If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
تقر كتب علم النفس المتخصصة، بصفة عامة، بأن الطبيب والمعالج النفسي هربرت فرودنبرجر هو أول من أجرى أبحاثَا على متلازمة الاحتراق النفسي. ويعد بحثه بعنوان "الاحتراق النفسي لدى العاملين" المنشور عام 1974، أول محاولة لتوصيف هذه الحالة الوجدانية، وفيه أشار، إلى مصطلح "متلازمة الاحتراق النفسى Burnout syndrome""، أنه حالة من الإنهاك يتعرض لها العاملون المعالجون في العيادات المجانية، المستهلكون مهنيَا وانفعاليَا والذين يتعاملون مع مرضى الإدمان. وقد عرًف هذا الاحتراق على أنه فقدان الدافعية لدى الشخص تجاه عمله، لاسيما عندما لا يؤدى انخراطه الشديد في العمل إلى النتائج المتوقعة.
ففي السبعينيات، كان فرويدنبيرجر مديرَا لإحدى مستشفيات اليوم الواحد، وهي عيادة مجانية تستقبل مرضى الإدمان، تقع في حي لوور ايستيت سايد بنيو يورك، وتعتمد، بصفة أساسية، على بعض الشباب من المتطوعين. وقد بدأت ملاحظات فريدنبيرجر برصد حالة عدد من هؤلاء المتطوعين انتهى بهم الأمر إلى فقدان تام للدافعية في العمل بعد ما يقرب من عام واحد. فقد لاحظ عليهم ظهور أعراض بدنية مميزة مصاحبة لهذا التغير مثل : الإنهاك، والإرهاق، و استمرار نزلات البرد، والصداع، والاضطرابات المعوية والهضمية، والأرق.
وقد ركز فرودنبرجر، في أبحاثه، على الأعراض السلوكية، وقام برسم جدول وصفي للأفراد المفعمين بالانفعالات. كما أشار إلى أن الغضب، والاستثارة، والعجز عن مواجهة التوترات والمواقف الجديدة، وكذلك نضوب الطاقة تعد ضمن العلامات الأولية لما أطلق عليه حالة "الانهيار" أو " الإنهاك الوجداني والعقلي". ويرى فرودنبرجر أن سلبية التصرفات واللجوء إلى السخرية، هي أيضا من الظواهر المدرجة في هذا الجدول الإكلينيكي.كما قام بعرض عدد من الاستراتيجيات الأخرى مثل قضاء وقت أطول في العمل وبذل نشاط زائد غير فعال، كما يرجع هذا لاستراتيجيات تنافسية، مثل البحث عن العزلة ورفض الاتصال بالزملاء في العمل.
تم استخدام مصطلح الاحتراق النفسي، في ذلك العصر، للإشارة إلى الآثار الناجمة عن الإدمان، فهو يمثل لفرودنبرجر استعارة بلاغية فعالة لتحديد مجموعة من الأعراض قام بملاحظتها. ويعني مصطلح الاحتراق النفسي في اللغة الإنجليزية الدارجة : " يستنزف، يرهق، ينهار بسبب المطالب المفرطة التي تستلزم طاقة، وقوة، أو موارد”. ويشبه المصطلح، على سبيل المثال، حالة المريض بالشمعة المحترقة التي لا يخرج منها سوى شعلة ضئيلة، بعدما أضاءت لما حولها لساعات طويلة.
واستنادا لخبرته الواسعة، لاحظ فرودنبرجر أن الالتزام الأولي لدى هؤلاء الشباب المتطوعين، والقناعة بتأديتهم لعمل مجدي يكفى وقتا لإشباع حالة الرضا عن النفس والحفاظ على الجهود. وعلى الرغم من ذلك، فإن المرضى الذين يخضعون للعلاج في عيادته يقاومون بشكل متكرر ولا يستجيبون في أغلب الوقت للنصح. وفي مثل هذه البيئة، فإن المساعدة والطاقة التي يبذلها هؤلاء الشباب المتطوع غالبا ما تكون بلا جدوى. كما لاحظ فرودنبرجرو " أن تفانينا في أعمالنا يعد تحديدا السبب الرئيس الذي يدفعنا للوقوع في مصيدة الانهيار.". وفقا لما ذكره فرويدنبرجر وريتشلسون، عام 1980، تصيب متلازمة الاحتراق النفسي الأفراد الذين يكونون لأنفسهم صورة مثالية كشخصيات حيوية ومؤثرة، تتمتع بالكفاءة بصفة خاصة، حتى ينتهى بهم الأمر إلى انقطاع الصلة مع الذات الحقيقية.
وفى إطار هذا التصور للاحتراق النفسي، تلعب العوامل الفردية دورًا هامًا في تطور هذه المتلازمة، لأن الأشخاص الذين يتسمون بالالتزام في العمل أو التفاني لقضية ما، يكونون أكثر من غيرهم عُرضة للإصابة بهذا المرض. ومن هذا المنظور، يوصف " الاحتراق النفسى " بأنه " مرض المقاتل ".
و في عام 1980، قدم فرويدنبيرجر وريتشلسون التعريف التالي للمتلازمة:"حالة من الإرهاق المزمن، والكآبة والإحباط تنتج عن التفانى لقضية ما أو نمط حياة أو علاقة تفشل في تحقيق النتائج المتوقعة وتؤدي في نهاية الأمر، إلى انخفاض الانخراط والأداء في العمل."
لا ينبغى للدور الريادي الذي قام به فرويدنبيرجر أن يجعلنا نغفل أن "كلود فيل" كان أول من وضع مفهومَا للإرهاق، في فرنسا، منذ عام 1959 حتى وإن لم يصفه بالمتلازمة، لكنه قدم توصيفَا علميَا لحالات الإنهاك في العمل. كما أشار الطبيب النفسي هانس سيلي، في كتب علم النفس الأمريكية، منذ عام 1936، وبعده طبيب وظائف الأعضاء والتر برادفورد كانون، تحديدا عام 1942، إلى حالات نفسية مرضية ناتجة عن المواقف المهنية، وقدما تعريفَا للأمراض العضوية التي تعزي إلى ضغوط موقفية في العمل، بشكل خاص لدى الممرضات، (بضغوط التمريض). هذا فضلا عن نموذج مواجهة الضغوط ( نموذج لازاروس وفولكمان عام 1948) الذي استندت إليه ماسلاك في إعداد نظريتها.
تعد كريستينا ماسلاك، الباحثة في علم النفس الاجتماعي، ضمن من ساهموا في فرض مفهوم الاحتراق النفسي وتأكيد صحته. فقد روت في بحث نشر لها عام 1993، كيف قادتها الأبحاث التي أجرتها في السبعينيات، إلى اكتشاف متلازمة الاحتراق النفسي، وإن كان الاكتشاف حدث بمحض الصدفة، كما أشارت، فقد كانت تُعنى في الأساس، بدراسة الاستراتيجيات المستخدمة في مواجهة حالات التحفيز الوجداني، لا سيما القلق التباعدي واللجوء للموضوعية كوسيلة للدفاع عن الذات.
يرمز القلق التباعدي عند الطبيب، على سبيل المثال، إلى التصرف المثالي الذي يجمع بين التعاطف والانفصال الوجداني. فإذا كان الطبيب يهتم براحة المريض من ناحية، فهو يحرص من ناحية أخرى على الإبقاء على شيء من الموضوعية لتجنب الانخراط الزائد في ذاتية الحالات. ويعبر مفهوم "الموضوعية كدفاع عن الذات"، الذي أدخله فيليب زيمباردو عام 1970، عن فكرة حماية الذات من فرط الوجدان، بالنظر للمرضى "كحالات عامة " وليس كأفراد. ففى مواجهة مرض خطير، أو حالة تثير القلق بصفة عامة، سيكون أسهل على الطبيب علاج مرضاه، إذا نظر إليهم كحالة عامة وكأعراض، وتناسى تماما الفرد الذي يعاني أمامه.
وقد دشنت كريستسنا ماسلاك، مستندة نظريًا إلى هذين المفهومين، برنامجًا بحثيًا يرتكز على مقابلات أجرتها مع بعض المهنيين في الحقل الطبي والصحة النفسية ( كالأطباء النفسيين والممرضين والممرضات الخ.)
وكشف التحليل عدة موضوعات : في بادئ الأمر، إذا كانت التجارب الوجدانية مُرضية في بعض الحالات ( مثل شفاء بعض المرضى نتيجة للجهود المبذولة من قبل المهنيين ) فهي، في غالب الأمر، تسبب الكثير من الضغوط ( مثل التعامل مع حالات مرضية صعبة ومعقدة، والاضطرار إلى إعلان أخبار سيئة، والدخول في صراعات مع الزملاء) وجميعها تعد من عوامل الضغط. من ثم يصبح ممارسي المهنة عاجزين عن الوصول لمرحلة الارتباط بمهنتهم. ومع مرور الوقت، تتحول تصرفاتهم إلى السلبية مع مرضاهم. وفي نهاية الأمر، يفسرون تجاربهم الوجدانية بالفاشلة، ويتساءلون عن مدى قدرتهم على العمل في هذا القطاع ويقللون من قيمة كفاءتهم.
وبينما كانت تصف، لأحد القضاة، النتائج الأولية لتحليلاتها، أدركت ماسلاك وجود ظاهرة مشابهة لمتلازمة الاحتراق النفسي لدى المحامين الذين يتعاملون مع أشخاص يعانون من صعوبات اجتماعية. وقد أطلق المحامون مجازاً على هذه الظاهرة " الاحتراق النفسي". وقد تبنت ماسلاك هذا المصطلح أيضًا، لكنه كان لا يزال مجرد فكرة، المقصود بها ظاهرة ظلت قيد الدراسة في ذلك الوقت.
وبما أن الاحتراق النفسي يبدو مصطلحاً مشتركاٌ بين المهنيين في مجال الصحة والمحاماة، فقد أطلقت ماسلاك فرضية بموجبها يصبح العمل الجماعي ولا سيما العلاقات القائمة على مساعدة الآخرين، جوهر هذه الظاهرة. وعلى العكس من فرودنبرج الذي أكد في توصيفه للمرض على العوامل الفردية، تعول ماسلاك أكثر على بيئة العمل والظروف المحيطة به كأسباب لظهور متلازمة الاحتراق النفسي.
و لتفعيل هذه الفكرة، سعت ماسلاك إلى عقد لقاءات مع مجموعات مهنية أخرى ترتكز أنشطتها على الانخراط في العلاقات الشخصية. وقد لاحظت الباحثة ،في جميع الحالات، تكرارا لبعض الأعراض مثل : النضب الوجداني، التباعدية والسلبية تجاه العملاء أو المرضى. وقد ظهر جليا أن هذه الأعراض معتادة في جميع المهن.
ولم تكن هذه الظواهر مجرد حالات فردية، بل كانت بالأحرى مشكلة منتشرة بشكل نسبى. وهكذا، ساعد مصطلح الاحتراق النفسي على سد فراغ اصطلاحي بتوصيف ظاهرة لم يكن لها مسمى في ذلك الوقت، ولكنها ،على الرغم من ذلك، كانت سائدة في بيئة العمل.
ومنذ البداية، تم الفصل بين الاحتراق النفسي والتأثيرات النفسية داخل النفس، ليتم إدراجه ضمن فوضى العلاقات النفسية الاجتماعية. وهناك، دون شك، أعراض مشتركة بين الاحتراق النفسى وأمراض أخرى مثل الاكتئاب، إلا أن الاحتراق النفسى يتميز عنه بوضوح من خلال جوهره.
وقد عرضت ماسلاك تفصيليا نتائج تحقيقاتها الأولية في بحث وصفي آخر يتشابه مع بحث فرودنبرجر. فإذا كان الأخير قد تحدث عن دينامية الاحتراق النفسى، فإن ماسلاك قد كررت، في المقابل، في بحثها مصطلح "الانهيار" المرتبط بالاحتراق. كما لاحظت أن هذا " الانهيار" يعقبه فقد الإنجاز في العمل في مجال الخدمات والعمل الاجتماعي، بالإضافة إلى الغياب المتكرر ومعدل سريع لدوران العمالة. كما أنه يتسبب في تدهور الصحة الجسمانية، فهؤلاء المهنيين يصابون دائمًا بالإنهاك السريع، وبأمرض متكررة، وقد يصابون بالأرق والقرح والصداع الدائم. وللتغلب على هذه المشاكل الجسمانية ،قد يتجه العامل إلى المهدئات والمخدرات.
كما يصاحب الاحتراق النفسي بعض الظواهر، مثل إدمان الخمر والأمراض العقلية والصراعات الزوجية أو الانتحار. وفي البحث نفسه، أكدت ماسلاك، بشكل خاص، على أنماط من الانسحابية، والانفصال، وعلى العديد من الإستراتيجيات التي تهدف لتصنيف المرضى لفئات على شكل بعض الملصقات المجردة مثل " ملفاتي " وملصقات تقنية مثل " مريض الشريان التاجى"، أو أيضا بعض المفردات الساخرة مثل مسمى " المساكين ".
وفضلا عن ذلك، لاحظت ماسلاك إستراتيجيات أخرى من أهمها : الانسحابية الجسمانية والاحترام الصارم للقواعد، وهي تصرفات تساعد على الحد من الانخراط في شخصية المريض. وقد استخدمت أيضا مصطلح " فرط سلب الشخصية " للإشارة إلى هذه التصرفات البعيدة تماما عن القلق التباعدى.
بواسطة بعض الملاحظات والمقابلات وحتى التحليلات للتجارب الشخصية، بدأت الأبحاث في اتخاذ مسلك منظم (ومن اللافت للنظر، أن فرودنبرجر قد أصيب هو نفسه بالاحتراق النفسي.) وشهدت الفترة ما بين 1975 و1980، ظهور كم من المقالات البحثية نشرت في دوريات متخصصة عن هذا المرض، حظيت باهتمام عملى أكثر منه أكاديمي. ففى أغلب الحالات، كان الباحث يصف طبيعة الأنشطة المهنية المسببة للضغوط وما يصاحبها من أعراض، إلى جانب دراسة لبعض الحالات الإكلينيكية التي توضح الأفكار. وفي نهاية البحث، يقدم العديد من التوصيات. وتتلخص تلك المقالات في النقاط الآتية :
بيد أن كريستينا ماسلاك وفيلمار شتودفيلى قد أشارا إلى أن هذه الأبحاث الأولية تتسم بالنقاط التالية :
أما عالمي النفس بارون بيرلمان وآلان هارتمان، فقد أظهرا مدى تشتت المفاهيم في المرحلة الأولى من هذه الأبحاث. فقد قاما بإحصاء ثمانية وأربعين تعريفاً مختلفاً في المقالات العلمية التي نشرت ما بين عام 1974 وعام 1980. ونجد بين هذه التعريفات أفكاراً متفاوتة كما يلي:
إلا أن هذان العالمان قدما ملخصا لجميع هذه التعريفات:
«الاحتراق النفسي هو رد فعل للضغط الوجدانى المزمن، وله ثلاثة أبعاد هي:
ومن المنطقي أن يكون الأطباء الممارسون أول من يتنبه إلى أعراض هذه المتلازمة، بما أنهم عرضة لاكتشافها بين زملائهم في العمل أو عرضة للإصابة أنفسهم بهذا المرض أثناء ممارستهم للعمل، ولكنهم لم يكونوا مدربين تدريبًا جيدًا لإعداد أبحاثًا منهجية، فضلًا عن انشغالهم بإعداد أساليب عملية للتدخل من أجل علاج هذه المتلازمة، أكثر من إعداد النظريات. وبعبارة أخرى، انصب اهتمامهم على « إيجاد تصور عام لأساليب المعالجة » وفى المقابل، حاد الباحثون عن المشكلة، لأنهم رأوا أن مفهوم الاحتراق النفسى الوظيفي يجعلهم بصدد" أمر" شبه علمى." والغريب أن أول كتاب للباحثتين كريستينا ماسلاك وسوزان جاكسون عن تطوير مقياس الاحتراق النفسى وخصائصه النفسية القياسية، تم رفضه من جانب دار النشر التي ذكرت في تقريرها : " نحن لا ننشر علم النفس الشعبي ". ومنذ ذلك الوقت، تم الاعتراف دوليًا بهذا المقياس واستخدمته الأبحاث المنشورة في الدوريات العلمية المرموقة.
منذ بداية الثمانينيات، تم نشر أول أبحاث تجريبية ميدانية منهجية عن الاحتراق النفسي الوظيفي. ومنذ ذلك الحين، أصبح مفهوم الاحتراق النفسي معرفا ومتصورا بشكل أكثر وضوحا. ومن خلال أبحاث قائمة على العديد من المقابلات، استخدمت كريستينا ماسلاك، في البداية، تعريفا مؤقتا لهذه المتلازمة اشتمل على بعدين فقط.
البعد الأول، هو النضب الوجداني والذي يتوافق مع نضب موارد الفرد الوجدانية وفقدان الدافعية.
أما الثاني، فهو سلب الشخصية ويشير إلى تصرفات تباعدية وسلبية تجاه العملاء، أو المرضى، أو علاقات مهنية الأخرى كانت محل دراسة من قبل ماسلاك. وحتى إن كانت الأبحاث قد استطاعت الكشف عن حقول علمية واعدة، إلا أنها ارتكزت بشكل كبير على عدد محدود من الحالات الفردية. فقد كانت كريستينا ماسلاك تطمح في الشروع في تحقيقات أكثر منهجية بالاعتماد على منهج علمى دقيق. كما كانت ترغب في إجراء مقارنات بالاستناد إلى عدد أكبر من العينات مع مراعاة اختلاف الظروف. فقد أوضحت قائلة : "في هذه المرحلة، كانت المهمة الرئيسة هي تحديد تعريف أكثر دقة لمصطلح الاحتراق النفسي الوظيفي ووضع مقياس موحد له. "
وبالتعاون مع كاتى كيلى وايلا باينز وسوزان جاكسون، أجرت ماسلاك دراسات استقصائية معتمدة على استبيانات، كما أعدت برنامجا للبحوث النفسية القياسية، للتوصل إلى تعريف فعال مقياسي قابل للتطبيق. كما قامت، أثناء أبحاثها الأولية، بتجميع سجلا متسعًا من الانفعالات والتصرفات التي تعبر عن النضب الوجداني الذي يشعر به المريض ويحدد هذه الظاهرة التي كانت تطمح في إبرازها بشكل أفضل. وقامت بتجميع كل هذه التعبيرات على مقياس يتكون من سبع وأربعين بندا. ويمثل هذا المقياس مجموعة من التجارب المرتبطة بظاهرة الإنهاك الوظيفي، تم تجربته على عينة تضم ستمائة وخمسة فردا موزعين على عدة مجالات وظيفية.
وتؤكد التحليلات الإحصائية وجود بعدين للاحتراق، تم إبرازهما بالفعل وهما : النضب الوجدانى وسلب الشخصية، حتى لو كان هناك، في واقع الأمر، أربعة أبعاد تمثل الأوزان العاملية اللازمة لتحديد الاحتراق النفسى. وقد تم تقسيم هذه التحليلات إلى 25 بندًا، تخضع لعينة جديدة مكونة من 420 فردًا، وتقود دائمًا للأبعاد الأربعة نفسها والتي تتطابق مع التعريفات التالية : النضب الوجدانى وسلب الشخصية وتدني الإنجاز الشخصي والانخراط في العمل. أما بالنسبة للعامل الأخير وهو الانخراط في العمل، فلم يتم الاحتفاظ به إلا بشكل مؤقت.
وعلى هذا الأساس، قدمت كريستينا ماسلاك وسوزان جاكسون التعريف التالي "لمتلازمة الاحتراق النفسي" : "متلازمة من النضب الوجداني وسلب الشخصية وتدني الإنجاز الشخصي، يظهر لدى الأفراد المنخرطين وظيفيًا".
ويرجع النضب الوجداني إلى فقدان الطاقة وإلى الشعور بنضب الموارد الوجدانية. فيشعر الفرد أنه فارغ عصبيًا، فلا يكون لديه أي دافع للعمل الذي يصبح، من الآن فصاعدًا، عبئًا عليه. فلا ينفذ المهام التي يقوم بها من قبل ويشعر دائمًا بالإحباط والتوتر. ويرتبط النضب الوجداني غالبًا بالضغوط والاكتئاب. وقد أعطت المفاهيم النظرية والنتائج التجريبية الميدانية الحالية، لهذه المتلازمة، دورًا مركزيًا، في خطوات الإنهاك الوظيفي.
يمثل سلب الشخصية البعد الشخصي البينى لمتلازمة الاحتراق النفسي الوظيفي. فهو يشير إلى تطور تصرفات غير شخصية، وميول انفصالية، وسلبية، وساخرة تجاه الأشخاص الذين يتم الاعتناء بهم. فالفرد يشعر بعدم الاكتراث تجاه عمله، ويقيم حاجزا يعزله عن عملاءه وزملاءه في العمل. ومن الأمثلة الواضحة على هذه التصرفات، "مريض الزائدة الدودية في الغرفة 22." وقد يتخذ سلب الشخصية أشكالا أكثر قسوة، ويتم التعبير عنه من خلال تصرفات وسلوكيات تتمثل في حالة من الرفض، والتهكم، و سوء المعاملة. والمقصود هنا هو استرتيجية سوء التكيف الخاصة بمواجهة نضب الموارد الداخلية، بواسطة إبعاد المستفيدين من المساعدة، وتحويل طلباتهم إلى طلبات غير مشروعة. وتساعد هذه التصرفات على التكيف في مواجهة انهيار الطاقة والدافعية. فنتيجة للنظرة السلبية تجاه العملاء والمستخدمين والمرضى والتلاميذ، تبدو تلبية رغباتهم واحتياجاتهم أقل أهمية وأقل إلحاحًا. وقد يؤدي مصطلح "سلب الشخصية" إلى اللبس، لأنه يشير أيضًا إلى الحالة النفسية التي يسود فيها الشعور بالاغتراب عن الذات. فربما كان من الممكن اختيار مصطلح " سلب الإنسانية" و لكن دلالته لن تكون مفهومة بشكل بالنسبة للمتلقى.
ويتعلق فقدان أو تدنى الإنجاز الشخصى بشعور الفرد بانعدام قيمة عمله، وكفاءاته، والاعتقاد بأنه فاشل في الوصول لأهدافه، وانخفاض الرضا عن الذات، والشعور بالفاعلية والذاتية. ولا ينسب الشخص أي قدرة لنفسه على إنجاز الأعمال، بسبب قناعته بعجزه عن تلبية توقعات المحيطين به. فالإنجاز الشخصى يمثل البعد التقييمى الذاتي لمتلازمة الاحتراق النفسي الوظيفى.
وقد ظهر، في مطلع القرن الحادى والعشرين، إجماع يؤكد أن متلازمة الاحتراق النفسى الوظيفى تبدأ بالشعور بالإنهاك الوجدانى الذي يؤدى بالتالى إلى سلب الشخصية. ويقلل الإنهاك الوجدانى من الإنجاز الشخصي، إما بشكل مباشر أو من خلال سلب الشخصيةقالب:Ancre. كما يمثل الإنهاك الوجدانى العنصر العاطفي لمتلازمة الاحتراق النفسى الوظيفى، بينما يمثل البعدين الآخرين، سلب الشخصية وتدنى الإنجاز الشخصي عناصرسلوكية أو معرفية..
لقد تم استخدام هذه العوامل الثلاثة و العناصر المكونة لها، لتكوين مقياس متلازمة الاحتراق النفسى. و يستخدم هذا المقياس الذي يتكون من ثلاثة أفرع ثانوية الآن على نطاق واسع، و يعرف (اختصارا ب"MBI"). و قد تم نشر البحوث الأولية حول هذا المقياس، في عام 1995، من قبل سوزان جاكسون و كريستينا ماسلاك و مايكل ليتر. وأتاح سهولة قياس أعراض متلازمة الاحتراق النفسى الوظيفى لدى مجموعات كبيرة ودراسة أسبابه بشكل منهجى. ولأنه مترجم لعدة لغات، "فقد أصبح، إلى حد كبير، أكثر المقاييس أستخدامًا في قياس متلازمة الاحتراق النفسى الوظيفى. ".
يتكون مقياس الاحتراق النفسى من اثنين وعشرين بندا : تسعة بنود للإنهاك الوجدانى، وخمسة لسلب الشخصية، وثمانية للإنجاز الشخصى. ويمثل كل بند واجهة من أوجه التقييم التي يمكن للفرد القيام بها في عمله. ويشير الشخص الذي يتم سؤاله إلى معدل استجابته للشعور موضع السؤال. ويتم قياس الإنهاك، وسلب الشخصية، وتدنى الإنجاز الشخصى كل على حدة. وبعبارة أخرى، فإن الفرد لا يسجل نقاطًا شاملةً للاحتراق النفسى، ولكن يسجل نقاطًا لكل من الأبعاد الثلاثة. ولايزال مصطلح الاحتراق النفسى يشير، بصفة عامة، إلى هذه الأبعاد الثلاثة على الرغم من تباينها، إلا أنها ترتبط بعضها البعض داخل إطار نظرى واحد يقوم بتصنيفها. وقد أكدت الأبحاث الخاصة بدراسة فاعلية مقياس ماسلاك للاحتراق النفسى، أن مكوّن ثلاثى الأبعاد يتواءم مع المعطيات، أفضل من مكوّن أحادى أو ثنائى الأبعاد.