If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
يحكي ابن خلدون عن الرقص في العصر العباسي أنه كان فنان أرقى بكثير من مجرد الإثارة الحسية، فهو يصف رقصة تركب فيها الراقصات خيولا مسرجة من الخشب معلقة بأطراف أقبية يلبسها النساء ويحاكين فيها ركوب الخيل ويقمن بالكر والفر كأنهن في حرب. ويقول كتاب الأغاني إن الخليفة الأمين كان يركض في هذا الحصان الخشبي في صحن قصره، بينما الوصائف من حوله يغنين على الطبول والسرنايات والمخنثون يزمرون ويطربون. فهذا خليفة آخر فنان، اشترك بشخصه في التمثيل والرقص. وكثير من الاحتفالات والمناسبات الرسمية كانت تخرج إخراجا مسرحيا متقنا. ففي مناسبة زواج المأمون ببنت وزيره الحسن بن سهل المسماة بوران كان الإخراج المسرحي كالتالي: وزعت الرقاع على حاشية المأمون تحمل أسماء كثيرة من الضياع وبدار من الدنانير كل بدرة عشرة آلاف، وأعطى المأمون بوران ألف ياقوتة وأوقد لها شموع العنبر وبسط لها حصيرا منسوجا بالذهب، مكللا بالدر والياقوت، ونثرت جدتها عليها حين جلس إليها المأمون ألف درة. بل إن جلوس الخليفة على عرشه كان في حد ذاته حفلا حافلا بالألوان والأضواء والحركة المرتبة من قبل. يجلس على كرسي مرتفع في عرش أرمني من الحرير أو الخز، ويلبس قباء أسود من الحرير، وعلى رأسه عمامة سوداء، ويتقلد سيف الرسول عليه السلام ويلبس خفا أحمر، ويضع بين يديه مصحف عثمان وعلى كتفه بردة النبيو يمسك بقضيب. ويقف الغلمان والخدم من خلف السرير وحواليه، متقلدين السيوف، وفي أيديهم بعض أسلحة الحروب. وكان يقوم من وراء السرير وجانبيه خدم صقالبة يذبون عن الخليفة بالمذاب المطعمة بالذهب والفضة، ويمد أمامه ستارة ديباج، إذا دخل الناس رفعت، وإذا أريد مدت. ورتب في الدار قريبا من المجلس خدم بأيديهم قسي البندق يرمون بها الغربان والطيور لئلا ينعب ناعب أو يصوت مصوت. فهذا منظر مسرحي لاشك فيه لم تغب عنه حتى الستارة ترفع إذا بدأ المشهد بدخول الناس، وتمد أمامه مؤذنة بانتهاء اللعب، إذا ما شاء المخرج والممثل الأول في المشهد. بل إن واحدا من الندماء الكثيرين الذين كانوا يألفون بلاط المتوكل واسمه أبو العنبس الصيمري قد جرؤ ذات يوم على أن يقدم أمام مشهدا فكاهيا قلد فيه إنشاد الشاعر البحتري تقليدا مضحكا. ولم الخليفة قد اعترض على هذا الهزء من شاعر مجيد كالبحتري، بل أنه هش له وبش. آدى انتشار الغناء إلى قيام ما يشبه دور المسارح الغنائية في عصرنا الحاضر. هذا على الأقل ما أفهمه من إشارة وردت في الأغاني إلى أن ابن رامين الكوفي استقدم مغنيات من الحجاز، وأقام دارا واسعة يقصدها الناس.