العربية  

books bayezid ii

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

بايزيد الثاني (Info)


الملكُ الوَلِيّ والسُلطان الغازي ضياءُ الدين وعون الغُزاة والمُجاهدين أبو النصر بايزيد خان الثاني بن مُحمَّد بن مُراد العُثماني (بالتُركيَّة العُثمانيَّة: الملكُ الوَلىّ غازى سُلطان بايزيد خان ثانى بن مُحمَّد بن مُراد عُثمانى؛ وبالتُركيَّة المُعاصرة: Sultan II. Bayezid Han ben Fatih Sultan Mehmed)، ويُعرف اختصارًا باسم بايزيد الثاني، وبِلقبه بايزيد الوليّ أو بايزيد الصُّوفيّ، هو ثامن سلاطين آل عُثمان وسادس من تلقَّب بِلقب سُلطانٍ بينهم بعد والده مُحمَّد الفاتح وأجداده من مُراد الثاني إلى مُرادٍ الأوَّل، وثالث من لُقِّب بِالـ«ثاني» من سلاطين آل عُثمان، وثاني من حمل لقب «قيصر الروم» من الحُكَّام المُسلمين عُمومًا والسلاطين العُثمانيين خُصوصًا بعد والده الفاتح. والدته هي أمينة گُلبهار خاتون، وقيل مُكرَّمة خاتون، وكان مولده سنة 851هـ المُوافقة لِسنة 1447م، وهو بِكر أولاد السُلطان مُحمَّد الفاتح، وخلفهُ على عرش آل عُثمان بعد وفاته سنة 886هـ المُوافقة لِسنة 1481م.

كان السُلطان بايزيد الثاني ميَّالًا لِلسِّلم أكثر منهُ إلى الحرب، مُحبًّا لِلعُلُوم والآداب مُشتغلًا بها، ولِذلك سمَّاهُ بعض المُؤرخين العُثمانيين «بايزيد الصُّوفيّ». لكن دعتهُ سياسة الدولة والمُستجدَّات الخارجيَّة الخطيرة التي ظهرت في أيَّامه إلى ترك أشغاله السلميَّة المحضة والاشتغال بِالحرب، وكانت أوَّل حُرُوبه داخليَّة، ذلك أنَّ أخاه جَمًّا أشهر العصيان في وجهه وحاول بدايةً ادعاء الأحقيَّة لِنفسه بِالعرش، ولمَّا فشل في ذلك عرض على أخيه اقتسام الدولة بينهما، فيختصُّ جَمّ بِالبلاد الآسيويَّة وبايزيد بِالبلاد الأوروپيَّة، فلم يقبل بايزيد، بل حارب أخاه وقهره حتَّى أجبره إلى الالتجاء لِلدولة المملوكيَّة، وقد عاد جَمّ فيما بعد إلى الأناضول وحاول مُجددًا التربُّع على العرش فهُزم مرَّة أُخرى، واضطرَّ إلى الهُرُوب مُجددًا وعاش بقيَّة حياته منفيًّا في أوروپَّا الغربيَّة. ولم تحدث في عهد هذا السُلطان فُتُوحاتٌ ذات أهميَّة كبيرة في أوروپَّا، بل اقتصرت نشاطاته العسكريَّة على المناطق الحُدُوديَّة لِصدِّ الاعتداءات الخارجيَّة، فلم تتوسَّع الدولة بِشكلٍ كبير. وحدثت، في هذا العهد، أولى الاشتباكات العسكريَّة بين المماليك والعُثمانيين بِفعل مُتاخمة أراضي الدولتين عند أضنة وطرسوس، واشتداد التنافُس بينهما على زعامة المُسلمين، فسعى السُلطان المملوكي أبو النصر قايتباي إلى السيطرة على إمارة ذي القدريَّة الخاضعة لِلسيادة العُثمانيَّة، فاستقطب أميرها وحرَّضهُ على العُثمانيين، فوقعت عدَّة مُناوشاتٍ حُدوديَّةٍ بين الطرفين لم تهدأ إلَّا بِوساطة السُلطان الحفصي أبي يحيى زكريَّاء بن يحيى الذي نجح بِإقناع الطرفين على إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل بداية الاحتكاك. وعند وفاة السُلطان قايتباي واعتلاء السُلطان قانصوه الغوري مكانه استُأنفت علاقة الوداد والتقارب والتعاون بين المماليك والعُثمانيين، فأرسل السُلطان بايزيد عتادًا وموادًا أوليَّةً إلى مصر بِرفقة كبار الخُبراء العسكريين والفنيين لِصناعة سُفُن حربيَّة مُتطوِّرة في ميناء السويس بِهدف مُواجهة الخطر الپُرتُغالي المُتصاعد في بحر القلزم (الأحمر)، وتواترت الرسائل الوديَّة بين الطرفين التي عكست رغبة العُثمانيين والمماليك بِتصفية الأجواء بين دولتيهما، بحيثُ كان السُلطان الغوري يُخاطبُ السُلطان بايزيد بِألقابٍ تدُلُّ على مدى الاحترام والاعتبار الذي يوليه له، منها على سبيل المِثال: «الأخ الأعدل الأشجع».

شهد عهد بايزيد الثاني أيضًا سُقُوط الأندلُس وخُرُوجها من أيدي المُسلمين بِدُخُول الملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلَّا مدينة غرناطة، آخر معاقل الإسلام في البلاد الأندلُسيَّة. وقد استنجد المُسلمون الأندلُسيُّون بِالسُلطان العُثماني ونظيره المملوكي لِتخليصهم ممَّا هُم فيه، فأرسل بايزيد أساطيله لِحمل المُسلمين واليهود الهاربين من الاضطهاد والقتل إلى البلاد الإسلاميَّة المُجاورة، بما فيها الأراضي العُثمانيَّة، كما قصف العُثمانيُّون بضعة مُدن خاضعة لِمملكة قشتالة انتقامًا لِلمُسلمين من جهة، ولِإلهاء النصارى وشغلهم عن الأندلُسيين الهاربين. شكَّلت هذه العمليَّات العسكريَّة بدايات ما عُرف بِالجهاد البحري، فقد أخذ الكثير من البحَّارة المُسلمين يُغيرون من تلقاء أنُفسهم على السُفن القشتاليَّة والپُرتُغاليَّة والإيطاليَّة انتقامًا لِلأندلُسيين ورغبةً من بعضهم في استغلال النزاع لِجني بعض الأرباح من خلال الإغارة على سُفُن الأعداء، وكان الشاهزاده قورقود بن بايزيد أوَّل من احتضن هؤلاء البحَّارة وأمَّن لهم الحماية، ومدَّهم بِالمُؤن والعتاد والذخائر. ومن الوقائع فائقة الأهميَّة في عهد بايزيد ظُهُور السُلالة الصفويَّة الشيعيَّة في أذربيجان وسيطرتها بزِعامة قائدها الشاه إسماعيل بن حيدر على أغلب البلاد الإيرانيَّة. وقد فرض الشاه إسماعيل التشيُّع على الناس ثُمَّ أخذ دُعاته يتغلغلون بين قبائل التُركمان في الأناضول الشرقيَّة وأرمينية ويُهدِّدون الهيمنة العُثمانيَّة في تلك البلاد، فتصدَّى لهم الشاهزاده سليم بن بايزيد وألحق بهم هزائم في عدَّة مُناسبات.

تكدَّر صفاء حياة بايزيد الثاني في سنيّ حُكمه الأخيرة بِعصيان أولاده عليه لِكثرة تدخُّل الساسة والوُزراء والقادة العسكريين بِأُمُور ولاية العهد، بعدما اشتدَّت الأمراض على السُلطان وأصبح غير قادر على مُعالجة أُمُور الحُكم بِكفاءته المعهودة. فدعم كُل فريقٍ أحد أولاد السُلطان، فحدثت فتنة في البلاد، لكنَّ الغلبة كانت في نهاية المطاف من نصيب سليم بن بايزيد، الذي التفَّ حوله قادة الجيش لِإصراره على مُواجهة الخطر الصفوي والتعامل معهُ بِجديَّةٍ فائقة، عكس أخويه اللذين لم يوليا هذا الأمر أهميَّته رُغم النوايا المُعادية لِلشاه إسماعيل الصفوي. أمام هذا الواقع، تنازل بايزيد عن المُلك لِولده سليم وسافر لِلاعتزال في بلدة ديموتيقة، فتُوفي في الطريق، ونُقل جُثمانه إلى إسلامبول حيثُ دُفن. عُرف السُلطان بايزيد لدى مُعاصريه بِالصلاح والتُقى، حتَّى رُفع إلى مرتبة الولاية، وبذل جُهُودًا على الصعيد الداخلي من أجل وضع الأُسس التي قامت عليها الدولة العُثمانيَّة لاحقًا، فدعا العُلماء والفنانين وشُيُوخ الطُرق الصوفيَّة إلى العاصمة الجديدة إسلامبول، وأسَّس الأوقاف وطوَّرها. وصفهُ المُؤرِّخ أحمد بن يُوسُف القرماني بِقوله: «وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ السَّلَاطِين الْعُظَمَاء. تَفَرَّع مِنْ شَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، وَتَزَيَّنْت بِاسْمِه رُؤُوس الْمَنَابِر، وَتَوَشَّحَت بِذِكْرِه صُدُورُ الْمَنَائِر».

حياته قبل السلطنة

ولادته ونشأته

وُلد بايزيد الثاني سنة 851هـ المُوافقة لِسنة 1447م، في سراي ديموتيقة بِالروملِّي، وهو بِكر أولاد السُلطان مُحمَّد الفاتح. تختلف المصادر على تحديد يوم ميلاده تحديدًا دقيقًا، فجعلته بعضها في شهر كانون الأوَّل (ديسمبر) 1447م أو في كانون الثاني (يناير) 1448م. وجعلتهُ أُخرى يوم 25 رمضان 851هـ المُوافق فيه 3 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1447م، بينما جعلته غيرها يوم 7 شوَّال 852هـ المُوافق فيه 3 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1448م، بل إنَّ إحدى الروايات تقول أنَّ مولده كان في شهر كانون الأوَّل (ديسمبر) 1450م. تتفق الكثير من المصادر المُعاصرة على أنَّ والدة بايزيد هي أمينة گُلبهار خاتون الأرناؤوطيَّة، على أنَّ مصادر أُخرى تنص على أنَّ والدته هي مُكرَّمة خاتون، رُغم أنَّ هذا مُستبعد كون مُكرَّمة خاتون تزوَّجت من السُلطان الفاتح سنة 1449م، أي بعد سنتين أو سنةٍ بِأفضل الأحوال، من مولد بايزيد. بُعيد فتح القُسطنطينيَّة، كان بايزيد قد بلغ السابعة من عُمره، فأرسله والده السُلطان إلى أماسية لِيكون واليًا عليها ويبدأ التدرُّبَ على شُؤون الحُكم والإدارة، وعيَّن لهُ أتابكًا هو علي باشا الخادم لِيُشرف على تربيته وتأديبه، إلى جانب العديد من العُلماء والأُدباء لِتعليم الشاهزاده وتثقيفه بِعُلُوم ذلك العصر. أخذ بايزيد العُلُوم الشرعيَّة عن أحد أكبر عُلماء زمانه، وهو الشيخ مُحيي الدين مُحمَّد الإسكليبي، شيخ الطريقة البيرميَّة، الذي يُروى أنَّهُ عندما اعتزم الذهاب لِلحج قال لِتلميذه بايزيد: «إنِّي أَجِدْكَ بَعْد إِيَابِيَ مِنْ الْحِجَازِ جَالِسًا عَلَى سَرِيرِ السَّلْطَنَةِ»، وكان كما قال، فأحبَّهُ بايزيد محبَّةً عظيمة حتَّى اشتهر بين الناس بِـ«شيخ السُلطان»، وبنى له بايزيد، حينما أصبح سُلطانًا، زاويةً في العاصمة إسلامبول. كما تلقَّى السُلطان المُستقبلي علمي التفسير والحديث على يد المولى الخطيب قاسم بن يعقوب الأماسي. وإلى جانب العُلُوم الشرعيَّة، أخذ بايزيد الرياضيات والفلسفة عن أعلام تلك العُلُوم في عصره، وأتقن اللُغات الشرقيَّة: العربيَّة والفارسيَّة والجغطائيَّة، مع آدابها، إلى جانب لُغته الأُم التُركيَّة، وتعلَّم القليل من الإيطاليَّة، وأجاد الأبجديَّة الأويغوريَّة، وتعلَّم تأليف الشعر والتلحين والتذهيب وصنع الأقواس، وأخذ التخطيط عن الشيخ حمد الله الأماسي، كما أخذ العُلُوم العسكريَّة عن كبار القادة وأُمراء الجيش، وبسبب هذا التحصيل العلمي الكبير وُصف بايزيد الثاني بِأنَّهُ «أعلم بني عُثمان» بعد أبيه الفاتح. اختُتن بايزيد وأخوه مُصطفى سنة 861هـ المُوافقة لِسنة 1457م، واحتفل والدهُما السُلطان بِهذه المُناسبة احتفالًا زائدًا، فأولم لِلناس فرحًا في موضعٍ يُقالُ له «آطه» بِالقُرب من مدينة أدرنة، وامتدَّ الاحتفال شهرًا.

ولايته لِلعهد

بقي بايزيد وليًّا لِلعهد نحو 27 سنة، ولو اعتُمدت رواية ميلاده سنة 1450م، فتكون ولايته لِلعهد استمرَّت 30 سنة وشهرين و28 يومًا. خِلال هذه الفترة، أدار بايزيد أُمُور سنجق أماسية، وفي ربيع سنة 878هـ المُوافقة لِسنة 1473م، شارك بايزيد وشقيقه مُصطفى مع والدهما السُلطان الفاتح في معركة أوتلق بلي ضدَّ التُركمان الآق قويونلويين بِقيادة الأمير حسن بن عليّ البايندري الشهير بِـ«أوزون حسن» أي «حسن الطويل»، الذي كان قد حالف البُندُقيَّة في حربها الكُبرى ضدَّ العُثمانيين. وفي هذه المعركة، وقف بايزيد في ميمنة الجيش العثماني ومعه الوزير كدك أحمد باشا، وأخوه الشاهزاده مُصطفى في الميسرة ومعه البكلربك داود باشا، والسُلطان مُحمَّد ومعهُ طائفة القپوقوليَّة في القلب. دامت المعركة عدَّة ساعات وانتهت بانتصارٍ عُثمانيٍّ واضح نتيجة تفوَّق هؤلاء بِالسلاح والعتاد بما فيه المدافع والبنادق الثقيلة، وهاجم بايزيد سرادق أوزون حسن، الذي سارع بِالهرب من الميدان ناجيًا بِحياته. وفي سنة 1479م، تعرَّضت قافلة تُجَّار إيرانيِّين لِلنهب على يد بعض قُطَّاع الطُرق قُرب بلدة «تُورُل» في البنطس، فحمل بايزيد على المنطقة مع بعض الجُنُود وقطع دابر اللُصُوص، وضمَّ البلدة وأعمالها إلى الدولة العُثمانيَّة.

تروي بعض المصادر العُثمانيَّة أنَّ بايزيد الثاني شرب الخمر وتعاطى الأفيون في شبابه خِلال فترة ولايته لِلعهد، بِتأثيرٍ من صديقين مُقرَّبين من خاصَّته، هُما عبد الرحمٰن بن مُؤيَّد ومحمود بك الخاصكي، اللذين كانا يُشوِّقانه على تعاطي الحشيش وغيره من المُخدِّرات، وفي ذلك قال المُؤرِّخ مُصطفى علي بن أحمد بن عبد المولى الگليپوللي: «كَانَ يُحِبُّ اللَّهْوِ فِي شَبَابِهِ، وَلَكِنَّه نَتِيجَة التَّنْبِيهَات وَلَا سِيَّمَا مِنْ قِبَلِ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ يَوْسِي - وَالِد أَبُو السُّعُودِ أَفَنْدِي - وَإِرشَادِهِ لَهُ فَقَدْ نَذَرَ نَفْسِه لِلْعِبَادَةِ وَالتَّقْوَى». وبِحسب إحدى الروايات فإنَّ السُلطان مُحمَّدًا الفاتح عندما سمع بِأمر صديقيّ بِكره وعلِم أنَّ هذا قد يسير به على طريق الغواية، أرسل على الفور سنة 884هـ المُوافقة لِسنة 1479م، كتابًا شديد اللهجة إلى أمير سنجق قسطموني أحمد بك الفناري، وهو من جُملة مُعلمي ومُرشدي بايزيد، أعلمهُ فيه أنَّهُ طرق سمعهُ بِأنَّ صديقين من أصدقاء ابنه يُشوِّقانه لِتعاطي المُخدِّرات، ولو نجحا في ذلك لفسدت فِطرة وليّ العهد، وأنَّهُ لِكونه مُرشده ومُعلِّمه عليه أن يتدخَّل في الموضوع فورًا، ومُعاقبة الصديقين لِعادتهما السيِّئة ولِكونهما أداة فساد في المُجتمع، وإن كان بايزيد ابتُلي بِالمُخدِّر حقًا فعليه بِعرضه على الأطباء ومُعالجته فورًا. فردَّ أحمد بك على السُلطان بِرسالةٍ جوابيَّةٍ ذكر فيها أنَّ ما ورد بِحق الصديقين صحيح، غير أنَّ بايزيد لم يشترك معهما بِأيٍ من المُنكرات وليس لهُ علاقة وثيقة بِهما.

يقول الباحثان الدكتوران أحمد آق كوندز وسعيد أوزتورك (بالتركية: Ahmet Akgündüz & Said Öztürk)‏ أنَّ هُناك شُبُهات كثيرة حول هذه الرواية، بما فيها قيام صديقيّ بايزيد - ولا سيَّما عبد الرحمٰن بن مُؤيَّد - بِارتكاب هذه المُحرَّمات. فالمصادر التاريخيَّة تُجمع أنَّ بايزيد الثاني كان من أكبر العُلماء بِالشريعة الإسلاميَّة بعد والده الفاتح، واشتهر بِعبادته وتقواه، وإنَّ العبارة الواردة عند مُصطفى علي بن أحمد بن عبد المولى الگليپوللي لا تتضمَّن قولًا صريحًا حول شُرب بايزيد لِلخمر، ومن المعروف أنَّ المُؤرِّخ مُصطفى الگليپوللي لم ينقل سوى بعض الادعاءات عن لسان بعض الأشخاص حول بضعة سلاطين كبايزيد الأوَّل وسليم الثاني وبايزيد الثاني. إضافة إلى ذلك، قال المُؤرِّخ طاشكبري زاده بِأنَّ عبد الرحمٰن بن مُؤيَّد كان نفسه عالمًا كبيرًا، وأنَّهُ تعرَّض لِفريةٍ شنيعةٍ، فقد كان يدرس كتاب «المُفصَّل في صنعة الإعراب» لِلإمام الزمخشري، وارتقى فيما بعد إلى مرتبة قاضي إسلامبول، ثُمَّ تبوَّأ منصب قاضي عسكر الروملِّي. ويُضاف إلى ذلك، قول الباحثين أحمد آق وأوزتورك أنَّ العديد من شُيُوخ الإسلام العُثمانيين كانوا قد أصدروا عدَّة فتاوى حول حُرمة جميع أنواع المُخدِّرات، كالخشخاش والبنج والبرش (شرابٌ يحتوي على الأفيون) والأفيون والمعجون (عجينة تحتوي على الأفيون) وغيرها. ومن تلك الفتاوى: «هَل تَنَاوَل الْبُرْشُ وَالْأَفْيُونُ والمَعْجُونُ الْمُحْتَوِي عَلَى الْأَفْيُونِ دُونَ بُلُوغِ مَرْتَبَة السُّكْرِ حَرَامٌ؟ الْجَوَاب: "أَنَّ هَذِهِ الْمَوَادِّ الَّتِي يَتَنَاوَلُهَا الْفَاسِقُون وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ - بِاسْتِثْنَاء مَا كَانَ مِنْهَا لِلْعِلاج - لَيْسَت حَلَالًا عَلَى الْإِطْلَاقِ».

انتقال العرش إلى بايزيد وثورة الإنكشاريَّة

تُوفي السُلطان مُحمَّد يوم الخميس 4 ربيع الأوَّل 886هـ المُوافق فيه 3 أيَّار (مايو) 1481م في موضعٍ يُقال له «تكفور چايري» بِأُسكُدار، على الضفَّة الشرقيَّة لِلبوسفور، وكان قد خرج إلى الموضع المذكور ليبدأ الإعداد لِحملةٍ كبيرةٍ يغلب الظن أنَّها كانت مُوجَّهة إلى إيطاليا، لكن داهمه مرضٌ مُفاجئ، وأخذ يشتد ويقوى حتَّى وافاه الأجل. وتنُصُّ المصادر أنَّ السُلطان ترك وصيَّةً لِوليّ عهده بايزيد، وهو على فراش الموت، يُوصيه فيها بِالاستقامة وحُسن الحُكم والإدارة والانقياد لِأوامر ونواهي الشريعة الإسلاميَّة والإحسان لِلرعيَّة، فقال:

ها أنذا أموت ولكنني غير آسف لِأنِّي تاركٌ خلفًا مثلُك. كُن عادلًا صالحًا رحيمًا، وابسط على الرعيَّة حمايتك بِدون تمييز، واعمل على نشر الدين الإسلامي، فإنَّ هذا هو واجب المُلُوك على الأرض. قدِّم الاهتمام بِأمر الدين على كُلِّ شيء، ولا تفتر بِالمُواظبة عليه، ولا تستخدم الأشخاص الذين لا يهتمُّون بِأمر الدين، ولا يجتنبون الكبائر وينغمسون في الفُحش، وجانب البدع المُفسدة، وباعد الذين يُحرِّضونك عليها. وسِّع رُقعة البلاد بِالجهاد، واحرُس أموال بيت المال من أن تتبدَّد. إيَّاك أن تمُدَّ يدك إلى مال أحدٍ من رعيَّتك إلَّا بِحق الإسلام، واضمن لِلمعوزين قوتهم، وابذل إكرامك لِلمُستحقين. وبِما أنَّ العُلماء هم بِمثابة القُوَّة المبثوثة في جسم الدولة، فعظِّم جانبهم وشجعِّهُم، وإذا سمعت بِأحدٍ منهم في بلدٍ آخر فاستقدمه إليك وأكرمه بِالمال. حذارِ حذارِ لا يغُرَّنَّك المال ولا الجُند، وإيَّاك أن تُبعد أهل الشريعة عن بابك، وإيَّاك أن تميل إلى أيِّ عملٍ يُخالف أحكام الشريعة، فإنَّ الدين غايتنا، والهداية منهجنا، وبِذلك انتصرنا. خُذ منِّي هذه العبرة: حضرتُ هذه البلاد كنملةٍ صغيرة، فأعطاني الله تعالىٰ هذه النعم الجليلة، فالزم مسلكي، واحذُ حُذوي، واعمل على تعزيز هذا الدين وتوقير أهله، ولا تصرف أموال الدولة في ترفٍ أو لهوٍ أو أكثر من قدر اللُّزوم، فإنَّ ذلك من أعظم أسباب الهلاك.

ولمَّا تُوفي السُلطان الفاتح، أخفى الصدر الأعظم مُحمَّد باشا القرماني خبر موته عن الجُند، لكنَّهُ أساء في التدبير، فلم يُرسل إلى بايزيد أن يحضر لِيتولَّى العرش، بل أرسل قاصدًا إلى أخيه الأصغر الشاهزاده جَمّ يستعجله بِالقُدُوم إلى العاصمة لِيستلم مقاليد الدولة قبل أن يصل الخبر لِأخيه. وكان سبب فعله هذا هو شدَّة ارتباطه وميله ومودَّته بِالشاهزاده الأصغر. وكان جَمّ آنذاك واليًا على بلاد القرمان ومُتمركزًا في قونية، إذ كان والده قد أقطعهُ إيَّاها بعد وفاة أخيه الشاهزاده مُصطفى. واتُفق أنَّ قاصد الصدر الأعظم صادف بعض رجال بكلربك الأناضول سنان باشا، فأمسكوه وحملوه إلى سيِّدهم المذكور، الذي كان صهرًا لِبايزيد، فاكتشف معهُ الرسالة المُوجَّهة لِلشاهزاده جَمّ، فأمر بِحبس القاصد وكتم الخبر. وكان الوُزراء قد أرسلوا إلى بايزيد يوم وفاة والده رجُلًا من الجاووشيَّة(1) يُقالُ له «ككلك مُصطفى»، فركب على وجه السُرعة إلى أماسية ووصلها يوم 8 ربيع الأوَّل 886هـ المُوافق فيه 7 أيَّار (مايو) 1481م، ودخل على وليّ العهد وعزَّاه بِموت والده وهنَّأه بِانتقال العرش إليه. خِلال ذلك الوقت، كان الصدر الأعظم قد أظهر لِلجيش أنَّ السُلطان مُحمَّد قد قصد العودة إلى إسلامبول إلى أن يُعافى من المرض الذي ألمَّ به، فحمل الجُثمان في عربةٍ وسار بها إلى العاصمة، وترك الجُند والمُعسكر في الموضع الذي نزل به السُلطان وتُوفي. ولمَّا دخل موكب الصدر الأعظم إسلامبول أسرع بِإخراج الغلمان الأعجميين(2) أيضًا بِحُجَّةٍ واهية، ومنع السُفُن والزوارق من المسير إلى ساحل أُسكُدار لِئلَّا يعبر الجُنُود إلى إسلامبول.

ولم يبقَ خبر موت السُلطان سرًا لِفترةٍ طويلة، إذ سُرعان ما شاع بِسبب التدابير السيِّئة لِلصدر الأعظم، وما أن وصل إلى علم الإنكشاريَّة وعلموا بِإجراءات مُحمَّد باشا حتَّى أعلنوا التمرُّد، فعبروا البوسفور بِواسطة بعض الزوارق التي وجدوها في القُرى الساحليَّة، ودخلوا العاصمة ثُمَّ وثبوا على سراي الصدر الأعظم فنهبوها وقتلوه، وعاثوا في المدينة سلبًا ونهبًا، فأغاروا على بُيُوت الأعيان والمُتموِّلين من اليهود فنهبوها نهبًا فاحشًا. وسارع بعض العُقلاء من الساسة والقادة إلى إرسال كتابٍ إلى الغازي إسحٰق باشا، وهو السياسي والعسكري المُخضرم الذي تولَّى بكلربكيَّة الأناضول في عهد السُلطان مُحمَّد الفاتح وقاد عدَّة حملات عسكريَّة ناجحة، يطلبون منه المجيء فورًا إلى إسلامبول لِوأد الفتنة ريثما يحضر السُلطان العتيد. وكان إسحٰق باشا آنذاك مُتقاعدًا في سنجق سالونيك، لكنَّهُ استجاب لِلطلب وحضر على وجه السُرعة، فسكنت فتنة الجُند إذ كانت جميع الفرق والطوائف العسكريَّة تحترمه وتُوقِّره، كما وعدهم بِالترقيات والعطيَّات ما أن يتولَّى السُلطان الجديد. وأقام إسحٰق باشا الشاهزاده قورقود بن بايزيد نائبًا عن أبيه حتَّى وُصُوله. خرج بايزيد من أماسية بعد ثلاثة أيَّامٍ من علمه بِوفاة والده في أربعة آلاف فارسٍ من أتباعه، فوصل إلى أُسكُدار بعد تسعة أيَّامٍ حيثُ استقبلهُ الأعيان والجُند، ثُمَّ ركب البحر لِلعُبُور إلى إسلامبول. وفي أثناء اجتيازه المضيق أحاطت به عدَّة قوارب ملأى بِالإنكشاريَّة وطلبوا منه عزل أحد الوُزراء المدعو مُصطفى باشا بن حمزة، الذي بلغهم أنَّ بايزيد ينوي تعيينه في منصب الصدارة العُظمى، واستبداله بِالغازي إسحٰق باشا، لِضمان حُصُولهم على العطايا والترقيات التي وُعدوا بها، فوعدهم بايزيد بِتحقيق طلبهم. وفي 23 ربيعٍ الأوَّل 886هـ المُوافق فيه 22 أيَّار (مايو) 1481م، وصل السُلطان الجديد إلى عاصمة مُلكه، ولمَّا قرُب من السراي اصطفَّت الإنكشاريَّة على طريقه وسألوه العفو عمَّا جرى منهم من قتل الصدر الأعظم مُحمَّد باشا القرماني ونهب بُيُوت الأعيان وأن يُنعم عليهم بِمبلغٍ من المال سُرُورًا بِتولِّيه عرش آبائه وأجداده، فأجابهم إلى جميع مطالبهم وشقَّ صُفُوفهم فدخل السراي وجلس على تخت السلطنة. وفي غد ذلك اليوم أُخرج نعش السُلطان مُحمَّد لِلصلاة عليه، وأمَّ الصلاة الشيخ مُصلح الدين مُصطفى بن أحمد الصدري القنوي، الشهير بِابن الوفاء، واكتنف السُلطان بايزيد بِنفسه نعش أبيه وحملهُ عدَّة خُطُواتٍ حتَّى وُري الثرى بِجهة قبلة المسجد الجامع الذي سُمي باسمه. وجلس السُلطان بايزيد أيَّامًا يتقبَّل العزاء بِموت والده، ثُمَّ شرع في تدبير شُؤون المُلك، وكان أوَّل ما فعله أن خلع على الأعيان والأشراف، وفوَّض الصدارة العُظمى إلى إسحٰق باشا، وأنفذ جميع وُعُوده من الترقيَّات والعطيَّات، وجعل مُصطفى باشا بن حمزة سالِف الذِكر وزيرًا ثانيًا.

الصراع بين الأخوين بايزيد وجَمّ سُلطان

بدء الفتنة وانسحاب العُثمانيين من جنوب إيطاليا

كان الشاهزاده جَمّ سُلطان بن مُحمَّد، يتمتَّع بِتعاطُف بعض القطاعات المُعيَّنة من الرأي العام، وأبرزُها عددٌ من القبائل التُركمانيَّة الأناضوليَّة قليلة الحماس لِلسُلطة المركزيَّة، فاجتمع عليه جمعٌ من القرمانيين إلى جانب بعض العُثمانيين البطَّالين والأوباش. ولمَّا بلغهُ خبر موت أبيه سعى هؤلاء إلى تحريكه على طلب السلطنة، فسار على الفور مع من حاز ولاذ به قاصدًا مدينة بورصة. والحقيقة أنَّ جَمّ سُلطان لم يحصل على دعم أحد من كبار الأعيان والساسة العُثمانيين إلَّا الصدر الأعظم المقتول مُحمَّد باشا القرماني بِسبب المودَّة والصداقة القائمة بينهما كما أُسلف. أمَّا بايزيد فكانت علاقته قويَّة بِرجال الدولة النافذين، مُنذُ أن كان وليًّا لِلعهد، ومن هؤلاء صهره بكلربك الأناضول سنان باشا، والغازي إسحٰق باشا الذي كان عدوًّا لِلصدر الأعظم الأسبق، وكان صاحب تأثيرٍ فعَّالٍ على طائفة الإنكشاريَّة، وسبب هذه العداوة والكراهيَّة بين الرَّجُلين ترجع إلى الإشاعات التي ظهرت حول مُحاولة مُحمَّد باشا القرماني تسميم السُلطان الفاتح، بِالإضافة إلى تسلُّطه على بعض الأوقاف الإرصاديَّة، وتحويلها إلى تيمارات، وفرضه بعض الضرائب الجديدة من أجل تقوية الخزينة، ولمَّا أُضيف إليها سعيه في إيصال الشاهزاده الأصغر إلى العرش، كان عاقبة أمره أن لم يستطع إنقاذ نفسه من أيدي الإنكشاريين. بِالإضافة إلى ذلك، شهد بلاط بايزيد في أماسية تجمُّعًا لِلمُعارضين لِسياسة السُلطان مُحمَّد، والمعروف أنَّ هؤلاء المُعارضين شكَّلوا الطبقة الأرستقراطيَّة العُثمانيَّة، وكان سبب مُعارضتهم سياسة الفاتح أنَّهُ استبعدهم عن السُلطة ومراكز القوى، كما فعل مع آل الجندرلي الذين خلعهم من الصدارة العُظمى بعد 90 سنة أمضوها يتوارثون هذا المنصب، وقدَّم عليهم الساسة والقادة من زُمرة الدوشيرمة، وهُم البلقانيين النصارى الذين كانوا يُختارون وهُم فتيان بِالقُرعة، ويُجلبون إلى البلاد العُثمانيَّة حيثُ يُربُّون ويُعلَّمون لدى طائفة الإنكشاريَّة أو في سراي السُلطان. فامتعض هؤلاء أشد امتعاض من هذه السياسة، التي أظهرت السُلطان وكأنَّهُ يُفضِّلُ مجهولي النسب والتاريخ على أشراف العُثمانيين، وشاهدوا نُفُوذهم القديم يخرج من أيديهم وانفتاح أبواب كافَّة الوظائف، ومنها الصدارة العُظمى، أمام الدوشيرميين. والواقع أنَّ السُلطان مُحمَّد قصد من وراء هذه الخُطوة تقوية مركزيَّة الدولة، وذلك لا يكون إلَّا بِتبلوُرها في شخص السُلطان في سبيل استمرار فاعليَّة عجلتها ودوامها، كما أنَّ أُمراء الأناضول من التُركمان الإقطاعيين لم يكونوا قريبين من فكرة الاتحاد العُثماني، وأفلتوا منها على الدوام، فكان السُلطان لا يرتاح لهم. أمَّا الدوشيرميين فقد تربُّوا في السراي ولا يعرفون أبًا أو سيِّدًا لهم سوى السُلطان، فهم لا يستمدُّون قُوَّتهم من عائلاتهم أو ثرواتهم أو ماضيهم، وإنَّما يستمدُّونها مُباشرةً من السُلطان نفسه. أمام هذا الواقع، وقف أشراف العُثمانيين خلف بايزيد، على أمل استعادة نُفُوذهم في عهده، فشكَّلوا تكتُّلًا جيِّد التنظيم مُواليًا له في مُواجهة أخيه، في الوقت الذي كان فيه أعوان جَمّ سُلطان على قلَّتهم سالِفة الذِكر.

ولمَّا بلغ السُلطان بايزيد أنَّ أخيه خرج عليه وتوجَّه إلى صوب بورصة، أرسل أحد وُزرائه، واسمه أيَّاس باشا، في ألفيّ إنكشاريّ من طريق مودانية لِرد الخطر عن العاصمة العتيقة للدولة، ثُمَّ عبر السُلطان أيضًا إلى أُسكُدار في بقيَّة الجيش. سار أيَّاس باشا ونزل في بلدة قبلوجة من أعمال بورصة، وكان قد قدِم جمعٌ من عسكر جَمّ بِقيادة شخص يُقال له «كدك نصوح»، وحاولوا دُخُول المدينة، فقابلهم أيَّاس باشا وقاتلهم، إلَّا أنَّ أهل بورصة سُرعان ما انضمُّوا إلى جانب جَمّ وقاتلوا الوزير وجُنُوده وحالوا دون دُخُول هؤلاء إلى البلد. وسبب فعلهم هذا أنَّهم خافوا الإنكشاريَّة لِما فعلوه بِأهل إسلامبول من نهب البُيُوت وارتكاب الفُجُور، ففضَّلوا تسلُّط الشاهزاده العاصي عليهم. وهكذا انهزم أيَّاس باشا ووقع في الأسر مع كثيرٍ من الإنكشاريَّة، وما أن وصل جَمّ بعد انتهاء المعركة حتَّى استقبله الأهالي وأدخلوه البلد وسلَّموه القلعة، فجلس فيها على تخت المُلك، وخُطب لهُ فيها على المنابر، وأقام فيها ثمانية عشر يومًا حتَّى سخَّر نواحيها، وعيَّن الوُزراء والقادة، وضرب النُقُود باسمه. وما أن بلغ ذلك إلى السُلطان حتَّى سار إلى دفع غائلة أخيه من طريق يني شهر، فأرسل إليه جَمّ عمَّة والدهما سُلجُوق خاتون بنت السُلطان مُحمَّد الأوَّل مع المولى أيَّاس البروسوي وأحمد چلبي بن شُكر الله، وحملت سُلجُوق خاتون رسالةً إلى السُلطان بايزيد عرض فيها جَمّ الصُلح على أخيه بِشرط اقتسام الدولة، فيحكم جَمّ البلاد الآسيويَّة في حين يحكم بايزيد البلاد الأوروپيَّة. رفض بايزيد عرض أخيه، وأخذ يستعد لِمُلاقاته، فأعاد سُلجُوق خاتون مُكرَّمةً إلى مُرسلها، وسار بِاتجاه بورصة. واستعدَّ جَمّ أيضًا لِلقتال، فتوجَّه إلى صوب يني شهر، وسيَّر في مُقدِّمته «كدك نصوح» ومُحمَّد چلبي بن أوزغور في جمعٍ من جيشه. وحاول بايزيد أن يحول دون إهراق الدماء، فأرسل من ينصح أخاه وعرض عليه ما يختار غير السلطنة، فلم ينتصح، وهكذا لم يعد هُناك مهربٌ من القتال. وكان الصدر الأعظم إسحٰق باشا قد أرسل في طلب كدك أحمد باشا المُحاصر لِأطرانط في جنوب إيطاليا، مُنذُ أواخر عهد السُلطان الفاتح، يُخبره بِوُجُوب الحُضُور على وجه السُرعة لِلقضاء على الفتنة، فاستجاب أحمد باشا، وأخذ الأُسطُول والقسم الأكبر من الجُنُود وغادر إيطاليا مُتوجهًا نحو الأناضول.

التقت طليعة السُلطان بايزيد بِقيادة بكلربك الأناضول سنان باشا مع مُقدِّمة الشاهزاده جَمّ، فاقتتلوا حتَّى انكسر أصحاب الأخير، وأُسر مُحمَّد چلبي مع أتباعه، واتُّفق حينذاك أنَّ كدك أحمد باشا وصل مع جُنُوده إلى ركاب السُلطان، فأكرمه الأخير وقلَّده إمارة جيشه. والتقى الفريقان عند نهر يني شهر في يوم السبت 22 ربيع الآخر 886هـ المُوافق فيه 19 حُزيران (يونيو) 1481م، فاشتبكوا في قتالٍ شديدٍ، وكان السُلطان ووُزراؤه قد خابروا سرًّا «لاله يعقوب بك بن أشتين»، مُدِّبر أُمُور جَمّ سُلطان يعدونه بِالجميل إن تخلَّى عن سيِّده وأعان بايزيد على الظفر به. ولمَّا اشتدَّ القتال فارق يعقوب جَمًّا وانحرف مع جمعٌ عظيمٌ من أتباعه إلى جانب السُلطان، فانكسر عسكر الشاهزاده العاصي، واستأمن أكثر من معهُ إلى السُلطان سوى القرمانيين الذين هربوا. وفي أثناء ذلك تخلَّص من الحبس الإنكشاريُّون الذين كانوا قد أُسروا مع أيَّاس باشا وسُجنوا في قلعة بورصة، فلحقوا بِجيش السُلطان، وتبعوا المُنهزمين إلى معبر «دربند أرمني». أمَّا الشاهزاده جَمّ فهرب في جمعٍ قليلٍ من أتباعه، وكان قد أُصيب بِجرحٍ في رجله، وفي أثناء هُرُوبه وثب عليه بعض أوباش التُركمان وسلبوه كُل ما كان معه، فأسرع الهرب حتَّى وصل إلى قونية، وقرَّر مُغادرة الأراضي العُثمانيَّة خوفًا من أن يُدركه أخيه. وفي غُضُون ذلك، حاصر فرديناند الأوَّل ملك النبلطان (ناپولي) قلعة أطرانط التي اعتصمت فيها بقيَّة الجيش العُثماني بِقيادة خير الدين باشا، بِنيَّة استردادها من المُسلمين. ولمَّا كان واضحًا أنَّ هذه الفئة القليلة لن تصمد أمام الحصار، فقد أرسل خير الدين باشا إلى الملك يُخبره بِأنَّهُ سيترك القلعة إذا سُمح لهُ بِرُكُوب السُفُن والمُغادرة دون تعرُّض لِأحدٍ من الجُنُود بِأذى، فوافق الملك، وأخذ الباشا جُنده البالغ عددهم 8,000 عسكري وخرج بهم عائدًا إلى الأراضي العُثمانيَّة. وهكذا لم يدم الحكم العُثماني في شبه جزيرة أبوليا سوى 13 شهرًا، ولم يلتفت السُلطان بايزيد وأيٌّ من السلاطين الذين تلوه إلى خطَّة فتح إيطاليا التي شرع بها السُلطان مُحمَّد الفاتح.

هُرُوب جَمّ سُلطان إلى مصر

ما أن وصل جَمّ سُلطان إلى قونية، حتَّى حمل أهله وعياله وسار بهم في بقيَّة أتباعه من طريق جبل بلغار إلى بلاد بني رمضان، فتعرَّض لهُ على الطريق بعض قُطَّاع الطُرق من التُركمان الورساقيين(3) وسلبوه أمواله، ثُمَّ تابع طريقه حتَّى وصل إلى أضنة، فأكرمه الأمير الرمضاني عُمر بك، ثُمَّ سار منها إلى حلب حيثُ استقبلهُ نائب السلطنة الأمير أزبك الأتابكي. وأعلم الشاهزاده العُثماني الأمير سالِف الذِكر نيَّته بِالسفر إلى القاهرة، عاصمة الدولة المملوكيَّة، فأرسل الأمير إلى السُلطان قايتباي يستأذنه، فعاد الجواب بِالسماح لِجَمّ سُلطان بِدُخُول الديار المصريَّة، شرط أن يحضر في قليلٍ من عسكره. وهكذا سار جَمّ سُلطان من حلب إلى دمشق التي بالغ نائبُها في إكرامه، ثُمَّ تابع طريقه وزار بيت المقدس، ثُمَّ سار إلى غزَّة ومنها خرج يُريدُ مصر، فلمَّا أُخبر السُلطان قايتباي بِذلك أعدَّ العُدَّة لِمُلاقاته واستقباله، فأرسل إليه الأُمراء والأعيان ومُقدِّمي العساكر ورؤساء النُوَّاب والحُجَّاب فاستقبلوه استقبالًا حافلًا، وساروا به في موكبٍ كبيرٍ حتَّى طلع إلى قلعة الجبل ومثُل بين يديّ السُلطان المملوكي، الذي بالغ في تعظيمه وتطييبه، وأنزلهُ منزلة ولده، وأركبه فرسًا خاصًّا من مركوبه بِسرجٍ مُذهَّبٍ، ثُمَّ نزل من القلعةِ في موكبٍ حافلٍ يتقدَّمهُ الأُمراء ورُؤساء النُوَّاب، وكان لهُ يومٌ مشهود، إذ اصطفَّ أهالي القاهرة في الشوارع ورحَّبوا من صميم قلبهم بِابن فاتح القُسطنطينيَّة، الذي لفظوا اسمه «الجَمْجُمَة». وأُنزل الشاهزاده العُثماني بِدار ابن جلود، كاتب المماليك، الواقعة على خليج فم الخور(4). وكان المُؤرِّخ ابن إيَّاس قد رحَّب بِجَمّ سُلطان بِبيتين من الشعر قال فيهما:

وأمَّا السُلطان بايزيد فسار إلى بلاد القرمان ونزل في خارج قونية، وأعاد جميع البلاد التي سيطر عليها أخوه تحت جناح الدولة العُثمانيَّة، وأرسل كدك أحمد باشا في عقب جَمّ سُلطان، وأقطع القرمان لِولده الشاهزاده عبد الله، ثُمَّ قفل وعاد إلى دار مُلكه. وفي أثناء عودته طلب منه الإنكشاريَّة أن يسمح لهم بِالانتقام من أهل بورصة ونهبها مُجازاةً لهم على قُبُولهم بِالشاهزاده العاصي وحبسهم الجُنُود السُلطانيَّة، فلم يأذن لهم السُلطان في ذلك، وأعطى إلى كُلِّ نفرٍ منهم قرشين خوفًا من أن يُحدثوا فتنة، فاستكانوا. ولمَّا عاد السُلطان إلى إسلامبول حضر إليه جمعٌ من زُعماء أوباش التُركمان الذين كانوا قد أغاروا على جَمّ سُلطان ونهبوا أثقاله في معبر «دربند أرمني»، وطلبوا منهُ إحسانًا على ما فعلوه على اعتبار أنَّهم عاقبوا من عصى السُلطان. لكنَّ بايزيد أمر بِجمعهم وأنزل بهم عقابًا صارمًا على ما فعلوه، لِتعتبر وترتدع الرعيَّة عُمومًا وسائر القبائل التُركمانيَّة خُصُوصًا ولا تتجاوز من حدِّها وتتطاول على السلاطين وأولادهم مهما كان السبب. خِلال تلك الفترة، كان كدك أحمد باشا قد تعقَّب جَمّ سُلطان إلى هرقلة، وعلم وُصُوله إلى مصر، فعاد أدراجه وتوجَّه إلى قونية ثُمَّ إسلامبول حيثُ قلَّدهُ السُلطان الوزارة. أمَّا جَمّ سُلطان، وبعد أن أمضى في القاهرة نحو أربعة أشهر، عقد العزم على حج البيت الحرام، فخرج في ذي القعدة 886هـ مع موكب الحج تصحبه أُمُّه وعياله وعاد في مُحرَّم 887هـ، فكان أوَّل من حجَّ من آل عُثمان الذُكُور. ولم يلبث جَمّ سُلطان أن تقلَّق من إقامته بِمصر، وطلب التوجُّه إلى بلاده لِيُحارب أخيه، فجمع السُلطان قايتباي الأُمراء واستشارهم في ذلك، فحاول الجميع الحيلولة دون سفر الشاهزاده العُثماني، لكنَّهم فشلوا في إقناعه، فإذن لهُ السُلطان بِالسفر حينما يرغب، رُغم أنَّهُ كان كارهًا لِذلك.

فتنة الأمير قاسم بك القرماني

أثناء الفترة التي انشغل فيها السُلطان بايزيد وأخيه بِالاقتتال، قرَّر آخر أُمراء بني قرمان، وهو قاسم بك بن إبراهيم، أن يستغلَّ الوضع ويُحاول استرداد مُلك آبائه المفقود. ومن المعروف أنَّ قاسم بك سبق هو وأخيه پير مُحمَّد أن أشهرا العصيان على الدولة العُثمانيَّة زمن السُلطان مُحمَّد الفاتح، وهُزما وضُمَّت بلادهما إلى جُملة الممالك العُثمانيَّة، ثُمَّ خضع قاسم بك لِلسُلطان في حين توجَّه پير أحمد إلى الشَّام وبقي فيها حتَّى مماته. واجتمع على قاسم بك كثيرٌ من أوباش التُركمان الورساقيين والطُرغُديين والقراسيين والقرمانيين، فسار بهم قاصدًا قونية، معقل الشاهزاده عبد الله بن بايزيد. وكان مُدبِّر شُؤون الشاهزاده المذكور هو الأتابك علي باشا الخادم، فخرج إلى قتال قاسم بك واشتبك معهُ في موضعٍ يُسمَّى «بروانة چايري»، ولم يقدر عليه لِكثرة من كان معهُ من الخارجين على الدولة، فرجع علي باشا إلى قونية وتحصَّن مع الشاهزاده عبد الله في قلعتها، ولم يلبث قاسم بك أن وصل المدينة وضرب الحصار عليها. وما أن بلغ ذلك إلى السُلطان بايزيد حتَّى سيَّر الوزير كدك أحمد باشا إلى الأناضول لِإخضاع قاسم بك ومن معه، فسار أحمد باشا في ألفيّ إنكشاريّ وأربعة آلاف عزبيّ وجميع عساكر الأناضول من أهل التيمار والسپاهية والسلحداريَّة، فهرب قاسم بك إلى هضبة «طاش إيلي» في قيليقية، مخبأ أجداده، لكنَّ أحمد باشا تبعهُ واشتبك معهُ حتَّى أجبره على الهُرُوب من مخبئه إلى طرسوس. توجَّه أحمد باشا بعد ذلك إلى مدينة لارندة وأرسل يُعلم السُلطان بالمُستجدَّات، وشتى في المدينة على أن يُكمل مُلاحقة الأمير العاصي في الربيع. أمَّا قاسم بك فكان قد بلغهُ عودة جَمّ سُلطان من الحج إلى مصر، فأرسل إليه قاصدًا وخدعهُ بِأنَّ الأُمراء والوُزراء ساخطون على السُلطان وأنَّ الرأي الصواب هو رُجُوع الشاهزاده إلى طلب المُلك، ثُمَّ سيَّر إليه جماعة من الأُمراء المُنافقين، على رأسهم أمير أنقرة مُحمَّد بك الطرابزُني، يحملون إليه كتابًا جاء فيه: «إِنَّ العُثمَانِيِّيْنَ سَاخِطُون عَلَى أَخِيكُمْ بَايَزِيدٌ، فَإِذَا جِئْتُم يُمْكِنُكُم أَن تَتَحَصَّلُوا عَلَى سَلْطَنَتِكُم الْمَوْرُوثَة»، فانخدع جَمّ سُلطان بِهذا الكلام وخرج من القاهرة يوم 6 صفر 887هـ المُوافق فيه 26 آذار (مارس) 1482م، وتوجَّه إلى الأناضول، بعد أن زوَّده السُلطان قايتباي بِخمسةٍ وستين ألف دوقيَّة.

عودة جَمّ سُلطان إلى الأناضول وانهزامه مُجددًا

وصل جَمّ سُلطان إلى حلب يوم 18 ربيع الأوَّل 887هـ المُوافق فيه 6 أيَّار (مايو) 1482م، حيثُ استقبلهُ قاسم بك، واجتمع عليه جمعٌ من الأُمراء العُثمانيين، فتوجَّه إلى أضنة ثُمَّ منها إلى أركلو، وبلغ ذلك السُلطان بايزيد، فأرسل إلى كدك أحمد باشا يلومه على تهاونه مع قاسم بك وعدم تتبعه، ويأمره بِالعودة إلى العتبة السُلطانيَّة بعد أن ينقل الشاهزاده عبد الله من قونية إلى أفيون قره حصار لِيحتمي في قلعتها من العُصاة الزاحفين. نفَّذ أحمد باشا المُهمَّة الموكلة إليه، وفي أثناء خُرُوجه من قونية صادف أمير أنقرة مُحمَّد بك الطرابزُني، فاقتتلا قتالًا يسيرًا، ثُمَّ انسحب أحمد باشا تاركًا الأمير سالِف الذِكر يُحاصر المدينة. وبعد أن أسكن الشاهزاده عبد الله في القلعة المُشار إليها، توجَّه عائدًا إلى عتبة السُلطان، فوجده زاحفًا بِنفسه إلى صوب قونيه، ولقيه بِناحية سيدي غازي. خِلال تلك الفترة، كان جَمّ سُلطان قد انضمَّ إلى الجيش المُحاصر لِقونية، ويُروى أنَّهُ وعد قاسم بك أنَّهُ لو بقي في جانبه وساعدهُ لِلحُصُول على مُلك آل عُثمان يرُدُّ لهُ بلاد أجداده، أي يُعيد إحياء الإمارة القرمانيَّة.

ولمَّا بلغ جَمًّا أنَّ السُلطان قد اقترب لِإنجاد المدينة المُحاصرة، سارع في الهرب مع قاسم بك، وترك مُحمَّد بك الطرابزُني خلفه، فاشتبك الأخير مع طليعة الجيش العُثماني بِقيادة والي أماسية سُليمان باشا، فقُتل مُحمَّد بك وفُكَّ الحصار عن قونية. وأرسل السُلطان أحد قادته، واسمه إسكندر باشا، في خمسة آلاف فارسٍ لِتعقُّب آثار جَمّ، فتبعهُ إلى أركلو لِيكتشف أنَّهُ هرب مع قاسم بك وتحصَّنا في هضبة «طاش إيلي». فما كان من السُلطان إلَّا أن أرسل جوابًا إلى أخيه ينصحه بِالكف عن القتال والإقلاع عن الأفكار الفاسدة، واقترح عليه أن يُقيم في بيت المقدس مع خواص رجاله، ويُخصَّص لهُ مدخولًا سنويًّا جليلًا قدره مليون آقچة يعتاش منه وأهله وعياله وحاشيته. لكنَّ جَمّ أبى هذا العرض، ولم يرضَ إلَّا بِحصَّةٍ من المُلك، فأجاب أخيه بأنَّهُ يقبل الصُلح إن أقطعهُ بعض الإيالات، فرفض بايزيد على اعتبار أنَّ مثل هذا الطلب لا يكون ورائه إلَّا انقسام الدولة، وأرسل أحد وُزرائه، وهو أحمد باشا بن هرسك، في جيشٍ إلى تسخير «طاش إيلي» والظفر بِجَمّ وقاسم بك. ولمَّا بلغ ذلك إلى جَمّ خاب أمله بِالوُصُول إلى مُبتغاه، ورغب بِالرُّجوع إلى مصر، فأرسل من أصحابه سُليمان الفرنجي إلى جزيرة رودس لِطلب المعونة على العُبُور بحرًا من شيخ الفُرسان الإسبتاريين بُطرس الأُبوسُّوني (بالفرنسية: Pierre d"Aubusson)‏، الشهير في المُؤلَّفات العُثمانيَّة باسم «ماصنوري». قَبِل شيخ الفُرسان تأدية هذه الخدمة، وأعاد سُليمان المذكور مع كتاب العهد وسفينة خاصَّة لِتُقلِّ جَمّ سُلطان، لكنَّ سُليمان نصح مخدومه بِألَّا يُقدم على العُبُور لِاستشعاره الغدر من الإسبتاريين، فتردَّد جَمّ لِفترة، ثُمَّ حمله بعض أتباعه على رُكُوب البحر، فاستمع إليهم وتوجَّه إلى رودس يوم 13 جُمادى الآخرة 887هـ المُوافق فيه 29 تمُّوز (يوليو) 1482م. أمَّا قاسم بك، فإنَّهُ لمَّا يئس من خلاص جَمّ، أرسل إلى العتبة السُلطانيَّة يلتمس العفو والصفح عمَّا بدر منه. فعفا عنهُ السُلطان بايزيد وأقطعهُ ناحية «إيج إيلي»، فبقي أميرًا عليها إلى أن وافاه الأجل سنة 888هـ المُوافقة لِسنة 1484م.

انتقال جَمّ سُلطان إلى رودس ثُمَّ فرنسا

هبط جَمّ سُلطان في رودس في نفس اليوم الذي أقلع فيه من آسيا الصُغرى، وقابله أهل الجزيرة بِكُل تجلَّة واحترام، ثُمَّ صعد وقابل شيخ الإسبتاريين في قلعة القدِّيس بُطرس، فأكرمهُ وأقسم لهُ أن يُوصله إلى مصر. مكث جَمّ سُلطان وحاشيته في رودس طيلة 34 يومًا دون أن يُنفِّذ شيخ الفُرسان وعده، ثُمَّ حنث بِقسمه وأرسل الشاهزاده ومعيَّته إلى مدينة نيس بِفرنسا بعد رحلةٍ بحريَّةٍ دامت 46 يومًا، وهكذا بدأت إقامة جَمّ سُلطان في فرنسا التي قُدِّر لها أن تستمر ست سنوات وأربعة أشهُر، نُقل خلالها من قلعةٍ إلى أُخرى من قلاع الإسبتاريَّة. وعندما علِمت بعض الدُول الأوروپيَّة المُعادية لِلدولة العُثمانيَّة بِمجيء أخ السُلطان، حاولت الاستفادة من الخُصُومة الداخليَّة بينهما لِمُهاجمة أراضي الدولة، فطلب كُلٌ من ملك المجر متياس كورڤن، وملك فرنسا لويس الحادي عشر، ودوق البُندُقيَّة يُوحنَّا موسينيغو، وإمبراطور ألمانيا فريدريك الثالث، أن يُسلِّمهم الفُرسان الشاهزاده العُثماني لِيتخذوه ذريعةً لِلتدخُّل في شُؤون الدولة الداخليَّة. وفي سبيل الحيلولة دون استغلال جَمّ سُلطان ضدَّ الدولة العُثمانيَّة، أرسل السُلطان بايزيد وُفُودًا إلى رودس لِمُخابرة شيخ الإسبتاريَّة على إبقاء أخيه عندهم تحت الحفظ، وفي مُقابل ذلك يتعهَّد لهم السُلطان بِعدم التعرُّض لِاستقلال الجزيرة مُدَّة حياته، ويدفع لهم مبلغًا سنويَّا قدره 45 ألف دوقيَّة لِقاء نفقات العناية بِأخيه. فقبِل شيخ الفُرسان بِذلك وأُمضيت مُعاهدة بِهذا بين العُثمانيين والإسبتاريين يوم 26 شوَّال 887هـ المُوافق فيه 7 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1482م. وأوفى الإسبتاريُّون بِوعدهم، فلم يقبلوا تسليم الشاهزاده لِأيٍّ من المُلُوك الأوروپيين، ولا لِلسُلطان قايتباي، الذي كان قد علم بِما جرى لِجَمّ سُلطان من الانكسار والوُقُوع بِأيدي الإسبتاريين فندم وحزن على السَّماح له بِالخُرُوج من مصر، وأرسل إلى الفُرسان يعدهم بِدفع مليون دوقيَّة لِقاء إرسالهم جَمّ إلى مصر، فلم يُوافقوا.

سُجِّل خِلال هذه الفترة مُراسلة جَمّ سُلطان لِبايزيد ورد الأخير عليه، وكانت رسالة جَمّ عبارة عن بيتين من الشعر دسَّهما في غمدٍ مُعبِّرًا عن مشاعره، وتعريبهما: «لِمَاذَا تَنَامُ بِالْوِرْدِ هَانِئًا مَعَ الْأَسِرَّةِ وَأَنَامُ عَلَى الرَّمَادِ فِي وَضْعِ مُهِينٍ؟» فردَّ عليه بايزيد بِسلاح الشعر أيضًا وقال: «لِأَنَّ الدَّوْلَةَ قِسْمَتُنَا مِنْ يَوْمِ الْأَزَل. لِمَاذَا لَا تُطَأطِئ بِرَأْسِك لِلْقَدْرِ؟ حَظِيتَ بِلَقَبِ حَاجِّ الْحَرَمَيْنِ، فَلِمَاذَا تَسْأَلُ عَنْ سُلْطَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ؟»، وذُكر هذا الصدام اللَّافت بين الأخوين بِاعتباره مثالًا على تمكُّن السُلطان والشاهزاده من القلم بِقدر تمكُّنهما من السيف. جديرٌ بِالذِكر أيضًا أنَّ جَمّ عُرف طيلة فترة إقامته بِفرنسا باسم «البرنس زيزيم» (بالفرنسية: Prince Zizim)‏.

الحملات على البُغدان

بعد تخلُّصه من مُشكلة أخيه، استعاد السُلطان بايزيد النظام في الدولة، فبعد تعيين قاسم بك أميرًا على ناحية «إيج إيلي»، زال التهديد القرماني تمامًا، وأصبحت البلاد القرمانيَّة مُرتبطة بِالدولة العُثمانيَّة ارتباطًا نهائيًّا. وأعاد السُلطان لِلأشراف اعتبارهم الذي فقدوه في عهد أبيه الفاتح، وأعاد لِلأوقاف شرعيَّتها، كما أعاد الأملاك التي أُعطيت لِأصحاب التيمارات إلى مالكيها القُدماء. كذلك، عزل السُلطان الصدر الأعظم إسحٰق باشا وأمره بِأن يظل مُتقاعدًا في سالونيك، وأمر بِإعدام الوزير كدك أحمد باشا لِثلاثة أسبابٍ رئيسيَّة: أوَّلُها أنَّ الباشوان المذكوران كانا صاحبا السُلطة الفعليَّة على أرض الواقع مُنذُ أن أوصلا بايزيد إلى العرش وأعاناه على أخيه، ومن المعروف أنَّ إسحٰق باشا كان حمًا لِأحمد باشا، وكان كلاهما يتمتعان بِشعبيَّةٍ كبيرةٍ وسط الإنكشاريَّة ويقدران على تحريكها. وثانيها أنَّ كدك أحمد باشا كان راغبًا بِالاستمرار بِحملاته على العالم المسيحي الغربي، وآثر إعلان الحرب على الإسبتاريين في رودس لأنَّهم حموا الشاهزاده جَمّ، في حين أنَّ بايزيد كان يُؤثر عدم مُعاداتهم لِلاتفاق المُبرم بينهم وبين العُثمانيين بِخُصُوص التحفُّظ على جَمّ سُلطان، كما أنَّهُ رغب بِالابتعاد عن الحرب بعدما أرهقت فُتُوحات السُلطان مُحمَّد الدولة العُثمانيَّة على الصعيدين المالي والبشري، إلَّا أنَّ الوزير أصرَّ على الحرب وانتقد السُلطا

Source: wikipedia.org