If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
يأتي الصيف مبكراً في صعيد مصر عنه في الوجه البحري. ولذلك فليس من المألوف، أن يحضر المحصول إلى الجنوب قبل أسابيع من زراعتها أو حصادها في الدلتا. بطريقة مماثلة، فالتأخير لأيام قليلة يمكن أن يدمر المحصول بالكامل، وهذا هو السبب في اندلاع أحداث مارس 1919، بالتزامن مع وقت الزراعة في كوم أمبو، مما وضع المحصول بأكمله، وبالتالي المفتش، في حالة يرثى لها. إذ إنقطع اتصاله بالمقر الرئيسي للشركة، وسرعان ما جفت السيولة وبدأ تخزين السلع في كوم أمبو وما جاورها. لنفس الأسباب، نفذت الأموال من البنك المحلي الذي كان يخدم كوم أمبو. ولم تصل شحنات نقدية جديدة حيث تم وقف القطارات القادمة من القاهرة.
إذا لم يدفع المفتش للفلاحين فلن يكون هناك محصول. وإذا لم يكن هناك محصول، فسوف تتوقف مصانع السكر وسيضيع الانتاج السنوي من السكر. كان على الرجل التوصل إلى حل، سريعاً.
كانت المقايضة واردة. فحتى شركة كوم أمبو قد اتخذت إجراءات القرن العشرين ولم تكن لترتد على عقبيها إلى المقايضة بعقود من الخرز مقابل كيلوجرامات من الحبوب. البديل الوحيد المتاح للمفتش كان طباعة أوراق مالية خاصة به. في خطوة جريئة لم تحدث من قبل في تاريخ مصر الحديث. حتى محمد علي باشا لم يقدم على هذه الخطوة خوفاً من رد فعل السلطان العثماني في القسطنطينية.
كانت الأموال التي طبعها أحمد بك مصطفى بدائية. لم يكن هناك عملات معدنية، فقط كانت عبارة عن أوراقة مقطوعة يظهر عليها كتابة بخط اليد يعد فيها بالدفع لحامله عند الطلب المبلغ المدون على الورقة. كانت الأوراق تحمل توقيع المفتش. كذلك كانت هناك أوراق فئة خمسة، عشر، خمسة عشر قرشاً، وكذلك خمسة وعشرة جنيهات ولم تكن مدعومة بذهب أو فضة، ولم تكن قابلة للتحويل في أي مناقصة مالية معروفة. الغطاء الوحيد والدعم الذي كان يتمتع به مصطفى بك كان في كوم أمبو. الفلاحون، العمال المهاجرون، التجار والموظفون كانوا متفقين على الوقوف بجانبه.
بمجرد تداول النقود الجديدة، كان محصول قصب السكر جيداً وضمنت مصانع السكر حصتها من المواد الخام. كان المفتش ممثلاً للقانون والنظام في المنطقة كلها. وأصبحت كوم أمبو جمهورية مستقلة مصغرة.
لم يغب مضمون عزم أحمد بك مصطفى عن البريطانيين. كان هناك روح مستقلة قادرة على ايجاد حلول عملية. تم ترجمته باللغة الاستعمارية، على أنه عقل تخريبي خطير قام بالتعامل مع المواقف المعقدة، مهارات المحتل الأجنبي التي لا يمكن أن يقدرها في الآخرين لكنها تقتصر عليه وحده. الثوري أحمد بك مصطفى لابد أن يلقن درساً على براعته.
تم اعتقال أحمد بك مصطفى، حتى قبل توجيه الاتهامات الواهية له، تراوحت التهم من توجيهه الأمر بقطع خدمة السكك الحديدية في منطقته، إلى إيوائه لعناصر تخريبية. بموجب الأحكام العرفية السائدة، كان أحمد بك مصطفى مداناً بجرائم تصل عقوبتها إلى الإعدام.
ظل أحمد بك مصطفى رابط الجأش، واثقاً أن العقوبة المشددة قد تتسبب في اندلاع انتفاضة كبيرة من كوم أمبو حتى أسوان. علاوة على ذلك، فقد مارس المساهمين ذوي النفوذ ضغطاً كبيراً على لندن من أجل تخفيف عقوبة الإعدام على مصطفى. مجموعة قوية من الممولين اليهود، كانوا حريصين للغاية على الرجل الذي ظهر معدنه في أوقات الأزمة.
بالتالي لم تكن مفاجئة عندما، بعد مرور ثلاث سنوات، أختير أختير المفتش كعضو مجلس شيوع عند تشكيل أول برلمان دستوري في مصر في عهد الملك فؤاد. بعد فترة قريبة واجه عضو مجلس الشيوخ الجديد من كوم أمبو أزمة جديدة لكن في هذا الوقت كان هناك القليل الذي يمكن فعله مع مناهضة الاستعمارية والكثير لفعله مع قمع حركة العمال الثائرين في مصر. رفض مصطفى بك الاعتراف بأن عماله قد تجمعوا معاً لتكوين نقابة ذات صوت مسموع. وبدأ زعيم العمال في التوجه للصحف مندداً بعضو مجلس الشيوخ باعتباره طاغية وكاسر للنقابات. في كتابه العمال على النيل 1882-1954، أطلعنا جويل بينين من جامعة ستانفورد على هذا الأمر.
"وجد عمال كوم أمبو الذي تمت الإشارة إليهم سابقاً نقابتهم التي أعيد إحياؤها مؤخراً معرضة للهجوم من أحمد بك مصطفى نفسه - المشرف على مشروع العقارات، النبيل المحلي ذو السلطة، وعضو مجلس الشيوخ - الذي دمر نقابتهم الأولى التي تأسست عام 1919. طوال عمره، كان يهدد، لن يكون هناك نقابة: كان فوق القانون... يبدو من المرجح، بسبب التطورات اللاحقة في الساحة السياسية، أن أحمد بك قد وصل إلى نهاية الطريق."
تراجعت عملة مصطفى بك تدريجياً في السوق مقابل البنك الأهلي المصري كعملة قانونية. وهناك أعداد قليلة من تلك الأوراق المالية احتفظ بها جامعة العملات تظهر من وقت لآخر في قاعة مزادات كريستي في لندن أو سوثبي في نيويورك.