العربية  

books blogging and translation movement

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

حركة التدوين والترجمة (Info)


من المعلوم أن الرواية الشفوية كانت هي الطريقة الأولى التي اتبعها العرب لنشر العلم. وقد اقترنت الرواية العربية منذ اللحظة الأولى بالحرص البالغ والدقة الكاملة والأمانة منقطعة النظير؛ لأن الدين يدعو إلى ذلك؛ ولأن كثيرًا من نصوص القرآن والسنة تحثُّ عليه، فالتزم القوم الأمانة والحرص حين تصدوا لرواية كلام الله تعالي وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، بل إنهم التزموا تلك الخطة إلى حدٍّ كبير حين رووا أشعار الجاهليين وأيام العرب ووقائعهم.

ولم تنتشر الكتابة في العرب إلا مع ظهور الإسلام، فقد ظهر كُتّاب الوحي، الذين أحصاهم بعض العلماء فبلغوا أكثر من أربعين من الصحابة. وقد ظل أمر الكتابة مقصورًا على كتابة آيات القرآن، وكتابة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى اتسعت رقعة الدولة الإسلامية في زمان بني أمية، وبدأت انطلاقة كبرى في الكتابة والتدوين، وبخاصة في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز؛ فقد ظل عمر يستخير الله أربعين يومًا في تدوين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأذِن للقاضي أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم في جمع الأحاديث وتدوينها في كتاب بعث به إلى الأمصار.

وظهرت جهود تدوينية أخرى في العصر الأموي تتمثل فيما تُرجم لخالد بن يزيد بن معاوية من علوم اليونان، وما ألّف هو في الطب، وما ألّفه عَبِيد بن شَرِيَّة لمعاوية من أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها، وما ألّفه وهب بن منبه من كتاب التيجان في ملوك حمير، وغيرها من المؤلفات التي ظهرت في هذا الوقت المبكر.

ثم تنهض حركة التأليف في عصر الدولة العباسية، وتظهر الكتب في شتى العلوم الشرعية محتفظةً بالطابع الذي غلب على المحدِّثين، وهو إسناد الرواية إلى مؤلف الكتاب. وقد أخذ العلماء يضعون القواعد ويؤصلون المبادئ، وكان من نتيجة هذه الحركة العلمية الناشطة أن ظهرت علوم جديدة، دارت في البداية حول خدمة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، ثم ما لبثت أن أضحت علومًا مستقلة، لها لغتُها الخاصة ورجالها المشتغلون بها العاكفون على فحص مسائلها وقضاياها.

وقد واكب حركةَ التدوين الجديدة في العصر العباسي حركةُ ترجمة العلوم ونقلها إلى العربية؛ حيث أولى الخلفاء ووزراؤهم ورجال الدولة أمرَ الترجمة عناية بالغة؛ فتُرجمت علوم اليونان والفرس والهنود، واستوعبت الترجمةُ ألوانًا شتى من المعارف والعلوم، فترجمت الكتب العلمية والفلسفية بل وحتى الأدبية، واشترك في الترجمة جمهور كبير من المترجمين على اختلاف أجناسهم وعقائدهم، فكان منهم الفرس والهنود والسريان وغيرهم، وأُغْدِقت عليهم الأموال، وأنفق في طلب الكتب من كل ناحية أعظم المساعي.

وكان لحركة الترجمة أحسنُ الأثر في حفظ تراث هذه الأمم وحمايته من الاندثار؛ وقد أضفى عليها مزيدًا من الأهمية والخطورة ضياعُ معظم المؤلفات اليونانية، بحيث لم يبق منها سوى الترجمات العربية، وهو الأمر الذي حدا بالأوربيين في العصور اللاحقة إلى ترجمة تلك الكتب إلى لغاتهم مرة أخرى، مع استفادتهم من الشروح العربية عليها.

وقد بلغت حركة التأليف والكتابة والترجمة أوجَ نضجها وازدهارها في القرنين الثالث والرابع الهجريين، ولا سيما بعد أن عرف المسلمون صناعة الورق، وهي الصناعة التي ازدهرت في بغداد أول الأمر، ثم لم تلبث أن عرفت طريقها إلى سائر العواصم الإسلامية في المشرق والمغرب.

وعلى هذا النحو، يمكن القول: إن التاريخ الإسلامي المبكر شهد بداية حركة التدوين؛ بالإقبال على تدوين القرآن الكريم، ثم الحديث الشريف، ثم اتسعت دائرة التدوين لتشمل العلوم والمعارف الأخرى. أما حركة التأليف والترجمة فبلغت أوج ازدهارها في العصر العباسي ، وهذه سُنَّة النشوء؛ إذ يبدأ الشيء صغيرًا ثم يتدرج مع الأيام نموًّا واكتمالاً، وكلما مرت الأيام كانت خطوات التقدم أوسع من ذي قبل.

Source: wikipedia.org