضاً، وهو عالم الملائكة. فوجب من ذلك أن يكون للنفس استعداد للانسلاخ من البشرية إلى الملكية لتصير بالفعل من جنس الملائكة وقتاً من الأوقات في لمحة من اللمحات، وذلك بعد أن تكمل ذاتها الروحانية بالفعل كما نذكره بعد، ويكون لها اتصال بالأفق الذي بعدها، شأن الموجودات المرتبة كما قدمناه.". أنظر السياق الذي ورد فيه النص كيف يخرج عن المعنى الذي أوردوه، وهذا ليس من البحث العلمي في شئ، فالبحث العلمي يقتضي البحث عن الحقيقة والإيمان بها كما هي. كل تأويل لهذه النصوص إلى ما يفيد القول بالتطور فهو تأويل فاسد، وكل كلام ينسب لهؤلاء المفكرين قولهم بنظرية التطور فهو كلام فارغ لا أساس له من الصحة.

Source: wikipedia.org