If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كان مظهر جبل طارق في عصور ما قبل التاريخ مختلفًا. فعلى عكس الوقت الحالي حيث كان البحر يحيط بجبل طارق، فقد كان مستوى المياة في عصور ما قبل التاريخ منخفضًا كثيرًا عندما كانت الكتل الجليدية أكبر حجمًا. وكانت تحيط بشبة الجزيرة الموجودة حاليًا سهول ساحلية خصبة بها مستنقعات وكثبان رملية تضم تشكيلة وفيرة من الحيوانات والنباتات.
ومن المعروف أن جنس النياندرتال قد سكنوا الكهوف حول صخرة جبل طارق، ففي عام 1848 تم التنقيب عن أول جمجمة لشخص بالغ من جنس النياندرتال، وهي الحفرية الثانية الوحيدة التي اكتُشفَت من جنس النياندرتال على الإطلاق، عند محجر فوربس بالجهة الشمالية من صخرة جبل طارق. وبعد أن تم التعرف على الجمجمة كما هي، سُميت تلك الفصيلة بسكان جبل طارق بدلاً من النياندرتال. لم يكن معروفًا على وجه التحديد ما هو عمر تلك الجمجمة ولكنها ترجع إلى بدايات العصر الجليدي الأخير منذ حوالي 50,000 عام.
تم اكتشاف المزيد من بقايا النياندرتال في مناطق أخرى فوق صخرة جبل طارق عند برج مراقبة ديفيلز تاور وكهف إيبكس وفانجارد وجورهام بالجهة الشرقية من جبل طارق. كشفت عمليات التنقيب في كهف جورهام عن أدلة تفيد بوجود النياندرتال منذ وقت يقرب من 28,000 إلى 24,000 عام مضت، بعد أن كان من المعتقد أنهم فنوا بمكان آخر في أوروبا. واستمر جنس الإنسان العاقل (هومو سبينس) العيش في كهوف جبل طارق بعد فناء النياندرتال. ووجدت أدوات حجرية ومواقد قديمة وعظام حيوانات يرجع تاريخها إلى ما يقرب من 40,000 إلى 50,000 عام في رواسب كهف جورهام. كما وُجد العديد من كسر الأواني الخزفية في كهوف جبل طارق يرجع تاريخها إلى العصر الحجري الحديث، وفي الأغلب أنواع نمطية من حضارة ألميريا وُجدت في مناطق أخرى بالأندلس، وبخاصة حول مدينة ألمرية التي منها اشتق ذلك الاسم. لا توجد أدلة تذكر على اللجوء إلى المسكن في العصر البرونزي حيث تخلى الناس عن تقليدهم في العيش في الكهوف.
وخلال العصور القديمة كانت شعوب البحر المتوسط تعتبر جبل طارق مكان ذو أهمية دينية ورمزية كبيرة. فكان الفينيقيون موجودين بجبل طارق لقرون عديدة وعلى ما يبدو كانوا يستخدمون كهف جورهام كمزار لـروح المكان كما فعل البونيقيون والرومان من بعدهم. وكشفت أعمال التنقيب أن الفخار والمجوهرات والجعران المصري كانت تقدم كقرابين للآلهة ربما أملاً في أن تؤمّن لهم طريقًا آمنًا وسط مياة مضيق جبل طارق المحفوفة بالمخاطر.
كان اليونانيون والرومانيون يقدسون صخرة جبل طارق باعتبارها أحد أعمدة هرقل التي خلقها نصف الإله خلال خلقه العاشر عندما حطّم الجبل الذي يفصل بين المحيط الأطلسي والبحر المتوسط. ووفقًا لما قاله أحد المسافرين اليونانيين من مدينة فوكا الذي زار جبل طارق في القرن السادس قبل الميلاد، أنه وجد معابد ومذابح لهرقل على صخرة جبل طارق حيث يقدم المسافرين المارّين الذبائح. ورمز الأسبان إلى أهمية أعمدة هرقل فيما بعد من خلال رسم شعاري يحتوي على زوج من الأعمدة ملفوفة حولهما زخرف حلزوني وهو الرمز الذي أصبح فيما بعد رمز الدولار $ والعملة البرتغالية المتعلقة بها سفراو ().
وبالنسبة للرومان القدماء، كان جبل طارق يعرف باسم مونس كالبي وهو واسم ربما يكون مشتقًا من الكلمة الفينيقية كالف وتعني "مجوف" ومن المحتمل أن كون ذلك إشارة إلى الكهوف الجيرية في صخرة جبل طارق. كانت هذه الصخرة معروفة جيدًا لدى الجغرافيين القدماء، ولكن لا توجد أدلة اثرية على وجود استقرار دائم من أيام الفترة القديمة. وطبقًا لما قاله الكاتب الروماني أفينوس، فإن الرحالة اليوناني القديم إيكتيمون سجّل قائلاً
كانت هناك أسباب أخرى عادية لعدم الاستقرار في جبل طارق، حيث كان به العديد من العيوب التي أعاقت استقرار المستوطنين اللاحقين. فقد كان جبل طارق يفتقر إلى المياة العذبة التي يسهل الوصول إليها، أو تربة خصبة أو مَرْسَى طبيعي آمن على الشاطئ. واستشهد أفينوس بالمقولة "طين الشاطئ الضحل والكثيف" كأسباب لعدم الرسو هناك. كما أن موقعه الجغرافي، والذي أصبح فيما بعد قيمته الاستراتيجية الرئيسية، لم يكن عاملاً هامًا خلال العصور الكلاسيكية كمدخل إلى البحر المتوسط ولم تتكالب عليه الدول حينئذ.
لهذه الأسباب استقر القدماء بدلاً من ذلك بأعلى الخليج فيما يعرف الآن بـكامبو جبل طارق (المناطق الداخلية خلف الساحل). تأسست مدينة كارتيا، الواقعة بالقرب من مدينة سان روكي الإسبانية الحالية، على يد الفينيقيين حوالي عام 950 ق.م في نفس موقع مستوطنة سابقة لشعب التوردانوس الأصليين. واستولى القرطاجيون على تلك المدينة قبيل عام 228 ق.م ثم استولى عليها الرومان في عام 206 ق.م. وبالتالي أصبحت القاعدة الغربية لبومبيوس الكبير في حملته عام 67 ق.م ضد القراصنة الذين هددوا أمن البحر المتوسط حينئذ. ويبدو أن سكان كارتيا قد هجروا المدينة بعد أن دمرتها وسلبتها قبائل الوندال في عام 409 ميلادية أثناء زحفهم عبر هسبانيا الرومانية تجاه أفريقيا، وفيما بعد وقعت تلك المنطقة تحت حكم القوط المسيحيين.