If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
وفـي تموز 49 شـنّت الـسلطة العسكرية حملة اعتقالاتٍ جديدة، فاعتقلت مجموعة كبيرة من رفاق العصبة، ورُحِّل بعضهم إلى معتقل في القنطرة شرق ولم يتمّ الإفراج عنهم إلاّ في أواخر عام 1951 بعد الإضراب الذي أعلنوه، وإثر موجة الاحتجاجات التي طالبت بالإفراج عنهم، وفـي أعـقاب إلحاق الضفة بالحكم الملكي الهاشمي، فقد تحركت بعض الشخصيات التقليدية وطالبت بإلحاق قطاع غزة بمصر على غرار إلحاق الضفة بشرقي الأردن، غير أنّ عدداً من المناضلين الوطنيين، ورفاق العصبة رفضوا هذه المؤامرة، وقد نشرت جريدة "النضال" التي كانت تـصدرها عـصبة التـحرر مـقالاً تحت عنوان (الكلب الأبيض أخو الكلب الأسود) يفضـح هذه المؤامرة ويهاجم الحكم البوليسي، وكان بعض "رجالات" الهيئة العربية العليا يركبون السيارات العسكرية المصرية لإرشاد العسكر إلى بيوت أعضاء العصبة لاعتقالهم، وقد تمّ اعتقال مجموعة أخرى في سجن غزة المركزي في ربيع 1950، وأفرج عنهم بعد ثلاثة شهور مع حكم بإثبات الوجود، بعد إعلانهم الإضراب، وعدم إثبات أي شئ يُدينهم. ويبدو أن النظام الملكي المصري الذي يعاني أزمات سياسية واقتصادية خانقة لم يكن بحاجة إلى ضمّ القطاع الفقير اقتصادياً، وهذا مـا يـؤكده موقف رئيس الوزراء المصري آنذاك حسين سرِّي باشا في 29 أيلول 1949 الذي قال: "إن مصر لا تستطيع أن تجد مكاناً للاجئين الفلسطينيين في مصر" كما نجد تفسير ذلك في منع أبناء القطاع من دخول مصر، حتّى لو سُمح لهم، فإنّ دائرة الهجرة والجوازات كانت تطبع على وثائق السّفر بخط أحمر كبير عبارة (يُمنع من العمل ولو بدون أجر).
وفي مطلع عام 1952 نشرت جريدة (النضال) تحليلاً هاجمت فيه النظام الملكي المصري، ودعت شعبنا في القطاع إلى تشديد النضال ضد السلطات العسكرية وتدعيم نضال الشعب المصري لإسقاطه، وطالبت الجنود بأنْ يعودوا إلى مصر ويُشرعوا أسلحتهم في وجه النظام الملكي الخائن وإسقاطه. وفي الثالث والعشرين من تموز انفجرت الثورة المصرية ولم يمّر على قيامها سوى 17 يوماً حتّى وجهت السلطات العسكرية في القطاع ضربة شديدة فاعتقلت معظم أعضاء العصبة وأصدقائها وعشرات من المدرسِّين والطلاب، ومَثُلَ جميعهم أمام المحكمة العسكرية الخاصة حيث قدَّم بعضهم دفاعات سياسية مجيدة استعرضوا فيها نضال عصبة التحرر الوطني منذ نشوئها، وبعد أن ناقشت المحكمة الوثائق المطبوعة، واستمعت للدفاعات السياسية للرفاق، والحجج القانونية والمرافعات المقنعة التي قدمها المحاميان الفلسطينيان: سعيد زين الدين وفوزى الدجانى، وتأكيدهما على وطنية العصبة والمتهمين، فقد أقرت المحكمة بأن عصبة التحرر الوطني منظمة وطنية شرعية، ولكنها عملت بدون تصريح، وكان عليـها أن تـستصدر من السلطات العسكرية تصريحاً بالعمل، وعلى الرغم من ذلك فقد أصدرت المحكمة احكاماً بالاشغال الشاقة تتراوح ما بين ستة أشهر وخمس سنوات وغرامات مالية باهظة.
ومع تزايُد التآمر الاستعماري الصهيوني، وظهور مشاريع التوطين، وبسبب انقطاع الاتصـال بـالضفة الغربية وحاجة الشيوعيين في قطاع غزة إلى تنظيم سرِّي حديدي لمواجهة سياسات السلطة العسكرية المصرية، والمعادية للأحزاب والديمقراطية، فقد قررت قيادة العصبة في القطاع في 23 آب 1953 تشكيل الحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة الذي مثّل استمراراً تاريخياً ونضالياً لعصبة التحرر الوطني، وهو الحزب الفلسطيني الوحيد الذي ظلَّ يناضل فوق جـزء من أرض وطـنه، واصطدم أواخر عام 1953 وإثر مذبحة مخيم البريج التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بالإدارة العسكرية المصرية، وطالب بإطلاق الحريات العامة ، وتكوين حرس وطني فلسطيني يحمي الحدود، وأدرك الحزب أن الاعتداءات الصهيونية المتكررة على مخيمات اللاجئين كان بهدف إرغامهم على القبول بالتوطين، حيث كانت الحكومة المصرية قد عقدت في الرابع عشر من تشرين أول 1953 مع وكالة الغوث الدولية اتفاقية لتوطين لاجئي قطاع غزة في سيناء، حيث قامت احدى الرفيقات العاملات في وكاله الغوث بتسريب نسخه من الاتفاقية للجنه المركزية التي قامت بنشرها في الجريده السرية وانطلقت بعهدها المظاهرات المندده إلى ان تم إلغاء الاتفاقية رسميا. وباشتداد ساعد النضال الوطني انتزع المعلمون الحق في تكوين نقابة لهم في ربيع 1954، هذه النقابة التي شكلت فيما بعد الرئة العلنيّة الوحيدة التي تنفست من خلالها الحركة الوطنية الفلسطينية، ولعبت دورا ملموساً في انتفاضة آذار 1955 .
وفـي 28 شبـاط 1955 جرى العدوان الإسرائيلي على مدينة غزة الذي ذهب ضحَّيته مئات الجنود السودانيين والمـصرييـن والفـلسطيـنيين والذي كان يهدف إلى الضغط للقبول بالتوطين في سيناء، وهبّت الجماهير الشعبية في مظاهرات صاخبة لم يشهدها قطاع غزة من قبل بقيادة الحزب الشيوعي وأصدقائه والجناح الشعبي من الأخوان المسلمين ، هذه الهبّة التـي سمـِّيتْ وثـبـة آذار 1955 والتي حملت شعارات (لا توطين ولا إسكان) "العودة العودة حق الشعب" و سقط خلالها 35 شهيداً برصاص الجيش المصري، وتركزت مطالبها في إسـقـاط مـشروع سيناء للتوطين وإطلاق الحريات العامة وتكوين جيش فلسطيني يحمي الحدود وقطع العلاقات مع الغرب الاستعماري والتحالف مع المعسكر الاشتراكي والنضال من أجل عودة اللاجئين. وكان من نتائج هذه الهّبة الشعبية سقوط مشروع سيناء ووعد الحاكم العسكري العام بإطلاق الحريات العامة وتكوين جيش فلسطيني .
ولم يطمئن الحزب لوعود الحاكم العسكري ألاّ يعتقل إلاَّ من أحرق أو خرّب، فحذّر من التآمر على حركة الجماهير، وأكدّ أنه لا ضمانة لحماية المكاسب التي حققتها الانتفاضة إلاّ بتعهد السلطة بإطلاق الحريات العامة، وذلك بإنهاء الحكم العسكري العُرفي، ولم تمْضِ بضعة أيام حتى استدعيت كتائب من الجيش المصري المرابطة في سيناء لقمع الشعب، وجرى اعتقال أبرز قيادات الانتفاضة وكان معظمهم من الشيوعيين وأصدقائهم، فقد سيق إلى السجون المصرية 67 مناضلاً أُفْرج عن العديد منهم في فترات متلاحقة، وبقي عدد من قيادات الحزب في المعتقلات المصرية حتى تحرّر قطاع غزة من الغزاة الصهاينة الذين احتلُّوا القطاع إبان العدوان الثلاثي على مصر حيث أُطلق سراحهم في تموز 1957.
وفي الفترة الممتدة ما بين عام 55 و57 بدأ الحزب ينهض بمسؤولياته الوطنية في ظروف جديدة اتسمت بانفراج نسبي في قطاع غزة، حيث شارك جمال عبد الناصر في مؤتمر باندونغ ، وطرح حلاً للقضية الفلسطينية طبقاً لقرارات الأمم المتحدة، وعقد صفقة الأسلحة التشيكية، واعترف بالصين الشعبية، ورفض نظرية الفراغ الأمريكية وحارب حلف بغداد الاسـتعماري، وأمم قـناة الـسويـس، وقد وقف الحزب يؤيد هذه السياسية، وفي الوقت ذاته ناضل ضد الحكم الفردي المعادي للديمقراطية وأدان إعدام قادة العمال المصريين في كفر الدوار، واعتقال حوالي ألف عامل لمطالبتهم بتحسين أوضاعهم عام 1953.
وبفشل العدوان الثلاثي على مصر واندحار الغزاة، ودخول القوات الدولية إلى قطاع غزة ومحاولة تدويله، نشط الحزب والقوى الوطنية لإسقاط مؤامرة التدويل، والمطالبة الفورية بعودة الإدارة العربية المصرية، غير أن الشيوعيين كانوا يرون أنه لا ضمانة لعودة الأساليب الإرهابية من جديد إلا بإطلاق الحريات العامة، والترخيص بتكوين الأحزاب السياسية، ونشاطها العلني، واقترح الحزب والجبهة الوطنية تكوين "حكومة وطنية فلسطينية" تدير شؤون القطاع الداخلية بالتنسيق مع الحاكم العام المصري، وترْك الفلسطينيين يديرون شؤونهم بأنفسهم، وبقاء مسألة الأمن والدفاع والخارجية من مسؤولية مصر، وما إن استتبّ الأمر للحاكم العام حتى أصدر أمراً عسكرياً بحظر نشاط الجـبهة وإغلاق مكاتبها. وواصل الحزب نضاله السري وطالب في مارس 1958 بإقامة مجلس تشريعي منتخب، يعكس إرادة الشعب ويتولى الأشراف على وضع قوانين جديدة تؤمِّن الحريات وتُلغي قوانين الانتداب البريطاني السارية المفعول، وقد وقف الشيوعيون المصريون والقوى الديمقراطية مع نضال شعبنا من أجل حقوقه الوطنية، وساندوا نضال الحزب والحركة الوطنية في قطاع غزة، وأدانوا أساليب القمع والإرهاب التي تمارسها الإدارة العسكرية في القطاع، أمّا في مصر فقد انْعطفت القيادة الناصرية إلى تدعيم الاستقلال الاقتصادي بالتمصير والتأميم، والتقارب مع القطر العربي السوري ثم إعلان الوحدة عام 1958، ومع قيام ثورة تموز في العراق عام 1958، وظهور تناقضات ثانوية على سطح العلاقات بين الثورتين تتمثل أساساً في أسلوب الوحدة، والحريات الديمقراطية، وبسبب التحفظات التي أعلنتها الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية واقتراحاتها لتمتين الوحدة المصرية السورية، والتحذير من انهيارها اللاحق بسبب عدد من الثغرات والأساليب غير الديمقراطية كحلّ الأحزاب الديمقراطية والتقدمية في سوريا، فقد شنّت البرجوازية المصرية مدعمة من اليمين الرجعي ومباركة الاستعمار حرب تصفية ضد الشيوعيين والديمقراطيين في كل أقطار العروبة، وأحدثت شرخاً عميقاً في الصفّ الوطني، ووحدة هذه القوى على النطاق العربي، وأفسحت المـجال واسـعاً للاستـعمار وعملائه لتعميق الهوة بين الحركة القومية العربية والحركة الشيوعية، وتغذية الحملة المسعورة ضد الشيوعية والاتحاد السوفيتي والتي راح ضحيتها عشرات المناضلين الشيوعيين في مصر وسوريا ولبنان، كما شملت الحملة الشيوعيين في قطاع غزة وأصدقاءهم، حيث جرى اعتقالهم في ربيع 1959 ونُقلوا إلى السجن الحربي ثم في منفى الواحات الخارجة لمدة 4 سنوات، حيثُ أفرج عن آخر دفعة منهم في عام 1963.
وبقيام م . ت . ف وجيش التحرير الفلسطيني عام 1964، حدث انفراج نسبي في علاقات الإدارة المصرية مع الحركة الوطنية في القطاع، وما لبث أن أخذت غيوم الحرب تتجمع، إذ أعلن عبد الناصر في 24/5/1967 إغلاق خليج العقبة، ثم أمر بانسحاب قوات الطوارئ الدولية، ولم يطل الوقت حتى انفجر الوضع بالعدوان الإسرائيلي في الخامس من حزيران 67 وهاجم الغزاة قطاع غزة بشراسة ودمّروا في الفترة ما بين 5-11 حزيران ما يزيد عن 847 منزلاً وقتلوا ما يزيد عن خمسة آلاف مدني كما ورد في تقرير وكالة الغوث آنذاك.
وقد بادر الحزب الشيوعي في الاتصال بالقـوى الـوطنية وتـوحيد الـصـف الـوطـني لمواجهة العدوان، فتشكلت الجبهة الوطنية المتحدة في آب 67 في البداية من الحزب الشيوعي وحركة القوميين العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي وجبهة تحرير فلسطين وقوات التحرير الشعبية التابعة لجيش التحرير الفلسطيني وبعض الشخصيات الوطنية والديمقراطية البارزة، وأصدرت ميثاقها في العشرين من أيلول 67 ، وأكد الميثاق أن الاحتلال مؤقت وسوف يزول، وأن التصدي للاحتلال هو المهمة الأساسية الـملقاة على عاتق الأنظمة الوطنية العربية والجبهة المعادية للاستعمار. ثم أصدرت الجبهة الـوطنـية المـتحدة جـريدة (الـمقاومة) الأسبوعَّية السِّرية في منتصف آب 67، وكان الحزب مشرفاً على طباعتها وكتابة معظم مواضيعها، وتسليم أعدادها لقوى الجبهة لتوزيعها، وقد لعبت هذه الجريدة دور المنظِّم للــجان الوطنية والمحّرض والمعبّئ للجماهير الشعبية ضد إجراءات الاحتلال ومخططاته.
وقد شارك الحزب الشيوعي في مقاومة المحتلين، ولعب دوراً بارزاً في قيادة وتعبئة الجماهير في قطاع غزة، وبادر إلى تشكيل اللجان الوطنية الواسعة في المدن والقرى والمخيمات، وقاد الجبهة الوطنية المتحدة. وفي الأول من كانون أول 67 أقرَّت اللجنة المركزية البدء بالتحضير لاستخدام أسلوب النضال المسلّح جنباً إلى جنب مع أساليب النضال الأخرى، فشكل الحزب الجناح المسلح من الحزب والجبهة وقام هذا الجناح بمئات العمليات العسكرية منفرداً أو بالتعاون مع قوات التحرير الشعبية، وبسبب ذلك تمّ نسف أول بيت في قطاع غزة وهو بيت الرفيق عزات كسّاب، واستشهد عدد من الرفاق وجرى إبعاد وتشريد العشرات منهم.