If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
تطور الأدب الباروكي كسائر فنون عصره تحت تأثير عوامل اجتماعية ودينية كثيرة، كسياسة الحكم المطلق المستبدة والسياسة الدينية التي نشأت ضد الإصلاح، فكان لهذا الاضطهاد دور كبير بجعل الناس تكتب عن معاناتها وكيف تمكّن اليأس والتشاؤم منها، فنرى الكثير من الكتّأب يصوّرون الحياة على أنها معركة إن لم تكن فيها قويا فقد تخسر كل شيء، أو صوّروها حلماً يتلاشى فلا تغدو له أية علاقة بالواقع، وآخرون صوّروها كذبة وخدعةً زائلة. ولذلك صار الناس يواجهون الحياة بالشك تارة وباليقين تارة، بالحذر تارة وبالحرص تارة أخرى. أما عن لغةِ النصوص الأدبية الباروكية؛ فهي منمّقةٌ ومتكلّفة، يكابد الكاتب فيها عناء الوصف والمبالغة. فكانوا يكثرون استخدام الوصف والتمثيل والاستعارة، كما حرصوا على ملء أعمالهم بشتى أشكال المحسنات البديعية. من أشهر الأجناس الأدبية في عصر الباروك؛ الرواية الطوباويّة: وهي من الطوبى وتعني المكان الخيالي القصيّ كما تعني الراحة والسعادة. والرواية الطوباويّة أشبه بـ "المدينة الفاضلة"، وهي فلسفة أو خطة خيالية لإصلاح المجتمعات الذي يتخيله الكاتب مجتمعاً مثالياً! وكذلك برزَ أيضا الشعر الرَعوي القائم على قصة تدور حول راعٍ وفتاة يحبها بينما تدور الأحداث في الطبيعة مثل الغابات والحقول. هذه الأجناس كانت في الواقع الطريقة التي استطاع الأدباء والموهوبون التعبير عن أفكارهم وأرائهم من خلالها. وكان لا بدّ للأدب الباروكي أن يتفرّع لينسجم مع ما يُلائِم كل جماعة، فأُنشِأت لذلك مدارس أدبّية عدّة تبنّت كلّ واحدة منها منهجاً خاصّاً بها وسارت عليه، الأمر الذي أدّى لبروز اللغة المحليّة في الأعمال الأدبية لتحل تدريجيا مكان اللغة اللاتينية.
لقد شقّ الأدب الإيطالي طريقه في هذا العصر بعد انقسام الواقعية والمثالية التي كانت تسود الأدب في عصر النهضة، كما ساهمت الهيمنة التي استعادها الدين على الحركة الإنسانية في هذا التطور أيضا. غلَبَ على الأدب الباروكي في إيطاليا استخدام الصور الفنية حد الإفراط، ولكونهم متشائمين كثيري الانتقاد انصبّ اهتمامهم على وصف الجوانب المشوّهة والسلبية عند الحديث عن الأشخاص أو الأشياء!
إنَّ أول حركة أدبية بدأت في إيطاليا كانت المارينية marinismo ، نسبة إلى مُنشِئها جامباتيستا مارينو، وهو شاعر إيطالي وُلد في أواخر القرن السادس عشر في نابولي. امتاز مارينو بأسلوبه المنمّق وبتعابيره المزخرفة، وكان يبالغ بأوصافه ويتباهى ببراعته الفنيّة واللغوية دون أن يعير المحتوى القدر نفسه من الاهتمام، وبالنسبة له "فإن غاية الشاعر هي إثارة إعجاب الآخرين".
ومن أشهر أعمال مارينو الملحمة الشعرية أدونيس، والتي برزت في العالم الأدبي لموسيقاها الشعرية وأوصافها الصوَرية، وبالرغم من جَزالةِ ألفاظها فقد كانت سهلة القراءة. وقد تبنى الحركة المارينية شعراء أخرون مثل: جيوباني فرانسيسكو بوسينييو، إيمانويلي تيساورو، جيوليو ستاروزي، وغيرهم...
ظهرت في فرنسا حركة مشابهة للمارينية الإيطالية وهي الحركة النفائسية préciosité، وقد حظيت بهذه الأهمّية لما تتمتع به من لغة غنيّة. أمّا أسلوبها؛ فهو أنيقٌ ومتكّلف. ويمثّلها كلّ من إسحق دي بينسيرادي وبينثينت فواتور في الشعر، وأونوريه دورفيه ومادلين دي سكوديري في النثر.
ثمّ بعد ذلك، ظهرت الكلاسيكية الفرنسية بطابعها الرصين البسيط الذي كان يخضع لقوانين الكلاسيكية ذاتها. - ومن قوانين الكلاسيكية: مبادئ أرسطو الثلاثة، التي وضعها للمسرح في بادئ الأمر ثم شَمِلت نطاقا أوسع. تُعنى بالناحية الجمالية للأعمال الفنية وتنص على أن كل عمل فني (وخاصة الأدبي) يجب أن يكون متفردا يمتاز بخصائص تعبّر عنه وحده دون غيره-.
من أوائل روّاد الحركة النفائسية: فرانسوا دو ماليرب، الذي يُعرف بشعره المُفكّر وتعابيره العقلانية الجامدة مبتعدا عن حديث العواطف وكل ما يُثيرها. ثم تبعه جان دو لافونتين من كتّأب الحكاية الرمزية. كان أسلوبه متأنقاً، يكتب عن المواعظ التعليمية وعن الفضيلة والأخلاق. وأيضا نيكولا بوالو، شاعر ذو أسلوب أنيق لكنه لم يكن مبدعا لإصراره على فرض الصور الخيالية على الطريقة التقليدية المتبعة.
ومن الأجناس التي اشتهرت في فرنسا في عصر الباروك: الأدب الساخر باول سكارون، البلاغة جاك - بينين بوسويه، الرواية السيكولوجية مدام دو لافييت، رواية التعليم الديني فرانسوا فنلون، الشعر الهجائي جان دو لا برويير وفرانسوا دي لا روشفوكو، أدب الرسالة جان لويس غي دو بلزاك، ماركسية دو سيفينيه، الأدب الديني بليز باسكال، الرواية الخيالية -فانتازيا- سيرانو دو بيرجيراك، وقصص الجنيّات شارل بيرو.
أما في إنجلترا فقد ظهر عام 1575 حركة التفخيم eufuismo نسبة إلى رواية Eufues o la Anatomía del Ingenio el التي أنارت مسيرة كاتبها الأدبية جون ليلي. هذه الحركة شبيهة بالمارينية في إيطاليا وبالنفائسية في فرنسا، وهي تعتني بالمحسنات البديعية -كالطباق والتوازي الذي هو تماثل مقطعي في طول البيت الشعري-. كما أنها تمزج الثقافة المحلية مع الميثولوجيا الكلاسيكية.
كان أول من تبنّى هذا الأسلوب سائراً على نهج جون ليلي هو روبرت جرينيه وتوماس لودجيه وبرانبيه ريتش. ثم بعد ذلك ظهر سلسلة من الشعراء الميتافيزيقيين، وهم جماعة من الشعراء الغنائيين البريطانيين يمثلهم بشكل رئيسي جون دون الذي أحيا الجنس الأدبي الغنائي بأسلوب مباشر وبلغة محلية، مبتعداً عن الخيال والتباهي اللغوي؛ وغلب على أعماله الواقعية والاهتمام بالمفاهيم. من أعماله السونيتيات المقدسة، وهي سلسلة تتكون من 19 قصيدة نُشرت بعد عامين من وفاة مؤلفها. ونجد أيضا شُعراء ميتافيزيقين آخرين مثل: جورج هيربرت، ريتشارد كراشو، هنري فوجان، أندرو مارفيل. الأهم بين هؤلاء كلهم: جون ميلتون، مؤلف الملحمة الشعرية الفردوس المفقود، وكان متأثراً بالتطهيرية أو البيوريتانية، وهي مذهب مسيحي بروتستانتي. في هذه الملحمة كان أسلوبه لبقاً أنيقاً. أما أحداث الرواية فتدور حول أموراً دينية كمصير الإنسان، وتغلفها روح التمرّد ويتوقع أن يكون جون قد تأثر بها من الرومانسية. ومن شعراء الملحمة أيضا: الشاعر والكاتب المسرحي العظيم جون درايدن وأسلوبه الهجائي.
ولما كانت بريطانيا تعيش فترة سياسة مضطربة آنذاك، فقد تأثر الأدب بهذه الأحداث كثيرا، حيث بقيت بريطانيا كذلك إلى أن استعاد الملك شارلز الثاني تحت حكمه الممالك الثلاث (بريطانيا واسكتلندا وإيرلندا)، لذا سمّيت هذه الفترة بفترة استعادة الحكم الملكي. وأصبح النثر ذي صبغة عقلانية مجرّدة من العواطف يعالج الأخلاق والفضيلة. بالإضافة إلى تأثره بالكلاسيكية الفرنسية، وظهر النثر في إنجلترا في الأجناس الفرعية التالية: الأدب الديني جون بنيان وجورج فوكس، السرد هينري نيبيلي، المذكرات واليوميات صموئيل بيبس.
وبالنسبة للأدب في ألمانيا فقد تأثر بعوامل عدّة أولها جماعة البلياد في فرنسا، ثم الغونغورية في إسبانيا، وكذلك تأثرت بالحركة المارينية في إيطاليا. ورغم ذلك فقد تطوّر الأدب الألماني متخذا منحا خاصا بالحديث عن البروتستانتية والبرجوازية التي شغلت الأدباء والمفكرين والسياسيين وحتى العوام، ونرى ذلك التطور ضمن أجناس كثيرة منها المسرح التعليمي teatro escolar، والأغنية الرعوية canto parroquial. وبالرغم من تقسيم ألمانيا إلى مقاطعات كثيرة إلا أن الشعب الألماني بقيَ على وعيٍ ودراية بأهمية اللغة المحلية المحكية خاصة في "المجتمعات اللغوية".
وفيما يتعلّق بالجنس الغنائي، فقد برز في العصر الباروكي ما يسمى مدرسة سيليزيا الأولى، وهي جماعة من الشعراء الباروك الألمان. تأسست على يد مارتين أوبتز وباول فليمنغ وأنجليوس سيلسيوس وأندرياس جريفوس. وظهرت أيضا مدرسة سيليزيا الثانية التي برز فيها دانيل كاسبر فون لوهنستين وكريستيان هوفمان فون هوفمانسفالداو.
وعن أدب السرد فقد سبق فيه كل من لوهنستين مؤلف الرواية الباروكية الألمانية الأولي (القصة الرائعة للأمير العظيم الألماني المسيحي هرقل، وهانس ياكوب كريستوفل فون جريملسهاوزن مؤلف مغامر سيمبليسيمس el aventurero Simplicíssimus، الرواية الشبيهة بالرواية الشطارية في إسبانيا.
إن اقتراب البرتغال وانضمامها للعرش الملكي الإسباني كان بمثابة فترة انحطاط أصابت المجتمع الإسباني، وبذلك نرى كيف تأثر الأدباء الإسبان والبرتغال بعضهم ببعض، فمثلا سار العديد من الشعراء على نهج الشاعر البرتغالي لويس دي كامويس الذي كان أحد رواد الحركة الإنسانية، ومن أشهر أعماله أوس لوسياداس Os Lusiadas، وهي ملحمة شعرية تتحدث بشكل أساسي عن التفسير الخيالي لرحلات الاستكشاف البرتغالية خلال القرنين خامس عشر والسادس عشر والتي تُعتبر بدورها الملحمة الشعرية القومية للبرتغاليين.
وتأثر شعراء آخرين بغيرهم إثر هذا الاقتراب، فنجد العديد من الشعراء كانوا قد اتبعوا باسكو موثينو دي كيبيدو مؤلف القصيدة البطولية ألفونسو أفريكانو، وساروا على خطى فرانثيسكو سا دي مينيسيس مؤلف القصيدة البطولية الأخرى مالاكا كونكيستادا، وغابريل بيرايرا دي كاسترو مؤلف لشبونة المشيدة وهي أيضا قصيدة بطولية، وقلّدوا الشاعر براث غارثيا دي ماسكارينهاس وهو مؤلف القصيدة البطولية فيرياتو التراجيدية.
وفي النصف الأول من القرن، اشتهر كل من الروائي والشاعر فرانثيسكو رودريغيوس لوبو مؤلف الروايات الرعوية التي يُستبدل فيها النثر والشعر كما هو الحال في رواية الراعي المتجول، والشاعر فرانثيسكو مانويل دي ميلو مؤلف القصائد الغونغورية، والخطابات، والمؤلفات التاريخية، ومؤلف أعمال الأوزان الشعرية. وفي الوقت نفسه برز في البرتغال أيضا النثر الديني الذي تبناه برناردو دي بريتو وجون دي لوسينا وأنطونيو فييرا ومانويل بيرنارديس.
لعب استقلال إسبانيا دورا مهما في إحياء الحركات الأدبية وإنعاشها، ويسمى لذلك القرن السابع عشر بـ"العصر الذهبي" فيما يخص ازدهار الآداب والفنون بشكل عام في معظم أنحاء أوروبا. وكغيره من الآداب، فإن الأدب الهولندي لم ينسجم مع القوانين الباروكية، فقد مال في بداية الأمر أكثر ليأخذ سمة المجتمع المحلي الهولندي والسمة الدينية فيه، الأمر الذي نراه أيضا في الفنون الأخرى، حيث راق لها أن تعزف أنغامها الفريدة بالقرب من مجتمعاتها المحلية.
ظهر في أمستردام ما يسمّى (جماعة مويدين، بالإسبانية: Círculo de Muiden)، وهي مجموعة من الشعراء والكتاب المسرحيين على رأسهم بيتر كونيليزون هوفت، كاتب الأدب الرعوي والمؤلفات التاريخية. وقامت هذه المجموعة من الشعراء بوضع أساسات قواعد اللغة الهولندية. ينتمي أيضا إلى هذه المجموعة قسطنطين هايجينس المستفرد بإبيجراما روحية تخصه.
وكان أشهر من يمثل الشعر الغنائي الذي تطوّر في العصر الذهبي في هولندا جوست فان دي فونديل الذي تأثر بالشاعر رونساد. وتميّز جوست بشعره ذي الإيفاع الرنان المحكي بأسلوب يشوبه بعض الهجاء والذي نراه في أحداث قصيدة أسرار الآخر، ويذكر فيها أهم ما حدث في عصره.
وفي ميديلبورخ اشتُهر جاكوب كاتس مؤلف قصائد التعليم الديني والأخلاق. ومن كتّاب النثر الباروكيين في هولندا، جون فان هيميسكيرك ، مؤلف أركاديا باتافا Arcadia Bátava، وهي قصيدة الرومانس الأولى المكتوبة باللغة الهولندية، ثم تبعها قصائد أخرى كالـ ميراندور Mirandor التي ألفها نيكولايس هينسويس الشاب.
في إسبانيا، كان القرن السابع عشر استمراراً "للعصر الذهبي"، وكان الأدب، كما لم يكن في مكان آخر، في خدمة السلطة السياسية والدينية على حد سواء. وكانت معظم الأعمال الأدبية تهدف إلى تمجيد وتعظيم الملك كما لو أنّه مختار من الله، وتهدف أيضا إلى تمجيد الكنيسة لاعتبارها مخلّصة للبشرية. وتسعى تلك الأعمال إلى الهروب من الحقيقة المؤلمة لتخفيف وطأة الوضع الاقتصادي لغالب السكان. لكن على الرغم من تلك القيود إلا أنّ إبداع كتّاب ذلك العصر وغنى اللغة المستخدمة في أعمالهم وضعها في مستوى متقدمٍ من الجودة، وجعل الأدب الإسباني لذلك العصر يتحوّل إلى نموذج الأدب الإسباني الباروكي والأغنى في تاريخ الأدب. كان يستند وصف الحقيقة على محورين رئيسيين هما: زوال الظواهر الدنيويّة "العبث من العبث" اللاتينية: (vanitas vanitatum) ودوام التّذكير بالموت (اللاتينية: memento mori) الذي يجعل من تقدير الحياة مسألة أكثر أهمية (انتهز الفرصة، اللاتينية: carpe diem).
يأتي مفهوم الأدب الباروكي الإسباني من الثقافة اليونانية الرومانيّة، ولكنه يتكيف مع السياسة والكنيسة ومناصرتهما للدين المسيحي. وهكذا تتمحور الجمالية الأدبية حول ثلاثة مواضيع من أصل كلاسيكي، الأول فهو: التناقض بين العقلانية والطرافة، وبينما نجد توازناً لهما عند الإنسانيين في عصر النهضة فقد كان للعبقرية في العصر الباروكي الأهمية الأكبر. أما الموضوع الثاني فهو: موضوع هوراس، الاستمتاع واستغلال الفرص اللاتينية: (delectare et prodesse) الذي يصنع تعايشاً ما بين المحسنات البديعية والدعوة الممقوتة لمذهبٍ أو فكرٍ جديد، حسب القوّة المسيطرة، ووصل ذلك التعايش في النهاية إلى صيغة "الفن لأجل الفن" اللاتينية: (ars gratia artis) عندما يتم هجران الأدب لأجل الاستمتاع بجمال بسيط. أما الموضوع الثالث فهو موضوع آخر لهوراس، وهو "الشعر مثل الرسم" (اللاتينية: ut picture poesis)، أي على الفن أن يقلّد الطبيعة ليحقق الكمال، وكما قال بالتسار جراثيان "الفكرة للفهم كالجمال للعينين وكالتناغم الموسيقي للأذنين".
ويرتكز الشعر الغنائي في إسبانيا على تيّارين أساسيين، الأول: التقعرية ويقودها لويس دي غونغورا، لذلك فهي تسمى أيضا ب "الغونغورية" حيث برز جمال الشكل باستخدام أسلوب كتابي رفيع ومجازي مع الكثير من إعادة صياغة الجمل، وكثرة استخدام الدخيل اللاتيني والتلاعب في قواعد اللغة. والتيار الثاني: اللوذعانية التي يمثلها فرانثيسكو دي كيفيدو، وفيها يسيطر الذّكاء والفطنة والتناقض بإيجاز لغوي ولكن بمشترك لفظي، أي معانٍ متعددة في كلماتٍ قليلة. كان غونغورا من أفضل الشعراء في بداية القرن السابع عشر، في حين كان عمله ككاهن بمثابة نشاط له في وقت فراغه. وقد تأثر عمله بغارثيلاسو دي لا فيغا، ولكن دون أن يتأثر بالأسلوب التناغمي والمتوازن. في حين يتميّز أسلوب غونغورا الكتابي بأنه زخرفي وموسيقي ومنوّع، بالإضافة إلى الكثير من استخدام إحدى المحسنات التي تفيد بتغيير ترتيب الجملة قواعدياً للحفاظ على الوزن الشعري، بالإضافة إلى استخدام الاستعارات، مما جعل من الصعب قراءة أعماله وأصبحت حكراً على الأقلية المثقفة من الشعب. أما بالنسبة إلى المواضيع فطغى عليها الحب والهجاء الساخر والدين والأخلاق. واستخدم تفعيلات غير مألوفة كتفعيلات السِلفا (وفيها تتخذ القصيدة الشعرية شكل مقطعين، الأول مكوّن من أحدَ عشرَ بيتا والآخر من سبع أبيات، ومن قافية غير منتظمة). و :والأوكتاف ريال (وتتكون القصيدة الشعرية من ثمانية فقرات، كل فقرة مكوّنة من أحدَ عشرة بيتاً شعرياً مع قافية منتظمة)، واستخدم تفعيلات أخرى مشهورة كالسونيته وقصيدة الرومانس والردونديّا (وهي عبارة عن فقرة شعرية من أربع أبيات مكونة من ثمانية مقاطع). ومن أهم أعماله: "القصّة الرّمزية لبوليفيموس وغالاتيه" 1613، و"الخلوة"، وعددها أربع 1613. ومن الشعراء التقعرييين: خوان دي تاسيس وغابرييل بوكانخيل وبيدرو سوتو دي روخاس واناستاسيو بانطاليون دي ريبيرا وسلفادور جاسينتو بولو مدينا وفرانثيسكو دي ترلو وفيغيروا وميغيل كولودريرو دي فيلالوبوس واخيراً الرّاهب اورثينسيو فيليكس بارافيثيو.
في الوقت نفسه، تأرجح كيفيدو في حياته الشخصيّة بين مسؤولياته السياسية المهمة وبين السجن والنفي، نظراً للعلاقة المزاجية التي كانت تربطه مع السلطات. ويسود في أعماله شعور الألم من واقع الحياة اليوميّة في بلده، حيث تسيطر خيبة الأمل والوجع والموت. وتطوّرت نظرته التشاؤمية إلى الحياة في فكرتين متضاربتين: إما في وصف صرف وصريح للواقع، أو في الاستهزاء والسخرية به. وتم نشر قصائده بعد موته في مجلّدين: "ديوان شعري إسباني أو مجموعة من القصائد الإسبانية" Parnaso Español, 1648 و"ربات الشعر والغناء الثلاثة" 1670. ومن الشعراء اللوذعانيين أيضاُ: ألونسو دي ليديسما وميغيل توليدانو وبيدرو دي كيروس، وأخيراً كونت إقليم ساليناس دييغو دي سيلفا إي مندوثا.
وفضلأ عن هذين التيارين، فتستحق شخصية لوبي دي فيغا الذّكر، فهو كاتب مسرحي عظيم ساهم أيضاً في تطوير الشعر الديني والدنيوي على حد سواء، مع إضافة خلفيّة خاصة بالسيرة الذّاتية أحياناً. كما واستخدم بشكل أساسي تفعيلات قصيدة الرومانس والسونيته كما في "القوافي المقدّسة" 1614 و"قوافي بشريّة والآهيّة للجامعي تومي دي بورغيوس". وكتب قصائد ملحميّة، منها: "التنين الصغير" 1598 و"اسيدرو" 1599 ولا غاتوماكيا 1634.
وسيطر على النثر اسم عظيم وهو ميغيل دي ثيربانتس الذي على الرغم من وجوده بين عصر النهضة وعصر الباروك إلا أنه فرض شخصية انتقالية أنجبت جيلاً جديداً من الكتاب الإسبان. تجند ثيربانتس في شبابه وشارك في معركة ليبانت البحرية غير أنه في النهاية وقع أسيراً لدى الدولة العثمانية لمدة خمسة أعوام. بعد ذلك شغل العديد من المناصب الإدارية التي توافقت مع عمله ككاتب وهو ما قدم له شهرةً أولية غير أنه لم يحل دون موته فقيراً. اعتنى بالرواية والمسرح وبالشعر، وهذا الأخير لم يحقق له نجاحاً كبيراً. ومما لا شك فيه أنه موهبته كانت تكمن في النثر الذي تقلب فيه بين الحركتين الواقعية والمثالية، وفي كثيرٍ من الأحيان بقصد أخلاقي بحت، مثل "روايته النموذجية". أحد أعظم أعماله الروائية وتعد واحدة رائعة من روائع الأدب العالمي "دون كيخوتي" 1605، وتحكي قصة رجل نبيل يخوض سلسلة من المغامرات البرية معتقداً نفسه بطلاً عظيماً من أبطال روايات الفروسية. كان الهدف الرئيسي لثيربانتس تقديم محاكاة ساخرة لمعالجة التاريخ بطابع فلسفي وإدراك داخلي للعقل والمشاعر الإنسانية مروراً بالفكاهة ووصولاً إلى نهايةٍ ساخرة معفاة من مشاعر الاستياء أو المرارة، ويُظهر أن الصفة الأساسية للإنسان هي قدرته على الحلم.
بالإضافة إلى ثيربانتس هناك ثلاثة محاور رئيسية أسهمت بشكلٍ كبير في تطوّر النثر البروكي الإسباني. نبدأ بالرواية الشطّارية، حيث تشكل هذا النوع الأدبي بعد ظهور أول رواية شطّارية في القرن الماضي هي لاثريو دي تورميس 1554. وبعد ذلك ظهرت بشكل رئيسي في ثلاثة أسماء: فرانثيسكو دي كيفيدو مؤلف رواية "حياة الصعلوك" 1604 التي صوّرت بشكل مرير وواقعية صارخة، وماثيو أليمان الذي ربط اسمه بروايته عثمان دي الفاراتشيه بجزئيها: 1599 و1604، لعلها كانت الأفضل من نوعها حيث يعرض الصعلوك كشخص حكيم وليس مجرد فقير متشرد. وفيسنتي اسبينل الذي يعرض في روايته "حامل الدرع ماركوس دي اوبريغون" 1618 حياة الصعلوك الذي رغم سوء أقداره وجد جمال الحياة. ثم نمت الرواية الرعوية بشكلٍ رئيسي على يد الكاتب لوبي دي فيغا مؤلف رواية "أركاديا" 1598 والدراما النثرية" دوروتيا" 1632 التي بسبب حواراتها الطويلة تعذر تمثيلها كعمل درامي مسرحي. وأخيراَ، ثمة جانب آخر من النثر في تلك الفترة هو النثر اللوذعاني الذي طور أسلوب كتابة فكري ذا درجة عالية من الثقافة بالتوازي مع الشعر مستخدماً فيه المحسنات اللغوية والنحوية من أجل وصف الواقع المحيط بصورة واقعية مخيبة للآمال، الأمر الذي يعكس مرارة العصر حيث كان غالب الشعب يعيش تحت ظل ظروف اجتماعية قاسية. ومن أبرز الشعراء اللوذعانيين بالتاسار جراثيان، مؤلف الرسالة "الفطنة وفن العبقرية" 1648التي فيها طوّر الإمكانات الخطابية، ورواية "الناقد" 1651-1655، وهي قطعة فلسفية تدور حول قصة رمزية عن الحياة البشرية التي تتراوح بين الحضارة والطبيعة وبين الثقافة والجهل وبين الروحانية والمادية. شخص آخر يستحق أن يوضع اسمه في قائمة الشعراء اللوذعانيين هو لويس فيليز دي غيفارا صاحب رواية "الشيطان الأعرج" 1641، وهي رواية هجائية تشبه الرواية الشطارية إلا أنها تفتقد لأهم عناصرها الشائعة، لذلك ينبغي وصفها برواية عادات وتقاليد.
في أمريكا اللاتينية تأثر الأدب بشكل رئيسي بالمدن الرئيسية رغم خصائصها الإقليمية المتنوعة، فقد تم تسليط الضوء بشكل خاص على المسرح والشعر الذي تأثر بشكل رئيسي بأسلوب الشاعر لويس دي جونجورا الذي أضاف الطابع المحلي والأسلوب الملحمي، بدءاً بالشاعر ألونسو دي إرثييا وملحمته "لا أروكانا" ثم الشاعر برناردو دي بالبوينا وملحمته "البرناردو" 1624 وأيضاً "مرآة الصبر" 1608 للشاعر الكوبي سيلفستر دي بالبوا وأخيراً "المجد الأعظم" للشاعر الكوبي دييغو دي أوخيدا 1611. أما في المكسيك فقد نال الشعر الجونجوري اهتماماً كبيراً بفضل مجموعة من الشعراء تأتي في مقدمتهم الراهبة خوانا إينيس دي لا كروث التي بدأت نوع من الشعر التعليمي والتحليلي الذي يرتبط مع عصر التنوير (الغزارة الفكرية، 1689). ومن الأسماء الأخرى لويس ساندوفال إي ثاباتا، كارلوس دي سيغوينزا إي غونغورا، أوغستين دي سالازار إي توريس. وكان للنثر نصيب قليل من الإنتاج نتيجة للمنع الذي حصل عام 1531 لأي عمل مستحدث بالنسبة للجماعات التي تبنت الأدب الخيالي. وبرعوا فقط في مجال علم التأريخ مثل كتاب "العلاقة التاريخية لمملكة تشيلي" 1646 للكاتب ألونسو دي أوفال وكتاب "التاريخ العام لغزو مملكة غرناطة الجديدة" 1688 للكاتب لوكاس فرنانديز دي بيدراهيتا وأيضاً كتاب "احتلال وإعمار مقاطعة فنزويلا" 1723 للكاتب خوسيه دي أوفييدو وبانوس. وفي البرازيل برع الشاعر غريغوريو دي ماتوس جيررا في كتابة الشعر الهجائي والديني والعلماني متأثراً بأعمال كلِ من غونغورا وكيفيدو.