If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
هناك تفسيران محتملان لأصل الأبجدية وفقًا لعالم الأنثروبولوجيا الاجتماعية جاك غودي. ينسب العديد من علماء الكلاسيكيات، مثل المؤرخ إيغناس غيلب، الفضل بإنشاء أول نظام كتابة أبجدي يستخدم علامات خاصة للحروف الساكنة لليونانيين القدماء (750 قبل الميلاد تقريبًا). لكن غودي يعتض قائلًا: «أدت أهمية الثقافة اليونانية القديمة في التاريخ اللاحق لأوروبا الغربية إلى زيادة التركيز من قبل علماء الكلاسيكيات وغيرهم على إضافة علامات محددة لحروف العلة بشكل يشبه التطور الذي حدث في وقت سابق في آسيا الغربية».
يعتقد العديد من العلماء من جهة أخرى أن الشعوب السامية القديمة في شمال كنعان (سوريا في العصر الحديث) هي التي اخترعت الأبجدية الساكنة في وقت مبكر (1500 قبل الميلاد تقريبًا). يعود الفضل في دعم هذه النظرية وتطورها إلى عالم الآثار الإنجليزي فليندرز بيتري الذي اكتشف في عام 1905 سلسلة من النقوش الكنعانية الموجودة في مناجم سرابيط الخادم جنوب شبه جزيرة سيناء. بعد عشر سنوات من الدراسة، أوضح عالم المصريات الإنجليزي آلان غاردينر أن هذه النقوش ما هي إلا كتابة أبجدية تشير إلى آلهة البحر الكنعانية أشيرا. في عام 1948، فك وليام أولبرايت تشفير هذه النصوص باستخدام أدلة إضافية عثر عليها بعد اكتشافات غودي، ومنها سلسلة من النقوش الأوغاريتية التي اكتشفها عالم الآثار الفرنسي كلود شيفر في عام 1929. كانت بعض هذه النقوش نصوصًا أسطورية مكتوبة بلهجة كنعانية قديمة مؤلفة من 32 حرفًا أبجديًا ثابتًا.
حدث اكتشاف آخر مهم في عام 1953 عندما عُثر على ثلاثة رؤوس سهام يحتوي كل منها على نقوش كنعانية مشابهة تعود إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد. وفقًا لما قاله الباحث فرانك مور كروس، فإن هذه النقوش تتألف من أحرف أبجدية نشأت في أثناء التطور الانتقالي من الكتابة المصورة إلى الأبجدية الخطية. قدمت هذه النقوش أيضًا فوائد كبيرة في مجال فك رموز النصوص الأبجدية السابقة واللاحقة. ألهم نظام الكتابة الكنعاني الساكن هذا تطورات الأبجدية التي حدثت في أنظمة الكتابة التي ظهرت لاحقًا، فظهرت الحروف الهجائية في جميع أنحاء منطقة حوض البحر المتوسط خلال العصر البرونزي المتأخر، بما في ذلك الفينيقية والعبرية والآرامية.
يعتقد جاك غودي أن هذه النصوص المسمارية ربما كانت مؤثرة في تطور الأبجدية اليونانية بعد عدة قرون. ادعى الإغريق على مر التاريخ أن نظام الكتابة الخاص بهم مشتق من الفينيقيين، ولكن العديد من الباحثين في مجال اللغات السامية يعتقدون اليوم أن الكتابة اليونانية القديمة كانت أكثر شبهًا مع شكل مبكر من الكتابة الكنعانية التي استُخدمت في عام 1100 قبل الميلاد تقريبًا. تعود أقدم النقوش اليونانية المؤرخة للقرن الثامن قبل الميلاد، وتشير المقارنات الكتابية إلى أن الإغريق ربما يكونون قد تبنوا الأبجدية الكنعانية منذ عام 1100 قبل الميلاد، وأضافوا إليها خمسة أحرف لتمثيل حروف العلة في وقت لاحق.
انتشرت الكتابة الفينيقية، التي تُعتبر أول «أبجدية خطية»، سريعًا في المدن الساحلية المطلة على البحر المتوسط في شمال كنعان. يعتقد بعض علماء الآثار أن الكتابة الفينيقية كان لها تأثير على تطور الأبجدية العبرية والآرامية اعتمادًا على حقيقة أن هذه اللغات قد تطورت خلال الفترة الزمنية ذاتها، وتشترك بميزات عديدة، وتُصنف عادةً في نفس المجموعة اللغوية.
تبنى اليهود الذين هاجروا إلى كنعان بين عامي 1200-1001 قبل الميلاد نمطًا معينًا من الأبجدية الكنعانية، واستخدم باروخ بن نيريا هذه الأبجدية لصياغة النصوص الأخيرة من العهد القديم. كانت الأبجدية العبرية القديمة منتشرة في منطقة البحر الأبيض المتوسط حتى نفى البابليون اليهودَ إلى بابل في القرن السادس قبل الميلاد، فظهرت العبرية الجديدة وتلاشت الكتابة العبرية القديمة بسرعة.
ظهرت الأبجدية الآرامية أيضًا في نفس الفترة الزمنية تقريبًا. انتقل الآراميون في نهاية العصر البرونزي إلى أراضي كنعان الفينيقية واعتمدوا على كتابتهم. رغم أن الأدلة الأولية أوحت بأن هذه الكتابة نادرة، فقد اكتشف علماء الآثار مجموعة واسعة من النصوص الآرامية لاحقًا، والتي كُتبت في وقت مبكر من القرن السابع قبل الميلاد. نظرًا إلى طول فترة استخدامها واتساع نطاق انتشارها في المنطقة، فقد تبناها الحكام الأخمينيون لغةً دبلوماسيةً. انتشرت الأبجدية الآرامية الحديثة شرقًا إلى مملكة النبطية، ثم إلى سيناء وشبه الجزيرة العربية، وصولًا إلى أفريقيا. نشر التجار الآراميون لغتهم حتى الهند، حيث أثرت لاحقًا على تطور الكتابات العربية والبراهمية والفلهوية (الإيرانية)، بالإضافة إلى تأثيرها على الأحرف الهجائية المستخدمة من قبل القبائل التركية والمنغولية في سيبيريا ومنغوليا وتركستان. امتدت معرفة القراءة والكتابة في هذه الفترة لتشمل التجار، وربما ارتفعت لتشمل 15-20% من إجمالي السكان. تراجعت اللغة الآرامية أخيرًا مع انتشار الإسلام الذي صاحبه انتشار اللغة العربية.