If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
لا يجوز تقديم الفاعل على عامله على رأي أغلبية النحاة، ففي الجملة «المُؤَلِّفُ كَتَبَ كِتَاباً» فإنَّ «المُؤَلِّفُ» مبتدأ، حتى وإنْ كان فاعلاً في المعنى، والفاعل هنا هو ضمير مستتر عائد على المبتدأ، وتقدير الجملة بعد إظهار الضمير: «المُؤَلِّفُ كَتَبَ هُوَ كِتَاباً». وعادة ما ينسب هذا الرأي إلى مدرسة البصرة، التي تمنع تَقدُّم المعمول على العامل كقاعدة كلية. إلا أنَّ جماعة من النحاة تجوّز تقديم الفاعل على عامله، حيث «المُؤَلِّفُ» في الجملة السابقة هو فاعل مُقَدَّم، وعادة ما يُنسب هذا الرأي إلى الكوفيين.
غير أنَّ الزجاجي ينفي وجود مثل هذا الخلاف بين مدرستي البصرة والكوفة، ويكتب بما معناه أنَّ كُلّاً من نحاة البصرة والكوفة أجمعوا على انعدام الصحة في تقديم الفاعل على عامله، ونجد هذا القول أيضاً عند الرضي. ويذكر البطليوسي أنَّ نحاة الكوفة يجيزون تقدُّم الفاعل على عامله فقط في الضرورة الشعرية، ويمنعونه في دون ذلك. وينسب أبو جعفر النَّحاس القول بتقدم الفاعل على عامله إلى ثعلب وحده دون غيره من نحاة الكوفة. وينقل أبو حيَّان في كتابه تذكرة النحاة عن أبي عمرو الشيباني منعه تقديم الفاعل على عامله. ويكتب حمدي الجبالي أنَّ الفراء صرَّح في مؤلفاته أكثر من مرة بمنع تقدُّم الفاعل على عامله. وفي المقابل فإنَّ هناك كثير من النحاة المتقدمين والمتأخرين يرون هذه المسألة من أكثر المسائل خلافاً بين البصرة والكوفة. وهناك نحاة من خارج الكوفة قالوا بتقدّم الفاعل على عامله، ومن هؤلاء أبو جعفر النحاس.
وتتكرر هذه المسألة في جزم الفعل المضارع بأدوات الشرط، حيث يدور خلاف بين الكوفيين والبصريين حول إعراب «أَحَدٌ» في الآية السادسة من سورة التوبة التي يُذكر فيها: «وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ» فهي عند الكوفيين فاعل مقدَّم للفعل «اسْتَجَارَكَ». أمَّا نحاة البصرة الذين يمنعون تقدّم الفاعل على فعله وأيضاً يمنعون اتصال أدوات الشرط بالأسماء، فإنَّ «أَحَدٌ» فاعل لفعل محذوف تقديره «استجارك»، فتكون الآية بعد تقدير الفعل المحذوف على النحو: «وإن استجارك أحد من المشركين استجارك، فأجره». ويستشهد الكوفيون في إثباتهم جواز تقديم الفاعل على عامله بقول الزباء: «ما للجمال مشيها وئيداً» برفع «مشي» باعتباره فاعلاً مقدّماً للوصف «وئيداً». أمَّا البصريون فاختلفوا حوله، فبينما يذهب بعضهم إلى أنَّه مبتدأ خبره محذوف لسَدِّ الحال مسده وتقديره: «يظهر»، فإنَّ جماعة أخرى تُبيح تقديم الفاعل في هذه الحالة على وجه الضرورة، ولا تستنبط منها قاعدة عامة.
تظهر عدد من المسائل العالقة أمام من يقول بتقدم الفاعل على عامله، ويتخذ منها نحاة البصرة دليلاً على صحة ما ذهبوا إليه، ومن هذه الإشكاليات أنَّه لا يصحُّ أن يقال مثلاً: «الكاتبون كتب» بعد تقديم الفاعل على فعله. فمن القواعد المعروفة أنَّ الفعل لا يتغير بجمع أو تثنية الفاعل، وهو على عكس ما يُلاحظ هنا فإنَّ بقاء الفعل على حاله بدون دخول علامات الجمع والتثنية عليه يُخالف النطق السليم الذي نجده في العبارة: «الكاتبون كتبوا»، وهو ما يجده البصريون خرقاً صريحاً لأحد القواعد الأصولية للعلاقة بين الفاعل وفعله، ويستدلون من ذلك انعدام الصحة في تقديم الفاعل على فعله. ومن الإشكاليات أيضاً دخول «إنَّ» الناسخة على الجملة الفعلية التي فيها الفاعل مقدم على فعله، مثل: «إنَّ الأَرضَ تَدُورُ»، فهذا سيؤدي كما في المثال إلى نصب الفاعل باعتباره اسم إنَّ، وبالتالي فإنَّ الفعل حينها سيظلُّ بدون أي فاعل. تبرز هذه الانتقادات وغيرها للرأي القائل بتقديم الفاعل على عامله من نحاة كالمبرد وجماعة من البصريين قبله. وينتقد البصريون فكرة تقدم الفاعل على فعله بحد ذاتها، بغض النظر عن المشاكل الناجمة عن ذلك، باعتبار أنَّ الفعل مع فاعله يكونان وحدة لغوية مترابطة كصدر البيت مع عجزه يكونان بيتاً واحداً، حيث يعتمد معنى العجز على معنى الصدر ولا يكتمل معنى الصدر إلا بالعجز، فكما لا يمكن تقديم العجز على الصدر لا يمكن تقديم الفاعل على فعله. ووضع عبد الرحمن الأنباري سبعة أوجه يستدلُّ منها على العلاقة الوثيقة بين الفعل والفاعل، بحيث يصير كلاهما جزءاً من كلمة واحدة، فلا يصحَّ تقديم جزء على الآخر. وتبرز كذلك انتقادات أخرى من ناحية أنَّ تقدم الفاعل على فعله سيُحدث لبساً في المعنى بينه وبين المبتدأ.
وفي جملة مثل: «الرياضيون ركضوا»، فإنَّ من يأخذ برأي أهل الكوفة ويقول بتقدّم الفاعل على عامله ويعرب «الرياضيون» فاعلاً مقدّماً، يضطر إلى نفي الفاعلية عن واو الجماعة، فتصبح الواو مجرد علامة تدلُّ على الجمع لا محلَّ لها من الإعراب، وليست ضميراً متصلاً له موقع إعرابي.
يجوز تقدُّم معمول اسم الفاعل عليه، مثل: «مُحَمَّدٌ الدَّرسَ كَاتِبٌ» حيث الفاعل مُحَمَّدٌ تقدَّم على عامله كَاتِبٌ. ويشترط في ذلك ألَّا يكون اسم الفاعل مقترناً بأل التعريف، ولا يكون كذلك مجروراً بالإضافة، أو مجروراً بحرف جر أصلي، أمَّا إذا كان مجروراً بحرف جر زائد فيجوز تقديمه. أمَّا بالنسبة للمصدر العامل فلا يجوز تقديم معموله عليه إلَّا في حالة إذا كان نائباً عن فعله.
الأصل أن يأتي الفاعل مؤخراً عن فعله، ولا يُقدَّم أو يُستتر مع عودته إلى المبتدأ إلا لأغراض معينة، وهي كثيرة ومن أشهرها:
أجمع النحاة على رفض تقديم الفاعل أو المفعول به في حالة الحصر بإنَّما، واختلفوا عندما يكون محصوراً بإلَّا أو مَا. فبينما يجيز البصريون تقدّم المفعول به على الفاعل عندما يكون محصوراً بإلَّا، فإنَّ الكوفيين اختلفوا فيما بينهم. فنجد الكسائي يجيز تقديم أو تأخير الفاعل أو المفعول به في هذه الحالة، باعتبار أنَّ اللبس موجود فقط في حالة الحصر بإنَّما. بينما الفراء يجيز تقديم المفعول به المحصور ويمنع تقديم الفاعل المحصور.
يعتقد بعض النحاة المجدِّدين أنَّ الفاعل، كموقع إعرابي وكتركيب لغوي له دوره وتأثيره الخاص في الجملة، لا يوجد سوى في اصطلاح النحاة، وهو في واقع الأمر لا يختلف شيئاً عن غيره من الأسماء المرفوعة كنائب الفاعل أو المبتدأ، فهي جميعها أسماء مرفوعة مُسند إليها. وهذا بدون التشكيك في اشتمال الاسم المسند إليه على معنى الفاعلية عندما يأتي في الجملة الفعلية، فالتشكيك في الفاعل يكون نحوياً فقط. وتاريخياً ظهرت بوادر هذا الرأي عند عبد القاهر الجرجاني وتلميذه الزمخشري، اللذين أنكرا وجود نائب الفاعل ووحدا المصطلحات بين الفاعل ونائبه، وسار مسارهما ابن يعيش. ومن ثم أتى نحاة معاصرون تبنَّوا هذا الرأي ووسعوا دائرة توحيد المصطلحات لتشمل المبتدأ أيضاً، تحت سقف مصطلح واحد هو «المُسند إليه»، أخذوه من علماء البيان الذين يستعملون هذا المصطلح للإشارة إلى المرفوعات الثلاث.
ومن هؤلاء النحوي المصري المُجَدِّد إبراهيم مصطفى، فكتب في "إحياء النحو": «وإذا تتبعنا أحكام هذه الأبواب [يقصد الفاعل ونائب الفاعل والمبتدأ]، لم نرَ ما يدعو إلى تفريقها، ورأينا في أحكامها من الاتفاق والتماثل ما يُوجِب أن تكون باباً واحداً يعفينا من تشقيق الكلام وتكثير الأقسام». وقال بهذا الرأي النحوي العراقي مهدي المخزومي، وأضاف إليهم اسم كان، فذكر في كتابه "في النحو العربي": «إنَّ كُلاً من المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل [وأضاف إليهم اسم كان في الفقرة السابقة]، يقوم مقام الفاعل عندهم في جميع أحكامه من كونه مرفوعاً، ومن مطابقة الفعل إيَّّا في النوع والعدد، فجميع هذه الموضوعات إنَّما جِيءَ بها ليُتَحَدَّثَ عنها بحديثٍ، أو ليُسنَد إليها، فهي جميعاً مسند إليه، وهي إذن موضوع واحد». ومع هذا التوحيد في المصطلحات نحوياً، يظل التفريق بينهم قائماً من ناحية المعنى، فنرى مهدي المخزومي يُفرق بين المبتدأ والفاعل من حيث إنَّ الأول يدل على الجمود والثبات وهو ما استدعى أن يكون المسند إليه جامداً، بينما الفاعل يدلُّ على التجدد الدائم لذا فإنَّ المسند إليه فعل أو وصف دال على التجدد.