العربية  

books cardiac alertness

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

اليقظة القلبية (Info)


قال ياسين:«ما منَّا إلا من كانت له في طريقه إشارات إلهية، وأسباب دبرها الله عز وجل الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كي تكون صُوى في طريقه.» في سنة 1965 وفي غمرة التفوق المهني والارتقاء الاجتماعي، كان ياسين على موعد مع تحول كبير عبر عنه لاحقاً في كتاب الإحسان قائلاً:

وقد تحدث ياسين عن سيرة شيخه الحاج العباس بن المختار البودشيشي وشيخه من قبل السيد بومدين:

ظل ياسين يذكر نعمة الله وفضله:«ذهبت عند شيخي رحمه الله، السيد الحاج العباس القادري البوتشيشي، فأعتبر أن لقائي به كان ميلادي الحقيقي بعد الميلاد الجسمي، والميلاد الجسمي يشترك فيه الإنسان والحيوانات، لكن ميلاد الروح هو الشيء الذي يميز الإنسان الحق، الإنسان الموعود بالكرامة من الله عز وجل من غيره، وجدت أن الحق مع الصوفية كما وجده الغزالي؛ ولا أقف لأعتذر وأتواضع وإنما أذكر نعمة الله عليّ، وما وهبني من رحمة، وما علمني من علم بصحبة أهل الله، فله الحمد والشكر، شكراً يزيدني به علماً ورحمة. وأذكر نعمة الله عليَّ في الملإ لأنه وهبني بعد وفاة شيخي منذ ثلاث سنوات ما يقصده المريدون من الصحبة.»

مغادرة الزاوية البودشيشية

لبث عبد السلام ياسين في حضن الزاوية البودشيشية القادرية مدة ست سنوات في صحبة الشيخ الحاج العباس بن المختار وابنه الشيخ حمزة من بعده، ليغادرها بسبب ما بات يلاحظه من مؤشرات تحول قال عنه واصفاً ومبيناً:«﴿وَكُنْت عليهم شهيدا﴾ أستشهد بهذه الكلمة كلمة سيدنا عيسى عليه السلام وأتمثل بها، ﴿وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد﴾ كانت علاقتي بالمريدين علاقة محبة، وكانت النيات الطيبة وكانوا من الناس الأخيار. لكن هذا الشيء الذي يتهدد كل سالك لطريق الله، وهو ظهور الأحوال والمشاهدات والكرامات والأشياء التي طالما نبه عليها كُمَّل المشايخ، قالوا هذه الأشياء تلهي عن الله عز وجل وتحجب عن الله عز وجل، فلعل بعض المريدين يظهر لهم نورانية أو مكاشفة فيقول أنا وصلت، أنا أصبحت من الواصلين فيقف، عندئذ خسر الدنيا والآخرة.»

بات ياسين يشعر بالحاجة إلى إصلاح أحوال أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يقتضي ضرورة الجمع بين التربية والجهاد، وتجاوز حدود الخلاص الفردي كما رسمته قواعد السلوك الصوفي إلى الخلاص الجماعي للأمة. قال ياسين:«أذكر أنني عندما كتبت «الإسلام بين الدعوة والدولة» كتبت فيه لقاءات بين رجال الدعوة ورجال الدولة، وكان في تفكيري يومئذ أن هؤلاء الحكام الجبابرة يمكن أن يستفيدوا لو فعلوا مثل ما فعل من ذكرتهم، أظن خمسة أمثلة في التاريخ من الرجال، صحبوا أفاضل من العلماء والمشايخ المُربين، فبعثت نسخة إلى القصر الملكي بل حملتها بنفسي إلى الديوان الملكي، نسخة من «الإسلام بين الدعوة والدولة» وبالطبع هذا بقي في سلة المهملات.»

الإسلام أو الطوفان

ثم كانت رسالته الناصحة إلى ملك المغرب الحسن الثاني تحت عنوان الإسلام أو الطوفان هي الحد الفاصل بين مرحلة ومرحلة في حياة ياسين، ومع هذا كان انفصاله عن الزاوية برفق وحكمة؛ فقد انتقل من مدينة الرباط – لأسباب صحية - إلى مراكش، فكان مجرد انتقاله انقطاعاً عن الزاوية، دون أن يعلن أنه انقطع أو أنه يريد الانقطاع، ثم بعد ثلاثة أشهر خرج كتاب الإسلام أو الطوفان في شتنبر 1974 قال ياسين:«كان انفصالي عن الزاوية انفصالاً ليناً ولطيفاً عندما كتبت رسالة «الإسلام أو الطوفان» لم أستشر فيها أحداً من أهل الزاوية بتاتاً، فلما خرجت من الزاوية اعتبروها هم وثيقة انفصال، وكانت واقعياً انفصالاً جذرياً على مستوى الفكر، وعلى مستوى الموقف السياسي، وعلى كل مستوى؛ فهمي للحاضر والمستقبل والماضي وانتهى الأمر.»

ولما كان ياسين يخشى على إخوته في الزاوية بأس السلطة السياسية، فقد كتب رسالة محبة وتبرئة إلى الشيخ حمزة قال فيها:«لما عزمت على أن أقول كلمة حق عند سلطان جائر، فأكون مع سيد الشهداء إن شاء الله، خشيت أن ينالهم سوء بموقفي هذا، فكتبت رسالة إلى الشيخ سيدي حمزة قلت له: يا أخي، إنني كنت في الزاوية .. أحسن الله إليكم، وأنا أخاف أن تؤذوا من جانبي، فأنا أقول لكم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.»

الدعوة والسياسة

أفصح عبد السلام ياسين عن الهموم التي أضحت تراوده وتشغل باله شيئاً فشيئاً من كتاب الإسلام بين الدعوة والدولة إلى رسالة الإسلام أو الطوفان:

كانت الرسالة قوية المعنى والمبنى بالنظر إلى الشروط السياسية المُميزة للمرحلة وإلى المضامين التي جاءت بها، أما الظروف العامة التي اكتنفت الحدث فقد صارت معروفة اليوم بسنوات الجمر والرصاص حيث كان الصراع السياسي على أشده بين أقطاب الحقل السياسي؛ المؤسسة الملكية والجيش والمعارضة الاشتراكية، وكانت اللغة السياسية المهيمنة موسومة بالعنف والاتهام والتخوين بسبب عوامل البغي والاضطراب الاجتماعي والسياسي، ومن جملتها المحاولتان الانقلابيتان ضد الملك، حيث تمت محاولة الانقلاب الأولى بالقصر الملكي بمدينة الصخيرات يوم 10 يوليو 1971 بتخطيط من بعض الجنرالات، وبالأخص الكولونيل امحمد اعبابو قائد مدرسة أهرمومو العسكرية والجنرال محمد المذبوح، أما المحاولة الثانية فقد جرت بتخطيط من وزير الدفاع الجنرال محمد أوفقير يوم 16 أغسطس 1972 وبمشاركة أفراد من سلاح الجو الذين هاجموا طائرة الملك القادمة من برشلونة.

وأما مضامين الرسالة التي تجاوزت المائة صفحة، فقد نصح بها ياسين الملك الخائف من ضياع ملكه نصيحة واضحة فصيحة كشفت الوجه الجهادي للرجل الخارج تواً من زاوية صوفية محملاً بروحانية الذاكرين المُتبتلين، كانت النصيحة تدعو الملك إلى التوبة والرجوع إلى الإسلام وشريعته مقترحة نموذجاً تاريخياً هو الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز وموضحة مجموع الخطوات العملية التي يتعين على الحاكم أن يبرهن بها لله ولشعبه على صدق الذمة والقول.

كتب ياسين في مقدمتها مخاطباً الملك:

في المعتقل مع المرضى والمجانين

كانت الرسالة موسومة بالوضوح في المضمون والجرأة في الخطاب، كما كانت موجهة للرأي العام إذ لم تكن النسخة الواقعة بيد الملك سوى واحدة من ضمن عشرات النسخ التي أرسلت إلى العلماء والمثقفين والوجهاء، لكل هذه الأسباب تلقى الإمام ياسين مكافأة مباشرة تمثلت في اعتقاله مدة ثلاث سنوات وستة أشهر دون محاكمة، قال ياسين:

وكان في طي هذه المحن منحٌ ربانيةٌ كا قال ياسين:

ورغم أثقال الظُلم والتضييق أثناء مدة الاعتقال، فقد تمسك ياسين بسبيل الإلحاح في الدعوة والنصيحة، فأعاد الكَرَّة في سنة 1976 بكتابة رسالة ثانية (Lettre au Roi) عسى أن تكون لغة موليير، التي يتقنها الملك، جسراً يسعفه في تبليغ كلمة الدعوة الصادقة، لكن مصيرها كان الإهمال والتجاهل.

من المعتقل إلى دعوة الناس مرة أخرى

خرج ياسين من محنة الاعتقال في ذكرى المولد النبوي 12 ربيع الأول 1398 هجرية الموافق لـ 20 فبراير سنة 1978 ميلادية، فاستأنف جهوده في الجهر بالحق وإسداء النصح، وواصل مسيرة الدعوة قولاً وفعلاً، مجاهداً صابراً ومخططاً لمستقبل العمل الإسلامي، وكانت أولى الخطوات ولوج المسجد بمدينة مراكش لمخاطبة الناس بالكلمة الواعظة المذكرة بالله عز وجل وباليوم الآخر، الداعية إلى وجوب العمل لخدمة رسالة الإسلام، فكان المنع هو موقف السلطة السياسية وأجهزتها الأمنية.

كان المنع والتضييق على دعوة ياسين مجالاً جديداً لاختبار قدرته على الثبات:

التحق بعض الناس بعد ذلك باسين في بيته بحي الداوديات حيث يقدم دروساً تربوية وتوجيهية يحثهم فيها على العناية بالقرآن الكريم وذكر الله تعالى، كما أصبح بيته قبلة للزائرين الذين كانوا من فئات وشرائح اجتماعية متنوعة، ومن مدن أخرى كالدار البيضاء، وكان بعضهم من أبناء الحركة الإسلامية وقيادييها.

مجلة الجماعة

أمضى ما يقارب السنتين في حركة دعوية نشيطة، كان منها إصدار مجلة الجماعة وبلغت أعداد المجلة ستة عشر، صدر العدد الأول منها سنة 1399 هـجرية الموافق لسنة 1979 ميلادية، في حين كان صدور العدد الأخير سنة 1406 هـجرية الموافق لسنة 1985 بتاريخ النصارى - صدرت المجلة في شهر مارس 1979 لتكون منبراً للدعوة الحاملة لنداء الحق المتفاعلة مع هموم المسلمين المستضعفين حيثما كانوا، قال ياسين:«هذه مجلتكم أيها المؤمنون المقبلون على الله الملتزمون بالإخاء والجهاد، والقضية قضيتكم، غير أننا لا نحب أن ننشر الكلمات الخجولة ولا التي تمت بصلة للذهنية المصطنعة، نحب الفكر الهادف الذي ينم عن إرادة ويخاطب الهمم لارتياد التجديد واقتراح الحل الإسلامي لمشاكل أمتنا الإسلامية الكئيبة بما يفرض عليها من استسلام في وجه الصهيونية وقوى الجاهلية، وانحدار في مهاوي التخلف الاقتصادي والنظام الاجتماعي والإلحاد.»

اعترض مجلة الجماعة منذ عددها الأول كثير من العراقيل وصنوف التضييق، قال ياسين:«صدر العدد الأول من هذه المجلة بعد سنة من المحاولات أعاقتنا فيها عن الظهور عراقيل إدارية مقصودة ثم إعراض المطابع عنا، وصدر العدد الأول وعلى وجهه ندب الأغلاط المطبعية كأنما يصرخ بيتم الكلمة الإسلامية في سوق الكلام وبقلة النصير.» كان صوت الدعوة الجديدة ينفذ من أبواب المجلة وسطورها جمع حولها قلوب وعقول كثير من الناس، منهم المُدرس والطالب، فبدأ بعضهم يتواصل مع مدير المجلة عبر رسائل البريد، وسارع بعضهم إلى زيارته في بيته، بينما تطوع آخرون بتوزيع نسخ من أعدادها في مراكش والمدن الأخرى، واستمراراً في طريق الدعوة إلى الله وحرصاً على دخول مياه جديدة انتقل ياسين من مدينة مراكش إلى مدينة سلا المجاورة للعاصمة الرباط حيث يجتمع المثقفون والسياسيون وتنشط الآلة الإعلامية ويتخذ القرار، بذل جهداً تواصلياً ودعوياً خاصاً وعاماً، كان من جملته المشاركة في الحلقات التي كانت تعقد بدار الدعوة بمدينة الرباط، ومحاضرته الشهيرة حوار مع النخبة المغربة التي ألقاها باللغة الفرنسية بطلب من جمعية شبابية في الرباط كان يرأسها الدكتور زكي مبارك.

Source: wikipedia.org