If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
منذ دراسته في مدرسة الأهالي لاحظ بن بولعيد سياسة التفرقة والتمييز التي تمارسها الإدارة الاستعمارية بين الأطفال الجزائريين وأقرانهم من أبناء المعمرين، كما لاحظ أن تصرفات المعمرين بعيدة كل البعد عن عادات وأخلاق الشعب الجزائري، فراحت تلك الأفكار تتبلور في رأسه وأخذت تراوده فكرة طرد هؤلاء المغتصبين فكان أول نشاط له هو الانضمام إلى نادي آريس وظل يناضل به حتى سفره إلى فرنسا في أواخر 1936 حيث انتخب رئيسا لنقابة العمال الجزائريين هناك، وبمرور الوقت أدرك أن معاملة الفرد الجزائري وقيمته سواء في فرنسا أو الجزائر معاملة استغلال وازدراء، فعاد إلى الجزائر بعد عام وكان محله في أحد أحياء آريس مركز حوار وحديث حول الإصلاح والقضية الوطنية مع رفاقه في النادي: مسعود بلعقون، اسمايحي الحاج ازراري، بن حابة بومعراف ، وأثنـاء أدائه للخدمة العسكرية أظهر اجتهادا كبيرا الغاية من ورائه التدرب على استعمال القنابل والأسلحة الحديثة آنذاك.
في سنة 1943 حل بمدينة آريس محي الدين بكوش الذي خرج من سجن لامبيز وقام بالاتصال بالحاج اسمايحي ازراري، مسعود بلعقون، مختاري الصالح، بعزي لخضر، عايسي مسعود وعقد معهم اجتماعا تعينوا على إثره أعضاء في خلايا حزب الشعب بآريس وأشمول وزلاطو وتجموت، غير أن بن بولعيد لم يتم تجنيده آنذاك نظرا لاستدعائه مجددا لأداء الخدمة العسكرية، وبعد خروجه في أواخر شهر ماي 1945 قام الحاج ازراري مسؤول خلية الشعب بآريس بتجنيده وأصبح يشارك في الأعمال السياسية التي يقوم بها الحزب منذ ذلك الحين.
في انتخابات سنة 1946 التي رشح فيها بودة أحمد ممثل حزب الشعب، شارك مصطفى بن بولعيد في الحملة الدعائية ضد المرشحين من عملاء فرنسا في النشاط الذي قام به حزب أحباب البيان، كما كان للحافلتين اللتين يملكهما دور كبير في تعزيز ونشر سياسة الحزب في بعض الدواوير التي لم يصلها بعد، وقام بتجنيد وتكوين العديد من الخلايا وفي 1947 أصبح مسؤول فرع في حركة انتصار الحريات الديمقراطية وشارك في حملة التوعية على الاحتجاج بتحرير جريدة "الجزائر الحرة".
في أفريل 1948 قرر الحزب ترشيح بن بولعيد كممثل لمنطقة الأوراس في مجلس نواب الجزائر ففاز في الدورة الأولة بـ10 آلاف صوت أي 95% ونتيجة لذلك استدعاه حاكم آريس وحاول استمالته وإغراءه لكن بن بولعيد رفض عروضه وتمسك بمبادئه، ولما استيأس الحاكم من مساومته سارع إلى إقصائه من الدورة الثانية بالتزوير فأدى ذلك إلى وقوع أحداث عنف دامية في كل من فم الطوب وكيمل وبوزينة.
وتكررت الحادثة سنة 1951 بعد تزوير الانتخابات ووقعت احداث دامية في كيمل وتكوت وفم الطوب فحشد الاستعمار جيوشه العسكرية المقدرة بـ 40 ألف جندي وطوق بها الأوراس من كل الجهات وكثر الظلم وحملات التفتيش المتلاحقة فأسس بن بولعيد جبهة الدفاع عن الحريات وشارك في هذه الجبهة حزب البيان ومثله ابن خليل، جمعية العلماء ومثلها العربي التبسي، الحزب الشيوعي ومثله عمراني العيد، حركة الانتصار للحريات الديمقراطية ومثلها محمد العربي دماغ العتروس وقام بمقاضاة حاكم آريس على حوادث إنسانية.
حاول الاستعمار عن طريق عملائه مرار تصفية بن بولعيد ففي سنة 1948 هجمت عليه عصابة بمنزله ليلا لاغتياله لكنه رد عليهم بالرصاص فلاذوا بالفرار وتكررت نفس العملية في 1951 لكنها فشلت كذلك ، وفي نفس العام تعرض أخوه عمر نهارا في طريق عودته لمنزله للاعتداء من قبل شخصين في جسر آريس فأخرج مسدسه ورماهما فجرح واحدا وأردى الثاني قتيلا.
كما توالت مكائد الاستعمار ضده لإضعافه ماديا بوضع عدة مسدسات في حافلته وحجزها من الحين إلى الآخر، وإعطاء العميل بوهالي رخصة نقل لمزاحمة بن بولعيد ومن مكائد الاستعمار كذلك محاولة تفريق وحدة الأعراش بزرع الفتن بينها إذ كادت تقع الفتنة بين أكبر عرشين في آريس عرش بوسليمان وعرش بن بولعيد التوابة وهذا بعد أن قام أحد أذناب الاستعمار بقتل رجل من عرش التوابة لكن بن بولعيد كان يقظا ودعا إلى اجتماع صلح في دشرة أولاد موسى تلاه آخر بقروي بلمايل أوخر 1952 أسفر عن إنهاء الأزمة وخابت آمال العدو الفرنسي في توسيع الهوة بين الأعراش.
وطيلة المدة الفاصلة بين الاجتماعين لم يركن بن بولعيد إلى الراحة بل راح ينتقل بين مختلف مناطق الجهة المكلف بها "الأوراس" ضمن العديد من الزيارات الميدانية للوقوف على الاستعدادات والتحضيرات التي تمت وكذا التدريبات التي يقوم بها المناضلون على مختلف الأسلحة وصناعة القنابل والمتفجرات التقليدية. وفي التاريخ المحدد التأم شمل الجماعة التي ضمت: بن بولعيد، بوضياف، بيطاط، بن مهيدي، ديدوش وكريم وذلك بمنزل مراد بوقشورة أين تم الاتفاق على النص النهائي لبيان أول نوفمبر 54 إثر مراجعته والتأكيد بصورة قطعية على الساعة الصفر من ليلة فاتح نوفمبر 54 لتفجير الثورة المباركة وأجمع الحاضرون على التزام السرية بالنسبة للقرار النهائي التاريخي والحاسم ثم توجه كل واحد إلى المنطقة التي كلف بالإشراف عليها في انتظار الساعة الصفر والإعداد لإنجاح تلك العملية التي ستغير مجرى تاريخ الشعب الجزائري. وهكذا عقد بن بولعيد عدة اجتماعات بمنطقة الأوراس حرصا منه على انتقاء الرجال القادرين على الثبات وقت الأزمات والشدائد، منها اجتماع بلقرين يوم 20 أكتوبر 1954 الذي حضره الكثير من مساعديه نذكر منهم على الخصوص: عباس لغرور، شيهاني بشير، عاجل عجول والطاهر نويشي وغيرهم وخلال هذا اللقاء أعلم بن بولعيد رفاقه بالتاريخ المحدد لتفجير ثورة التحرير كما وزع على الحضور بيان أول نوفمبر وضبط حصة كل جهة من الأسلحة والذخيرة المتوفرة. وقبل مرور أسبوع على هذا اللقاء عقد بن بولعيد اجتماعين آخرين في 30 أكتوبر 1954 أحدهما في دشرة «اشمول» والآخر بخنقة الحدادة التقى أثناءهما بمجموعة من المناضلين وألقى كلمة حماسية شحذ فيه همم الجميع. وفي الغد عقد اجتماعا قبل الساعة صفر، وقد ضم هذا الأخير قادة النواحي والأقسام وفيه تقرر تحديد دشرة أولاد موسى وخنقة لحدادة لالتقاء أفواج جيش التحرير الوطني واستلام الأسلحة وأخذ آخر التعليمات اللازمة قبل حلول الموعد التاريخي والانتقال إلى العمل المسلح ضد الأهداف المعنية.
وفي تلك الليلة قال بن بولعيد قولته الشهيرة: «إخواني سنجعل البارود يتكلم هذه الليلة» وتكلم البارود في الموعد المحدد وتعرضت جل الأهداف المحددة إلى نيران أسلحة جيش التحرير الوطني وسط دهشة العدو وذهوله. وفي صبيحة يوم أول نوفمبر 54 كان قائد منطقة الأوراس مصطفى بن بولعيد يراقب ردود فعل العدو من جبل الظهري المطل على أريس بمعية شيهاني بشير، مدور عزوي، عاجل عجول ومصطفى بوستة. وقد حرص بن بولعيد على عقد اجتماعات أسبوعية تضم القيادة ورؤساء الأفواج لتقييم وتقويم العمليات وتدارس ردود الفعل المتعلقة بالعدو والمواطنين.
وفي بداية شهر جانفي 1955 عقد هذا الأخير اجتماعا في تاوليليت مع إطارات الثورة تناول بالأخص نقص الأسلحة والذخيرة، وقد فرضت هذه الوضعية على بن بولعيد اعلام المجتمعين بعزمه على التوجه إلى بلاد المشرق بهدف التزود بالسلاح ومن ثم تعيين شيهاني بشير قائدا للثورة خلال فترة غيابه ويساعده نائبان هما: عاجل عجول وعباس لغرور.