If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كان مروان بن الحكم قد جهز قبل وفاته جيشًا بقيادة عبيد الله بن زياد لإخضاع زفر بن الحارث في منطقة الجزيرة، وعينه أميرًا على كل ما يفتحه، فلما كان في الجزيرة أتاه نعي مروان، وكتاب عبد الملك يستعمله على ما استعمله والده ويحثه على المسير إلى العراق. كان العراق إقليما مليئاً بالأحداث السياسية، فالكوفة كانت مركزًا للمعارضة السياسية، وكان أنصار العلويين يشعرون بالتقصير والذنب بعد معركة كربلاء، لكنهم اضطروا للتهدئة طيلة حكم عبيد الله بن زياد، لكن عندما عم الاضطراب أنحاء بلاد العالم الإسلامي بعد موت يزيد بن معاوية وفرار ابن زياد، أخذ أنصار الحسين بن علي يتصلون ببعضهم البعض لوضع خطة للثأر لدم الحسين، وبدأوا يعقدون الاجتماعات برئاسة سليمان بن صرد الخزاعي لدراسة الموقف، وانتهت الاجتماعات بقولهم: «أنه لا يغسل عنهم ذلك الجرم إلا قتل من قتله أو القتل فيه»، وغلب عليهم اسم التوابين وكان شعارهم الثأر للحسين.
كتب سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة بن اليمان أمير المدائن يدعوه للانضمام لدعوتهم فاستجاب له، وقَبِل الدخول معه في ثورته ودعوته، فزاد ذلك الأمر التوابين قوة وعزمًا ونشاطًا، ثم إنهم أرادوا استعجال الخروج ولكن سليمان ثبطهم حتى لا يكشف أمرهم. في هذا الوقت أَخرج أهل الكوفة عامل ابن زياد عليهم واستقبلوا عامل ابن الزبير حيث أن ابن الزبير قد استفحل أمره ودانت له كل البلاد عدا الشام. أثناء الإعداد للثورة ظهرت على مسرح الأحداث شخصية أثرت بشدة على مجرى الأحداث وهو المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكان عند ابن الزبير، ولكنه ما لبث أن اختلف معه ثم خرج من مكة متوجهًا للكوفة وبدأ يدعو لخلافة محمد بن الحنفية ولقبه بالمهدي، وأدى ذلك لتفرق صف أنصار الحسين وصاروا فرقتين: جمهورهم مع سليمان بن صرد للأخذ بثأر الحسين، والباقي مع المختار، وهذا الاختلاف وصلت أخباره لوالي الكوفة من قبل ابن الزبير فحذرهم من محاولة الخروج على الأمويين، لكن هذا التحذير أدى لاستعجال خروج سليمان ومن معه لقتال أهل الشام.
كان تاريخ خروج ثورة التوابين في 5 ربيع الثاني 65 هـ من معسكرهم في النخيلة، قام والي الكوفة من قبل ابن الزبير عبد الله بن يزيد ومن معه من أشراف أهل الكوفة بلقاء سليمان وجيشه قبل خروجهم لمحاولة إقناعهم بتأجيل فكرة الخروج حتى يجتمع عندهم الناس ويكثر عددهم وتقوى جيوشهم، وتؤمن لهم مؤونة كافية للحرب، لأن أهل الشام خرجوا في جيش ضخم لحربهم، ولكن سليمان رفض الفكرة وأصر على الخروج. خرج جيش التوابين إلى الجزيرة للقاء أهل الشام، ومروا بطريقهم على قبر الحسين وظلوا يترحمون عليه ويستغفرون له، ثم واصلوا سيرهم، ومر جيش التوابين ببلدة هيت على الفرات، ثم صعد مع النهر إلى أن وصل إلى قرقيساء، وكانت هذه المدينة أبعد المناطق في اتجاه الشام التي اعترفت ببيعة ابن الزبير. فخرج لهم في الطريق زفر بن الحارث وكان واليًا على مدينة قرقيسياء وعرض عليه أن يقاتلوا أهل الشام على حد باب مدينته تحسبًا لحدوث هزيمة فيدخلوا في أمانه، وأن يتأنوا حتى تتوحد صفوفهم مع صفوف ابن الزبير، لكن سليمان بن صرد رفض هذه العرض وأصر على مواصلة السير للقتال، واكتفوا بالتزود بما يحتاجون إليه من المدينة. سار جيش التوابين حتى نزل عند منطقة عين الوردة من أرض الجزيرة إلى الشمال الغربي من صفين، وخطب سليمان في جيشه ووعظهم وذكرهم بالآخرة والنية الصالحة، وأقبل جيش الشام وكان تعداده في أربعين ألفًا، وجيش التوابين أربعة آلاف، ودارت رحى حرب طاحنة لمدة ثلاثة أيام، ولكثرة جند الشام فقد أحاطوا بجيش التوابين من كل مكان ثم رشقوهم بالنبال والرماح حتى قتل قائدهم سليمان بن صرد وعدد من قادته، وفي جنح الليل من اليوم الثالث للمعركة انسحب جيش التوابين بقيادة رفاعة بن شداد إلى الكوفة. أدت هذه الثورة لظهور حركة المختار الثقفي، حيث قام بأمر شيعة العراق بعد وفاة سليمان بن صرد. وقد علق الذهبي على سليمان بن صرد زعيم جيش التوابين بقوله: «كان ديِّناً عابداً، خرج في جيش تابوا إلى الله من خذلانهم الحسين الشهيد، وساروا للطلب بدمه، وسُمُّوا جيش التوابين»، وقال ابن كثير في وصف جيش التوابين: «لو كان هذا العزم والاجتماع قبل وصول الحسين إلى تلك المنزلة لكان أنفع له وأنصر من اجتماعهم لنصرته بعد أربع سنين، وكان عمر سليمان بن صرد رضي الله عنه يوم قتل ثلاثاً وتسعين سنة». تبعت حركة التوابين حركة أخرى نسبت إلى المختار بن أبي عبيد الثقفي، وعرفت بالمختارية، تميزت هذه الحركة بمناهضتها للحكم الأموي ورفع شعار التشيع العلوي، وساهمت إلى حد كبير في تطور الشيعة كفرقة دينية وسياسية. ظهر المختار في ميدان السياسة عام 64 هـ، حيث توجه إلى مكة قادمًا من الكوفة بعد مقتل الحسين، واتصل بابن الزبير، ونسق معه العمل ضد الأمويين على أساس شروطٍ ثلاث: أن لا يقضي أمرًا دونه، وأن يكون أول من يأذن له، وإذا استعان به على أفضل أعماله. لكن الأمور لم تكن حسنة بين الطرفين ما أدى لعودة المختار إلى الكوفة في الخامس والعشرين من شهر رمضان عام 64 هـ. في الوقت الذي خرج فيه جيش التوابين إلى عين الوردة، كان المختار وراء قضبان السجن بفعل نشاطه المعادي لابن الزبير، لكنه لم يلبث أن غادر السجن، وقاد حركةً سياسية دينية بالمطالبة بدم الحسين وبمناداته بالمهدية بشخص محمد بن الحنفية وأطلق عليه لقب المهدي.
استطاع المختار ضم بقايا جيش التوابين، بالإضافة لبعض القبائل اليمنية ولا سيما قبيلة نخع وزعيمها إبراهيم بن الأشتر النخعي. استطاع المختار الاستيلاء على الكوفة بعد أن هزم جيش واليها عبد الله بن مطيع، ثم راح يرسل الولاة إلى إمارات أرمينيا وأذربيجان والموصل ليحكموا باسمه. حاول المختار حصر ابن الزبير في الحجاز بالاستيلاء على البصرة، حتى يتفرغ لابن مروان وجيشه في الشام، لكنه فشل لما اضطرت فرقته العسكرية التي أرسلها للتصدي لابن زياد في الموصل من الانسحاب رغم انتصارها في المعركة، ترتب على هذا الانسحاب قيام انتفاضة ضد حكمه في الكوفة من قبل الأشراف، إلا أنه قمعها بسرعة، ثم بدأ مهمته بالثأر من قتلة الحسين. في العاشر من شهر محرم عام 68 هـ أرسل المختار جيشًا بقيادة إبراهيم بن الأشتر لوقف زحف الجيش الأموي المرسل من قبل ابن مروان نحو العراق، واستطاع الأشتر الانتصار على الأمويين في معركة جرت عند نهر الخازر؛
نتج عن المعركة مقتل عبيد الله بن زياد ومعه الحصين بن نمير السكوني. ومع تعاظم نفوذ المختار بعد هذا الانتصار، سيطر على شمالي العراق والجزيرة، ثم أعد جيشًا لقتال مصعب بن الزبير لانتزاع البصرة منه، لكن انضمام قائده ابن الأشتر إلى الأشراف في البصرة أثر على قواه وعدته وأصيب بخسارة فادحة في معركة المذار مع جيش مصعب، ولم يتمكن من الصمود داخل الكوفة بعد أن شدد مصعب الحصار عليه، فخاض معركة غير متكافئة انتهت بمقتله واستيلاء مصعب على الكوفة.
كانت الأجواء السياسية في المدينة غير مستقرة ويشوبها الكثير من المعارضة والسخط على بني أمية، كان مُبتدأ الخلاف بين أهل المدينة وبني أمية عندما قام معاوية بن أبي سفيان بأخذ البيعة لابنه يزيد، فقد عارض الكثير من أبناء الصحابة هذه البيعة لإحساسهم بانتهاء العهد الراشدي المبني على الشورى، وزاد الأمر سوءًا مقتل الحسين بن علي في كربلاء. قام بعد ذلك وفد من أهل المدينة بزيارة ليزيد بن معاوية، وعلى الرغم من أنهم قدموا عليه ولم يسألوه حاجة إلا قضاها، إلا أنهم رجعوا المدينة ذامين له، مجمعين على خلعه. عندما وصل خبر مقتل الحسين إلى الحجاز أعلن عبد الله بن الزبير خلع يزيد، وبدأ بأخذ البيعة لنفسه من الناس في مكة، وبعد أن كَثُر الحديث في المدينة عن يزيد، أرسل يزيد النعمان بن بشير إلى المدينة يحذرهم الفتنة والخروج عن الطاعة، ويذكرهم الطاعة، فأبوا عليه، ثم أعلنوا خلع يزيد، وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل، ووثبوا على عثمان بن محمد بن أبي سفيان والي يزيد، ثم حاصروا بني أمية في دار مروان بن الحكم، وكان عددهم حوالي الألف شخص. فلما علم يزيد بن معاوية بذلك أرسل إليهم جيشًا عليه مسلم بن عقبة المري، وأوصى إن حدث له حدث فالأمير من بعده الحصين بن نمير السكوني، وأقبل مسلم بن عقبة بالجيش حتى وصل إلى المدينة فأمهل أهلها ثلاثة أيام فأبوا إلا القتال، وكان عليهم: عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري، وعبد الله بن مطيع، ومعقل بن سنان الأشجعي، وعبد الرحمن بن زهير بن عوف الزهري ابن أخ عبد الرحمن بن عوف، وكان مجيء مسلم عن طريق الحرة الشرقية، ووقعت معركة بين الجيشين سميت وقعة الحرة وكانت في أواخر ذي الحجة من سنة 63 هـ، قتل في هذه الوقعة أكثر سادة أهل المدينة من الصحابة وأبناء الصحابة، واستحلت المدينة من قبل الجيش الأموي ثلاثة أيام. عندما انتهى مسلم بن عقبة المري من المدينة اتجه بجنده نحو مكة يريد عبد الله بن الزبير، وخلف على المدينة روح بن زنباع الجذامي، لم يقطع مسلم مسافة بعيدة عن المدينة حتى مات، فتولى أمر الجند بعده الحصين بن النمير السكوني حسب وصية يزيد بن معاوية فسار إلى مكة، فقاومه ابن الزبير، واستمر القتال شهري محرم وصفر من سنة 64 هـ وفي أوائل ربيع الأول رميت الكعبة بالمنجنيق، ثم جاءهم نعي يزيد في 14 من ربيع الأول سنة 64 هـ، انصرف على أثره جيش الشام إلى بلدهم تاركين الحجاز لولاية ابن الزبير. بعد وفاة يزيد دان الحجاز لعبد الله بن الزبير، ثم دعا لنفسه بالخلافة، ثم أخذ يتوسع حتى ضم إليه بلاد المسلمين كلها إلا دمشق وجزءًا من الأردن، وبايعه في أول الأمر رؤوس الخوارج، وكذلك بايعه المختار الثقفي، وأُخرج بنو أمية من المدينة إلى الشام، فاجتمعو إلى مروان بن الحكم بعد موت معاوية بن يزيد، ودُعي لابن الحكم بالخلافة فبايعه أهل دمشق، ثم توسع من دمشق فضم أرجاء بلاد الشام ومصر.
أدى زوال خطر المختار الثقفي من الميدان السياسي إلى انحصار المنافسة على زعامة العالم الإسلامي بين عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير. أدرك عبد الملك أن قوة ابن الزبير تكمن في العراق وأن القضاء عليه في هذا الإقليم سيؤدي حكمًا إلى إسقاط النظام الزبيري كاملًا، لذلك خرج عبد الملك على رأس جيش كبير إلى العراق، وكان ذلك بعد أربع سنين من القضاء على المختار. وكان عبد الملك قد أشار عليه بعض أمرائه أن يقيم بالشام، وأن يبعث إلى مصعب جيشا فأبى، وقال: «لعلي أبعث رجلا شجاعا لا رأي له، أو من له رأي ولا شجاعة له، وإني أجد من نفسي بصرًا بالحرب وشجاعة، وإن مصعبا في بيت شجاعة، أبوه أشجع قريش، وأخوه لا تجهل شجاعته، وهو شجاع، لا علم له بالحرب، وهو يحب الدعة والخفض، ومعه من يخالفه، ومعي من ينصح لي». فسار بنفسه حتى نزل بلدة مسكن، وجعل على مقدمة جيشه أخاه محمد بن مروان بن الحكم، وعلى ميمنته عبد الله بن يزيد بن معاوية، وعلى ميسرته خالد بن يزيد بن معاوية، وزحف مصعب نحو باجميرا وعلى مقدمة جيشه إبراهيم بن الأشتر النخعي، ثم بدأ عبد الملك يكاتب زعماء أهل العراق من جيش مصعب يعدهم ويمنيهم، وقد قبلوا التخلي عن مصعب والانضمام إلى عبد الملك. كان عبد الملك يسعى لإيجاد مخرج من قتال مصعب، فأرسل إليه رجلاً من كلب وقال له: «أقرئ ابن أختك السلام - وكانت أم مصعب كلبية - وقل له: يدع دعاءه إلى أخيه، وأدَعُ دعائي إلى نفسي، ويجْعَل الأمر شورى». لكن مصعب رد عليه بقول: «السيف بيننا». ثم حاول عبد الملك محاولة أخرى: فأرسل إليه أخاه محمد بن مروان ليقول له: «إن ابن عمك يعطيك الأمان». فقال مصعب: «إن مثلي لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلا غالبًا أو مغلوبًا». ثم وقعة المعركة وأمد مصعب قائده إبراهيم بن الأشتر بعتاب بن ورقاء الرباحي، وهو من الذين كاتبوا عبد الملك، فاستاء إبراهيم من ذلك وقال: قد قلت له لا تمدني بعتاب وضربائه، إنا لله وإنا إليه راجعون، فانهزم عتاب بالناس، فلما انهزم ثبت ابن الأشتر فقتل، ثم تخلى أهل العراق عن مصعب حتى لم يبق معه سوى سبعة رجال، وجعل يتأمل من معه فلا يجدهم يقاومون أعداءه، فاستقتل وطمن نفسه وقال: «لي بالحسين بن علي أسوة حين امتنع من إلقائه يده، ومن الذلة لعبيد الله بن زياد». وظل يقاتل حتى قتله عبيد الله بن زياد بن ظبيان، وكان مقتله في المكان الذي دارت فيه المعركة على قصر دجيل عند دير الجاثليق في شهر جمادى الآخرة سنة 72 هـ، فلما بلغ عبد الملك مقتله قال: «واروه فقد والله كانت الحرمة بيننا قديمة، ولكن هذا المُلْك عقيم». وبمقتل مصعب عادت العراق إلى حظيرة الدولة الأموية، وعين عبد الملك أخاه بشرا واليًا عليها، وقبل أن يغادرها أَعَدَّ جيشًا للقضاء على عبد الله بن الزبير في مكة.
لم يتريث عبد الملك كثيرًا وأسرع بإرسال جيش إلى الحجاز بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي لمواجهة عبد الله بن الزبير، وكان سبب تعيين الحجاج دون غيره أن عبد الملك لما أراد الرجوع إلى الشام قام إليه الحجاج بن يوسف فقال: «يا أمير المؤمنين إني رأيت في منامي أني أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته فابعثني إليه وولني قتاله». فحاصر الحجاج مكة في عشرين ألفًا من جند الشام، فنصب المنجنيق على مكة ليحصر أهلها حتى يخرجوا إلى الأمان والطاعة لعبد الملك، وكان مع الحجاج قوم قدموا عليه من أرض الحبشة، فجعلوا يرمون بالمنجنيق، فقتلوا كثيراً من أهل مكة، وكان معه خمس مجانيق، فألح عليها بالرمي من كل مكان، وحبس عنهم الميرة فجاعوا، وكانوا يشربون من ماء زمزم، وأخذت الحجارة تقع في الكعبة، وكانت الحرب سجالًا يكر جيش الشام على ابن الزبير، فيشد عليهم، وكان ابن الزبير يقول في القتال: «خذها وأنا ابن الحواري»، وقيل لابن الزبير: ألا تكلمهم في الصلح، فقال: «والله لو وجدوكم في جوف الكعبة لذبحوكم جميعا، والله لا أسألهم صلحا أبدا». لما اشتد الحصار أخذ أهل مكة يخرجون إلى الحجاج بالأمان ويتركون ابن الزبير، حتى خرج إليه قريب من عشرة آلاف، فأمنهم، وقل أصحاب ابن الزبير، حتى خرج إلى الحجاج حمزة وخبيب ابنا عبد الله ابن الزبير فأخذا لأنفسهما أمانًا من الحجاج فأمنهما، ودخل عبد الله بن الزبير على أمه أسماء بنت أبي بكر فشكا إليها خذلان الناس له، وخروجهم إلى الحجاج حتى أولاده وأهله، وأنه لم يبق معه إلا اليسير، ولم يبق لهم صبر ساعة، فما رأيك، فقالت: «يا بني، أنت أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى حق فاصبر عليه، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك، يلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك، وإن كنت على حق فما وهن الدين، وإلى كم خلودكم في الدنيا، القتل أحسن». فدنا منها وقبل رأسها، وقال: هذا والله رأيي، ثم قال: «فانظري يا أماه، فإني مقتول من يومي هذا، فلا يشتد حزنك، وسلمي لأمر الله، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر، ولا عمل بفاحشة قط، ولم يجر في حكم الله، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عامل فرضيته بل أنكرته، ولم يكن عندي آثر من رضا ربي عز وجل، اللهم إني لا أقول هذا تزكية لنفسي، اللهم أنت أعلم بي مني ومن غيري، ولكني أقول ذلك تعزية لأمي لتسلو عني». فقالت أمه: اخرج يا بني حتى أنظر ما يصير إليه أمرك. انتهى الحصار الذي استمر ستة أشهر وسبعة عشر يومًا، بمقتل عبد الله بن الزبير ودخول الحجاج مكة وفرض سيادة بني أمية على الحجاز في السابع عشر من جمادى الأولى عام 73 هـ الموافق 692م. وبهذا انتهت خلافة ابن الزبير التي استمرت تسع سنوات، وتوحد العالم الإسلامي تحت طاعة عبد الملك بن مروان الذي أضحى الخليفة الشرعي الوحيد للمسلمين.
الخوارج هم فرقة خرجت على رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب، وكان خروجهم هو علة تسميتهم بهذا الاسم، حيث قال أبو الحسن الأشعري: «والسبب الذي سموا له خوارج خروجهم على علي لما حكم». ظل الخوارج يتتابعون في الخروج بعد الإمام علي وخلال الحكم الأموي، وظل حالهم على نحو ما كانوا عليه خلال خلافة علي. ولما استتب الأمر لمعاوية واجتمعت عليه الكلمة كان الخوارج قد اشتعلت جذوتهم وثبت في أذهانهم فكرة الخروج على بني أمية وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان، فأخذوا في التجمع والتربص للخروج في أي فرصة كانت، إذ كان معاوية في نظرهم مغتصبًا للحكم لا شك في قتاله. في فترة ولاية عبد الملك بن مروان أصبح الخوارج هم القوة التي بقيت خارج نطاق الصراع بينه وبين ابن الزبير، وظلوا يعارضون بني أمية لأنهم اعتبروهم مغتصبين للخلافة، كما كان لحالة الاضطراب السياسي التي شهدها العالم الإسلامي وسياسة الحجاج القاسية في العراق دور كبير في تشجيعهم على التمرد على خلافة بني أمية. كان أول موقف سياسي منظم اتخذه الخوارج هو التحالف مع عبد الله بن الزبير في مكة، لكن لم يلبث هذا التحالف أن انفرط بعد أن تبين لهم أن ابن الزبير يخالفهم الرأي، فغادروا مكة، وانقسموا إلى عدة فرق نتيجة وقوع صراعات داخلية بين صفوفهم تعود إلى اختلافات سياسية وعقائدية وقبلية، وأشهر فرق الخوارج التي نشأت في تلك الفترة الأزارقة والصفرية والنجدات.
استغل نافع بن الأزرق الأوضاع السياسية المتردية التي كانت تمر بها الخلافة الأموية، فبدأ نشاطه العسكري المنظم، واستطاع الاستلاء على البصرة، فجبى خراجها ونشر فيها عماله، لكنه لما علم باتفاق البصريين على التصدي له، اكتفى بإخراج أنصاره من السجون وغادر البصرة متوجهًا إلى الأهواز، حيث أصبحت منطلق وقاعدة هجماته. قُتل نافع بن الأزرق في إحدى حملاته على البصرة عام 65 هـ فخلفه عبيد الله بن الماحوز. في هذا الوقت عهد ابن الزبير إلى المهلب بن أبي صفرة بقتال الخوارج، فتمكن من طردهم من الأهواز وقتل ابن الماجوز. لما دخل العراق تحت سيادة عبد الملك بن مروان استعاد الأزارقة قوتهم واستعادوا السيطرة على الأهواز، وأصبحوا يشكلون خطرًا مباشرًا على البصرة والمناطق المجاورة لها. قام عبد الملك بن مروان بتعيين المهلب بن أبي صفرة لمحاربة الخوارج، بعدما استثناه من العقاب الذي أنزله بأعوان ابن الزبير، فأظهر المهلب إخلاصًا في حربه للخوارج الأزارقة، وتمكن بعد سلسلة طويلة من المعارك معهم والتي دامت ثلاث سنوات من القضاء عليهم وذلك عام 78 هـ.
في الوقت الذي كان فيه الخوارج الأزارقة يهددون البصرة، كان الخوارج الصفرية يهددون الكوفة، وكانت هذه الفرقة تنسب إلى زياد بن الأصفر، وكانت نقطة انطلاقهم وقاعدة عملياتهم الموصل، وتمكنوا عام 76 هـ من اجتياح العراق من الموصل حتى الكوفة مرورًا بالمدائن وخانقين، بعد أن تغلبوا على جيوش الأمويين التي كانت تتصدى لهم. أحس عبد الملك بن مروان بأن القوى العراقية أصبحت غير قادرة على التصدي للصفرية، فسخر قوى من أهل الشام للتصدي لقوى الخوارج، وعين الحجاج بن يوسف قائدًا لعمليات التصدي والمطاردة، وتمكن بعد سلسلة من المعارك من التغلب عليهم، وكان آخر المعارك التي دارت بين الطرفين معركة نهر الدجيل عام 77 هـ، حيث لم يصمد فيها الخوارج بقيادة شبيب بن يزيد بن نعيم، وانسحب بمن معه عبر جسر من القوارب أقاموه على النهر، وكان شبيب أول المنسحبين فغرق وهو يعبر النهر. شكل موت شبيب نقطة تحول هامة في حركة الخوارج الصفرية، لأن خليفته مسلم البطين لم يكن له الحماس نفسه بالرغم من استمراريته لتحدي الدولة، لكن سرعان ما ألقي عليه القبض وقتل بأمر الحجاج، فطلب الصفرية الأمان فمنحوا إياه.
هاجم خوارج اليمامة بقيادة نجدة بن عامر الحنفي البحرين ومناطق أخرى على الشريط الساحلي الشرقي لشبه الجزيرة العربية، فاشتدت شوكتهم. عندما دخل العراق في سيادة ابن مروان تصدى لخطر خوارج اليمامة، وكانوا بقيادة أبي فديك عبد الله بن ثور، فأمر بحملة عسكرية ضدهم في المشقر من بلاد البحرين، دارت الدائرهم عليهم وقتل أبو فديك واضطر أتباعه للتسليم لبني أمية، وعلى هذا الشكل سقط خوارج اليمامة ولم تقم لهم بعد ذلك قائمة.
تُعد ثورة عبد الرحمن بن الأشعث إحدى أهم الحركات المناوئة للحكم الأموي. كان ابن الأشعث زعيم قبيلة كندة وأحد زعماء وسادات الكوفة، واستطاع استغلال العداء الكبير الذي يكنه أهل العراق للدولة الأموية، وأشعل به حربا كانت إحدى أخطر الحروب التي واجهة عبد الملك بن مروان. بدأ الحجاج في التفكير في الفتوحات الخارجية بعد قضائه على الخوارج، وكان رتبيل ملك كابل قد هزم جيشًا أُرسل من العراق في عام 79 هـ بقيادة عبيد الله بن أبي بكرة، وكان لهذه الهزيمة أثر كبير في عبد الملك بن مروان الذي كلف واليه في العراق الحجاج بإرسال جيش آخر لتأديب رتبيل. أعد الحجاج جيشًا كبيرًا وعهد بقيادته إلى عبد الرحمن بن الأشعث الذي لم تكن علاقته به جيدة، وعينه حاكمًا على سجستان وأمره بإخضاع رتبيل. في عام 80 هـ اتجه الجيش بقيادة ابن الأشعث باتجاه سجستان، وهاجم معاقل رتبيل الذي انسحب أمامه، إلا أنه لم يتمكن من إخضاعه نظرًا لطبيعة المنطقة الجبلية الوعرة، وقام ابن الأشعث بالتوقف عن مطاردة رتبيل والتراجع إلى بست وهي إحدى مدن سجستان، وأخبر الحجاج بهذا القرار. لم يكن الحجاج راضيًا عن توقف العمليات العسكرية ضد رتبيل، وأرسل إلى ابن الأشعث يأمره بالزحف وراء قوات رتبيل وهدده بالعزل إذا خالف ذلك، شعر ابن الأشعث بإهانة كبيرة في مخاطبة الحجاج له بهذا الأسلوب، استشار ابن الأشعث أتباعه في أمر الحجاج فاستقر بهم الرأي على خلع الحجاج، وبايعوا ابن الأشعث وزحفوا باتجاه العراق.
قبل مغادرة سجستان صالح ابن الأشعث رتبيل على أنه إن استطاع أن يزيل الحجاج فليس على رتبيل شيء من الخراج، وإن هُزم فعليه منعه، سار ابن الأشعث للعراق، ولما سمع الحجاج بذلك جهز جيوشا وطلب من عبد الملك إمداده، التقى الطرفان في أول معاركهما في تستر واقتتلا قتالا شديدا انتصر فيه ابن الأشعث ودخل البصرة فبايعه أهلها، لكن الحجاج أعاد الكرة وانتصر في معركة الزاوية عام 82 هـ، واضطر ابن الأشعث إلى مغادرة البصرة التي دخلها الحجاج. قام عبد الملك بن مروان بإرسال وفد لابن الأشعث يحمل عدة اقتراحات لحل القضية منها: عزل الحجاج عن العراق واستبداله بمحمد بن مروان، والمساواة في العطاء بين أهل الشام وأهل العراق، وتعيين عبد الرحمن بن الأشعث على أية ولاية يختارها في العراق. لكن ابن الأشعث وقادته رفضوا عرض عبد الملك واعتبروه موقف ضعف، فالتقى الطرفان في وقعة دير الجماجم الفاصلة، اعتمد الحجاج في المعركة سياسة النفس الطويل والمصابرة في المعركة، فصف جيوشه أمام جيوش ابن الأشعث، ونشبت حرب أشبه ما تكون بحرب استنزاف بين الفريقين، وعلى الرغم من أن جيش ابن الأشعث تأتيهم الميرة من الأقاليم من الطعام والعلف وجيش الحجاج في ضيق شديد فقدوا فيه اللحم بالكلية، إلا أن الحجاج صابر في حربه، واستمر صبره حتى انقضت سنة 82 هـ، ودخلت سنة 83 هـ، والجيشان بينهما مبارزات فردية كل يوم وأحيانًا تحمل مجموعة من هذا الجيش على الآخر والعكس، حتى أن جيش ابن الأشعث كسروا أهل الشام بضعًا وثمانين مرة ينتصرون عليهم، ومع هذا كان الحجاج ثابتًا في مكانه، وكان يتقدم قليلًا قليلًا، حتى قرر القيام بعمل ينهي به ثورة ابن الأشعث، فأمر جنوده بالحمل مرة واحدة على موضع قوة جيش بن الأشعث وهم كتيبة القراء، وركز هجومه على هذه الكتيبة حتى قتل منهم الكثير، وكان ذلك سبب انهزام باقي جيش ابن الأشعث، الذي اضطرب نظامه واختلت صفوفه وفروا في كل اتجاه. فر ابن الأشعث ومن معه إلى بلاد الملك رتبيل ودخل في جواره وأكرمهم رتبيل وعظمهم. إلا أن الحجاج لم يترك ابن الأشعث وشأنه، وأجبر رتبيل على تسليمه له، ولما علم ابن الأشعث بذلك انتحر بأن القى بنفسه من فوق القصر، وانتهت ثورته بموته.
لم يكن لعمرو بن سعيد الأشدق حضور في الميدان الإداري والسياسي مطلع العصر الأموي، لكن ظهوره بدأ منذ سعي معاوية إلى مبايعة ابنه يزيد بولاية العهد، فقام والده سعيد بن العاص أثناء ولايته على الحجاز بالعمل على تولية ابنه عمرو ديوان الجند في المدينة، ثم اسند إليه ولاية مكة والطائف، واخذ عمرو في السعي لأخذ البيعة ليزيد في مكة، غير أن والي المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان أظهر تهاونًا أمام أبرز المعارضين لخلافة يزيد، وهما: الحسين بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير بن العوام، اللذان رفضا البيعة، وغادرا المدينة المنورة متوجهين نحو مكة المكرمة، وهو ما حمل الخليفة يزيد على عزل الوليد بن عتبة عن ولاية الحجاز، وتولية عمرو بن سعيد إياها، وكان هدفه الرئيس القضاء على أية بادرة للثورة أو التمرد على خلافة يزيد بن معاوية، وأعلن عزمه التوجه إلى مكة المكرمة في حج عام 60 هـ لإلقاء القبض على الحسين وابن الزبير، لكن الحسين اتجه إلى العراق وهناك واجه ابن زيادة ووقعت بينهما معركة كربلاء التي انتهت بمقتل الحسين. بعد وفاة يزيد بن معاوية ثم الوفاة السريعة لابنه معاوية الثاني، شغر منصب الخلافة، وبدأ عمرو بن سعيد بالدعاية لبيعة مروان بن الحكم بالخلافة، اتفق بني أمية في مؤتمر الجابية باختيار مروان بن الحكم خليفة لبني أمية، وخالد بن يزيد وليًا للعهد، على أن تكون الخلافة من بعده لعمرو بن سعيد. استطاع مروان بن الحكم تدعيم سلطته في الشام وضم مصر، وبدأ بالتخطيط لتوريث الخلافة إلى ابنه عبد الملك، واستطاع ارضاء أطراف البيت الأموي ببيعة عبد الملك، وبويع عبد الملك بالخلافة مع الوعد بالإبقاء على تسمية عمرو بن سعيد وليًا للعهد، لكن عبد الملك أحس بتهميش عمرو، بينما استشعر عمرو نية عبد الملك بإقصائه عن ولاية العهد، فأعاد مطالبته البيعة بولاية العهد رسميًا، إلا أن عبد الملك عزم على مبايعة أخيه عبد العزيز بن مروان رسميًا وليًا لعهده. فقرر عمرو مواجهة عبد الملك، فانسل من معسكر عبد الملك الذي كان معسكرًا خارج دمشق لمواجهة ابن الزبير، وتوجه مع بعض أنصاره إلى دمشق، وباشر بالاستعداد لحصار يفرضه عليه عبد الملك بعد أن أيده أهل دمشق والجند الذين بها في تمرده، وأعلن 12 ألف مقاتل فيها ولاءهم له، منهم قوة ضاربة عددها 4 آلاف من أبطال الشام، وحظي عمرو بدعم ومؤازرة بعض وجوه أهل الشام خارج دمشق، لما بلغ عبد الملك أخبار تمرد عمرو بن سعيد، أسرع بالعودة إلى دمشق، وفرض حال وصوله حصارًا حول دمشق لقمع تمرده والقضاء عليه. لكن عبد الملك عمد إلى التهدئة والرضوخ إلى مطلب عمرو بعد أن لقي في مواجهته قوة وممانعة، لكن عمرو بقي على تمرده، وبعد جولات من المفاوضات بين الطرفين تم الاتفاق على: أن يكون عبد الملك أمير المؤمنين، وأن يصبح عمرو بن سعيد ولي العهد والخليفة من بعده، وأن يكون أميرًا على دمشق، وألا يخرج عامل لعبد الملك إلا ومعه عامل لعمرو بن سعيد، ولا يكتب كتاب إلا كتبه عبد الملك والأمير عمرو بن سعيد، وأن دخل عمرو وليس عبد الملك في مجلسه يجلس عمرو في مجلسه، وإذا جاء عبد الملك يتنحى له عمرو عن صدر المجلس، وعلى أن لعمرو إذا ركب أن يركب في أربعة آلاف، وأن لا يدخل عمرو على عبد الملك حتى يكون مع عمرو رهينة من ولد عبد الملك، وأن يتولى عمرو بيت المال وديوان الجند.
كان عبد الملك يعي خطورة الاتفاق، فأضمر النية على عدم الالتزام به، والتعامل معه كهدنة مؤقتة، تتيح له إنهاء تمرد عمرو، والدخول بقواته إلى مدينة دمشق لاستعادة المبادرة، والشروع في تصفية عمرو وأنصاره قبل وضع الاتفاق موضع التنفيذ، لذا بادر عبد الملك بعد أربعة أيام فقط من دخوله العاصمة دمشق إلى تنفيذ مخططه، فاستدرج عمرو بن سعيد إلى قصره، وعزله عن أنصاره، ثم تولى قتله بعد أن كان قد أعطاه الأمان، وهو القائل: «أنا قاتل عمرو... حق والله لمن قتل عمرًا أن يفخر بقتله». قال ابن الكلبي: «كان مروان بن الحكم ولِي العهد عمرو بن سعيد بن العاص بعد ابنه، فقتله عبد الملك، وكان قتله أول غدر في الإسلام».
ظل القيسيون في بداية عهد عبد الملك بن مروان على ولائهم لابن الزبير، وكان أحد كبار زعمائهم زفر بن الحارث الكلابي، الذي فر إلى قرقيسياء وتحصن بها، وأصبح تحصنه هناك مركزًا لشن الغارات في المناطق المجاورة له. كان عبد الملك بن مروان في هذه الفترة يوجه كل جهوده لاستعادة العراق من سيطرة مصعب بن الزبير، وكان على عبد الملك إذا أراد استعادة العراق أن ينهي اعتصام زفر بن الحارث في قرقيساء، فسار إليه في جيشه الذي كان قد جهزه لحرب مصعب بن الزبير، فبدأ بزفر أولًا فحاصره، ولكن رجال زفر أظهروا بطولة وجسارة في الدفاع عن المدينة، وفيهم قال عبد الملك: «لا يبعد الله رجال مضر والله قتلهم لذل وإن تركهم لحسرة». لجأ عبد الملك إلى المسالمة والمهادنة، وكتب إلى زفر يدعوه إلى طاعته ويحذره من الخروج عليه، وبعد جهود من المفاوضات أرسل إليه زفر يجيبه إلى طلبه، واشترط عليه أن يظل مخلصًا لابن الزبير، وافق عبد الملك على شرط زفر، وأعطاه الأمان هو وابنه وقائده الهذيل بن زفر، واختتم عبد الملك مصالحة زفر بأن زوج ابنه مسلمة بن عبد الملك بالرباب بنت زفر بن الحارث. حرص عبد الملك على على تحقيق التوازن بين القبائل اليمانية والقيسية، وجعل من أصحابه زفر بن الحارث وابنه الهذيل وعبد الله بن مسعود الفزاري وغيرهم من زعماء قيس، كما كان من أصحابه حسان بن مالك الكلبي وروح بن زنباع الجذمي ورجاء بن حيوة الكندي وغيرهم من الزعماء اليمنيين، وعدل بين الفريقين في مجلسه وعدل بينهما في وظائفه، فكان يختار ولاته على الأمصار من القيسية غالبًا، بينما يختار موظفي بلاطه من اليمانية.