العربية  

books argo sailors

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

بحارو الأرجو (Info)


بحارو الأرجو أو أرجوناوتي أو الأرجوناوتيون (بالإنجليزية: Argonauts)‏ و(بالإغريقية: Ἀργοναῦται) هم مجموعة من الأبطال الأغريق الذين أبحروا قبل الحرب الطروادية مع جاسون بن أيسون ملك أيولكوس في تساليا، إلى أيا التي عرفت في أزمنة لاحقة باسم كولخيس، والتي تقع على الطرف الأقصى من البحر الأسود. جاء اسمهم من اسم سفينة الأرجو التي سميت على اسم صانعها أرجوس، وكان غرض هذه الحملة إحضار الصوف الذهبي للكبش الذي هرب عليه إينو إلى الساحر أييتيس ملك أيا، الذي أكرم وفادته وزوجه ابنته خالكيوبي فنحر الكبش ضحية وعلق صوفه في حرج أريس Ares حيث ظل يحرسها أفعوان دائم السهر الذي لا ينام إطلاقاً.

مؤلف العمل

وكاتب قصة أبطال الأرجو هو أبوللونيوس الرودسي، ولد في نوكراتيس بالإسكندرية في مصر حوالي عام 260 ق.م.، ولقب بـ الرودسي لأنه قضى شطراً طويلاً من عمره في جزيرة رودس.وسم <ref> غير صحيح؛ أسماء غير صحيحة، على سبيل المثال كثيرة جدا تولى أبوللونيوس أمانة مكتبة الإسكندرية حوالي عام 193 ق.م. كان تلميذا لكاليماخوس، نظم ملحمة طويلة من شعر الأبطال باسم أرجوناوتيكا في أربعة كتب، انتقل فيها من ذوق أساتذته لشعر العلماء والشعر الصناعي، قاصدًا بساطة هوميروس، أشهر وأعظم شعراء الإغريق، فقوبلت بنقد واستياء شديد من قبل خصومه، وعلى رأسهم كاليماخوس -معلمه- الذي هاجمه كثيراً وسخر منه. فرحل على إثر ذلك إلى جزيرة رودس، ومكث فترة ليست بالقليلة من حياته، وتفرغ هناك لملحمته ينقحها ويصوب أخطائه حتى نجح ولاقت القبول في صورتها الثانية. وأعتقد أبوللونيوس باختياره لملحمته موضوعاً يجمع فيه بين الإلياذة والأوديسة أنه يجمع العلم والإلهام معاً، وإنه بإمكانه عن طريق إحياء التقاليد الشعرية القديمة أن يبدع عملاً عظيماً. ولم يحاكي أبوللونيوس التراث الكلاسيكي القديم بكل حذافيره، ولكنه اتخذ موقف الوسيط بين القديم والحديث. لذلك كان النقد الذي وجهه كاليماخوس له لم يفلح في عدوله عن موقفه، فظل يصوب الأخطاء في الملحمة فترة طويلة من حياته، لكن الخطة الأساسية لعمله الملحمي ظلت كما هي دون تغيير.وسم <ref> غير صحيح؛ أسماء غير صحيحة، على سبيل المثال كثيرة جدا

الموضوع

تفاصيل تلك المغامرة الغريبة

جاسون وبيلياس

شيد كريثيوس مملكة أيولكوس على خليج تساليا، وأقام لها مدينة عظيمة، وتركها لابنه أيسون. بيد أن شقيق أيسون الأصغر المسمى بيلياس اغتصب العرش من أخيه. فلما مات أيسون وترك ابنه جاسون، خشي بيلياس أن يشب جاسون ويعلم بأمره فيطالب بعرش أبيه، فعجّل بإرساله إلى القنطور خيرون الذي اختص بتنشئة أبناء العظماء والوصول بهم إلى ذروة المجد. فأخذ يدرّب جاسون ليكون في مقدمة الأبطال ونشأه تنشئة سامية.

عندما بلغ بيلياس من الكبر عتيا، بلبلت أفكاره نبوءة أقضت مضجعه ونفت النوم عن عينيه. فقد حذرته هذه النبوءة من فتى يرتدي فردة حذاء واحدة في إحدى قدميه. وعبثا حاول بيلياس أن يصل إلى كنه هذه النبوءة، وقد عجز المفسرون عن تفسير ما تقصد إليه تلك النبوءة. في ذلك الحين كان جاسون قد بلغ من العمر عشرين ربيعاً، فترك مدربه خيرون وأقلع سراً إلى وطنه أيوكلوس، ليثبت حقوق أسرته في عرش البلاد الذي اغتصبه عمه بيلياس.

حذا جاسون حذو قدماء الأبطال الذين خلد التاريخ أسماءهم، وتسلح برمحين، أحدهما للقذف والآخر للطعن، ووضع فوق حلته التي يرتدها جلد نمر أرقط، كان قد اصطاده في إحدى الرحلات، وترك شعره الطويل مرسلاً فوق كتفيه. وصل جاسون إبان رحلته إلى نهر عريض حيث قابل عجوزاً شاب وليدها، راحت تتوسل إليه أن يساعدها على اجتياز النهر.

لم تكن تلك العجوز سوى الربة هيرا ملكة الآلهة وألدّ أعداء الملك بيلياس ولم يلاحظ جاسون شخصية الربة وهى متنكرة في ثيابها الرثة والهيئة التي اتخذتها. فحملها برفق، وأخذ يخوض النهر وهى بين ذراعيه. وفي منتصف النهر غرست إحدى قدميه في الطين فالتصقت فردة الحذاء بالطين، فلما رفع قدمه خرجت بلا حذاء، فلم يعر ذلك اهتماما واستمر بحملها يعبر النهر حتى بلغ الضفة الأخرى، فودع العجوز ثم اتجه إلى سوق أيولكوس في اللحظة التي كان فيها عمه بيلياس يقدم ذبيحة للرب بوسايدون إله البحر، وكان يحيط بالملك جمع غفير من شعبه.

لما رأى القوم جاسون، بهرهم جماله وظنوه أبوللو أو أريس قد ظهر فجأة وسطهم. غير أن الملك بيلياس لم تقع عينه على جماله أو طوله، بل وقعت على قدميه، وقد أفزعه وهو يقدم الذبيحة أن ذلك الغريب يلبس فردة حذاء واحدة في إحدى قدميه. فسرى الحزن في قلبه، لكنه تمالك نفسه ولم يبد ما يدل على خوفه، فلما انتهت الطقوس الدينية تقدم إلى الشاب اليافع وسأله في رقة عن اسمه وعن وطنه.

كانت إجابة جاسون كافية لأن تهد كيان بيلياس، فقد أجابه في جرأة وجسارة نادرتين، ولكن في نبرة تنم عن الذوق والأدب ودماثة الخلق، قائلا: «أنا جاسون بن الملك أيسون. وقد ربّاني خيرون فأحسن تربيتي، وقد جئت الآن لزيارة بيت أبي».

أصغى بيلياس إلى ابن أخيه في اهتمام وبشاشة زائدين وقد أخفي ما تعتريه نفسه من خوف. فأمر أتباعه بأن يرافقوا الضيف العزيز إلى قصره. فصار جاسون يتطلع إلى ساحات القصر وغرفه التي ربى بين جدرانها في طفولته المبكرة. رحب بيلياس بابن أخيه أحسن ترحيب، فأقام له الحفلات وأولم له الولائم الفاخرة خمسة أيام كاملة، وفي اليوم السادس، تركوا الفساطيط التي أقيمت لاستضافة المدعوين، وتوجهوا إلى الملك بيلياس، فمثلوا بين يديه. تقدم جاسون في أدب ورقة بالغة وقال لعمه:

«أيها الملك، أنت تعلم تمام العلم، أنني ابن ملك البلاد الشرعي، ووريث عرشه، وأن كل ما تمتلكه الآن هو لي.. غير أنني سأترك لك جميع قطعان الماشية والأغنام، وجميع الحقول التي استحوذت عليها من والدي.. ولن أسألك شيئا سوى الصولجان والعرش اللذين كانا يوما ما لأبي».وسم <ref> غير صحيح؛ أسماء غير صحيحة، على سبيل المثال كثيرة جدا

أعمل بيلياس فكره بسرعة قبل أن يجيب، فكان رده عاطفياً ولكن عن مكر ودهاء وبعد نظر، إذ قال: «لك ما تريد يا ابن أخي، فإنني على أتم استعداد لتنفيذ طلباتك. وفي مقابل ذلك يجب أن تحقق لي رجاء واحدا، وتؤدي خدمة بدلا مني، فأنت لا تزال في شرخ الشباب وعظيم القوة، ولا يمكن لشيخ مثلى أن يقوم بها.. لقد مضى زمان طويل، وطيف فريكسوس يحوم حولي ويطاردني في أحلامي، حتى امتنع علي النوم ولازمني السهاد. إنه يطلب مني، ويحلف في الطلب، أن أجلب السلام لروحه، بالرحيل إلى كولخيس والتوجه إلى الملك أييتيس فأستعيد منه جرة الكبش الذهبي. وأنت تعلم أن ليس في استطاعتي القيام بمثل تلك الرحلة التي تتطلب عزم الشباب وفتوته، وسيعود إليك مجد تحقيقك هذا الرجاء، وعندما تعود بسلام حاملا هذه الهدية الرائعة، فسأعطيك المملكة والصولجان، فهما حق شرعي لك دون غيرك».

قصة الصوف الذهبي بدء رحلة بحارة الأرجو

    كانت إينو محظية أثاماس والد فريكسوس وعشيقته، وكانت خارقة الأنوثة بارعة الجمال، إلا إنها كانت شديدة القسوة جافة الطباع، فكانت تعامل فريكسوس ابن زوجها معاملة قاسية، وتذيقه ألوان العذاب. ولا يجرؤ أحد على أن يخبر زوجها، بما يعانيه ولده على يد تلك الحية. لم تطق نيفيلي والدة فريكسوس أن ترى ابنها يسام العذاب هو وأخته هيللي ، فقامت بمساعدة ابنتها هذه بخطف الطفل من منزل أبيه، ووضعت طفليها على ظهر كبش مجنح، صوفه من خيوط العسجد النضار، كانت تلقته هدية من الإله هيرميس. فحملها الكبش وحلق بهما في الجو، وظل يجوب أجواز الفضاء في سرعة بالغة، فأصيبت الفتاة بدوار شديد وسقطت من على ظهر المطية الذهبية لتلقى مصرعها في البحر، الذي أصبح منذ تلك اللحظة يسمى هيللي أو هيلليسبونت نسبة إلى تلك الفتاة.

    أما فريكسوس فقد وصل سالماً إلى بلاد كولخيس على شاطئ البحر الأسود، حيث استقبله الملك أييتيس أعظم استقبال، وزوجه إحدى بناته. وهى فتاة مدللة اجتمعت فيها الحكمة المثلى والأنوثة الكاملة. واعترافاً بجميل الكبش كرسه فريكسوس لزيوس أبى الآلهة، الذي أطال في طيرانه وقدم الجرة للملك أييتيس الذي كرسها بدوره للرب أريس، وسمرها في شجرة في كهف مقدس لهذا الرب، وجعلها في حراسة أفعوان ضخم، لأن هناك نبوءة تقول أن حياة الملك نفسه تتوقف على امتلاكه لتلك الجرة الذهبية.وسم <ref> غير صحيح؛ أسماء غير صحيحة، على سبيل المثال كثيرة جدا

    ذاع صيت هذه الجرة في جميع أرجاء الأرض، وسمع بها القاصي والداني، وأصبح الناس ينظرون إليها كأنها كنز ثمين لا يقدر بثمن. لم يكن بيلياس مخطئاً حين طلب من ابن أخيه أن يحضر له هذه الجرة الثمينة. وكان جاسون دون أدنى شك على استعداد تام بنية صادقة لإحضار تلك الهدية، ولم تخامره قط الفكرة الحقيقية التي جعلت عمه يطلب منه هذه الطلب الوعر. إذ أن القصد الحقيقي لبيلياس كان هو التخلص من جاسون تماماً بإرساله في هذه المهمة التي كان بيلياس على يقين من أن ابن أخيه لن يعود منها سالماً.

    طلب جاسون من أشهر أبطال الأغارقة وأعظمهم، أن يسهموا في تلك المغامرة الخطرة. فبدأ أمهر الصناع ببناء سفينة ضخمة، تحت رعاية الربة أثينا واستعملوا في صنعها أجود أنواع الخشب.كانت السفينة تتسع لخمسين مجدافاً، وأطلق عليها أرجو نسبة إلى بانيها أرجوس بن أريستور. لقد كانت أطول سفينة قام بصنعها الإغريق حتى ذلك الوقت، للإبحار عبر المحيطات الواسعة. وقد روعيَ عند بناء حيزوم السفينة أن يوضع فيه قطعة من الخشب أخذت من شجرة دودونا البلوطية التنبؤية هدية من الربة أثينا.

    التف البحارة حولها واقترعوا على الأماكن التي سيحتلها كل واحد منهم، فكان على جاسون أن يتولى قيادة الحملة بأسرها، وأن يقوم تيفوس بقيادة الدفة، ويتولى لونكيوس الحاد البصر إرشاد السفينة، في الأماكن الخطرة. وأن يجلس البطل المغوار هرقل في مقدم السفينة، وقد كرس جاسون سفينته لبوسايدون إله البحر. وقبل قيام الحملة بالرحلة المشهورة، قدم جميع الأبطال ذبائحهم وصلواتهم المقدسة إلى هذا الرب، وإلى غيره من آلهة البحر الآخرين، اتخذ كل بطل مكانه المخصص له على ظهر السفينة، ورفعوا المرساة وتحركت السفينة بعيدا عن الشاطئ، وأخذ الخمسون مجدافا يحركون مجاديفهم في نظام بديع، وفي اليوم التالي هبت عليهم ريح عاتية، فساقتهم إلى ميناء جزيرة ليمنوس.

    بحارة الأرجو

    بحارة الأرجو في جزيرة ليمنوس

    كانت نساء هذه الجزيرة قد قمن بقتل أزواجهن، أو على الأصح بقتل جميع رجال الجزيرة. لأنهم كانوا قد أحضروا معهم من تراقياً محظيات على قدر كبير من الفتنة والجمال، فعم الجور والمجون، وغضبت لذلك أفروديتي وأثارت حفيظة النساء على أزواجهن، فأعملن التقتيل في الرجال فلم ينج منهم سوى ملك ثواس الذي أنقذته غبنته هوبسيبولي، فأخفته في صندوق وقذفت به إلى البحر. ومنذ ذلك الحين استولى الذعر على نساء ليمنوس واندلع الهلع في نفوسهن، خشية أن يتعرضن لغارات التراقيين للأخذ بثأر أقربائهم. وكثيرا ما كانت النساء يتطلعن صوب البحر إلى الأفق البعيد خوفا من قدوم سفينة تحمل المحاربين من التراقيين.وسم <ref> غير صحيح؛ أسماء غير صحيحة، على سبيل المثال كثيرة جدا

    وذات يوم، بينما وقف بعض النسوة بجانب الشاطئ إذ أبصرن سفينة الأرجو العظيمة، فأسرعن إلى المدينة يخبرن بنات جنسهن بما رأين. فتسلحت النساء بسرعة وتدفقن إلى الشاطئ كجيش من الأمازونيات المحاربات. اندهش الأبطال كثيرا عندنا أبصروا الشاطئ يعج بالنساء المسلحات وليس بينهن رجل واحد.. فأرسلوا إليهن رسولا في زورق، فلما بلغ الشاطئ وتقدم إليهن أخذنه إلى ملكتهن هوبسيبولي غير المتزوجة، فقال لها أن البحارة يطلبون إيواءهم بضعة أيام كضيوف، ليستريحوا من عناء السفر.

    جمعت الملكة نسائها في سوق المدينة، وقالت لهن أنها ترى أن يرسلن إليهم ما يحتاجوا إليه من الطعام والشراب في زورقهم، وبهذه الطريقة يستطعن أن يحتفظن بصداقتهم بعيدا عنهن.. استوت الملكة ثانية على عرشها في دلال وعندئذ رفعت خادمتها العجوز رأسها بمجهود شاق، وأومأت بالموافقة وقالت: "أرسلن الهدايا إلى هؤلاء الأغراب بأية وسيلة من الوسائل، فهذا خير ما يجب عليكن القيام به في هذا الظرف، لاقى هذا الرأي موافقة بالإجماع من سائر نساء ليمنوس، وحبذن فكرتها، فأرسلت الملكة إحدى الفتيات لمصاحبة الرسول إلى السفينة كي تخطر الأبطال بالقرار الذي وصلن إليه، فسر البحارة بهذه الدعوة.

    علق جاسون عباءته، التي أهدتها إليه الربة أثينا فوق كتفه، وراح يخطو صوب المدينة، واتجه صوب القصر في خطوات حثيثة، فإذا بالعذارى الحسان من الخادمات يفتحن الأبواب على مصراعيها، وإذا بالفتاة الشقراء التي كانت رسول الملكة إلى الأبطال تقوده إلى حجرة سيدتها.

    كانت هوبسيبولي ناضرة الشباب، قد سبح وجهها في هالة من الحسن والبهاء، وما أن وقعت عينها على ذلك الفتى الأنيق حتى اصطبغ خدها بحمرة الورد خجلا وحياء، وفي رقة بالغة راحت تخاطبه بألفاظ المديح والإطراء قائلة: «أيها الغريب النبيل، إن هيئتك لتدل على شرف عنصرك، حقا إنك لمن الأبطال العظام والنبلاء.. ما الذي جعلك تتردد في دخول أبوابنا؟ ليس في هذه المدينة رجال يمكنك أن تخشاهم. فقد خان أزواجنا عهود الزوجية، وانتقلوا بصحبة عشيقاتهم من الأسرى التراقيات إلى بلدهن، ومعهم أبناؤهم وعبيدهم فتركونا لا حول لنا ولا قوة، ومن ثم يمكنك أنت ورفاقك الأعزاء، لو راق لكم أن تحضروا إلى بلدنا، وتكونوا أفرادا من شعبنا، ولو أردت فلك أن تحكم رجالك وتحكمنا بدلا من أبي وأنني لعلى يقين من أن هذه البلاد ستروق لكم، فهي أكثر جزر البحار خصباً وأوفرها ثماراً، فاذهب إلى صحبك وأخبرهم بهذه الذي أعرضه عليك، ثم عد إلي بقرارهم».

    بيد أنها لم تذكر له أنهن قتلن أزواجهن، فأجاب جاسون قائلا: «أيتها الملكة العظيمة، إننا بقلوب يملؤها الشكر نتقبل المساعدة التي تنوين تقديمها لنا، والتي نحن في أمس الحاجة إليها.. وسأخبر رفاقي بعرض جلالتك، ثم أعود إلى مدينتك العامرة. ولكي أن تحتفظي شخصيا بصولجانك وبجزيرتك! وليس معنى هذا أنني أرفضه، ولكن أخطارا ومعارك بعيدة تنتظرني، ويجب عليَّ القيام بها».

    قدم جاسون يده إلى الملكة مودعا، ثم رجع إلى الشاطئ.. وسرعان ما تبعته النساء في عربات سريعة محملة بالهدايا الكثيرة. أنبأ جاسون رفاقه بحديث الملكة إليه، ثم نزل إلى الشاطئ معهم، ما عدا هرقل وبعضا من زملائه الذين كانوا يعافون الحياة وسط النساء. كان من السهل على السيدات إغراء الأبطال بدخول المدينة والإقامة في منازلهن، فعاش جاسون في قصر هوبسيبولي، على حين تفرق الأبطال هنا وهناك مع الحسناوات الجميلات، وسرعان ما امتلأت المدينة برقصات العذارى وولائم البهجة والسرور.

    ظل موعد الرحيل يتأجل من يوم إلى يوم، ولو كان الأمر بيد الأبطال، لتلكئوا ما طاب لهم مع مضيفاتهم الفاتنات الساحرات، بيد أن هرقل الصارم حضر من السفينة وجمع الأبطال حوله دون علم النساء وخاطبهم بقوله: «أي أبطال الأغارقة، ما أتعسكم وأحقركم! ألم يكن لديكم في بلادكم ما يكفيكم من النساء؟ هل كنتم في أمس الحاجة إلى زوجات حتى تحضروا لإلى هذه المكان وتعدلوا عن إتمام العمل المجيد الذي اضطلعتم به؟ هل ترغبون في حرث حقول ليمنوس؟ طبعا، إن أحد الآلهة سيبحث عن الجرة الذهبية ويحضرها لنا، ويضعها تحت أقدامنا دون أن نحرك نحن ساكنا أو نبذل أي مجهود! إني أرى من الأفضل أن يعود كل امرؤ منا لإلى بلده... وليتزوج جاسون هوبسيبولي ويعمر جزيرة ليمنوس بأبنائه منها، ثم يجلس بعد ذلك ويصغي إلى قصة أعمال البطولة التي يقوم بها غيره».

    كان لهذه الألفاظ وقع في نفوس الأبطال دونه وقع السهام، ولم يجرؤ أحد منهم أن يرفع بصره إلى البطل العظيم أو يرد على أقواله بكلمة واحدة، وشعر كل فرد منهم بالخزي يجلل هامته، فتركوا الحشد واستعدوا للرحيل. بيد أن نساء ليمنوس اللواتي كن قد عقدن النية على الزواج من الأبطال شق عليهن أن يتركهن الرجال بتلك السهولة، فحاصرنهم في جموع غفيرة كأنهن النمل، وأخذن يتوسلن إليهم كي يرقوا لحالهن ويمكثوا معهن، ولكن وجدن أن الأبطال قد قرروا العودة إلى سفينتهم، فرضخن إلى الأمر الواقع.

    أما هوبسيبولي ملكة الجزيرة الفاتنة، فقد ذرفت الدموع، وانتحت إلى جانب بعيد عن الأخريات، وأخذت جاسون من يده وقالت: «اذهب مصحوباً بالسلامة، ولتمنحك الآلهة، أنت ورفاقك الأجلاء النجاح في الحصول على الجرة الذهبية التي تبتغونها وتركتم وطنكم من أجلها، ولو رغبت يوماً بالعودة إلينا فأهلاً وسهلاً».

    ترك جاسون الملكة وهو مملوء إعجاباً بما تتصف به من حسن وفتنة مقرونين بالحكمة والرزانة ورجاحة العقل، وكان هو أول من صعد إلى السفينة، ثم تبعه الآخرون، واحتل كل واحد منهم مكانه، ورفعوا المرساة ونشروا الأشرعة، وفي لمح البصر كانوا قد خلفوا وراءهم الهيلليسبونت.

    بحارة الأرجو في بلاد الدوليونيس

    جرت السفينة تطوي المراحل على صفحة اليم، وظل البحارة يجدفون دون كلل ولا ملل، حتى إذا انقضت بضعة أيام، هبت الرياح من تراقيا فجرفت السفينة صوب ساحل فروجيا، حيث كان يعيش العمالقة المتوحشون الذين أنجبتهم الأرض جنبا إلى جنب مع شعب الدوليونيس المسالم، في جزيرة كوزيكوس.وسم <ref> غير صحيح؛ أسماء غير صحيحة، على سبيل المثال كثيرة جدا

    كان لهؤلاء العمالقة ست أذرع، تمتد اثنتان منها من كتفين عريضتين، كما تمتد ذراعان من كل جنب، أما الدوليونيس فكانوا ينحدرون من رب البحر، الذي كان يحميهم من كل من يتعدى عليهم أو يريد بهم سوءا، حتى من جيرانهم المتوحشين، وكان يحكمهم الملك كوزيكوس، الذي اشتهر بالتقوى والورع والعبادة.. فلما وصلت السفينة إلى الجزيرة، خرج الملك وكل شعبه لاستقبال بحارتها والترحيب بهم.

    وبعد أن رست السفينة على الماء، ونزل الأبطال إلى البر رحب بهم الملك وصمم على استضافتهم في قصره وإكرام وفادتهم، لأن نبوءة من قديم الزمن كانت قد أمرته بضرورة استقبال زمرة الأبطال المقدسين بكلمات الترحيب الرقيقة، وقبل كل شئ يتجنب القتال معهم.. ومن ثم زودهم بكمية وافرة من الخمر والذبائح المنحورة.

    كان ذلك الملك لا يزال يافعا في عز صباه وريعان شبابه، وكان قد تزوج حديثا فتاة حلوة القسمات مشرقة السمات، جميلة الطلعة، وكانت وقت ذاك تنتظره في القص، ولكنه رضوخا لتلك النبوءة بقى ليشترك في الوليمة، وظل معهم يجاذبهم أطراف الحديث ويسألهم عن حالهم وغرض رحلتهم، فلما علم أمرهم، زودهم بالمعلومات وبالطريق الذي يجب عليهم أن يسلكوه.

    ظل الأبطال يمرحون بصحبة الملك النبيل، حتى مضى جزء من الليل، ثم ذهبوا إلى المخادع التي أعدت لهم، فباتوا ليلتهم على الفرش الوثيرة، حتى إذا ما أصبح الصباح وتبدد الظلام، خرجوا يصدعون في جبل شامخ كي يروا بأنفسهم من قمته أين تقع الجزيرة من المحيط، فلما أبصرهم العمالقة انقضوا عليهم من الجانب الآخر متدفقين كالسيل الجارف، وأخذوا يسدون المنافذ إلى الميناء بقطع ضخمة من الصخور والأحجار.

    كانت الأرجو قابعة في الميناء يحرسها البطل هرقل، الذي رفض للمرة الثانية مغادرتها، فلما رأى ما فعه أولئك العمالقة الأشرار، خاف على زملائه من بطشهم، فأخذ قوسه القوية وصار يقذف العمالقة بسهامه، فتردى منهم الكثيرون، وسقطوا في أماكنهم صرعى وفي نفس الوقت كان الأبطال يعملون التقتيل في المعتدين برماحهم وسهامهم، فهزموا العمالقة هزيمة نكراء، وتكدست أكوام جثثهم في الميناء الضيق كأنها جذوع أشجار ضخمة قطعت من غابة كثيفة.

    خرج الأبطال هكذا من المعركة ظافرين منتصرين، فعادوا إلى القصر يودعون الملك ويشكرون له حسن ضيافته وكرمه، ثم اعتلوا ظهر سفينتهم وأقلعوا عبر البحر، وكادت الشمس تتوسط كبد السماء، وكانت الريح رخاء، والسفينة تشق طريقها حثيثا في الماء، حتى إذا جن الليل، تغيرت الرياح وتبدلت الأحوال، فهبت عليهم من الجانب الآخر ريح عاتية أجبرتهم على الرسو بمركبهم بالقرب من اليابسة حتى تمر الزوبعة وتهدأ الريح.

    كان الأبطال قد أرسوا سفينتهم على الجانب الآخر لجزيرة الدوليونيس ، غير أن بحارة الأرجو ظنوا أنهم قد رسوا على ساحل فروجيا، فلم يدرك المضيفون السابقون الذين هبوا من نومهم مذعورين على صوت إرساء السفينة، أن أولئك القادمين هم ضيوفهم السابقون، وأصدقاؤهم الذين احتفلوا بهم وتناولوا معهم الطعام والشراب في مرح وسرور منذ يوم واحد فقط.. فهرعوا إلى أسلحتهم، وسرعان ما قامت بين الفريقين معركة حامية، فقذف جاسون رمحه في قلب الملك نفسه دون أن يدري القاتل من هو المقتول، ولا المقتول من قاتله. فلما رأى الدوليونيس ما حل بملكهم، أطلقوا العنان لأقدامهم، وولوا الأدبار، واختفوا في المدينة، وفي الصباح التالي اكتشف كل من الفريقين خطأه.وسم <ref> غير صحيح؛ أسماء غير صحيحة، على سبيل المثال كثيرة جدا

    عندما رأى جاسون ورفاقه جثة الملك الطيب كوزيكوس ترقد في بركة من دمائه الزكية، استولت عليهم الكآبة والوجوم، وعقد الحزن العميق ألسنتهم، فانهمرت دموعهم حارة تكاد تلهب وجوههم، فقد جازوا الإحسان بالإساءة ولو أن ذلك حدث عن غير قصد، وظلوا مع الدوليونيس يبكون الموتى ثلاثة أيام بلياليها، وكان أهل القتلى يمزقون شعورهم من شدة الحزن والكمد، وأخذوا يعدون الولائم الجنائزية تكريما لمن سقطوا صرعى في المعركة.. بعد ذلك أقلع الأبطال يستأنفون رحلتهم، أما كليتي Clite الحسناء، زوجة الملك المقتول، فقد شنقت نفسها بحبل، إذ لم تطق البقاء بعد أن مات زوجها.

    هرقل يتخلف

    هبت العواصف على السفينة من كل جانب، وأخذت تعبث بها الرياح في صخب، فرسا الأبطال على مدينة كيوس في خليج بيثونيا، فاستقبلهم الموسيون سكان هذه المدينة استقبالا رائعا، وبالرغم من أن الظلام قد أقبل، فإن أهل المدينة استمروا يخدمونهم ويقدمون لهم الطعام والشراب بكميات وافرة.

    لما كان هرقل لا يميل إلى أي لون من ألوان الترف ويعده مفسدة للرجل، فقد ترك رفاقه ينعمون بالوليمة، وأخذ يضرب وسط الغابة الكثيفة ليصنع لنفسه من أشابها مجدافا أقوى من المجاديف التي بالسفينة، استعدادا للعمل الذي ينتظره في صباح الغد، فصار يتفحص أشجار الغابة حتى عثر على شجرة صنوبر خشبها صلب قوي، كانت عين ما يصبوا إليه ويريد، و وضع هرقل قوسه وجعبته جانبا، وخلع عنه جلد الأسد وألقى هراوته إلى جانبه، ثم أمسك بجذع الشجرة بكلتا يديه وجذبها جذبة قوية انتزعها من منبتها.

    كان هرقل في إحدى المعارك قد قتل بطلا في حملة ضد الدريوبيس، وكان لذلك البطل ابن حدث يسمى هولاس، فأخذه هرقل ونشأه معه حتى كبر وأصبح خادمه وصديقه. ترك هولاس الوليمة أيضا، وأخذ جرة ليملأها ماء لسيده وصديقه إذا احتاج إلى الماء عند عودته، فلما بلغ الصبي الجميل البئر، أبصرته حورية البئر، أبصرت شابا يافعا طويل القامة حلو القسمات، فسحرها جماله حتى أنها قد طوقته بذراعها اليسرى، على حين أمسكت مرفقه بيمناها وجذبته إلى أعماق البئر.

    صرح الصبي مستغيثا يطلب النجدة، فسمعه أحد الأبطال ويدعى بولوفيموس، وكان جالسا ينتظر هرقل بالقرب من البئر، فهب مسرعا إلى مصدر الصوت ليخلص الصبي. بيد أنه لم يعثر عليه كأنما الأرض قد ابتلعته.. وما أن شاهد هرقل مقبلا من الغابة حتى ناداه قائلا: «معذرة أيها السيد ما كنت لأود أن أكون أول من ينبئك بخبر يشق عليك سماعه، لقد ذهب صديقك هولاس إلى البئر ولم يعد، لابد أن يكون قد قابله أحد قاطعي الطرق واختطفه أو ربما يكون قد قتله.. لقد سمعته بنفسي وبأذني يصيح مستغيثاً».

    ما إن سمع هرقل ذلك النبأ حتى تميز غضبا وجاش قلبه حزنا وكمدا، وبخعه الألم بقلبه، وفي سورة الغضب ألقى بشجرة الصنوبر أرضا، واندفع كثور هائج، واخذ يعدو خلال الغابات حتى بلغ البئر وهو يصيح صيحات الحزن والأم والجزع.

    أصبح الصباح، وأشرق نجمه فوق الجبل، فهبت رياح مواتية، وعندئذ حث مدير الدفة الأبطال على أن يستغلوا فرصة هذه الرياح ويقلعوا في الحال، فتسابق البحارة إلى السفينة يصعدون على ظهرها ويتخذ كل منهم مكانه فيها في ضوء الفجر الأحمر، وبينما هم ينزلقون في غبطة وسرور على صفحة الماء، إذ تذكروا بعد فوات الأوان أنهم تركوا اثنين من خيرة الأبطال على الشاطئ، وهما هرقل وبولوفيموس.

    عندما اكتشف الأبطال هذا الأمر، دب بينهم شجار عنيف ونقاش حاد، كيف يصح أن يبحروا بدون رفيقيهم؟ لم ينبس جاسون ببنت شفة، ولاذ بالصمت والحزن يأكل قلبه ويستولى على مشاعره فجلس منطويا على نفسه وقد ذهبت به الأفكار شتى المذاهب.. أما تيلامون فقد استشاط غضبا ولم يتمالك نفسه من هول الصدمة العنيفة، فصاح في جاسون قائلاً: «كيف تجلس في مكانك صامتا هادئا هكذا؟ أعتقد أنك تخشى أن يتفوق هرقل فينال من بسالتك! ولكن لم أضيع وقتي في الحديث؟ فلو وافقك حشدنا على مسلكك هذا، فإني سأعود إلى البطل الذي تركناه على الشاطئ».

    وما أن أتم تيلامون كلامه هذا حتى انقض على تيفوس مدير الدفة وأمسك بصدره وجذبه جذبة عنيفة وكاد يجبره على الاتجاه بالسفينة صوب بلاد الموسيين، لولا أن قبض على ذراعيه زيتيس وجذبه إلى الخلف وهو يعنفه على ما صدر منه.. بيد أنه حدث وهم يتعاركون أن برز لهم بين الأمواج، جلاوكوس رب البحر، وأمسك بدفة السفينة بيده القوية، وصاح في البحارة بقوله:

    «لا يدب الخلاف والنزاع بينكم أيها الأبطال ولا تتراشقوا بجارح الألفاظ، فلن تأخذوا معكم هرقل، الذي لا يخشى بأسا، إلى بلاد أييتيس ضد إرادة زيوس! إن القدر ليحتفظ به لمهام أخرى غير مهمتكم. لقد أبصرت إحدى الحوريات الشاب الجميل هولاس، فهامت بحبه وبرح بها الهوى حتى أنها خطفته، ولما كان هذا الفتى صديقا لهرقل، ولا يستطيع أن يرجع بدونه، فقد تخلف عنكم من شدة شوقه إليه».

    فلما قال رب البحر هذه الحقائق، وأنبأ بها الأبطال حتى لا تنفصم عرى الصداقة بينهم وينشق بعضهم على بعض، غطس ثانية في البحر، وابتلعته المياه الزرقاء كما جاء. عند ذلك احمر وجه تيلامون خجلا، ثم ذهب إلى جاسون واعتذر له عما بدر منه، ووضع يده في يده وقال: "لا تحنق علي يا جاسون، فقد أفقدني الحزن العميق صوابي وطار لبي ودفعني إلى التسرع في الكلام، فلم أع ما كنت أقول، فلتذهب غلطتي هذه مع الرياح، ودعنا يتمنى كل منا لأخيه أطيب الأماني كما كنا نفعل من قبل. سر جاسون سرورا بالغا لعودة السلام بينه وبين تيلامون، وانتشار الهدوء بين الأبطال على ظهر السفينة ثانية، ثم أبحروا بعد ذلك عبر الأمواج الهادئة. هذا ما حدث على ظهر السفينة، أما من بقى على الشاطئ، فإن بولوفيموس أقام مع الموسيين وشيد لهم مدينة عظيمة، على حين استمر هرقل في سيره وتجواله إلى حيث استدعته مشيئة الإله زيوس.

    بولوديوكيس وملك البيبروكيين

    أشرقت شمس اليوم التالي، فلاح عن بعد شبه جزيرة منبسطة إلى داخل البحر، فأدار الملاحون الأبطال السفينة نحوها، وكانت توجد في هذه الأرض حظائر أموكوس ملك البيروكيين المتوحشين وبيته الريفي، وكان هذه الملك ذا قوة وسلطان يفرض قانونا صارما على جميع الأغراب.

    ولما كان بطلا مغوارا لا يتصدى لقوته فارس، فقد فرض على كل غريب يرمي به حظه التعس إلى شبه الجزيرة هذه، ألا يغادرها قبل أن يلاكمه، وكانت الغلبة طبعا لهذا الملك الباطش ذو القوة الخارقة، وبذلك تخلص من عدد كبير من جيرانه.

    أبصر أموكوس السفينة تقترب من الشاطئ، فضحك ملء شدقيه ساخرا من أولئك التعسين الذين ساقهم القدر إلى حتفهم، فدنا من مرسى السفينة قبل أن تطأ أقدام من فيها أرضه وتحداهم قائلا: "اسمعوا يا قراصنة البحار، أرهفوا سمعكم لما أقول، هناك أمر واحد يجب أن تعرفوه جيدا، ليس لغريب قط أن يبرح بلادي دون أن يتلاكم معي.. ومن ثم آمركم أن تختاروا أقوى رجل فيكم وترسلوه إلي، وإلا مصيركم كلكم الهلاك وبئس المصير".

    كان بين بحارة الأرجو بطل الإغريق في الملاكمة ويدعى بولوديوكيس وهو نجل ليدا فلما سمع كلام أموكوس وغطرسته، ثارت ثائرته وجاش قلبه حقدا على ذلك المغرور الذي تحدي جميع الأبطال، وبطش بكل من تقدم لملاكمته، في غير رحمة ولا شفقة. فنزل إلى البر وسعى إلى الملك قائلا: "اختصر الحديث يا هذا فإني على أتم استعداد لملاكمتك والويل لمن يصرخ أولا".

    تطلع الملك إلى البطل المقبل، وأخذ ينظر إلى ذلك الشخص الذي سخر من تحديه، كأنما يزن قوته ويبحث في جسم غريمه عما جعله يقدم على قبول النزال بتلك الجرأة التي لم يعتدها فيمن

    سبقوه.. ولكن بوديوكيس لم يأبه لنظراته ولم يعره إي اهتمام ، وما أن غادر الأبطال السفينة ووطئوا اليابسة حتى احتل المتلاكمان أماكنهما، الواحد تجاه الآخر، وجاء أحد عبيد الملك بزوجين من قفازات الملاكمة، وألقى بهما على الأرض بين الغريمين ، فقال أموكوس لخصمه، اختر لنفسك القفاز الذي يروقك، فإنني لا أريد ضياع الوقت في الاقتراع على القفازات".

    ابتسم بولوديوكيس ابتسامة هادئة، ثم التقط القفاز القريب منه وترك أصدقاءه وكذلك فعل الملك، ثم بدأت الملاكمة، فهجم الملك على الإغريقي كالموجة العاتية، فيحاول بولوديوكيس أن يتفادى منها بأقصى صعوبة، ولم يترك لغريمه فسحه من الوقت يستطيع فيها أن يأخذ نفسه..

    كان بولوديوكيس مر العود صلب المكسر، فسرعان ما اكتشف موطن الضعف في خصمه وأخذ يمطره وابلا من اللكمات التي لم يستطع تحاشيها، غير أن الملك كان لا يترك فرصة، دون أن ينتهزها، ومن ثم كانت الفكوك تترنح تحت وطأة اللكمات، ولم يكف الطرفان عن الملاكمة إلا بعد أن أخذ التعب منهما كل مأخذ، وراحا يلهثان من شدة التعب، فاضطر كل منهما إلى أن يتنحى جانبا ليستريح ويجفف عرقه.

    مضت فترة وجيزة، استأنف البطلان بعدها الملاكمة فأخت اللكمات تنزل تباعا دون إبطاء، وكان من العسير حسم النزال، لولا أن أموكوس أخطأ رأس غريمه، وجاءت الضربة على كتفه، على حين هوى عليه بولوديوكيس بضربه قاضية خلف أذنه، هشمت عظام رأسه، فخر على ركبتيه يترنح وهو يصرخ من شدة الألم.

    صاح ملاحو الأرجو صيحة الفرح لانتصار رفيقهم على ذلك الجبار، بيد أن قوم البيبروكيين اقبلوا لمساعدة ملكهم، وانقضوا على بولوديوكيس بهراواتهم ورماحهم، فلم يقف زملاؤه كتوفي الأيدي، بل انبروا بهراواتهم بالسيوف وأعملوا فيهم التقتيل والتنكيل، فلم يسع البيبروكيين إلا أن يطلقوا العنان لأقدامهم يسابقون بها الريح، ملتمسين النجاة في مخابئ بلادهم، فلما رأي الأبطال هزيمة هؤلاء الجبناء الرعاديد، دخلوا حظائرهم واستولوا على قطعان الماشية والأغنام وأمضوا الليل على الشاطئ بقرب سفينتهم، يضمدون جراحهم ويقدمون الذبائح للآلهة، وقضوا ساعات الدجى يحتسون الخمر المعتقة ويأكلون من الشواء الشهي.

    فينيوس والطيور الملعونة

    أقبل الفجر فوضع نهاية لوليمتهم، وصعد الأبطال على ظهر السفينة يحملون إليها قطعان الماشية والأغنام التي غنموها، وما أن تنفس الصبح حتى كانت الأرجو تشق اليم بقوة سواعد الأبطال، حتى بلغوا بلاد بيثونيا التي كان يقطن فيها فينيوس Phinius بن البطل أجينور Agenor وكان فينيوس هذا قد حلت به مصيبة ما بعدها مصيبة، وسببها أنه سخر من هدية النبوءة التي منحه إياها أبوللو، فأصابه العمى في شيخوخته، ولو وقفت المصيبة عند هذا الحد لهانت ولأمكنه أن يطيقها في غير تذمر، ولكن الأدهى، أنه كلما أراد أن يتناول طعامه، كانت تنقض عليه طيور متوحشة شريرة شبيهة بالساحرات، وكانت تدعى باسم هاربييس، فكانت تلتهم ما أمامه من طعام فلا تبقي له إلا القليل، ويا ليتها تتركه صالحا للأكل، بل تلوثه وتدنسه بطريقة تجعل النفس تعاف تناوله.

    ظل فينيوس يعاني الأمرين من العمى والطيور الملعونة حتى وهن جسمه ونحل عوده وأصبح هيكلا من العظام، ولم يكن له في الدنيا سوى أمل واحد، فقد كانت نبوءة من زيوس تقول إن فينيوس يستطيع أن يتناول طعامه في هدوء لا يعكر صفوه ولا تقربه تلك الطيور اللعينة، إذا أقبل أبناء بورياس مع المجدفين الأغارقة ، ومن ثم، عندما سمع ذلك الهرم المسن بوصول سفينة الأرجو، غادر غرفته، فما أن وصل إلى بحارة الأرجو حتى سقط من الإعياء والتعب على الأرض.

    عندما أبصر الأبطال ما حل بزائرهم، التفوا حوله وقد هالهم منظره، فلما سمعهم حوله، استجمع قواه، وتحدث إليهم متوسلا بقوله: "أيها الأبطال الأشراف، أستحلفكم بالآلهة العظام، أن تساعدوني لو كنتم حقا أولئك الذين تنبأت بهم النبوءة، إن ربة الانتقام لم تجردني من ناظري فحسب، بل سلطت علي كذلك طيورا لعينة تحرمني طعامي، واعلموا أنكم لن تقدموا معونتكم لأجنبي، فأنا إغريقي مثلكم ومن مواطنيكم.. أنا فينيوس بن أجينور، وكنت فيما مضى ملكا على تراقيا وابنا يورياس اللذان يجب أن يكونا شريكين لكم في ذلك المسعى، واللذان يتحتم عليهما إنقاذي".

    وما أن أيم فينيوس كلامه حتى ارتمى زيتيس بن يورياس بين ذراعيه وأخذ يقبله في شوق، ووعده بأن يقوم هو وشقيقه بتخليصه من الطيور التي توشك أن تقضي على حياته، ثم أعد الأبطال له وليمة حافلة بشتى صنوف الطعام، بيد أنه ما كاد يلمس الطعام حتى انقضت الهاربييس هابطة من السماء، وهجمت على الطعام تلتهمه في جشع زائد حتى أتت على ما في الصحاف، فصاح الأبطال صياحا عاليا، ولكنها لم تبدي لهذه الصحاف التفاتا، بل ظلت تأكل كأن لا شئ يحدث.. ثم طارت من حيث أتت بعد أن خلفت وراءها رائحة كريهة جدا.

    اقتفي زيتيس وكاليس أثر الطيور، شاهرين سيفيهما، وقد أعارهما زيوس أجنحة كبيرة قوية، وهذا ما كان في أمس الحاجة إليه لأن الهاربييس كانت تطير في سرعة كبيرة جدا.فظلا يتعقبانها، وكاد يمسكان بها ويقضيان عليها، لو لم تظهر في الجو فجأة ايريس Iris رسولة زيوس وخاطبت البطلين قائلة: "أي ولدي بورياس، يجب ألا تقتلا الهاربييس، ولكن أقسم لكما، أن هذه الطيور لن تزعج ابن أجينور أبدا منذ هذه اللحظة".

    عندئذ كفا زيتيس وكاليس عن مطاردة الطيور، وعادا أدراجهما إلى السفينة.. في نفس تلك الفترة كان الأبطال الأغارقة يبذلون جل اهتمامهم نحو فينيوس العجوز، فأعدوا له وليمة ودعوه إليها حيث الطيور مشغولة بمطارديها، فراح الشيخ يأكل في نهم زائد من الطعام النظيف الوافر.

    أقبل الليل، فأوقد الأبطال المشاعل، وجلسوا يتحادثون مع الملك انتظارا لرجوع ابنا يورياس، واعترافا بفضل الأبطال، أخذ فينيوس يتنبأ لهم بنبوءة ويسدي إليهم النصح بما يجب عليهم أن يفعلوه فقال: "ستصلون أولا وقبل كل شئ إلى سومبليجاديس في مضايق بحر يوكسيني، إنهما جزيرتان صخريتان لا ترتكزان إلى قاع المحيط، بل طافيتان على مياهه.. وكثيرا ما يجرفهما التيار فتقتربان بعضهما من بعض، وعندئذ يرتفع تيار الماء بينهما إلى ارتفاع شاهق، فإذا أردتم أن تتجنبوا تحطيم سفينتكم وهلاككم، فعليكم أن تجدفوا خلالهما بسرعة اليمام، ثم تصلوا إلى بلاد المارياندوني التي تفخر على جميع البلاد بأنها مدخل العالم السفلي، ولسوف تمرون بجبال كثيرة داخلة في البحر، وبأنهار وسواحل عديدة، وبأمة الأمازونيات وبلاد الخالوبيس الذين يستخرجون الحديد من باطن الأرض بتعبهم وبكدهم، وأخيرا ستذهبون إلى ساحل خولكيس حيث يصب نهر فاسيس الواسع في البحر، وسترون معقل الملك أيتيس حيث تجدون الأفعوان الضخم الذي يسهر ليل نهار على الجرة الذهبية المعلقة على أغصان إحدى أشجار البلوط، ليحرسها من أيدي المعتدين.

    لم يستطع الأبطال إخفاء رعبهم وهم يصغون إلى الشيخ المسن، وما كادوا يوجهون إليه بعض الأسئلة حتى هبط ابنا يورياس بينهم فأشاعا السرور في قلب الملك والأبطال بإعلانهما رسالة ايريس.

    أثينا تنقذ الأبطال من الموت

    ودع فينيوس محرريه الأبطال بنفس تفيض بالشكر الجزيل، وتمنى لهم حظا سعيدا، ثم تركه الفرسان وأقلعوا بسفينتهم عبر الخضم المترامي الأطراف إلى مغامرة جديدة، وبينما الأبطال يجدفون بعزيمة وقوة، إذ بصوت رعد قاصف يصم الآذان يصل إلى مسامعهم.. كان ذلك الصوت هو زئير السومبليجاديس، فوقف تيفوس مدير الدفة، كما وقف يوفيموس في مكانه حاملا يمامة في يده اليمنى، لأن فينيوس كان قد أخبرهم أنه لو طارت يمامة بسلام من بين الصخور، فإنهم يستطيعون أن يمروا بالمضيق آمنين، فترك يوفيموس اليمامة تطير، وأخذوا يراقبوها، مرت اليمامة طائرة ولكن الصخرتين كانتا تقتربان من بعضهما وارتفعت الأمواج في المضيق، ثم إذا بالصخرتين تلتقيان وتطبقان على ريش ذيل اليمامة، ولكنها مع ذلك مرت دون أن صيبها أذى، ومن ثم شجع تيفوس المجدفين بصوت مرتفع أن يسرعوا في التجديف بكل ما أوتوا من قوة.

    انفصلت الصخرتان، فإذا بالتيار الجارف بينهما يسحب السفينة في اندفاعه، فكان الأبطال عندئذ مهددين بالهلاك من كل جانب، ثم أقبلت موجة قوية تجاههم، عندئذ أمرهم تيفوس بالكف عن التجديف، فمرت الموجة العنيفة أسفل السفينة، وإذا بالسفينة تُحمل فوق الصخرتين وهما تقتربان لتطبقا الواحدة على الأخرى.. فضغط المجدفون بقوة على المجاديف، ثم حملتهم الدوامة من جديد وهبطت بهم إلى أسفل بين الصخرتين حتى كادت السفينة تتحطم، إلا أن الربة أثينا، حامية البحارة الأبطال، أقبلت بسرعة دون أن يراها أحد، ودفعت السفينة إلى الأمام، فأنقذت الأبطال من الهلاك والسفينة من التحطيم المؤكد، فمرت السفينة بسلام ولم تصب بسوء إلا في طرف ذراع الدفة.

    كادت السفينة أن تتحطم وأيقن الأبطال أنهم هالكون لولا تدخل الربة أثينا، فلما أبصر الأبطال الشمس تضئ في السماء، ورأوا البحر الفسيح أمامهم مرة أخرى، ذرفوا دموع الفرح وراحوا يستنشقون الهواء في عمق، إذ أحسوا كأنهم قد صعدوا من العالم السفلي وكتبت لهم أعمار جديدة..

    استمر الأبطال في إبحارهم بعزيمة لا تعرف الملل أو التعب، ومرض تيفوس مدير الدفة المخلص، ثم اشتد به المرض ومات، فحزن الأبطال حزنا شديدا، حتى أفاقوا من غشيتهم وأخذوا يعدون العدة ليدفنوه في شاطئ قريب، فأرسلوا سفينتهم على أول يابسة ظهرت أمامهم، وخرجوا بالجثة إلى البر فواروه بالتراب، ثم ركبوا السفينة واختاروا أقدرهم في فن القيادة ليحل محل تيفوس في قيادة الدفة، ولم يكن هذا سوى البطل الشجاع أنكايوس ولكنه رفض أن يقوم بمهام ذلك المنصب، حتى أقبلت الربة هيرا وملأته بالشجاعة والثقة، فقبل بعد تردد، واحتل مكانه عند الدفة وقاد السفينة كما كان يفعل تيفوس من قبل، قاد أنكايوس السفينة بمقدرة وكفاية، ثم شقوا طريقهم صوب البحر.

    وبعد عدة مغامرات أخرى في البحر وصل الأبطال إلى شاطئ جزيرة أرتيا المرتفع عن البحر، فوجدوا هناك أصدقاء ورفقاء لو يكونوا يتوقعون رؤيتهم، فما كادوا يصلون إلى الجزيرة ويتقدمون بضع خطوات حتى أقبل إليهم أربعة من الشبان في ملابس رثة بالية، يدل مظهرهم على احتياجهم الشديد إلى كل شئ، فتقدم أحدهم وقال: "سادتي الأمجاد أيا كنت شخصياتكم، نرجو أن تساعدوا قوما تحطمت سفينتهم، وبرح بهم الجوع والعري كما ترون".

    وعد جاسون أولئك الشبان بأن يقدم لهم الطعام واللباس وسألهم عن أسمائهم ونسبهم وموطنهم، فأجاب الشاب: "لابد أنكم قد سمعتم عن فريكسوس بن أثاماس، إنه هو الذي حمل الجرة الذهبية إلى كولخيس، لقد زوجه أييتيس كبرى بناته، إننا أبناؤه، واسمي أرجوس.. لقد مات أبونا فريكسوس منذ مدة قصيرة، وإطاعة لرغبته عندنا وافته المنية، ركبنا البحر بحثا عن الكنوز التي تركها في مدينة أورخومينوس".

    استأنف الشبان حديثهم وراحوا يقصون على مسامع بحارة الأرجو كيف تحطمت سفينتهم في عاصفة شديدة، وكيف وصلوا إلى هذه الجزيرة وهي جزيرة من يلتجئ إليها جائع وضائع ووصفوا الأبطال ما لاقوه فيها من البؤس والحرمان. رثى الأبطال لحال الشبان وأعلموهم بأمرهم، وما هم قدموا من أجله، وطلبوا منهم الانضمام، فلم يتردد الشبان قط، وأبدوا استعدادهم لمرافقتهم في رحلتهم.

    بعد ذلك أقام الأبطال وليمة فاخرة للشبان الجياع، ولما أصبح الصباح ركب الجميع السفينة، واستمرت الأرجو في رحلتها لا يعكر صفوها أمواج ولا رياح، وبعد أن جدفوا يوما وليلة، رأوا جبال القوقاز الشامخة، وصلت الأرجو في نفس الليلة إلى مصب نهر فاسيس، فأنزل الأبطال حبال السفينة، وكان على يسارهم جبال القوقاز العالية، وكوتا عاصمة كولخيس، وعلى يمينهم قبر أريس المقدس حيث الأفعوان الضخم ذو العيون الحادة التي لا تغفل عن حراسة الجرة الذهبية المعلقة على الأغصان المورقة لإحدى أشجار البلوط.

    تقدم جاسون إلى جانب السفينة وهو يحمل في يده كأسا ذهبية مملوءة خمرا، وقدم سكيبة للنهر وإلى الأرض الأم، وإلى أرباب ذلك القطر وإلى الأبطال الذين قضوا نحبهم أبان الرحلة، وتوسل إليهم جميعا أن يمنحوه المساعدة القيمة، ويراقبوا مراسي السفينة.

    عندما ألقوا مراسيهم وثبتوا السفينة إلى الشاطئ، قال مدير الدفة: "ها قد وصلنا سالمين إلى كولخيس، وحان الوقت الآن لنقرر هل يجب علينا أن نبدي رغبتنا إلى الملك أييتيس بطريقة ودية، أو نلجأ إلى طرق أخرى للحصول على ما قدمنا من أجله؟". فقال الأبطال المتعبون: «غدا، نستطيع أن نفعل ما نريد». فصاح جاسون بإلقاء المراسي في أحد الخلجان الظليلة في النهر، ثم راحوا في سبات عميق، ولكن راحتهم لم تطل إذ سرعان ما أقبل الفجر فأشرق عليهم وأيقظهم.

    جاسون في قصر أييتيس

    جاء الصباح، فتشاور الأبطال فيما بينهم عما سيتبعونه، فنهض جاسون وقال: "أيها الأبطال العظام، أنني أسدي إليكم رأيا لو عملتم به لعشتم في سلام ، ولتجنبتم اللجوء إلى السلاح، سأتوجه أنا وأبناء فريكسوس واثنان من الزملاء إلى قصر الملك أييتيس، ولسوف أحاول أولا طرق باب الكياسة والود، واطلب منه أن يعطينا الجرة الذهبية، ولو أنني لا أشك إطلاقا في أنه من فرط ثقته بقوته، سيرفض الطلب.. ولكننا بهذه الطريقة سنعلم من شفتيه ماذا يجب علينا أن نفعل، فقد يكون لكلامنا أثر طيب في نفسه".

    لقيت هذه الكلمات موافقة من جميع الأبطال، ومن ثم حمل جاسون في يده عصا السلام، وغادر السفينة بصحبة أبناء فريكسوس وزميليه تيلامون وأوجياس.. كانت مدينة كولخيس زاخرة بالسكان، وحماية لجاسون وصحبه من بطشهم ومن شكوك الملك أييتيس، لفت هيرا- حليفة البحارة- المدينة في غلالة كثيفة من الضباب، طالما كان الأبطال في طريقهم إلى القصر، حتى إذا ما بلغوه، تبدد الضباب وصفا الجو كأن شيئا لم يحدث.

    وقف جاسون ومن معه في ساحة القصر.. فعبروا عتبة الساحة الأمامية في صمت وهدوء، من هذه الساحة دخل الأبطال إلى الساحة الوسطى المنبسطة إلى اليمين واليسار، مؤدية إلى مسالك وحجرات، وفي الجهة المقابلة مباشرة كان الجناحان الرئيسان للقصر، أحدهما مسكن الملك أييتيس، والآخر مسكن ابنه ابسورتوس، أما باقي الحجرات فكانت للخدم ولابنتي الملك: خالكيوبي و ميديا.. وكانت ميديا صغرى الابنتين، ومن النادر جدا أن ترى هنا أو هناك، لأنها كانت تقضي معظم وقتها في معبد هيكاتي إذ كانت كاهنة ذلك المعبد، لكن تلك الليلة كانت ميديا في القصر، فما كادت ميديا تخرج من حجرتها وهى في طريقها إلى حجرة شقيقتها، حتى أبصرت فجأة الأبطال الأغارقة وحينها أرسلت صرخة مدوية في القصر، وأسرعت إليها شقيقتها خالكيوبي.. ثم إذا بخالكيوبي نفسها تصيح صيحات الفرح والسرور، وترفع يدها إلي السماء شكرا وحمدا، لأنها عرفت من بين الأبطال، أولادها الأربعة أبناء فركسوس، وفي نفس الوقت ارتمى الشبان في أحضان والدتهم قي شوق جارف، وظل خمستهم يبكون في حرقة وسرور إذ اكتمل شملهم من جديد.

    ميديا وأييتيس

    كان الملك أييتيس في مخدعه مع زوجته إيديا، فسمع أصوات الفرح والبكاء في البهو، فخرج هو وزوجته يستطلعان الأمر، فوجدا الساحة الأمامية قد امتلأت بالصخب. ارتفع إروس عاليا في الجو، دون أن يراه أحد وانتقى سهما جلابا للآلام، ثم هبط إلى الأرض وجلس خلف جاسون، وأعد قوسه وصوب السهم إلى ميديا.. فانطلق يطير في الفضاء بسرعة دون أن يراه أحد ولا حتى ميديا نفسها، واخترق القوس صدرها، وكانت من وقت إلى آخر، تأخذ نفسها عميقا كمن يعاني آلام مرض، وصارت بعد ذلك تسدد نظرات جانبية إلى جاسون الذي بدا لهم، شابا يافعا طويل صلب ا

    Source: wikipedia.org