العربية  

books interpretation of the jews before philo

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

التأويل لدى اليهود قبل فيلون (Info)


كان التأويل ظاهرة تاريخية دينية؛ إذ كانت مدينة الإسكندرية بعد قليل من عهدها بالوجود، المدينةَ التي التقت فيها الحضارة في ذلك الزَّمن البعيد، وفي هذا يقول كروازيه «وكانت الإسكندرية نقطة الاتصال لمُختلف حضارات العصر القديم: حضارة مصر، وحضارة الشرق بعامة، وحضارة اليونان؛ فقد تواعدت هذه الحضارات على اللقاء على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، والبطالمة كانوا أذكياء وطموحين، فحين رأوا عاصمتهم غدت أغنى المدائن في العالم، عملوا على أن تكون أيضًا أكثرها وأغناها مِنَ العلماء والمثقفين.»

وقد كان لليهود مثلهم مثل غيرهم من أبناء الأجناس الأُخرى، جالية كبيرة تَعتَزُّ بدينها الذي يقوم على التوراة وتقاليدهم الدينية المأثورة، إلا أنهم مع هذا اضطروا للأخذ بنصيب من الفلسفة والآداب اليونانية، وهذا مما جعلهم يترجمون فيما بعدُ كتبهم المقدسة لليونانية التي كانت لغتهم العادية.

ولا عجب بعد هذا وقد رأوا لليونان فلسفة تناولت المسائل الإلهية، ومسألة خلق العالم، وغيرَها من المسائل التي يعرفونها على نحوٍ ما من دينهم، أن يَنْسَاقوا إلى البحث والتفكير والمُقارنة بين ما لديهم، وبين ما علموه في هذه الفلسفة، وكان لذلك نتيجة طبيعية هي أن يكون لهم في هذه النَّاحية كتابات طريفة باللغة اليونانية.

وقد انتهى اليهود من تلك المُقارنات إلى أنَّ فلسفة اليونان أو الآراء التي رأوها حقائق وأُعجبوا بِها مِنها بعبارة أدق، تحتويها التوراة، وإلى أنَّ هذه الفلسفة تُعتبر شروحًا للحكمة التي تزخر بها التوراة نفسها، ومن ثم أخذوا يعملون على استخلاص هذه الفلسفة من التوراة بطريق التأويل، والشاهد القوي لهذا ما سنعرفه من عمل «فيلون» الذي يقومُ على هذا التصور والفهم، وهكذا حصل في الإسكندرية المزج بين الوحي والفلسفة.

ولكن ينبغي أنْ نَقِفَ لحظة نُحَاول فيها أن نتعرف بعمقٍ العوامل التي دفعت يهود الإسكندرية لذلك التَّصور الذي يجمع بين الديانة الموسوية والفلسفة الإغريقية. إنَّ جِماع هذه العوامل، وهو مجرد رأي، هو أنهم أصحاب أول دين سماوي له كتاب بين أيدينا، وهذا الكتاب تناول كثيرًا من المشاكل التي شغلت الفلاسفة القُدَامى، وهم إلى ذلك أو من أجل ذلك شعب الله المُختار أو أبناؤه، جلَّ وعَلا عن هذا الزَّعم، ويُضاف إلى هذا وذاك أنهم فقدوا وطنهم فأصبح الدِّينُ هو الرباط الوحيد الذي يجمع بينهم.

وكان لذلك كلّه أن رأوا أن يعملوا على إظهار أنَّ دينهم يحتوي ما يعتز به اليونان من فلسفة تقبلتها عقول الأُمم الأُخرى، فكان من هذا تأويلهم التوراة تأويلًا مَجَازيًّا يُظهر ما فيها من حِكمة وفلسفة كما يرون، وبخاصة أنَّ طريق التأويل المجازي كان معروفًا من قبلُ لدى اليونان. وكما يكون النَّص الدينيّ موضوعَ التأويل ليتفق والحقيقة التي يثبتها العقل، كذلك قد يكون موضوع التأويل نصًّا من الأساطير أو الآداب التي لها حظها من القداسة لدى أُمَّة من الأُمم ليتفق والفكرة التي يراها المؤوِّل بعقله. ومن هنا نعرف أنَّ هذا الضرب من التأويل الديني الفلسفي كان معروفًا لدى اليونان، وقد اصطنعه كل مذهب من المذاهب الفلسفية فيها، ولكن الفيثاغوريين منذ أول عهدهم كانوا أول من اصطنع هذه الطريقة وتوسعوا فيها، وهكذا كان الأمر كما يقول الأستاذ «برهيه»: سُعار التأويل المجازي هذا، كان معروفًا له قدره في كل مركز فلسفي عالمي. إلَّا أنَّ الإسكندرية كانت هي المركز الأهم لهذه الطريقة في نحو عصر فيلون، وكانت كتاباته هي المَعِينَ الأهم لها.

كان هذا عند اليونان قبل فيلون، ونجد الأمرَ كذلك أو قريبًا منه عند بني جلدته اليهود وإخوانه في الدِّين، لقد كان هؤلاء قبل فيلون يرون في التوراة معنى حرفيًّا، ومعنى آخر مجازيًّا يجبُ معرفته لأهله بالتأويل؛ ولهذا كما يذكر الأب مارتان، كان فيلون في تأويله لقصة الخلق مُطمئنًا إلى أنَّ اليهود سبق أن عرفوا لها تآويل كتأويله، إذ كانوا لا يرون أخذ بدء قصة التكوين حرفيًّا. وفيلون نفسه يُشير أحيانًا إلى بعض تآويل سابقيه، وله من هذه التآويل موقفه الخاص الذي ليس هنا الآن بيانه.

Source: wikipedia.org