العربية  

books in search and inference

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

في البحث والاستدلال (Info)


يعد الرافعي من محققي المذهب الشافعي، في القرن السابع الهجري، وقد أبدى اهتماماً كبيرا بدراسة المذهب الشافعي، ويعد عند الفقهاء بدرجة مجتهد في المذهب، وحصلت اجتهاداته على القبول والإقرار في الأوساط العلمية، واعتمدت في القضاء والإفتاء والتعليم، وأصبحت كتبه ضمن المراجع المعتمدة في مذهب الشافعية. وكان له تحقيقات إضافية في الفقه المقارن، ومسائل الخلاف المتشعبة، وجمع الأقوال المتفرقة، والطرق المختلفة، وقام بتنقيح المذهب، وتحرير الأقوال والآراء والوجوه والطرق وتحقيق القول المعتمد أو الراجح في مذهب الشافعية، وجمع طرقه بعبارات موجزة، وكانت له استدلالات وترجيحات للأقوال وفق الأدلة التي استند إليها. ولم يقتصر على الترجيح في مسائل الخلاف، بل عمل على تحرير المذهب وتنقيحه، ومهد الطريق لمن يأتي بعده، وقد سار على منواله النووي في منهج الترجيح والتصحيح. وكان أبو القاسم الرافعي من أول العلماء الذين استخدموا المصطلحات الفقهية، وكانت ترجيحاته واختياراته تبنى على منهج الاستدلال، والتصحيح وفق ما يقتضيه الدليل. يعد الرافعي من أوائل متأخرى الشافعية، وكان لمتقدمي الشافعية قبل فترة الرافعي مجهودات في نقل المذهب ودراسته، والبحث فيما يستجد، وكانت هناك مراجع هامة من كتب المتقدمين مثل: كتاب الأم للشافعي، ومختصر المزني، ثم بعد ذلك الحاوي الكبير للماوردي، ثم المهذب للشيرازي، ونهاية المطلب لإمام الحرمين، ثم الوسيط لأبي حامد الغزالي، وكان تعدد الأقوال يستدعي الجمع بين الطرق، وتحديد الراجح للعمل والفتوى، وقد حاول إمام الحرمين توحيد الطرق المتعددة، وتبعه تلميذه الغزالي، من خلال كتاب البسيط. وقد عمل الرافعي بعد ذلك على توحيد طريقتي العراقيين والخرسانيين، (10) والطرق والأوجه المختلفة، من خلال جمع مواضع الخلاف، واستعراض أدلتها، والترجيح بحسب قوة الدليل، وتحديد مراتبها حينما يكون هناك قول ضعيف وقوي وأقوى، أو راجح وأرجح، وبيان ما هو في أصل المذهب، أو من قول الشافعي، أو من كلام الأصحاب، أو ما عليه الأكثرون، أو ما عليه الفتوى؛ ليكون العمل والفتوى على الراجح عند قوة الدليل، إذ أن تعدد الأقوال في المسألة الواحدة قد يؤدي إلى تشتيت الفكر عند العامة، ووقوعهم في إشكال أو حرج. كان للرافعي اطلاع على كتب السابقين في المذهب، ورواية الأوجه والطرق في المذهب، والمذاهب الأخرى، وما فيها من أقوال وآراء، وجمع ما تفرق منها، وقد استفاد الرافعي من والده الذي كان متضلعا في الفقه والحديث، بالإضافة إلى مشائخه الآخرين، وإلى عمله في نقل الأقول، والتفسير وروايته للحديث، والتدريس والفتوى. قال عنه ابن الملقن: «وكان -رحمه اللهَّ- طاهر اللسان فِي تصنيفه، كثير الأدب، شديد الاحتراز فِي النقول، فلا يُطلق نقلا عن أحد إلا إِذا وقف عليه من كلامه، فإن لم يقف عليه؛ عبَّر بقوله: وعن فلان كذا.» وذكر عنه: أنه كان شديد الاحتراز في مراتب الترجيح، فيقول تارة: "على الأصح"، وتارة يقول: "عند الأكثرين" أو: "عند فلان"، وأحيانا يعبر عما هو من جهته فيقول مثلا: "الأحسن، والأعدل، والأشبه، والأمثل، والأقرب، والأنسب، أو ينبغي كذا".

وقد جاء النووي من بعده، وحذا حذوه في التحقيق والترجيح، وكانت له اجتهادات واختيارات إضافية، جمعها في كتبه، وتعد كتب الرافعي، وكتب النووي من أهم المرجع المعتمدة عند متأخرى الشافعية في الفقه الشافعي والعمدة في تحقيق المذهب، والمعتمد لدى المفتي وغيره. قال ابن النقيب، في مقدمة كتاب (عمدة السالك): «هذا مختصر على مذهب الإمام الشافعي رحمة الله تعالى عليه ورضوانه، اقتصرتُ فيه على الصحيح من المذهب عند الرافعي والنووي، أو أحدهما، وقد أذكر فيه خلافاً في بعض الصور، وذلك إذا اختلف تصحيحهما، مقدماً لتصحيح النووي جازماً به، فيكون مقابله تصحيح الرافعي.»

مع جلال الدين خوارزم شاه

كان لأبي القاسم الرافعي مكانة عند الولاة، وقد كان له موقف مع السلطان جلال الدين خوارزم شاه، وهو: جلال الدين ابن علاء الدين خوارزم شاه، (11) يعرف بـ(جلال الدين منكبرتي). وفي سنة ثلاث وعشرين وستمائه هجرية (623 هـ) -وهي السنة التي كان فيها وفاة الرافعي- دخل السلطان جلال الدين قزوين، والتقى بالإمام الرافعي، وتحادثا، وقال له الرافعي: سمعت أنك قاتلت الكفار حتى جمد الدم على يدك، وطلب منه أن يريه يده ليقبلها، فقال له السلطان: لا بل أنا الذي سيقبل يدك، ثم قبل السلطان يد الشيخ. قال الذهبي: «وقال الشيخ تاج الدين الفزاري: حدثنا ابن خلكان، أن خوارزم شاه غزا الكرج، وقتل بسيفه حتى جمد الدم على يده، فزاره الرافعي وقال: "هات يدك التي جمد عليها دم الكرج حتى أقبلها" قال: لا بل أنا أقبل يدك، وقبل يد الشيخ». قال تاج الدين السبكي: «نقلت من خط الحافظ صلاح الدين خليل ابن كيكلدي العلائي، نقلت من خط الحافظ علم الدين أبي محمد القاسم ابن محمد البرزالي، نقلت من خط الشيخ الإمام تاج الدين ابن الفركاح، أن القاضي شمس الدين ابن خلكان حدثه أن الإمام الرافعي توفي في ذي القعدة، سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وأن خوارزم شاه، يعني: جلال الدين غزا الكرج بتفليس في هذه السنة، وقتل فيهم بنفسه حتى جمد الدم على يده، فلما مر بـقزوين خرج إليه الرافعي، فلما دخل إليه أكرمه إكراما عظيما، فقال له الرافعي: سمعت أنك قاتلت الكفار حتى جمد الدم على يدك، فأحب أن تخرج إلي يدك لأقبلها، فقال له السلطان: بل أنا أحب أن أقبل يدك، فقبل السلطان يده».

في العقيدة

كان أبو القاسم الرافعي في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة، على طريقة أهل السنة والجماعة، أهل السنة الأشاعرة، قال ابن حجر العسقلاني: «وقرأت على الشيخ صلاح الدين -أبقاه الله- قال: رأيت بدمشق سنة أربعين وسبعمائة امرأة حضرت عند قاضي القضاة، تقي الدين السبكي، (عجمية)، فصيحة اللسان، ذكرت أنها من نسل الإمام الرافعي، وكانت تحفظ عقيدته التي صنفها، فقرأت منها قطعة، وهي عقيدة بديعة على طريقة أهل السنة، بعبارة فصيحة على عادته-رحمة الله عليه-.»

نسكه وتواضعه

كان أبو القاسم الرافعي صاحب نسك، وتواضع، ذكر العلماء أنه اتصف بـالورع والزهد والتقى، وأنه كان نقيا طاهر الذيل، مراقبا لله ذو سيرة رضية مرضية، وطريقة زكية، مشتغلا بالعلم والعبادة، قال السبكي: «وكان -رحمه الله- ورعا زاهدا تقيا نقيا طاهر الذيل مراقبا لله له السيرة الرضية المرضية والطريقة الزكية، والكرامات الباهرة». «قال ابن الصلاح: أظن أني لم أر في بلاد العجم مثله، قلت: لا شك في ذلك». قال النووي: «الرافعي من الصالحين المتمكنين، كانت له كرامات كثيرة». قال الذهبي: «وكان من العلماء العاملين، يذكر عنه تعبد ونسك وأحوال وتواضع، انتهت إليه معرفة المذهب». ذكر ابن الملقن أن الرافعي كان متقللا من الدنيا، وأنه عند سفره إلى المدينة المنورة، كان يملي فيها الحديث، على الذين يروون عنه الحديث، وكان الحافظ عبد العظيم المنذري، ممن يأخذ عنه الحديث في المدينة، فلم يعرفه في بداية الأمر؛ لما كان يظهر عليه من التواضع والبساطة. قال ابن الملقن أيضا: «قرأت على شيخنا صلاح الدين قال: سمعت قاضي القضاة أبا عبد الله محمد ابن عبد الرحمن القزويني -تغمده الله بعفوه- يحكي عن مشايخ بلده: أن سبب تصنيف الإِمام أبي القاسم الرافعي الشرح الصغير: أن بعض الفقهاء قصد أن يختصر الشرح الكبير، فبلغ ذلك الإمام الرَّافِعي فخاف أَن يفسده عليه بالتغيير، لقصور عبارة ذلك الرجل، فقال له الإِمام أبو القاسم: أَنا أختصِره لك، ولكن لا أقدر على الورق. وكان ذلك الرجل -أيضا- فقيرا، فلم يمكنه إلا أن أحضر للإِمام أبي القاسم من الورق المكتوب الذي يباع شيئا كثيرا، فَكتب الإِمام الشَّرح الصغير في ظهوره، حتى أكمله، ثم نقل من تلك الظهور. قلت: "وهذه الحكاية مما يدل على زهد الإمام الرافعي، وتقلُّلِهِ من الدنيا"».

Source: wikipedia.org