العربية  

books escalation of activity

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

تصاعد نشاطه (Info)


مجلس ورمز

في 18 أبريل 1521 عُرض مارتن لوثر على مجلس ورمز. كان المجلس مجمعًا في مدينة ورمز على نهر الراين يضم قضاة من مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ويترأسه الإمبراطور نفسه. وكان سبب انعقاد المجمع الذي بدأ أعماله في 28 يناير وحتى 25 مايو، على مناقشة القضايا الخمس والتسعين التي طرحها لوثر، وآلية تفعيل الحرم الكنسي عليها. حضور لوثر لهذا المجلس، جاء بعد أن حصل على صكّ أمان من الأمير فريدريك الثالث.

قدّم يوهان إيك، متحدثًا نيابة عن الإمبراطور، نسخًا من كتابات لوثر، وسئل بداية إذا ما كانت الكتب من وضعه، ولا يزال موافقًا على محتوياتها. أكّد لوثر أن الكتب من تأليفه، وطلب وقتًا للإجابة على السؤال الثاني. صلى لوثر، واستشار أصدقاءه، وقدّم رده في اليوم التالي، بأنه مقتنع ولديه ثقة بشهادة الكتاب المقدس وحدها، دونًا عن البابا أو المجامع، التي تخطأ وتناقض نفسها في كثير من الأحيان. واعتبر لوثر نفسه في نصّ جوابه الرسمي «أسير كلمة الله»، ورفض الارتداد عن أفكاره، وقال أنه لا يجوز أن يكره بأن يعتقد ما هو ضد ضميره.

على مدى الأيام الخمسة التالية، عقدت جلسات متوالية لتحديد مصير لوثر. قدّم الإمبراطور المسوّدة النهائية التي يراها ملائمة في 25 مايو 1521، وفيها إدانة لوثر بوصفه خارجًا عن القانون، وحظر مؤلفاته، كما طالب باعتقاله بوصفه "زنديق سيء السمعة"؛ كذلك فقد نصّ القرار على تجريم كل مواطن في ألمانيا يأوي لوثر أو يقدم له مساعدة، كما أهدر دمه بمعنى أن قتله العمد لن يتسبب بأي أثر قانوني.

في قلعة فرتبرغ

قام الأمير فريدريك الثالث بنقل لوثر تحت حماية فرسان ملثمين إلى قلعة فرتبرغ بعد انفضاض مجلس ورمز. وخلال إقامته في القلعة الواقعة في منطقة إيزنباخ، ترجم لوثر العهد الجديد من اليونانية إلى اللغة الألمانية، ووضع عددًا من الكتب الجدليّة، كان من ضمنها كتابًا تهجم فيه على ألبريشت رئيس أساقفة ماينز، كما ألف كتبًا أخرى في شرح مبدأ التبرير، وتفنيد لاهوت التبرير في الكنيسة الكاثولكية، وشرح عدد من الكتابات اللاهوتية.

جميع هذه الأعمال، ركزت على الإيمان، وقال إنّ العمل الجيد الذي يقوم به المرء بهدف كسب أجر من الله هو خطيئة. وبيّن أنّ كل البشر خطاؤون بالطبيعة، وأنه بدون نعمة الله، لا يمكن للإنسان أن يقوم بعمل صالح. في 1 أغسطس 1521 كتب لوثر إلى ملنشثون حول الموضوع ذاته: «"كن خاطئا، بل وخطاياك قويّة، ولكن دع ثقتك في المسيح تكن أقوى، لتفرح في المسيح المنتصر على الخطيئة والموت.» في المرحلة ذاتها من مراحل تطوّر فكره، هاجم لوثر التقوى الشعبيّة، مثل الحج أو زيارة الكنائس أو سواها من الممارسات الكنسيّة. قال أن القداس الإلهي هو هدية من الإله، وأدان فكرة اعتبارها تجسيداً للتضحيّة، وذهب لحد وضع هذا التصوّر بأنه وثنية. رفض لوثر، خلال تواجده في قلعة واتبرغ، سر الاعتراف بشكل إلزامي، وقال أنه بدلاً من الاعتراف لدى قس، يجب التشجيع على الاعتراف والغفران بشكل خاص، وقال أنّ "كل مسيحي هو مُعرّف". وفي نوفمبر، اعتبر لوثر أن كسر النذور الرهبانيّة، وأهمها نذر العفّة، ليست خطيئة، لأن هذه النذور كانت محاولة غير شرعيّة وقاصرة ودون جدوى للفوز بالخلاص.

أثارت هذه الكتابات الكثير من الاضطرابات، لاسيّما في أوساط الرهبنة الأوغسطينية التي تخرج منها لوثر، والتي تمرد بها الرهبان محطمين الأيقونات في الكنائس ومعلنين دعمهم لأفكار لوثر وشجبهم مجلس ورمز؛ بعد زيارة سريّة وسريعة قام بها إلى فيتنبرغ في ديسمبر 1521، كتب لوثر عتابًا لمناصريه على هذه التصرفات، ودعا كافة المسيحيين لتوقي خطر التمرد والثورة. التقلبات في فيتنبرغ استمرت إلى ما بعد عيد الميلاد، حيث دأبت عصابات صغيرة من أنصار لوثر الأكثر تعصبًا، على أعمال شغب، ووعظ حول معمودية الكبار، والعودة الوشيكة للمسيح. وقبيل نهاية العام، سمح مجلس فيتنبرغ بعودة لوثر إليها.

العودة إلى فيتنبرغ وحرب الفلاحين

عاد لوثر سرًا إلى فيتنبرغ في 6 مارس 1522. وكتب "خلال غيابي، دخل الشيطان إلى حظيرة الأغنام في بلادي، جالبًا ويلات عديدة لا يمكن إصلاحها عن طريق الكتابة فقط، بل من خلال وجودي الشخصي وكلماتي المعاشة". ابتداءً من يوم الأحد 9 مارس، ولمدة ثمانية أيام لمناسبة الصوم الكبير، أعلن لوثر ثمانية خطب، أصبحت تعرف باسم "العظات"، ناقش خلال هذه الخطب أهمية سيادة «القيم المسيحية» الأساسية مثل الحب، والصبر، والإحسان، والحرية، والثقة بكلمة الله بدلاً من العنف في إحداث تغيير ولو كان ضروريًا. وعظ لوثر فيما يخصّ الموضوع الأخير: "هل تعرف بماذا يفكر الشيطان عندما يرى الرجال يستخدمون العنف لنشر الإنجيل؟". ليستنتج أنّ الشيطان هو من يجني الفائدة في ذلك، وأنه يخاف بالأحرى وينهزم عندما يرى الكلمة والعمل هما سلاحا الميدان في المعركة.

كان تأثير عودة لوثر كبيرًا للغاية، فبعد العظة السادسة، كتب فقيه فيتبرغ جيروم سشورف: "يا للفرحة من عودة الدكتور مارتن، تنتشر بيننا كلماته من خلال الحرمة الإلهية، وإعادة جميع المضللين اليوم، إلى سبيل الحقيقة". أما المجموعة الثانية من عظات لوثر، فكانت حول إقرار أو تعديل ممارسات كنسيّة بعينها، كما عمل خلال تلك الفترة مع السلطات المدنية لاستعادة النظام العام؛ وقد واجه معارضة قويّة من المحافظين الذين أرادوا المحافظة على الطقوس دون مساس، وهو ما أدى إلى إثارة الاضطرابات الاجتماعية والعنف.

وعلى الرغم من نبذ لوثر للعنف، فإن مساعديه من الدعاة أمثال نيكولاس ستورش وأنصار الأنبياء تسفيكا، وتوماس منتزر، قاموا بتحريض الفلاحين الألمان خلال فترة 1524-1525 للثورة، ارتكبت خلالها العديد من الفظائع، وغالبًا تحت اسم لوثر. كانت الثورات الفلاحيّة على نطاق صغير، أمرًا منتشرًا في ألمانيا خلال القرن الخامس عشر، لكن منشورات لوثر عن رفض التراتبية الهرمية في الكنيسة، وتكرار استخدام عبارات مثل حريّة وليبرالية، أجج اعتقاد الطبقات الفلاحيّة بأن لوثر سيدعم أي هجوم على الطبقات العليا بشكل عام. اندلعت ثورات في فرانكوفونيا، وشوابيا، وساكسونيا السفلى في عام 1524، وتحول الأمر إلى صدامات مسلحة أشبه بحرب.

تعاطف لوثر مع شكاوى بعض الفلاحين، وأظهر ردًا مستفيضًا في مقالاته الإثني عشر التي صدرت في مايو 1525، لكنه أكّد في الوقت ذاته على وجوب طاعة السلطات الزمنيّة. وصرّح خلال جولة له في ساكسونيا السفلى، أنه غضب على نطاق واسع من حرق الأديرة ومقرات الأساقفة والمكتبات؛ وعمليات القتل والسرقة؛ التي قامت بها عصابات الفلاحين الداعمة له. بعد عودته إلى فيتنبرغ، قدّم تفسيره لرأي الإنجيل في الثورة، وأدان بشدة أعمال العنف التي وصفها بكونها أعمال إبليس، بل دعا النبلاء إلى إخماد المتمردين «مثل الكلاب المسعورة».

تبريرات لوثر لمعارضته ثورة الفلاحين كانت في ثلاثة أسباب، السبب الأول أنهم اختاروا العنف في وجه حكومة زمنيّة شرعيّة، متجاهلين قول المسيح في «تقديم ما لقيصر لقيصر، وما لله لله»، واستشهد أيضًا بالرسالة إلى روما 13: 1-7 حيث أوضح القديس بولس أنّ السلطة هي من الله وبالتالي لا يمكن مقاومتها. والسبب الثاني، الأعمال المخالفة للوصايا الإلهية خلال الثورة من قتل وسرقة ونهب والتي وضعت الفلاحين خارج «شرع الله وقوانين الإمبراطورية» لذلك فهم «يستحقون الموت في الجسد والروح، إذ غدوا قطاع طرق وقتلة» والسبب الثالث هو التجديف، إذ إنهم قد قاموا بأفعالهم هذه، تحت شعار الإنجيل.

ومن دون دعم لوثر للانتفاضة، ألقى العديد من المتمردين أسلحتهم، وشعر البعض الآخر بالخيانة. وبعد معركة فرانكن هوسن في 15 مايو 1525، انتهت حرب الفلاحين. ليجد بعض المتطرفين ملاذهم في جماعات أخرى نشأت على غرار اللوثرية مثل حركة تجديد العماد.

زواجه

تزوج مارتن لوثر من كاترينا فون بورا، وهي واحدة من اثني عشر راهبة كاثوليكية هربنّ من دير سترسن في أبريل 1523، وساعدهنّ لوثر في الهروب. كان عمر كاترينا 26 عامًا، بينما لوثر 41 عامًا. تزوج لوثر في 13 يونيو 1525.

كان بعض القسس المناصرين للوثر متزوجًا بالفعل قبلاً، مثل كرلستدت أندرياس وجوناس يطس، ولكن زفاف لوثر كان ختم الموافقة على زواج رجل الدين. ورغم أن بعض كتاباته قد أدانت عهود العفة التي برأيه لا يمكن أن تنسب إلى الكتاب المقدس، لكن قراره بالزواج قد فاجأ كثيرين، بمن فيهم مقربون منه، أمثال ملنشثون الذي وصف تصرفه بالمتهور. كتب لوثر في 30 نوفمبر 1524 مبررًا زواجه، فإلى جانب الحب، و«اكتشاف الجسد»، فإن لوثر كما اعترف كان يعيش على أبسط أنواع الطعام، ودون أدنى اهتمام، بحاجياته، كسريره مثلاً.

كان لوثر ذي زواج «سعيد وناجح»، أنجب منه ستة أطفال، هانز - يونيو 1526؛ إليزابيث -ديسمبر 1527، والتي توفيت بعد شهور قليلة؛ المجدلية -1529، التي توفت عام 1542؛ مارتن - 1531؛ بول -يناير 1533؛ مارجريت - 1534. إلى جانب عمله الكنسي، فإن لوثر قد ساعد زوجته كاترينا في زراعة الأرض، وبيع منتوجاتها. صرّح لوثر في 11 أغسطس 1526، أنه يملك كل شيء، وأنه لن يبدل «فقر بلده، بثروات كرويسوس».

تنظيم الكنيسة

مع عام 1526 وجد لوثر نفسه وبشكل متزايد، ينظّم كنيسة جديدة. بين عامي 1525 و1529 شكّل لوثر هيئة للإشراف على الكنيسة، لخدمة المكان ووضع الكتب والشروح وتنظيم أشكال العبادة. أراد أن تكون الكنيسة لا مركزية، بحيث لا يمكن استبدال النظام التراتبي المعمول به في الكنيسة الكاثوليكية بآخر شبيه، ولذلك فقد أوجد الكنائس المحليّة، مثل كنيسته في ولاية سكسونيا والتي لا تتدخل في شؤون الكنائس في سائر الولايات الألمانيّة، وإنما تتعامل كمستشار لكنائس المناطق الجديدة لا غير. فصل لوثر الإدارة المالية من رجال الدين، وأناطها بمسيحيين عاديين في مجالس خاصة لهذه الغاية، حسب بريشت كاتب سيرة مارتن لوثر، فإن هذه الخطوة، كانت بداية تطور غير مقصود في تاريخ البشرية، حول سيطرة السلطة الزمنيّة على ممتلكات وأموال الكنيسة. تصريحات لوثر التي أطلقها لرعاة الكنائس عام 1528 شكلّت تراجعًا عن حدة مواقفه السابقة، فالبيان الذي صاغه ملنشتون بموافقة لوثر، شدد على دور التوبة في غفران الخطايا، على الرغم من موقف لوثر أن الإيمان كافي للتبرير؛ كذلك فقد أدان تدريس كون الإيمان منفصل عن الأعمال. هذه التعليمات، في وثيقة رسمية صادرة عن لوثر، شكلت مشكلة لأولئك الذين يسعون لتطور ثابت في الفكر والممارسة عند لوثر.

كان لوثر، وبناءً على طلب أتباع الكنيسة، قد كتب ونشر قداسًا ونشره في بداية عام 1526، وهو يشبه إلى حد بعيد الرتبة الرومانيّة الكاثوليكية، غير أن الفروق تميزت باللغة، فالكنيسة الرومانية كانت توجب تلاوة نصّ القدّاس باللاتينية حتى المجمع الفاتيكاني الثاني الذي انعقد في النصف الثاني من القرن العشرين، في حين أن لوثر ومنذ القرن السادس عشر وضع نصّ القداس باللغة الألمانية السائدة؛ كما أنه قام بتبسيط بعض الحركات الطقسية؛ وأغفل من النص أي عمل كفاري من قبل المشاركين في القدّاس عن خطاياهم. احتفظ لوثر بالتنظيم الكنسي التقليدي، من حيث ارتفاع الهيكل ووجوب الكأس، في حين جعل الشموع وغطاء المذبح وثياب القس المحتفل اختياريّة. بعض المصلحين البروتستانت اللاحقين أمثال زوينجلي نظر إلى قداس لوثر وتنظيمه على أنه «بابوي جدًا»؛ المؤرخون لاحظوا أن أغلب تعديلات لوثر أدخلت لاحقًا على رتبة القداس الكاثوليكي الروماني نفسها.

قدّم لوثر أيضًا رتبًا عن العماد والزواج، وعيّن مواعيد يوميّة في الكنائس لتلقين التعليم للأطفال أو الشباب أو الفقراء. هذا التنظيم، الذي بدأ في العام 1527، شكل بنوع أو بآخر، أساس مدارس الأحد لدى سائر الطوائف حديثًا؛ والدافع الأساسي له، كتابات لوثر عن عدم معرفة الناس كثيرًا عن العقيدة المسيحية، وأشار إلى كون كثير من القساوسة تنقصهم المهارة والأسلوب في الوعظ والتدريس، لذلك فقد وضع لوثر نظامًا آخر، لتقوية الوعظ في الكنائس؛ كما نشر عام 1529 كتابه الشهير عن التعليم المسيحي، والذي قدّمه كدليل للرعاة والمعلمين، ويشتمل على تعاليم مسيحية سهلة الفهم مثل الوصايا العشر، والصلاة الربيّة، والعشاء الأخير. أشار لوثر أنه من غير المطلوب أن يحفظ المسيحيون فقط عن التعليم المسيحي، بل أن يفهموها أيضًا. ولا يزال، كتاب لوثر عن التعليم المسيحي مستعملاً حتى اليوم، إلى جانب العديد من الترانيم التي صاغها، وترجمته الخاصة للكتاب المقدس. ولقد أثبت التعليم الذي قدمه لوثر - لا سيّما المنشورات اللاحقة التي قدمها في كرّاسات صغيرة - فعاليّة كبيرة، في مساعدة الآباء تعليم أطفالهم، وكذلك كان فعالاً بالنسبة للقساوسة. استخدام اللغة الألمانية العاميّة وتبسيط العقيدة، كانتا النقطتان الأساسيتان في تأليف لوثر.

Source: wikipedia.org
 
(1)
Media Activity

Media Activity