If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
يمكن القول إن الكشوف الجغرافية كانت نقطة البداية لانتشار النفوذ الأوروبي بصفة عامة، والنفوذ الإسباني بصفة خاصة، وبدء مرحلة الاستعمار التقليدي أو القديم. ظهور الدولة الوطنية الحديثة. وقد كانت هناك دوافع أو حوافز أو أسباب متعددة ومتنوعة وراء الكشوف الجغرافية بصفة عامة، والكشوف الإسبانية بصفة خاصة.
ففي فترة الانتقال من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة، استأنفت الملاحة نشاطها تدريجياً منذ القرن الثاني عشر خصوصاً وفي مدة القرون الثلاثة التالية: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، تأثر الملاحون بالفكرة الإغريقية القديمة القائلة بأن من المستطاع الوصول إلى الشرق إذا اتجه الإنسان جهة الغرب من الشواطئ الأوروبية الغربية. ولذلك، فقد بذل الملاحون جهوداً كثيرة طوال هذه المدة لتحقيق هذه الفكرة الإغريقية القديمة للوصول إلى الشرق، وهذا هو الدافع أو الحافز الأول للكشوف الجغرافية.
وثاني تلك الدوافع للوصول إلى الشرق – عبر الكشوف الجغرافية – يتمثل في فإن هذه الدولة التي توطدت حكومتها الموحدة والمنظمة القوية سرعان ما صارت تشعر بالعزة القومية، ويدفعها هذا الشعور إلى الرغبة في بسط سيطرتها على غيرها من الأمم والشعوب التي تأخر تكوينها، وكانت أقل ثقافة منها، وأقل تنظيماً سواء في القارة الأوروبية أو في خارجها. ولذلك، كانت أسبق الدول التي سعت لنشر نفوذها في الخارج (أي خارج القارة) – من خلال الاستعمار – تلك الدول الست الكبرى التي تم تكوينها وتوحدت السلطة بها، وهي: إسبانيا، البرتغال، هولندا، إنجلترا، فرنسا، وروسيا. ثم تأتي بعدها الدانمارك والسويد، ثم إيطاليا وألمانيا في القرن التاسع عشر. هذا، بينما ظلت النمسا محرومة من امتلاك المستعمرات لأنها تألفت من شعوب كثيرة وكانت بعيدة عن مجموعة الدول الوطنية الحديثة. وكان من الطبيعي أن تقوم تلك الدول الوطنية، التي اعتزت بقوميتها واعتقدت في صلاحية حضارتها، بنشر أصول هذه الحضارة، إلى جانب مذاهبها الدينية.
وثالث تلك الدوافع أو الحوافز هو الدافع الديني، حيث بقيت الرغبة في نشر المسيحية، من الحوافز التي دفعت الأسبان والبرتغاليين إلى تحمل المشاق العظيمة أثناء رحلاتهم، بل إن هذا الدافع الديني ظل يوجه جهود المستكشفين والمستعمرين في القرون التالية، كما فعل الفرنسيون عندما صاروا يدعون إلى المسيحية ويبشرون بها على يد جماعة الجزويت (اليسوعيين) في حوض المسيسبي ومنطقة البحيرات العظمى في أمريكا الشمالية، أو ما فعله الإنجليز الذين كان لدعواهم أنهم إنما يحملون نوعاً من الحياة الجديدة " حياة الحرية" المؤسسة على أنظمة الحكم الدستوري، والتي يتمتعون بها في بلادهم، إلى جهات العالم المختلفة، أثر ملموس في اتساع رقعة إمبراطوريتهم.
أما رابع تلك الدوافع أو الحوافز الكامنة وراء الكشوف الجغرافية فيتمثل في الربح التجاري. فقد نجم عن توسع الإمبراطورية العثمانية وسيطرتها على طرق التجارة القديمة مع الشرق أن ظهرت الرغبة في إيجاد طريق مأمون للتجارة مع الشرق. وعندما أرادت أوروبا الاستئثار بالكماليات المستوردة من الشرق ثم الاتصال المباشر بالمناطق التي تصدر هذه الكماليات إلى أوروبا في نهاية القرن الخامس عشر تقريباً خرجت الحملات الاستكشافية لارتياد البحار المجهولة. وقد اتفق هذا مع نشأة وقيام الدولة الوطنية الحديثة ذات الحاجة المتزايدة للموارد الطائلة للإنفاق منها على شئونها، فكانت لا مفر من أن تنشط التجارة مع الشرق وخصوصاً عندما كانت هذه الدول الحديثة تأخذ بالنظام التجاري في اقتصادها القومي وهو نظام يقضي دائماً بضرورة زيادة موارد الدولة، ومن أهم وسائل هذه الزيادة الربح التجاري. أي أن الدولة الحديثة كانت في حاجة مستمرة لأسواق جديدة، لتصريف منتجاتها. فنشطت أعمال الكشف الجغرافي والاستعمار خارج القارة الأوروبية. وبقي لعامل الربح التجاري هذا آثار ظاهرة في ميادين الاستكشاف والاستعمار من القرن التاسع عشر خصوصاً إلى الوقت الحاضر.
ويضاف إلى ما سبق عامل خامس وهو دافع أو حافز داخلي، يتمثل في رغبة الدول التي ضاقت أرضها بأهلها وسكانها في أن تجد أقاليم صالحة لتوطن واستقرار هؤلاء السكان والأهالي الفائضين بها، ولو أن هذا العامل كان ضعيف الأثر قبل القرن التاسع عشر.
وفضلاً عما تقدم، فقد كانت هناك دوافع أو حوافز أخرى، مثل: غريزة حب الاستطلاع، ورغبة بعض الناس في أن يحيوا حياة مفعمة بالحوادث والمغامرات، ويتسع فيها المجال للمغامرين في القرن السادس عشر خصوصا مثل الفاتحين الأسبان والملاحين الإنجليز في عهد الملكة أليصابات ، ثم رغبة البعض الآخر في الهجرة إلى بلدان مأمونة وأماكن جديدة يستطيعون فيها ممارسة شعائرهم الدينية، وذلك عندما اشتد الاضطهاد الديني في أوروبا نتيجة لانتشار حركة الإصلاح الديني وانتعاش الكاثوليكية بها، وما ترتب على ذلك من حروب مهلكة واضطهادات عنيفة.
ويضاف إلى كل ذلك ما حدث من تغيير كبير طرأ على أفكار الناس عموماً نتيجة لتنبه الذهن البشري في عصر النهضة. كما كان لتقدم المعلومات الجغرافية وارتقاء فن الملاحة مع تقدم صناعة بناء السفن، واستخدام البوصلة البحرية وآلة الإسطرلاب أكبر الأثر في تشجيع المغامرين على القيام بهذه الرحلات البعيدة، هذا، وقد كان لاستخدام البارود تأثير واضح في القضاء على مقاومة الأهالي والسكان الأصليين في البلدان التي قصدها هؤلاء المغامرون، على نحو ما يشاهد في تاريخ الاستعمارين الإسباني والبرتغالي في بداية العصور الحديثة.