If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
التقعيد عملية مستمرة تاريخيا تطورت فيها الكلمات إلى تركيبات متناسقة نحويا، وأصبحت التركيبات بدورها أكثر تخصصًا. وبدايةً استخدام "غير صحيح" أصبح مقبولا، فأدى إلى نتائج غير متوقعة ذات أثر طويل المدى. ومن المفارقات أن الناس اتخذوا القواعد النحوية في أحاديثهم ليس لتجميلها إنما لتصبح مفهومة. وفقا لهذه المدرسة الفكرية فإن كان هذا المقصد من استخدام القواعد النحوية اليوم فهذا يمكننا جدلا من أن نستنج أساسيات العمل بين أسلافنا عندما تم اختراع قواعد النحو.
حتى يمكن إعادة تصور النقلة التطورية من اللغة البدائية إلى اللغات ذات القواعد النحوية المعقدة نحن بحاجة إلى معرفة أي سلسة الافتراضات صحيحية، وأيها ليس بذلك. ومن أجل عملية نقل الأفكار المجردة يلجأ المتكلمون أولًا إلى استعادة صور محددة يمكن التعرف عليها على الفور، وعادة تنتشر الاستعارات المجازية متجذرة بالتجارب الجسدية المشتركة، لذلك كان لا بد من إعادة تصور اللغة بشكل ملموس. فعلى سبيل المثال استعمال المصطلحات الملموسة مثل "البطن" أو " الظهر" للدلالة على المعاني المجردة مثل "داخل" أو "وراء" فالممائلة المجازية تمثل أنماطا زمنية على غرار الأنماط المكانية ، لهذا يقال في اللغة الإنجليزية: " أنا سوف أذهب إلى لندن" ككناية على " إنها سوف تمطر" وبإمكاننا اختصارها إلى " إنها ستمطر" لكننا لا نقول: "أنا سلندن" حيث يقتصر الاختصار على تصريف زمني محدد. ومن هذه الأمثلة يمكننا أن نرى أن القواعد النحوية ذات اتجاه واحد يتدرج فيها من المعنى الملموس إلى المجرد وليس العكس.
أصحاب النظرية التقعيدية (Grammaticalisation Theorists) يصفون اللغة الأولية بكونها بسيطة، وربما تألفت من أسماء فقط. حتى في ظل هذا الأفتراض النظريات النظري المحض من الصعب تخيل ما الذي منع الناس في الواقع من استخدام الأسماء كأفعل، أو العكس حسب الحال، وبغض النظر عن التفاصيل النحوية التي يفترضها علماء اللغويات، فمن المؤكد أن الناس استخدموا في الواقع الأسماء كأفعال والأفعال كأسماء كلما دعت الحاجة لذلك. باختصار بينما فرضية اللغة القائمة على الأسماء فقط (noun-only language) قد تبدو محتملة نظريا فإن النظرية النحوية تشير إلى أنه لا يمكن أنها استمرت ثابتة بهذا الوضع لأي فترة زمنية.
الابتكار هو ما يقود التغييرات اللغوية. هذا الأمر يفترض مسبقا سلوكا معينا من قبل المستمعين. فعوضا عن معاقبة الانحرافات اللغوية عن الاستخدامات المقبولة في اللغة. على المستمعين أن يعطوا الأولوية لقراءة الأفكار بشكل ابتكاري (imaginative mind-reading). علينا ألا نسلم جدلا بذلك المنظور المعرفي. الابتكار التخيلي- مثال أن يصدر سعدان الفرفتإنذارا بوجود فهد مفترس (leopard alarm) دون وجود أي فهود في المنطقة- ليس بالسلوك الذي تقدره تلك القرود أو تكافأ عليه. الابتكار والموثوقية مطلبين غير متوافقين بالنسبة للثدييات الأولية المكيافيلية(Machiavellian primate) كما هو الحال بالنسبة لبقية الحيوانات بشكل عام، الأهم هو أن تظهر الموثوقية . إذا تمكن البشر من التخلص من تلك القيود فإنه بسبب أن المستمع عادة يكون مهتما أساسا بالحالة الذهنية للمتكلم.
إن التركيز على الحالة الذهنية للمتكلم يعني أن تتقبل المجازات -سكان الخيال (inhabitants of the imagination )- كمصدر محتمل للمعلومات وجذب الاهتمام. لنأخذ الاستعارة اللفظية كمثال على ذلك، الاستعارة إذا فهمت حرفيا فهي تعبير خاطئ. انظر إلى تعبير روميو : "جولييت هي الشمس!". جولييت امرأة وليست كرة من الغازات المشتعلة في السماء، لكن المستمعون من البشر ليسوا "في أغلب الأحيان" مصرين على الدقة الحرفية للعبارات، بل يريدون أن يعرفوا ما يدور بذهن المتحدث. القواعد النحوية تعتمد أساسا على الاستعارات اللفظية، أن تحظر استخدام الاستعارة يعني أن توقف التطور النحوي، وبنفس المنوال فسوف تستبعد كل احتمالات التعبير عن الفكرة المجردة.
الانتقاد الموجة لكل الذي سبق هو أنه بينما النظرية النحوية ربما تقدم تفسيرا لتغير اللغة على مر العصور، إلا أنها لا تناقش بشكل مُرضي التحدي الأصعب -و هو تفسير التحول الأولي للغة التواصل البدائي إلى اللغة التي نعرفها حديثا. عوضا عن ذلك تفترض النظرية أن اللغة كانت موجودة سلفا. وكما يقر كلا من بيرند هايند (Bernd Heine) وتانيا كوتيفا (Tania Kuteva) أن : "التطور النحوي (النحوية) تستلزم وجود نظام لغوي مستخدم بشكل دائم ومتكرر من خلال مجتمع من المتحدثين، ويتم تمريره من مجموعة متحدثين إلى أخرى". وبالطبع فإن هذا الظروف غير متواجدة خارج إطار مجتمعات البشر الحديثة.