If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
عند خروج بن بلة من السجن، وجد صراعات طاحنة تجري بين الجزائريين. وبعد اطلاعه على وضع حصل تقارب بينه وبين قيادة أركان الجيش وعلى رأسها بومدين. هذا التقارب أزعج الحكومة المؤقتة التي كانت على خلاف مع قيادة الأركان. ويذكر الشاذلي في مذكراته أن الأمر كان سبب في قطع الإمدادات عن جيش الحدود الأمر الذي أثار سخط العسكر. انتقد بن بلة الحكومة المؤقتة والوضع المتأزم مع قيادة الجيش في خطابه في مارس 1962 بوجدة.
في ظل هذه الأوضاع، اقترح بن بلة عقد دورة للمجلس الوطني للثورة الجزائرية من أجل حل المشاكل والوصول إلى توافق يخدم الدولة التي هي على وشك الولادة. تم عقد الدورة ما بين 21 و28 مايو 1962 بطرابلس الليبية في أجواء من الخلافات والصراعات على السلطة. فاجأ بن بلة من عرفوه قبل 1956 بقدرته على تناول مشاكل الدولة نتيجة تحضيره في السجن لبرنامج لإدارة الدولة قدمه في مؤتمر طرابلس. وبحضور ثلثا أعضاء المجلس تم انتخاب مكتب سياسي ضم بن بلة وست أعضاء آخرين.
أعلن بن بلة من تلمسان، عن تشكيلة المكتب السياسي الذي مهمته تسيير البلاد، بعد أن قدم إليها في 22 يوليو 1962 قادما من المغرب.
رسميا أعلن عن استقلال الجزائر في 5 يوليو 1962، بعد أن أيد الجزائريون بقوة الاستقلال في استفتاء لتقرير المصير. لكن الطبقة السياسية كانت تعيش وسط صراعات وتحالفات أبرزها بين الحكومة المؤقتة وأركان الجيش. وهكذا، لاحت في الأفق أزمة صائفة 1962 بين مجموعين اصطلح على تسميتهما بمجموعة تلمسان وعلى رأسها بن بلة وبومدين ومجموعة تيزي وزو وعلى رأسها بوضياف وكريم بلقاسم. كانت من نتيجتها دفع جيش الحدود للاستيلاء على العاصمة. الأمر الذي تم ورجح كفة الحلف «بن بلة-بومدين».
في نهاية سبتمبر 1962، قبل بن بلة رئاسة أول حكومة جزائرية بعد الاستقلال. كان بن بلة مترددا في أول الأمر ولكن بومدين أقنعه بقبول المسؤولية وضمن له دعم الجيش. وفي 26 سبتمبر 1962، نال ثقة المجلس الوطني التأسيسي بـ 141 صوت لصالحه مقابل 13 معارض. ونالت حكومة بن بلة الثقة في يوم 28 سبتمبر. وبذلك صار بن بلة رئيسا للحكومة الجزائرية في 29 سبتمبر 1962 بعد استقالة بن يوسف بن خدة.
وبعد أن وافق الشعب الجزائري على الدستور الأول للبلاد، تم ترشيح بن بلة كأول رئيس للجمهورية الجزائرية الديموقراطية الشعبية وانتخبه الشعب بأغلبية ساحقة في استفتاء 15 أكتوبر 1963. فاتخذ من فيلا جولي (حاليا مقر بنك الجزائر المركزي) مقرا للرئاسة. وفي مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني الذي انعقد في أبريل 1964 تم انتخاب بن بلة أمينا عاما للمكتب السياسي.
كانت بدايات صعبة للدولة الفتية بخزينة لا تكفي لأكثر من أسبوع ونقص في الكفاءات بعد رحيل الأوروبيين (جامعة واحدة بها 500 طالب، مهندسين معماريين اثنين و120 طبيب وصيدلية لكل الجزائر).
أول المشاكل التي واجهت الحكومة الدخول المدرسي وحملة الحرث والبذر ألتان كانتا على الأبواب. فرفع بن بلة التحدي واستطاع إنجاح عملية الحرث والبذر رغم الصعوبات فرزقت الجزائر بموسم فلاحي سخي. وبفضل علاقته الجيدة مع ديغول، استطاع تسهيل الدخول المدرسي ورفع العراقيل على تحويل الميزانية. وانطلاقا من مارس 1963، بدأت حكومة بن بلة في تأميم الأراضي الفلاحية، ليعقد بعد بضعة شهور المؤتمر الأول للفلاحين وذلك في إطار سياسة فلاحية سميت بالتسيير الذاتي يشرف عليها الديوان الوطني لإعادة الهيكلة الفلاحية (Office national de la réforme agraire : ONRA) أنشئ في نفس السنة. واستطاع بن بلة القضاء على ظاهرة ماسحي الأحذية. كما أولى للمرأة الجزائرية جانبا من الاهتمام، وتورد النشطة والمناضلة آني ستينر أن «بن بلة قدم كل الإمكانيات للمرأة وانقلاب بومدين عصف بكل شيء».
على الصعيد الدولي، عمل بن بلة على انضمام الجزائر لكل المحافل الدولية. فانضمت إلى منظمة الأمم المتحدة في أكتوبر 1963. كما مدت يد العون لكل الثورات التحررية في العالم إلى حد أن الجزائر وصفت بـ «مكة (أو قبلة) الثوار». ساندت الجزائر عسكريا الحركات التحررية مثل : ANC وPAC في جنوب أفريقيا، وSWAPO في جنوب غرب أفريقيا، وZANU وZAPU في زيمبابوي، وكذلك MPLA في أنغولا.
كان للمغرب تطلعات بتوسيع مساحته الجغرافية واسترداد ما زعم المغاربة أنها أرض اقتطعها الاستعمار الفرنسي. أثناء الثورة التحريرية، وعدت الحكومة الجزائرية المؤقتة بدراسة الأمر بعد الاستقلال. وأثناء مفاوضات حول الحدود كانت تجري بمدينة وجدة، اندلعت اشتباكات على الحدود الجزائرية المغربية في 8 أكتوبر 1963. وتطورت الاشتباكات خاصة بعد فشل مبعوث الحسن الثاني إلى الجزائر في مهمته في 10 أكتوبر.
الاشتباكات توقفت في 2 نوفمبر بموجب اتفاق تم التوصل إليه في مؤتمر عقد في باماكو بين 29 و30 أكتوبر تحت مظلة منظمة الوحدة الأفريقية. في هذا النزاع الذي سمي بـ«حرب الرمال» بين الجزائر والمغرب (19 أكتوبر - 2 نوفمبر 1963)، زودت مصر الجزائر بسرب من ستة طائرات لكن الجزائر لم تستعمله، كما أرسلت كوبا 3 سفن محملة بالسلاح غير أنها وصلت أسبوع بعد انتهاء الحرب.
على المستوى الداخلي وحد هذا النزاع الجزائريين الذين تأثروا بصيحة بن بلة «حقرونا». فانضمت إلى الجيش فرق منه كانت متمردة جهة القبائل واعتبر أحد قادتها «أن الجزائر أولا قبل كل شيء».
منذ البداية، نازع آيت أحمد وبوضياف بن بلة الحكم بدعوى أن كل منهما هو الأجدر والأحق. ولم يتوقف معارضو حلف بن بلة-بومدين رغم ميلان الكفة لصالح بن بلة، فاتهموه بالدكتاتورية. واستمروا في نشاطاتهم وتنظيم تجمعات شعبية معارضة لنظام الحكم القائم. أصبحت هذه المعارضة تشكل تهديدا لبلوغها درجة التمرد العسكري، فاعتقل بوضياف.
أعلن آيت أحمد في 9 يوليو 1963 عن تمرده عن الحكم والتحاقه بالعقيد محند اولحاج المتمرد مع جنوده في جبال القبائل منذ الاستقلال. وبهذا تكون معظم الزعامات والقيادات في منطقة القبائل (عدا العقيدين محمدي السعيد وإيعزوزن) قد اتحدت لإسقاط بن بلة ولو بالقوة. فشلت كل محاولات رد آيت أحمد عن تمرده المسلح رغم أنسحاب حليفه العقيد محند اولحاج. فتمكن الجيش الجزائري من إلقاء القبض عليه في 17 أكتوبر 1964 وسجنه. جرت محاكمة آيت أحمد وحكم عليه بالإعدام لكن بن بلة لم يتسرع في تنفيذ الحكم.
التمردات مست أيضا صفوف الجيش، وكان تمرد منطقة القبائل وتمرد شعباني في الجنوب أبرزها. كان العقيد شعباني على خلاف مع بومدين حول الضباط الفارين من الجيش الفرنسي لتشكيكه في إخلاصهم. احتار بن بلة في التعامل معه. تأزم الأمر دفع بإلقاء القبض على شعباني ومحاكمته والحكم بإعدامه.
بهذا يكون نظام بن بلة قد حيد كل خصومه السياسيين، فوضع فرحات عباس في إقامة جبرية في أدرار (جنوب البلاد) واعتقل بوضياف وسجن آيت أحمد، إلى جانب الساسة الذين فضلوا المنفى خارج الجزائر كمنطلق للمعارضة.
من الانتقادات الموجهة لحكم بن بلة قضاؤه على معارضيه السياسيين ما دفع بالبعض بالالتحاق بالمعارضة في الخارج. رغم أنه استهل عهده بانتهاج سياسة الاعتدال لكثرة القيادات والتيارات. وأعيب عليه تفرده بالحكم والجمع بين عدة سلطات. هذا لأن بن بلة كان مقتنعا أن الفترة العصيبة بحاجة إلى سلطة مركزية قوية.
كانت العروبة والإسلام والإصلاح الزراعي هي الأعمدة الثلاثة في برنامج بن بلة. في حين يعيب البعض على فترة حكمه، انشغالها بتصريف الشؤون اليومية عن بناء استراتيجية بعيدة المدى، وفشله في إرجاع الصورة الشعبية لحزب جبهة التحرير وحصر النشاط السياسي على هذا الحزب فقط.
في الجانب الاقتصادي، انصبت الانتقادات على ارتفاع نسبة البطالة (2.5 مليون بطال سنة 1964، من 11 مليون عدد سكان الجزائر)، وفشل التسيير الذاتي في الشركات في إعطاء نتائج إيجابية. في حين كان نزوح سكان الأرياف إلى المدن طالبا لحياة أفضل هو سبب هام في ارتفاع البطالة حاربه بن بلة من خلال مشروع الإصلاح الزراعي. وكان الهدف من نظام التسيير ذاتي أن تبقى الممتلكات للدولة ويعود ريعها على العاملين بها لتشجيعهم على العمل أكثر. وبالمقابل رفض بن بلة أن يصبح بعض الجزائريين إقطاعيين جدد وهنا اختلف مع فرحات عباس الذي كان يريد نظاما ليبراليا.
وعموما يرى بعض الدارسين، أنه نظرا للفترة القصيرة التي حكم فيها البلاد (سنتين ونصف)، فإنه لا يمكن الحكم على سياسة بن بلة إيجابا أو سلبا.