If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
بدأت الإرساليات مع ويليام كاري في 2 أكتوبر 1792 إثر تأسيس "المؤسسة المعمدانية لنشر الإنجيل بين الوثنيين" وحددت مهام الجمعية بالمنطقة الممتدة بين تركيا وسوريا؛ غير أن أكبر جميعيتين انتشرا في جبل لبنان هما "الجمعية اللندنية لتنشيط العمل المسيحي بين اليهود" المؤسسة عام 1808 و"الجمعية الإمريكية للرسالات الخارجية". وكان هدف هذه الجمعيات، خلق كنائس إنجيلية قويّة ومستقلة في الشرق، ولأن اعتناق المسيحية في الأوساط الإسلامية واليهوديّة ظلت نادرة فقد ركزت هذه البعثات عملها على الكنائس المسيحية الشرقيّة سواءً أكانت كاثوليكية أم أرثوذكسية. وكانت جزيرة مالطا التي احتلتها بريطانيا عام 1800 المركز الرئيسي لانطلاق هذه البعثات، وتأسس فيها معهد لاهوتي إنجيلي عام 1846 وعدد من المطابع العربيّة وتم تشبيهها بأنها "حاملة طائرات بالنسبة للإرساليات البروتستانتية في الشرق الأوسط". خلال السنوات الأولى من انتشار هؤلاء المبشرين في الشرق اعتبروا كسوّاح أو مستشرقين ولم يبدأ الصراع بين الإرساليات والكنيسة المارونية في لبنان حتى العام 1823 مع تأسيس مدرسة عينطورة وارتقاء البطريرك حبيش السدّة البطريركية.
في أواسط القرن التاسع عشر كان للإنجيلين في الشرق نحو 30 مطبعة وفي عام 1842 أنشئت لمساعدة النشاط التبشيري جمعية الاستشراق الإمريكية، وفي عام 1822 كانت قد تأسست أول مطبعة عربية لطبع الأدبيات الدينية - الدعائية في مالطا، وفي عام 1834 نقلت إلى بيروت، وفي عام 1840 فتحت فروعًا إلى جانب بيروت في صيدا وطرابلس الشام ودير القمر وحمص، أثار هذا النشاط قلق البطريركية المارونية البالغ، سيّما أن الرهبان المفصولين أو الغير مقبولين في السلك الديري أخذوا بالانضمام إلى لهذه الجميعات، غير أن الحدث الأبرز تم في يوليو 1823 حين استطاع المرسل الإمريكي لويس غاي استئجار مدرسة عينطورة المهملة منذ العام 1773 بناءً على طلب القاصد الرسولي "الذين انخدع لهم"، وفي 31 يناير 1824 أصدر مجمع نشر الإيمان في روما رسالة للبطريرك يستفهم فيها حول تأجير المدرسة من قبل النائب البطريركي لجبل لبنان يوحنا مارون العظم للإرساليات الإنجيلية التي تهدف "لنشر الزؤان في جبل لبنان"، فأصدر البطريرك منشورًا عامًا حرّم فيه كتبهم وحضور صلواتهم وسماع مواعظهم والتعلم في مدارسهم ومفاوضتهم في أمور الديانة، وفي إحدى الوثائق المحفظة في سجل البطريركية المارونية ترقى لتلك الفترة يكشف أنّ جميع أبناء الطائفة خضعوا لطلب البطريرك حالما بلغهم منشوره الأول ضد هؤلاء "وأحرقوا كتبهم في الحال".
وفي 10 نوفمبر 1824 أصدر المرسلون بتوقيع جنسايوس كين بيانًا مسهبًا يلوم فيها البطريرك واستشهد فيها بمقاطع من الكتاب المقدس لتبيان معتقداته، وقد طبع البيان ووزع في بيروت، فطلت البطريرك من المطران بطرس أبي كرم خريج مدرسة عين ورقة الرد على البيان ببيان مماثل، وكتب إلى مجمع نشر الإيمان في روما يطلب ترجمة الكتاب المقدس إلى العربية لأن "البيبلشيين" نشروه بالعربية خلافًا للنسخ المعتمدة المنشورة بالسريانية؛ كما طلب البطريرك من بطريرك السريان الكاثوليك بطرس جره المقيم في دير مار أفرام في كسروان إصدار منشور بدوره يحرّم فيه الإرساليات وهو ما تمّ له في 9 مارس 1825.
أمام ذلك، أخذت الإرساليات تنسحب من القرى والبلدات المارونية في الجبل وتتجه نحو القرى الأرثوذكسيّة والدرزيّة، وأخذوا يوزعون المال على فقراء الموارنة وسواهم لاستمالتهم، فردّ على ذلك البطريرك بمنشور ثاني في 4 ديسمبر 1826 حرّم فيه البيع والشراء وقبول الهبات والمال وسائر "الكرامات العالميّة" منهم. وللمرة الثانية، تجاوبت الطائفة مع البطريرك وبحسب ما يقوله المطران بولس قراآلي فإن نشاط البطريرك وتجاوب الطائفة، قد حوّل "جهد وأتعاب المرسلين عادمة الثمرة". بكل الأحوال، لم تتوقف النشرات الإنجيلية سيّما من قبرص استعملت فيها الشتائم، فشبّه البطريرك بالشيطان وبيلاطس وهيرودس ويهوذا الإسخريوطي والقديس مارون بالمجنون. كما حاولوا استمالة قنصل الولايات المتحدة في إسطنبول، غير أن تدخل أمير الجبل بشير الشهابي منع تدخل للقناصل.