If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
خلال عهد بالدوين الأول، توسعت المملكة من الناحية الجغرافية والديموغرافية على حد سواء، مع استقدام مزيد من المستوطنين اللاتينيين من أوروبا الغربية خصوصًا إثر حملة الأطفال الصليبية عام 1101 والتي جلبت معها تعزيزات للملكة؛ سيطر بالدوين الأول على غور الأردن عام 1115 وكان قد استطاع عام 1104 فتح عكا ثم بيروت عام 1110 وصيدا عام 1111 مع مساعدة من ملك النرويج سيجورد الأول بشكل خاص والمدن الدول الإيطالية بشكل عام. ويمكن اعتبار عهد بالدوين الأول عهد التأسيس الفعلي للمملكة، فهي بحكم رمزيتها شكلت الرابط بين مختلف الدول الصليبية، التي كان آخر ما تأسس منها كونتية طرابلس عام 1109 بعد سقوط المدينة التي استعصت على الحملة الأولى قرابة عقد من الزمن.
في عام 1102 تم عزل ديمبارت عن بطريركية القدس بموافقة مبعوث البابا المخصص لتحقيق بسلوكه وشرعية انتخابه وبذلك تخلّص بالدوين من أشد منافسيه الداخليين، وكان في عام 1101 قد وقّع معاهدة صلح مع سلاجقة دمشق ظلت سارية المفعول مع حكام دمشق حتى عام 1187 ضمنت أيضًا تنظيمًا للمناطق الحدودية وللعلاقات التجارية وانتقال السكّان، وبذلك انتهت حالة الحرب من ناحية الشمال.
أسس بالدوين نظامًا إقطاعيًا قويًا وحكمًا ملكيًا وراثيًا محصورًا في سلالته، وذلك يعود "لذكائه واجتهاده" كما يقول المؤرخ توماس مادن الذي اعتبره "المؤسس الحقيقي لمملكة بيت المقدس"؛ ومن ناحية المعارك مع المسلمين سواءً السلاجقة أم الفاطميين فقد حقق بالدوين سلسلة انتصارات تمت في الجزء الجنوبي الغربي من فلسطين، كما هزم سلاجقة دمشق والموصل في معركة قرب طبرية عام 1113. العمل البارز الآخر لبالدوين كان جمع بارونات المملكة ونبلائها في مجلس موحد، والحث على توافقهم في توزيع القرى والبلدات، وبناء سلسلة من الحصون التي قوّت مناعة الحدود في وجه جيرانها، غير أن نقاط الضعف الأساسية تمثلت ببعد مراكز التجمعات السكانية عن بعضها البعض، ما يسهّل انقسام المملكة وانعزالها في حال الحرب، كما أن بعدها عن أوروبا أو الإمبراطورية البيزنطية ووجود حدود مترامية الطول مع الدول الإسلامية في بلاد الشام ومصر، كان أبرز العوامل التي سرّعت سقوط عاصمتها القدس عام 1187، بل إن اختيار القدس كعاصمة للملكة جاء لأسباب دينية فقط، إذ كما يقول يوشع بروار كان من الأنسب اتخاذ رام الله أو طرابلس أو بيروت عاصمة لكونها أكبر حجمًا وثروة، عمومًا فإن الخلفية الكتابية لعبت دورًا حاسمًا، فخلال تتويج بالدوين الأول مُسح بالزيت المبارك استذكارًا للملك داوود.
في عام 1115 أصدر الملك مرسومًا ينظّم سكنى المدينة فحظر على المسلمين واليهود الإقامة داخل الأسوار، وسُمح للأرثوذكس الإقامة في الحي الشمالي الشرقي، حيث كان يقيم اليهود سابقًا؛ واتخذ بالدوين الأول زوجة أرمنية اسمها تقليديًا آردا لكسب الدعم السياسي من الأرمن في الرها، الزيجة السياسيّة كانت فاشلة لكون إمارة الرها بعيدة عن مملكة القدس، وبعدها تزوّج أديلاد من فاستو، الوصيّة على صقلية عام 1113، ويمكن القول أنه زواج سياسي أيضًا نظرًا لحاجة المملكة المتواصلة للدعم من جزيرة صقلية البحريّة والغنية، غير أن هذا الزواج انتهى بالطلاق عام 1117.
مات بالدوين الأول دون ورثة عام 1118 خلال حملة ضد مصر، وعُرض عرش المملكة لشقيقه يوستاتس الثالث من بولونيا، الذي كان قد رافق بالدوين وجودفري في الحملة الصليبية الأولى، لكنّ يوستاس لم يبد اهتمامًا بالجلوس على عرش المملكة، وأحيل التاج إلى بالدوين الثاني ابن عمّ الملك السابق، الذي شغل منصب كونت الرها. كان بالدوين الثاني ملكًا قويًا، صدّ بنجاح غزوات الفاطميين والسلاجقة، وخلال عهده نشأت طلائع المنظمات العسكرية الصليبية في المشرق ولعلّ أبرزها فرسان الهيكل والإسبتارية، وقد تم إقرار مجموعة من القوانين الناظمة لصلاحية الملك ومجلس البارونات وطريقة وراثة العرش في مؤتمر نابلس الذي انعقد عام 1120، وتمت التصديق خلال عهده على أول معاهدة تجارية مع البندقية عام 1124 وهو ما أدّى إلى فتح صور في العام نفسه؛ وبالإضافة إلى كونه ملكًا على القدس كان لبالدوين الثاني نفوذًا في الرها وأنطاكية حيث قام بدور الوصي على الإمارتين مع شغور عرشيهما.
في عام 1131 توفي بالدوين الثاني وله أربع بنات: أليس وهوديرنا وآيفوتا التي اعتنقت الحياة الديرية والبكر ميليسندا، التي كانت وليّة عهده وخلفته في الحكم مع زوجها فولك.