If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
انتهز المصريون حادثة الاغتيال الغامض للضابط الشاب عدنان المالكي في الملعب البلدي بدمشق في 22 نيسان/ أبريل 1955 وما أعقبها من توتّر مجتمعيّ ليعززوا تغلغلهم في المفاصل الأمنية للدولة السورية، وأصبح عبد الحميد السرّاج رئيس المكتب الثاني (المخابرات السورية) رجُلهم الأول وحليفهم الأمنيّ المخلص، وقبل مرور أقل من شهرين على اغتيال عدنان المالكي أوفدت مصر سفيرها المخضرم محمود رياض ليكون شريك السرّاج الديبلوماسيّ في تدعيم النفوذ المصري المتصاعد في سوريا.
صعد نفوذ عبد الحميد السرّاج وجهاز استخباراتهِ بشكل لافت على حساب الدولة المدنية في سوريا، وعلى الرغم من إعادة انتخاب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية مرة أخرى في 18 آب/ أغسطس 1955 إلا أن القوتلي لم يكن أكثر من رئيس دولةٍ غدت خاضعة لسيطرة جهاز أمن قمعيّ يُرعب الناس ويكبّل الحريات العامة. وفي خريف عام 1955 بدأ تزويد الجيش السوري للمرة الأولى بأسلحة من المعسكر السوفيتي، وبحلول نهاية العام بات واضحاً أنّ سوريا تغيّرت بطريقة لم تكن لتخطر ببال أحد من أبنائها من قبل وصارت تدور بشكل شبه مطلق في الفلك المصريّ.
حاربت أجهزة عبد الحميد السرّاج الأمنية كافة خصومها الفعليين أو المحتمَلين ونظرت بعين الشك والريبة إلى كل من لم يكن مصريّ الولاء مائة بالمائة، وكان أسعد طلس أحد ضحاياها فتمّ إلقاء القبض عليه في 13 تموز/ يوليو 1955 بتهمةٍ ملفقة هي نشر مقال في إحدى الصحف السورية (يحقّر الجيش والسلطات العامة)، وعلى الرغم من أن القضاء برّأ أسعد طلس من هذه التهمة الملفّقة وأفرج عنهُ إلا أن أجهزة مخابرات السرّاج استمرت في مضايقته والتضييق عليه وعلى كل من كانت تشك في ولائهِ المُطلق.
في عامه الرابع والأربعين شهد أسعد طلس عام 1956 ذروة النفوذ المصري في العالم العربي و تحوُّل جمال عبد الناصر إلى بطل للقومية العربية الصاعدة. في ظل السطوة الأمنية المصرية رفض جهاز المخابرات السورية (المكتب الثاني) عودة أسعد طلس إلى موقعهِ السابق في وزارة الخارجية السورية، فأصدر ناظم القدسي رئيس الجمهورية آنذاك في 13 آذار/ مارس 1956 المرسوم رقم 1156 بتعيين أسعد طلس مديراً عاماً لمؤسسة اللاجئين الفلسطينيين العرب التي تمّ إستحداثها في سوريا لتسيير أمور الفلسطيين الذين هُجروا من وطنهم عقب قيام دولة إسرائيل.
تسلّم أسعد طلس مهام منصبه الجديد في (مؤسسة اللاجئين الفلسطينيين) وعمل جاهداً على تجنّب أية مواجهة مع الأجهزة الأمنية وانصرف بشكل أساسي إلى اهتماماته الفكرية فنشر في عام 1956 الجزء الأول من كتاب (ديوان ابن أبي حُصينة لأبي العلاء المعرّي) عن المجمع العلمي العربي بدمشق، كما نشرت مديرية الآثار العامة أحد أشهر كتبه (الآثار الإسلامية والتاريخية في حلب) الذي نقل فيهِ بعض ما جاء في كتاب المُستشرق الفرنسي جان سوفاجيه وأضاف إليه الكثير من المواد وصحّح بعض ما ورد فيهِ من معلومات غير دقيقة.
في تموز 1956 حاول أديب الشيشكلي مرة أخرى أن يعود إلى الحكم عبر محاولة انقلابية جديدة لم يُكتب لها النجاح. منحت هذه المغامرة الفاشلة عبد الحميد السراج فرصته الذهبية لاستكمال بناء دولته البوليسية في سوريا حيث توّج انجازاته الأمنية في 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 1956 بإعلانه إحباط مؤامرة خارجية على الحكم ونشرهِ لائحةً طويلة بأسماء المتهمين بتدبيرها وعلى رأسهم أديب الشيشكلي نفسه.
في 16 آب/ أغسطس 1956 رُزق أسعد طلس بطفلهِ الذكر الوحيد (محمد فيصل) الذي كان آخر أولاده.
عادت القبضة الأمنية لأجهزة عبد الحميد السرّاج مجدداً لتضايق أسعد طلس بأساليب غير مباشرة. ففي شهر تشرين الأول/ أكتوبر من عام 1956 شنّت بعض الصحف السورية حملةً عليه بحجة انتقادهِ بعض ما ورد في محاضرةٍ لغوية ألقاها منصور فهمي رئيس المجمّع اللغوي المصري على مدرج جامعة دمشق لم تكن لها أية علاقة بالسياسة. كان واضحاً أن العلاقة المتوترة بين عبد الحميد السرّاج وأسعد طلس وصلت إلى نقطة اللاعودة وبلغت مرحلة الإستهداف الشخصيّ بانتظار أن تسنح فرصة مناسبة للتخلص منهُ بشكل نهائي. على الرغم من ذلك استمر أسعد طلس في عام 1957 في عمله مديراً عاماً لمؤسسة اللاجئين الفلسطينيين وتوطدت علاقتهُ الشخصية بمفتي فلسطين الشيخ محمد أمين الحسيني، وتمكّن في نفس العام من نشر كتابين جديدين أولهما كتابه القيّم (التربية والتعليم في الإسلام)، والآخر هو الجزء الثاني والأخير من (ديوان ابن أبي حُصينة) لإبي العلاء المعري.