If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
في تلك الأيام صدر قرار من مجلس الوزراء يعد من أخطر القرارات الخاصة بالإعلام العراقي وهو قرار مركزية الأخبار أي أن تنحصر كل الأخبار أيا كان مصدرها بالوكالة، وتنفيذا لهذا القرار فقد نقلت ثلاثة أقسام من الإذاعة إلى الوكالة بجميع العاملين فيها من موظفين وعمال وغيرهم، وهي مكتب الارتباط وقسم الأخبار الخارجية وقسم الإنصات. وظلت الإذاعة وكذلك التلفزيون منذ ذلك الوقت ولمدة 11 عاما لا تمارس العمل الإخباري. وقد انعكست الآثار السلبية لهذا القرار على شتى المؤسسات الإعلامية وأولها الإذاعة والتلفزيون ثم الصحف ثم الوكالة نفسها.
فالإذاعة والتلفزيون أصبحا يتلقيان نشرات مطبوعة من الوكالة قبل موعد كل نشرة بعدة دقائق. يحمل النشرة موزع يسلمها باليد إلى المذيع وفي الكثير من الأحيان يتسلم المذيع النشرة في الوقت الذي تدق فيه الساعة فيقرأ النشرة على الهواء دون أن يكون قد أطلع عليها وقرأها جيداً، ووضع الحركات اللازمة على حروفها، ولذلك فقد كثرت الأخطاء اللغوية كما كثرت أخطاء قراءة الأسماء الأجنبية، والأهم من ذلك أن وكالات الأنباء تعد عادةً أخبارها بصياغة تختلف تمام الاختلاف عن الأخبار الإذاعية والتلفزيونية وأخبار الصحف، لكن قرار (مركزية الخبر) أدى إلى أن تكون هناك صيغة واحدة ولم يكن باستطاعة الوكالة غير ذلك.
أما الصحف فقد أثر عليها ذلك القرار أيضا، حيث كانت الصحف أهلية يهمها الربح وتخفيض النفقات، وعندما بدأت الوكالة عملها ووجدت الصحف أنها تتلقى أخبارا مجانية فلم تعد الصحف بحاجة إلى العديد من المندوبين كما كان الوضع قبل الوكالة، ثم أن هذه الأخبار الواردة من الوكالة هي أخبار رسمية لا يحتاج نشرها إلى الحصول على موافقة الرقابة، وبذلك فان أصحاب الصحف تخلصوا من التدقيق الذي كانوا يعانونه من الرقابة، ومنذ ذلك الوقت أصبحت هناك اعتماد على أخبار الوكالة فقط ولم تعد هناك منافسة بين الصحف على أخبار تنفرد بها هذه الصحيفة أو تلك وبالطبع لم تكن هناك منافسة تشحذ همم مندوبي الصحف وتشجعهم على السبق الصحفي أو نشر أخبار تميز هذه الصحيفة عن تلك. ولسنوات عديدة ولهذا السبب وحده أصبحت الصحف نسخة واحدة، أخبارها واحدة، وصياغة الأخبار واحدة إلا ما ندر.
أما الوكالة نفسها فقد أساء لها القرار إذ أصبحت الوكالة وصحفييها بدون منافسين وما توزعه الوكالة ينشر في الصحف ويذاع من الإذاعة، وبالطبع فان الصحفي الذي لا يجد من ينافسه فان حماسته تقل.
لقد كان من واجب مسؤولي الوكالة متابعة الصحف لعلهم يجدون أخبارا لم يحصل عليها مندوبوا الوكالة فيحاسبونهم، لكن ذلك لم يحدث إلا نادراً.
وفي الحالات التي يوجد فيها مندوب للوكالة مع مندوب للصحيفة في مناسبة ما أو مؤتمر صحفي فان إدارة الصحيفة تنشر ما يردها من الوكالة وتهمل ما يقدمه لها مندوبها الخاص حتى وان كان خبر مندوب الصحيفة أفضل من خبر الوكالة.