العربية  

books creating social information maps

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

صنع خرائط المعلومات الاجتماعية (Info)


في عام 1854، عانَتْ لندن من التفشي الأكثر جسامةً لوباء الكوليرا. كان مئات الناس يمرضون ويموتون بالأحياء في كل أنحاء المدينة. وأثناء الهلع، سادت نظرية الهواء الملوَّث: كان الهواء الملوَّث الذي ينبعث من المجازر أو المصانع المنتنة يسبِّب تعرُّضَ الناس للعدوى المعوية، وكانت الروائح الكريهة مكافِئةً للهواء الموبوء. إلا أن طبيبًا يُسمَّى جون سنو شكَّكَ في هذه النظرية، مدَّعِيًا بدلًا من ذلك أن جراثيمَ في ماء الشرب كانت تسبِّب تفشِّيَ الكوليرا. حاوَلَ في البداية أن يُثبِت هذه النظرية بالتعرُّف على هذه الجراثيم المجهرية، ولكن تحليله تحت المجهر لم يكن حاسمًا. وعلى الرغم من منطقيةِ مزاعِمِه، لم تَحْظَ نظريةُ الجرثومة بجاذبيةٍ كبيرةٍ لدى غالبية المجتمع العلمي.

أبدَتْ قلة من الناس استعدادها للتخلِّي عن نظرية الهواء الملوَّث، ولكن سنو كان شديدَ التيقُّن أن السببَ ماء الشرب، حتى إنه أقدَمَ على جهدٍ غير مسبوق لإثبات نظريته؛ إذ غامَرَ بالدخول في «الهواء الموبوء» وإلى جانبه القسُّ الموقَّر هنري وايتهيد، وطرَقَ الأبوابَ ليستعلم عن المكان الذي حصل منه الناس على مياه شربهم. وبعد الطواف في أرجاء الحي، شرع وايتهيد وسنو في تسجيل بياناتهم على خريطةٍ للمدينة. لاحَظَ أنه كان يوجد تركُّز ملحوظ لحالاتٍ على مقربة من بئرٍ في شارع برود. الأهالي الذين كانوا يستخدمون هذه البئرَ للحصول على مياه شربهم كان احتمالُ تعرُّضهم للمرض أعلى بكثير. نجحَتِ الخريطةُ فيما فشل فيه المِجهر، وهو توفير دليلٍ حاسم، وأجبر هذا المجلسَ المحلي (الذي كان أعضاؤه حتى ذلك الوقت مدافعِين ثابتِين عن نظرية الهواء الملوث) على تعطيل البئر بإزالة الذراع المستخدمة لاستخراج الماء منها.

تمكَّنَ سنو ووايتهيد — من خلال التمثيل المرئي المكاني للمعلومات الاجتماعية — من إقناع جمهورٍ ومجتمعٍ علمي متشككين بالتفكير بطريقةٍ مختلفة تمامًا. دُفِعت الخريطة إلى دائرة الضوء بصفتها أداة للتفاهم الاجتماعي، وشجَّع هذا علمُ الأوبئة الوليد، وأرسى استخدامًا جديدًا لعلم رسم الخرائط. وأثبتَتِ الخرائطُ جدواها في تحديد العلاقات، وليس مجرد تحديد الاتجاهات. ضُمِّنت البيانات في إحداثيات جغرافية، وما إن وُضِعَتْ حتى أوضحَتِ التجاوُرَ بين نقطة وأخرى.

ومع وجود نظامِ صرفٍ تحت الأرض ممتدٍّ مثل نظام الصرف في لندن، الذي كان يحتوي على وصلات دائرية بين المصادر والأنابيب والآبار، كانت الإشارة بإصبع الاتهام إلى بئر شارع برود عملًا بارعًا. بَيَّنت خريطة سنو كيف أن الحيَّ كان مقسَّمًا بين آبارٍ كثيرة مختلفة، وأن القرب من بئر شارع برود كان أمرًا تخمينيًّا، ولم يكن حاسمًا فيما يختصُّ بالوفيات نتيجة للمرض. اكتشف سنو ووايتهيد بالتحدث إلى الأهالي من بيت إلى بيت أن بعضهم — وحتى هؤلاء الذين سكنوا قريبًا للغاية من بئر شارع برود — ربما كانوا يجلبون مياهَهم من مكانٍ آخَر إذا كان ذلك أكثر ملاءَمةً للعمل أو للأسرة. فلم يكن تحديد أماكن الوفيات وحده هو ما جعل الخريطة شديدةَ الأهمية، بل رسم خريطة للمعلومات الاجتماعية — التي جُمِعت وعُرِضت بعنايةٍ — هو ما أطلق حقبةً جديدةً من علم رسم الخرائط.

ومنذ ابتكار سنو، صار صنع خرائط للمعلومات الاجتماعية أو البيئية ممارَسةً شائعة في المجالات الآخِذة في التطوُّر؛ كعلم الأوبئة، وتصميم المناظر الطبيعية، والتخطيط العمراني، وصور أخرى من الأبحاث الاجتماعية والطبيعية. ببساطةٍ أثبَتَ تراكُبُ البيانات فوق تمثيل جغرافي — وهو ما أصبح معروفًا باسم «طبقات الكعكة» — جدواه وتلبيته عددًا من الأغراض. وكانت إحدى اللحظات الاستثنائية في رسم الخرائط المتعددة الطبقات حينما استخدم جون كيه رايت تعليقاتٍ مركبة لرسم خرائط للكثافات السكانية في منطقة كيب كود بولاية ماساتشوستس (1936). استطاع رايت — بجمع بيانات التعداد إلى جانب بيانات من وكالة المسح الجيولوجي بالولايات المتحدة — تحديدَ ملامح في الأراضي غير المأهولة في الكيب من شأنها أن تساعد على تحديد انعكاساتها البيئية والاجتماعية. هذا العمل الأولي قاد رايت إلى أن يفكِّر في أهمية الجمع بين الخرائط والمعلومات الاجتماعية.

في مقالة ترجع إلى عام 1947، عَرَّفَ رايت ما يُسمَّى «الجيوسوفيا الخرائطية» قائلًا: «تشمل المقاربة الخرائطية إلى الحكمة الجغرافية (الجيوسوفيا) صنْعَ الخرائط التي تقدِّم معلوماتٍ عن توزيع المعرفة الجغرافية. من الواضح أن كل خريطة تخبرنا شيئًا في هذا الشأن؛ فالخريطة الجيوسوفية هي خريطة مصمَّمة تحديدًا لهذا الغرض.» كان المفهوم القائل بأن بعض الخرائط أُنْتِجت بصفة أساسية لإضفاء الصبغة المكانية على المعلومات — عوضًا عن تقديم معلومات عن الفضاء المكاني — مهمًّا إلى حدٍّ بعيد في تطوُّر علم رسم الخرائط؛ فوضْعُ الكثافات السكانية على خريطة من أجل تحديدِ توزيعاتِ الدخْلِ الفردي، شديدُ الاختلاف عن وضْعِ مواضع الأنهار والمجاري المائية؛ فالنوعُ الأول يستخدم العدسة الجغرافية لإبراز مجموعة البيانات، والثاني يستخدم البيانات لإبراز الجغرافيا. بعد ذلك، قسَّمَ رايت دراسةَ الجيوسوفيا الخرائطية إلى فئتين: الأولى هي خريطة تقدِّم المعلومات عما هو معلوم أو ما كان معلومًا عن مناطق جغرافية مختلفة — ومن ذلك شيء مثل المسح الجغرافي للكثافة السكانية الذي ذكرناه آنفًا — أو حتى أبحاث الرأي، وهذا هو ما نطلق عليه رسم خرائط للمعلومات الاجتماعية.

أما الفئة الثانية فكانت نظرية، وربما تشمل الوضْعَ الكلي للآراء والاتجاهات، التي لا تُستخرَج فيها بياناتُ المستخدم بواسطة متخصِّص، ولكن ينتجها المستخدمون بأنفسهم. أما بالنسبة إلى راسمي الخرائط والمرسوم على الخريطة، فالفارق يكمن في التفاعل مع المعلومات غير المعروفة بعدُ، التي تظهر للوجود من خلال العملية الجماعية لرسم الخرائط. ولكن رايت استنتَجَ أنه «سواء أكانت هذه الخريطة الجيوسوفية تحديدًا أمرًا مستطاعًا أو مرغوبًا أم لا، فإن الخرائط الجيوسوفية بوجهٍ عام تُظهِر بجلاء التباينَ بين ظلمة الجهل ونور المعرفة». بعبارة أخرى، الخرائط لا توضِّح فقط ما نعرفه بالفعل، ولكنها تقدِّم أيضًا الظروفَ لإعادة صياغة الأسئلة. هذه الفئة الثانية من الخرائط الجيوسوفية ليست وثيقة منتهية، ولكنها مرحلة يدخل فيها راسِمُ الخرائط والمرسوم على الخريطة في حوارٍ مستمرٍّ حول موضوع محدَّد بفضاء جغرافي. كان هذا المفهوم أساسيًّا في توجيه تطور الخرائط للدخول في بيئات الحوسبة. وفي ستينيات القرن العشرين، أعادت قدرةُ أجهزة الكمبيوتر المركزية الهائلة على معالجة البيانات تشكيلَ معنى الخريطة حرفيًّا.

Source: wikipedia.org
 
(2)
Social Studies

Social Studies

 

 
(4)
Social Studies

Social Studies

 

 
(31)
Social Psychology

Social Psychology

 

 
(12)
Social Psychology

Social Psychology