If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
المذهب النحوي عند ابن جني مُختَلف عليه، حيث رأت طائفة أنَّه ينتمي إلى المدرسة البصريَّة التي أسَّس قواعدها الخليل بن أحمد وتلميذه سيبويه، بينما ذهبت طائفة أخرى إلى أنَّه من نحاة المدرسة البغداديَّة التي مزجت بين آراء البصريين والكوفيين وتهدف للموازنة بينهما. وابن النديم يذكر ابن جني في "الفهرست" ضمن «جماعة من علماء النحويين واللغويين مِمَّن خلط المذهبين»، وعلى هذا فهو يَعُدُّه من نحاة المدرسة البغداديَّة، وذهب عبد الحميد حسن في "القواعد النحوية" إلى أنَّه من النحاة البغداديين، وكذلك يفعل محمد الطنطاوي في "نشأة النحو"، وعبد الكريم الأسعد في "الوسيط في تاريخ النحو العربي"، وشوقي ضيف في "المدارس النحوية"، وطه الراوي في "تاريخ علوم اللغة العربية"، وعبد الحميد يونس في "دائرة المعارف الإسلاميَّة" الذي صرَّح أنَّ ابن جنِّي «كان يتَّخذ لنفسه مذهباً وسطاً مدرستي الكوفة والبصرة»، ويضع كارل بروكلمان ابن جني ضمن نحاة المدرسة البغداديَّة رغم قوله «أنَّه يَعُدُّ نفسه من البصريين لا من البغداديين»، ويرى عبد العال مكرم سالم أن لدى الفارسي وتلميذه ابن جني تمثَّل المذهب البغدادي في أنقى صوره. وفي مقابل هذه الآراء تذهب جماعة من الكُتَّاب المعاصرين إلى أنَّه كان بصرياً يوافق البصريين في آرائهم ومناهجهم، ومن هؤلاء محمد النَّجار في تقديمه لكتاب "الخصائص"، ومحقِّقو "سر صناعة الإعراب" حيث جاء ذكر كونه بصرياَ في مقدِّمة الكتاب، وفؤاد البستاني في "دائرة المعارف"، وخديجة الحديثي، وحسام النعيمي، وغنيم الينبعاوي، ومهدي المخزومي، ويرى عبده الراجحي أنَّه كان أميل إلى نحاة البصرة، ويخلص فاضل السامرائي بعد دراسة منهجه مناقشة الآراء حول مذهبه إلى أنَّه كان بصري المذهب.
هناك إجماع بين أغلبية الدارسين على توجُّه مًعيَّن لدى ابن جني، فهم مع اختلافهم يتَّفِقون على أنَّه كان متقارباً مع البصريين، ولتتلمذه لدى الفارسي تأثير على هذا التوجُّه، ولا يزعم أحد أنَّه كان كوفياً، ومع ميوله البصرية لم يكن متزمتاً في اتباعه لمنهج نحاة البصرة، فلا يتردَّد في الخروج عنه، ثُمَّ يختلف الباحثون حول مدى التصاقه بالبصريين، وهل كانت ميوله قويَّة بما فيه الكافية لضمِّه إليهم، أم أنَّه كان متحرراً من الانتماء المذهبي وصادف أنَّه استحسن آراء نحاة البصرة.
يستند من يقول ببصريته إلى موافقته لمنهج نحاة البصرة عموماً، ومن أصول المدرسة البصرية القياس على المشهور الشائع، والامتناع عن القياس استناداً على مرويات قليلة، ووصمها بالشذوذ عوضاً عن ذلك، وتخطئة من يقول بها، وهذا هو مذهب ابن جني، فهو لا يقبل القياس بناءً على مرويات قليلة، وحتى إن استفاضت المرويات حول مسألة أو تركيب لغوي يخالف القياس الشائع فهو يجيز استعماله كما ورد، وحجته في ذلك السَّماع، ولكنَّه لا يجيز القياس عليه لأنَّه شاذ قياسياً وليس من الأصول. وابن جني يوافق النزعة البصرية في التشُّدد عند الأخذ من الأعراب، فهو لا يأخذ من أهل البادية إلا بعد امتحانهم والتأكُّد من سلامة سليقتهم اللغوية. ومن الأدلَّة على بصريته استعماله للمصطلحات البصريَّة في مقابل المصطلحات الكوفية، فابن جني يستعمل مصطلح "اسم الفاعل" في مقابل "الفعل الدائم"، و"الضمير" في مقابل "الكناية"، و"الجر" في مقابل "الخفض"، و"العطف" في مقابل "النسق"، و"البدل" في مقابل "الترجمة"، ويصنع باباً حول "اسم الفعل" بينما نحاة الكوفة لا يُسَمُّونه وهو عندهم لا يختلف عن بقيَّة الأفعال، وكذلك يُفرِّق بين المفعول به والمفاعيل كالمفعول معه وهذا من أبرز مواضع الخلاف بين البصرة والكوفة. ويحصي فاضل السامرائي خمسة وخمسين مسألةً خلافيَّة بين البصريين والكوفيين يوافق فيها ابن جني نحاة البصرة، ومنها مسائل خلافيَّة شهيرة كقوله أنَّ الفعل يُشتَق من المصدر، أي أنَّ المصدر أصل والفعل فرع منه، على عكس مذهب الكوفيين في أنَّ الفعل هو الأصل، ومنها منعه تقديم الفاعل على عامله، وكذلك قوله أنَّ العامل في المبتدأ هو معنى الابتداء، بينما يختلف الكوفيون وأشهر أقوالهم أنَّ المبتدأ والخبر يترافعان، ومن مخالفته الكوفيين قوله أنَّ «أنَّ» لا تُهمَل مثل «مَا». وابن جني نفسه يُصرِّح بميوله نحو المذهب البصري، ويعتبر نفسه بصرياً في مؤلفاته، فيقول: «ولم يثبت أصحابنا "قنيت"، وإن كان البغداديون قد حكوها»، ومن لا يثبت "قنيت" هم البصريون، وابن جني يُخرِج نفسه من البغداديين في النص السابق، ويؤكِّد انتماءه إلى البصريين بقوله «أصحابنا»، ويقول كذلك: «[...] فأبدلوا من الثاء الوسطى حاء، فمردود عندنا، وإنَّما ذهب إلى هذا البغداديون»، ويقول: «وهذا ما قاسَهُ الكوفيون، وإن كُنَّا لا نراه قياساً». ورغم أنَّ كارل بروكلمان لا ينكر أنَّ ابن جني اعتبر نفسه بصرياً، ولكنَّه مع ذلك يعُدُّه من نحاة المدرسة البغداديَّة، وشوقي ضيف لا ينفي ميوله إلى البصريين، ولكنَّه وفقاً لرأيه لم يُقِيِّد نفسه بآرائهم ولا يتردَّد في انتقاء آراءٍ مخالفة.
يحاول من يثبت بغداديته إثبات أنَّ ابن جني لم يكن متشدِّداً في موافقته البصريين، فهو مع ميوله إلى نحاة البصرة يناقضهم حتى في الأصول التي تقوم عليها مدرستهم، فعلى الرغم من أنَّ ابن جني يُغلِّط المرويات المخالفة للشائع والمشهور في عدَّة مواضع، موافقاً بذلك واحداً من أهمِّ أصول المدرسة البصرية، فهو يناقض هذا المبدأ ويقبل مثل هذه المرويات في موضعٍ آخر، بل ويقيس عليها كتجويزه النسبة إلى «قتوبة» بـ«قتبي» قياساً على الروايات القليلة التي تصحِّح النسبة إلى «شنؤة» بـ«شنئي»، ويرى من يقول ببغداديته أنَّه لم يلتزم بمبدأ نحاة البصرة في القياس، وظلَّ يتأرجح بين القياس البصري والكوفي ويحاول التوفيق بينهما. ومن أمثلة خروجه عن المنهج البصري أخذه عن أهل الحضر من حافظ منهم على لغةٍ سليمةٍ، وخالفَ بذلك البصريين في أخذهم عن الأعراب فقط. وابن جني يعتبر جميع لهجات اللغة العربية حجَّة يصحُّ بناء القواعد عليها والتحدُّث بها، وهو يخالف بذلك البصريين الذين اقتصروا في احتجاجهم على لهجات قبائل مُعيَّنة، وتركوا الأخذ عن غيرها بحجَّة كونها محرَّفة أو غير صحيحة. وهو يحتجُّ بالقراءات الشاذَّة والحديث النبوي، بينما نحاة البصرة عموماً امتنعوا عن الاحتجاج بهما. ويذكر محمود حسني محمود عدداً من المسائل وافق فيها ابن جني نحاة الكوفة وخالف فيها نحاة البصرة. ومن مخالفته لنحاة البصرة وتقاربه مع الكوفيين انتصاره للفراء في مناظرته الشهيرة مع المازني، وانتصاره للكسائي عندما خطَّأه يونس بن حبيب في قوله أنَّ وزن «أَوْلَقَ» هو «أَفْعَلَ»، وثناؤه على أئمة الكوفيين كالكسائي والفراء وثعلب، وأخذه المرويات في اللغة والنحو عنهم، كأخذه عن ابن السكيت وثعلب، ويُخالف بذلك جمهور البصريين في رفض قبول رواياتهم وعدم الاحتجاج بها.
يرى محمد أسعد طلس أنَّ ابن جني لم يتقيَّد بأي مدرسة من المدارس النحوية، فهو لم يكن بصرياً ولا بغدادياً ولكن نحوياً مستَقِلاً، وعند تناوله بالبحث والدراسة آراء سابقيه من النحاة يعمد إلى المقارنة بينها ثُمَّ يختار ما يناسبه منها، وإذا لم يجد ما يرضيه يرفضها جميعها ويصنع مذهبه الخاص، ويستند في قوله أولاً على رفض ابن جني حجيَّة الإجماع، فلا قيمة عنده لإجماع أئمة النحو واللغة، ولا يُغيِّر ذلك من صواب أو خطأ ما أجمعوا عليه، لأنَّه «لم يَرُد مِمَّن يُطاع أمرُهُ في قرآنٍ ولا سُنَّةٍ أنَّهم لا يجتمعُون على خطأ» كما يقول ابن جني. ويستدلُّ كذلك على توجيهه الانتقادات لُكلٍّ من البصريين والكوفيين والبغداديين على سواء، وهو دليلٌ على أنَّه لا يَعُدُّ نفسه منهم، كقوله: «إنَّ تعربد كُلّ من الفريقين البصريين والكوفيين عنه وتحاميهم طريق الإلمام به [...]». ومن أدلَّة استقلاليته عن المذهبيَّة كثرة الآراء التي ابتدعها وانفرد بها ولم يتبع فيها أيَّ مذهب. ومحمد سعد طلس يعترف أنَّ ابن جني كان يميل إلى المذهب البصري، غير أنَّ ميوله نحو المذهب البصري لا يجعله بصرياً خالصاً كما يقول.
وكذلك يرى محمد أمين في كتابه "ظُهرُ الإسلام" أنَّ ابن جني وأستاذه الفارسي كانا مُجَدِّدَين في اللغة، ولم يُقلِّدوا أياً من المذاهب النحوية المعروفة، وأصحاب مدرسة مُتميَّزة تقوم على توسيع اللغة عن طريق القياس.