If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
هبت العواصف على السفينة من كل جانب، وأخذت تعبث بها الرياح في صخب، فرسا الأبطال على مدينة كيوس في خليج بيثونيا، فاستقبلهم الموسيون سكان هذه المدينة استقبالا رائعا، وبالرغم من أن الظلام قد أقبل، فإن أهل المدينة استمروا يخدمونهم ويقدمون لهم الطعام والشراب بكميات وافرة.
لما كان هرقل لا يميل إلى أي لون من ألوان الترف ويعده مفسدة للرجل، فقد ترك رفاقه ينعمون بالوليمة، وأخذ يضرب وسط الغابة الكثيفة ليصنع لنفسه من أشابها مجدافا أقوى من المجاديف التي بالسفينة، استعدادا للعمل الذي ينتظره في صباح الغد، فصار يتفحص أشجار الغابة حتى عثر على شجرة صنوبر خشبها صلب قوي، كانت عين ما يصبوا إليه ويريد، و وضع هرقل قوسه وجعبته جانبا، وخلع عنه جلد الأسد وألقى هراوته إلى جانبه، ثم أمسك بجذع الشجرة بكلتا يديه وجذبها جذبة قوية انتزعها من منبتها.
كان هرقل في إحدى المعارك قد قتل بطلا في حملة ضد الدريوبيس، وكان لذلك البطل ابن حدث يسمى هولاس، فأخذه هرقل ونشأه معه حتى كبر وأصبح خادمه وصديقه. ترك هولاس الوليمة أيضا، وأخذ جرة ليملأها ماء لسيده وصديقه إذا احتاج إلى الماء عند عودته، فلما بلغ الصبي الجميل البئر، أبصرته حورية البئر، أبصرت شابا يافعا طويل القامة حلو القسمات، فسحرها جماله حتى أنها قد طوقته بذراعها اليسرى، على حين أمسكت مرفقه بيمناها وجذبته إلى أعماق البئر.
صرح الصبي مستغيثا يطلب النجدة، فسمعه أحد الأبطال ويدعى بولوفيموس، وكان جالسا ينتظر هرقل بالقرب من البئر، فهب مسرعا إلى مصدر الصوت ليخلص الصبي. بيد أنه لم يعثر عليه كأنما الأرض قد ابتلعته.. وما أن شاهد هرقل مقبلا من الغابة حتى ناداه قائلا: «معذرة أيها السيد ما كنت لأود أن أكون أول من ينبئك بخبر يشق عليك سماعه، لقد ذهب صديقك هولاس إلى البئر ولم يعد، لابد أن يكون قد قابله أحد قاطعي الطرق واختطفه أو ربما يكون قد قتله.. لقد سمعته بنفسي وبأذني يصيح مستغيثاً».
ما إن سمع هرقل ذلك النبأ حتى تميز غضبا وجاش قلبه حزنا وكمدا، وبخعه الألم بقلبه، وفي سورة الغضب ألقى بشجرة الصنوبر أرضا، واندفع كثور هائج، واخذ يعدو خلال الغابات حتى بلغ البئر وهو يصيح صيحات الحزن والأم والجزع.
أصبح الصباح، وأشرق نجمه فوق الجبل، فهبت رياح مواتية، وعندئذ حث مدير الدفة الأبطال على أن يستغلوا فرصة هذه الرياح ويقلعوا في الحال، فتسابق البحارة إلى السفينة يصعدون على ظهرها ويتخذ كل منهم مكانه فيها في ضوء الفجر الأحمر، وبينما هم ينزلقون في غبطة وسرور على صفحة الماء، إذ تذكروا بعد فوات الأوان أنهم تركوا اثنين من خيرة الأبطال على الشاطئ، وهما هرقل وبولوفيموس.
عندما اكتشف الأبطال هذا الأمر، دب بينهم شجار عنيف ونقاش حاد، كيف يصح أن يبحروا بدون رفيقيهم؟ لم ينبس جاسون ببنت شفة، ولاذ بالصمت والحزن يأكل قلبه ويستولى على مشاعره فجلس منطويا على نفسه وقد ذهبت به الأفكار شتى المذاهب.. أما تيلامون فقد استشاط غضبا ولم يتمالك نفسه من هول الصدمة العنيفة، فصاح في جاسون قائلاً: «كيف تجلس في مكانك صامتا هادئا هكذا؟ أعتقد أنك تخشى أن يتفوق هرقل فينال من بسالتك! ولكن لم أضيع وقتي في الحديث؟ فلو وافقك حشدنا على مسلكك هذا، فإني سأعود إلى البطل الذي تركناه على الشاطئ».
وما أن أتم تيلامون كلامه هذا حتى انقض على تيفوس مدير الدفة وأمسك بصدره وجذبه جذبة عنيفة وكاد يجبره على الاتجاه بالسفينة صوب بلاد الموسيين، لولا أن قبض على ذراعيه زيتيس وجذبه إلى الخلف وهو يعنفه على ما صدر منه.. بيد أنه حدث وهم يتعاركون أن برز لهم بين الأمواج، جلاوكوس رب البحر، وأمسك بدفة السفينة بيده القوية، وصاح في البحارة بقوله:
«لا يدب الخلاف والنزاع بينكم أيها الأبطال ولا تتراشقوا بجارح الألفاظ، فلن تأخذوا معكم هرقل، الذي لا يخشى بأسا، إلى بلاد أييتيس ضد إرادة زيوس! إن القدر ليحتفظ به لمهام أخرى غير مهمتكم. لقد أبصرت إحدى الحوريات الشاب الجميل هولاس، فهامت بحبه وبرح بها الهوى حتى أنها خطفته، ولما كان هذا الفتى صديقا لهرقل، ولا يستطيع أن يرجع بدونه، فقد تخلف عنكم من شدة شوقه إليه».
فلما قال رب البحر هذه الحقائق، وأنبأ بها الأبطال حتى لا تنفصم عرى الصداقة بينهم وينشق بعضهم على بعض، غطس ثانية في البحر، وابتلعته المياه الزرقاء كما جاء. عند ذلك احمر وجه تيلامون خجلا، ثم ذهب إلى جاسون واعتذر له عما بدر منه، ووضع يده في يده وقال: "لا تحنق علي يا جاسون، فقد أفقدني الحزن العميق صوابي وطار لبي ودفعني إلى التسرع في الكلام، فلم أع ما كنت أقول، فلتذهب غلطتي هذه مع الرياح، ودعنا يتمنى كل منا لأخيه أطيب الأماني كما كنا نفعل من قبل. سر جاسون سرورا بالغا لعودة السلام بينه وبين تيلامون، وانتشار الهدوء بين الأبطال على ظهر السفينة ثانية، ثم أبحروا بعد ذلك عبر الأمواج الهادئة. هذا ما حدث على ظهر السفينة، أما من بقى على الشاطئ، فإن بولوفيموس أقام مع الموسيين وشيد لهم مدينة عظيمة، على حين استمر هرقل في سيره وتجواله إلى حيث استدعته مشيئة الإله زيوس.