If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
بعد انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين عام 750م، كان لابد للنظام العباسي الجديد من تأسيس عاصمة جديدة للدولة. وبعد ما اتخذ العباسيون الكوفة أول عاصمة لهم، قرروا تأسيس عاصمة جديدة أسموها الهاشمية. ثم اختار الخليفة العباسي المنصور 754ـ775م الموقع المناسب لعاصمتهِ (بغداد) في مكان قريةٍ (أو ضيعة أو سوق بغداد) كانت تقوم على الضفة الغربية السفلى من نهر دجلة. ولقد بنيت هذه المدينة الجديدة ودعيت باسم: مدينة السلام أو دار السلام عام762م، وأقيم حولها سور خارجي من الطوب وآخر داخلي وحولها خندق.
وفي العصر الحاضر لم يبق شيء من تلك العاصمة العباسية بغداد التي أسسها المنصور باستثناء مبنى المدرسة المستنصرية. ولكن النصوص تفيد أن سور هذه العاصمة دائري الشكل قطره/3/كم، ويشغل مركزها القصر المشهور باسم قصر الذهب وجامع الخليفة المنصور، وجعل لها أربعة مداخل طويلة وضيقة مرتبطة بشارع دائري، وقسمت العاصمة إلى أربعة أرباع دوائر، يشتمل كل منها على أزقة شعبية متشعبة.
كرر المنصور تبني شكل هذا التخطيط العمراني عندما قام بتأسيس مدينة الرافقة قرب مدينة الرقة القديمة في حوض نهر الفرات الأعلى عام 155هـ/771م، وأحاطها بسور مستدير كمثل سور مدينة بغداد، ولكن مرور نهر الفرات في الجهة الجنوبية جعل هذا السور على شكل حدوة (نعل) الفرس. وكان أطول قطر لهذه المدينة الجديدة 1500م، وأُقيم لها سوران: أحدهما داخلي سمكه 5.8م، وآخر خارجي سمكه 4.5م، بينهما فصيل عرضه 20.80م. وأحيط السور الخارجي بخندق عرضه 15.9م. بني أساس هذا السور من الحجر الكلسي، وأكمل بناؤه باللبن والطوب، وجُعل لهذا السور باب شرقي اشتهر باسم باب بغداد، وباب غربي اسمه باب الجنان. وشُيِّد ضمن السور جامع المنصور الذي مازالت بقاياه قائمة مع واجهة أبواب ذات عقود ومئذنة أسطوانية الشكل مبنية من الآجر، إضافة إلى الأحياء والقصور، وقد اتخذها الخليفة الرشيد (170ـ 193هـ/786ـ 808 م)، مقرّاً لـه بين عامي 796ـ808م، فتوسعت الرافقة حتى إنها اتصلت بالرقة وضواحيها، وشكلت مدينة كبيرة بلغ قطرها نحو/10/كم. وعندما ازدهرت أصابها الخراب كالعاصمة بغداد بسبب الغزو المغولي، ومازال قائماً حتى اليوم سور الرقة وأبراجه وباب بغداد وجامع المنصور وقصر الرشيد و قصر البنات، وقد امتازت هذه المباني بزخارفها الآجرية البديعة.
أسس الخليفة المعتصم، 218 - 228هـ/833 - 842م، عاصمته الجديدة سامراء على ضفة نهر دجلة شمالي بغداد عام 224هـ/838 م، وتميزت بامتدادها العمراني على ضفة النهر مسافة/33/كم، وكانت مقر سبعة خلفاء عباسيين تعاقبوا على الحكم من عام 224هـ/838م حتى عام 276هـ/889م، وفضلوها على بغداد، ولكنهم هجروها بعد نحو نصف قرن. وتعد مبانيها المؤرخة بدقة وثيقة لا مثيل لها. ومن مبانيها المشهورة جامع الملوية بمنارته الملوية وجامع أبو دلف.
وقد دلت آثار مدينة سامراء على فعالياتها الفنية ومدى الاهتمام ببناء الجوامع والقصور والدور وغيرها. وزينت المباني بالزخارف الجصية والرسوم الجدارية التي منها لوحة راقصتين كانت تزين جناح النساء في أول قصر بناه المعتصم عرف باسم: الجوسق الخرقاني تاريخه 221هـ/836م. والجدير بالذكر أن بعضهم وجد شبهاً بين هذه الرسوم الفنية وما يماثلها على أقمشة حريرية فاخرة.
عندما دخل العباسيون مصر عام 132هـ، أسسوا عاصمة جديدة لإقليم مصر في شمال شرقي الفسطاط عام 133هـ/750م وسموها العسكر، ثم أسس أحمد بن طولون عاصمته الجديدة القطائع في سفح جبل «يشكر» شرقي مدينة العسكر وشمال شرقي الفسطاط، حيث يوجد حاليّاً قره الميدان والمنشية وميدان صلاح الدين، وكان أحمد بن طولون حكيماً في إنشاء عاصمته القطائع لإبعاد جيشه عن الأحياء، فتجنب بذلك ما كان ممكناً حدوثه من الشغب والفتن، كما حدث لجند المعتصم في بغداد مما كان سبب تأسيس مدينة سامرا.
كان تخطيط القطائع يشبه تخطيط سامرا، وازدهرت القطائع وأنشئت فيها المساجد والجوامع والحمامات والأفران والطواحين والحوانيت والمنازل حتى اتصلت بمدينة الفسطاط، وكان سقوط الأسرة الطولونية ينبئ بسقوط هذه الحاضرة. ولكن ذكراها استمر بفضل جامع ابن طولون الذي بني فيها.