He has (63) books in the library, Total download and read (1,327)
عبـــــــدالله خلـــــــيفة
كاتب وروائي
الفصل 12
يمشي مخفوراً بالوعول
تزدادُ في هذا الديوان النثري مسافة الانفصال عن الواقع، فتتمحور الذات حول نفسها بشكل صدفة عملاقة تضم الأرض والسماء، تغدو مقاربة للإله، ولنوح في سفينته وهو يدخلُ الكائنات أزواجاً في تكوينه الخشبي:
(يحاورُ مخلوقات الله ، يعارضُها . يكسر مرآة الخلق الأولى ، ويحفرُ تكويناً بهياً لأفق تلجهُ المخلوقات مطهرة ، مطهمة بالنقاوة ، لا جذر لأصابعها ، لا أسلاف ولا أسماء . يدجج وجناتها بالقرنفل . يدعوها ، أدخلي أزواجاً أو أفواجاً هنا باب لا يوصد فيلج الهيكلُ والروح والخلية. كطفل، كطين النطفة. يمحو وجه الأرض ، يرسمُ وجهَ الأرض .....)، (1).
والذات وهي تقوم بعملية الخلق الإبداعية هذه، تتأنسن كافة الكائنات وهي تدخل تلك السفينة الروحية التكوينية ، فتعارضها وتحاورها الذات في صيغة فنية مختلفة عن صيغة(مرآة الخلق الأولى)، لكن نجدها في تكوينها المتعدد الطبيعي – البشري مفتقدة للصراع ، فرب التكوينات الإبداعية المخلوقة (يهئُ هودجه ويقايض الجند بأسرار الجنة والنار )، هكذا تتعالى الذات حتى تصبح سيدة مطلقة في كونها المخلوق لها، فهي تتطابق والسيطرة الكاملة، ومن هنا تواصل الانسحاب من الأرض، ومن صراعاتها فتعيش في تلك الحرية العليا:
(يطمسُ غربة صاريةٍ واقفةٍ في اللج . يشدُ سعفة نخل ساهمةٍ كالسيف . يرسل نورسهُ في الغمر . ويزينُ تاجَ يديه ليمحو لغة ويرسم لغة يعلمها سر الله والفتح)، (2).
في تشكيله الشعري يتقارب هنا مع افتتاحية التوراة ، ولكن بخلاف ذلك الكتاب فإن كائناته تظل تدور حول ذاتها، في حين تكبر قصة الرب في التوراة بعد الخلق متجهة لظهور موسى والرسل وصياغة الصراع اليهودي – المصري.
ولكن الرب الشعري هنا يظل مع تكويناتهِ الضبابية هذه ، يعيد إنتاجها في ذلك الفضاء النوراني البعيد عن تضاريس الرمل والوحل.
فبعد أن عبر عن عملية الخلق في تلك الفقرة الطويلة يختمها بذات الحديث عن عملية الخلق لكن بكلمات مختلفة:
(لجلجت الكلماتُ . وتاهتْ عيناه . صارت يداهُ تشقان الغيم ، ويدخلُ لبَ الشكل وتيه الأصلاب . قال كلاماً يمزجُ حزنَ النخلة بالترنيم)
كيف تلجلجت الكلماتُ وهو كائن مطلق ؟ كيف تاهت عيناه؟ إن هذه التفاصيل لا تدخل مجرى صراع ما، ولا تكشف كيفية تشكل الشكل لأنها تجريدية ذاتية جوانية، لا تستعينُ بأداةٍ فنية تجسدُ نظرتها، ولا تكمل أسطورة الخلق الأولى في تكوينات خاصة، فتواصل عملية التجريد العام للتجربة ( وكان البابُ إلهاً يذكرُ غفلة أهل الدار ويغفرها)، فمن هم أهل الدار؟ كيف نسجوا في هذا الكساء الرباني؟ إن (المخلوقات) تـُخلق بشكلٍ ذاتي، لا تتولدُ من خلال عملية خلق موضوعية، فهي قابلة للاستمرار وقابلة للتوقف.
ويستمر هذا التجريدُ في العديد من النصوص ، وتغدو متابعة عملية النسج هذه متعبة، حين تتواصل تكرارية الكلام عن الذات:
(جاء مأخوذاً/ تقمصه الرماد ُ، وغادرت عيناهُ في هلعٍ / سيسألُ: لماذا مرت العرباتُ في بطءٍ على رئتيه)، فهذه التفاصيل القصصية الصغيرة تتكررُ وتعيدُ نفسَها بألفاظٍ أخرى، ولكن لا تتطور، فهذه العرباتُ التي لم تعدْ في طرق البحر الثلجي، ولا في سماء الخلق الأولى، وأخذت تضاريس الأرض تظهر، لا تنفتحُ على شيءٍ جديد يُدخل الذاتَ في تكوينٍ متصاعد، ويذكرنا تعبير (تقمصهُ الرمادُ) بالفترة الواقعية الأولى حيث لا مسافة وسطى بين النار والرماد، وأن الخلق التجريدي غير الملامس لغصون الحريق في الناس والأشياء، يتحول إلى مادة أولى تبحثُ عن تكوين.
وبعكسِ هذه القطع الناسجة حول التكوينات المُجردة، هناك منحى آخر يتوجه نحو تكويناتٍ غير مجردة، ويتداخل والتاريخ والصراع الإسلاميين.
ففي قطعة (تراث الليل) يبدأ صوتُ الإمام علي بن أبي طالب في الظهور، فتكوينُ الإلهِ التجريدي لا يؤدي إلى إشعالِ الحطبِ الشعري البارد بل لا بد من سخونة ما تجدها الذاتُ الشعرية في التماهي مع صوت الإمام:
(أنا الحطبُ الذي للنار/ كل سقيفة وشمٌ على جسدي/ يدي في زعفران الليل/ يا وجعاً تراثياً/ أنا الحطبُ الذي مثلُ الرمادِ الكامن المرصود/ كل سقيفةٍ تــُعطي ضياع الخيمة الأوتادَ والرقع)، (3) ص 22.
ومع إدخالهِ مثل هذه الشخصية النارية في المادة الشعرية فإن قاموسه التجريدي الطبيعي ظل مستمراً، متمظهراً في (زعفران الليل) وما يماثلها من مواد، وهاجس الشعر أن يبتعد عن القص، ويظل في بؤرة التجريد حتى لا ينزل لمادة الأرض الصلبة. لكن في عباراتٍ واسعة نادرة يفجرُ هذا الحطب بسخونة غير متوقعة، وقد أعطته رمزية السقيفة مثل هذا الأشعال:
(أذكرُ / . . من فجوة البحر ، وطرحوا السيف والذهب. السيف من هناك . والذهب من هنا . جيوشٌ مهزومة تتناسل في خوذة الريح والخديعة الخ )، (4).
إن الشخصية/ القناع التي تتكونُ مع الذات تعطي الأخيرة وهجاً فتنمو قطعٌ أخرى بحرارة، فلقد تناسجتْ الشخصيتان في صراع اجتماعي حار، على ضفتي التاريخ الماضية والمعاصرة، وإذا كان الإمام يقاومُ قبائلَ الذهب والخديعة، فإن الذات الشعرية المعاصرة تقاومها وقد أضيفَ الغزاة إليها، وتتشكلُ هذه بومضاتٍ صُورية سريعة، كتصويره لهجومها؛ (تلهث في الهزيمة مثل ذئبةٍ محاصرة).
في القطع التالية التي تعيش على امتدادات هذا الترميز تتوحد الشخصيتان في كيانٍ مشترك، صارخٍ بالصوت، مثل قطعتي(نبؤة النخل) و(الحوذي)، كقولهِ:
(يا أرضُ/ يا أرض لا تفتحي شرفة للبكاء/ افتحي نار عينيك نحو الغزاة/ افتحي للطريدة النجاة)، (5).
وبهذه الصراعية على مستوى الشخصيتين وعلى مستويي التاريخ والحاضر، تنمو دراما شعرية لا تكتمل لكونها تظل في القطعة الصغيرة، وفي عالم التجريد المسيطر لكنها ذات وهج فريد.
(والعرباتُ في هجوم الوعول كأنها ريحٌ محاربة كأن الليل منتصفُ الخليقة ، فانتظرْ يا سيد العرباتِ أحلامي مشعشعة بأشلاء الضحايا وانتظر صوتي / دروعاً للنباتات البخيلة)، (6).
وتؤدي عملية التوهج على صعيد الماضي للذات أن تستعيدَ تجربتـَها المعاصرة، فخيبة الإمام وعدم انتصاره على أهل السقيفة وذوبان جيشه، تتضافر مع هزيمة الذات الشعرية في الراهن، مما يطلق مسارها الخاص المحتدم بالفجيعة.
(أغفى على وجعٍ قديم يحتفي/ حقواه مكسورانِ / مخذولٌ، وقافية تضيقُ به/ يطأوون تذكاراتهِ فيميلُ في جزعٍ / فأغفى . . وانتهى/ طحنتهُ في بطءٍ يدُ العربات عند الساحل الصخري أغفى . . وانتهى)، (7).
إن التجربة الماضوية الصراعية مستمرة كذكريات في الذات، وهي إعادة نظر ليست عميقة التأمل ووسيعتها، بل خاطفة، تستعيدُ شرارات عبر رسم تشكيلي هذه المرة للشخصية، لكون المحارب القديم يتجسد كائن مكسور في بعض العظام، وليس لأنه محارب قديم تركه جيشه.
ولو أن التضافر بين الماضي والحاضر، بين الإمام والذات الشعرية، نسج في معمعان صراعي ومشهديات مختلفة، مع هذه الأصوات الفردية القوية، لأمكن للديوان النثري أن يثري لوحاته.
(كلما ارخى تحاصرهُ السفائن والسواحل . كلما أرخى خبت في مقلتيه النار/ خانته القلوعُ ومزقت رئتيه قابلة قــُبيل الوقتِ / أغفى . . وانتهى) ، (8).
فمن جانب رمزية الإمام تبدو شاحبة، غير مدغمة بلوحات تعمق خذلان اللحظة التاريخية المليئة بالدراما، والشاعر سبق أن مر على هذا الموقف بذات التجريد في (النهروان)، فنراه هنا يواصل نفس المشهدية التجريدية غير المنغرزة في التفاصيل النارية:
(هل أضاعوك على جسر السقيفة/ لاهجاً مستوحشاً)، (ماذا أضاعوا عند مفترق السقيفة:/ سيد الكلمات؟ محتما النبؤة؟ شاهداً يغوي القضاة؟ مقاتلاً هزمته نارُ الله في شكٍ؟)، (9).
إن الذات التاريخية تخاطب نفسها في مكانية محددة بالجسر والمفترق أو في مجردات كـ(ويداك في طين الخليقة).
إن العلاقة بين الشخصيتين التاريخية والشاعرية علاقة محدودة، وتركيز الشاعر على (السقيفة) يماثل النظرة الشيعية لتاريخ الإمام، والشاعر عاش في بيئة هذا الإرث، ولكنه لم يتعمق درس (ثقافة السقيفة) فغدت مسألة صراع الإمام مسألة إرث مـُنتزع، لا صراعاً اجتماعياً، وهذا يلائم التجريد من جهة ويلائم النظرات فوق العقلية (السريالية) من جهةٍ أخرى ونجد هذا الجانب يتطابق مع رؤية أدونيس في الثابت والمتحول (10).
وإذا كانت الذات الكبرى منسوجة بين الشخصيتين التاريخية والشعرية، إلا أن الأنا المعاصرة غير مهتمة بتحليل الدراما الاجتماعية للإمام علي في صراعه ضد الأرستقراطية القرشية العائدة للحكم، فتتحول هنا إلى تلك التجريدات التي لا تنغرس في الواقع الملتهب للزمن، أو أنها لا تجد مشتركات بين اللحظتين.
لكن الذات الشعرية في تعبيرها عن نفسها تفلح في خلق هذه النار المتوهجة:
(ورأيتُ أيامي الملفقة المـُضاعة/ كلما تمضي همستُ لها: اطمئني/ إنه وطني/ سينسى غدره اليومي يوماً/ قلتُ: لا تستعجل موتي فهذا النخل يعرفني/ عقدتُ بكاحليه الخيلَ يوماً/ كنتُ مضطرباً شارداً / والماءُ ينقصني)
إنها لحظة من الحفر الداخلي الوامض المضيء لتجربة زمنية وعملية طويلة، يقوم فيها التجريد الأكبر، حوار الشاعر/ النخل، بدور المغزل في نسج الماضي القتالي السريع المليء بالأخطاء، والمشرف كذلك، واستخدام الحوار التجريدي هذا هو الذي يبقي اللحظة الصراعية المتوهجة في زمنية وامضة، لا تتجه في الحفر في قنوات ما، مما يجعل اللحظة الدرامية ومضة خاطفة.
لقد أدى الموقف الاجتماعي للأنا الشعرية بانتقالها من موقع الرفض المطلق إلى العمل في كنف النظام، إلى استراتيجية رمزية غائرة، لا تتجه للحفر في الصراعات الاجتماعية والسياسية، مما يكثف الصور حتى تقترب من الاعتام:
(طاردَ البحر فرائسهُ وحاصرها في مضيقٍ تحرسه الوعول، فجاءت الريحُ والرماحُ وانشقت الأرض عن بلادٍ مكسورة تدورُ في المآذن فيها كقلاعٍ في ريبة وفي تمائم. حيث القناديل في غرف محفورة في صخرة الماءِ والماء مشكاة)، (11).
تلعب الرموز الطبيعية دورها الكبير في تشكيل اللوحات، والشاعر هنا يصور بلده المحاصرة خلال زمنية القمع وعالمها ينتقل من الوعي الحديث مرتداً إلى الدين، بشكله الخرافي، في حين أن القوى التحديثية في غرف محصورة، لكن الأنتماء باق، وهذا كله يتشكل على هيئة حوار بين الأنا في لحظتها المعاصرة المأسورة، وبين لحظتها حين كانت في وجودها الطفولي الأول المستمر:
(طفلٌ مقيدٌ يسمعُ النصلَ فيُرخي يديه ورجليه، جزرٌ مغدورة بلا قيادٍ ولا قاربٍ والجوعُ ختمٌ. صخرة الماء في كهفٍ والكهفُ في غور عميق، عمقٌ مجهولٌ مرصودٌ مقدسٌ والماء مشكاة).
إنها أكثر الصور تعبيراً عن زمنية البلد المخنوقة في القيود والرعب، فأي تعبير في هذا (صخرة الماء في كهف والكهف في غور عميق)، وهذا الطفل رغم كل هذا يتحرك عبر صوت الأنا الشعرية التي تحاوره، وترسم له زمنية طويلة مجحفة في قطرات من الضوء:
(كـُنتَ في البحر؟ كنتُ / زرعتُ نخلة . يكفيكَ مجد الزراعة والغوص . لا لؤلؤةٌ ولا نواة / سريركَ القبرُ، طأطئْ : ذلك البحرُ يهجوك، يهجو ويهجمُ أنت الطريدة. هل كنتَ؟ كنتُ. لك القيدُ والقبر والقرائن مبذولة).
إن الطفل هو الإنسان، ابن البحر والزراعة، الذي شكل هذا التاريخ وبقى طفلاً، معدماً، فصنع كل شيء وبقى سريره القبر. والشاعر هنا يشكل علاقة صراعية بين الطفل والبحر والتاريخ، دراما صغيرة تغوصُ الرموز في عالمها التجريدي الملموس، وهي حفرية دقيقة مرهفة مريرة، كثفها في لقطة مخيفة.
إن الطفلَ هو كلُ شيء وهو لا شيء، صانع الحياة ميت، ومشكل الثمار فارغ اليدين مطارد من عدو شرس مُغيّب الملامح، تبدو آثار شراسته في هذا العرش المخصص لإنتاج النعوش.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
(1): ( يمشي مخفوراً بالوعول ، دار رياض الريس ، ط1 ، ص 31).
(2): ( السابق ص 13).
(3): ( السابق ص 22).
(4): ( السابق ص 29).
(5): ( السابق ص 31).
(6): (نفسه ص 33)
(7): (نفسه ص35)
(8): (نفسه ص 36)
(9): (نفسه ص50)
(10): (الثابت والمتحول، أدونيس يغدو التاريخ الإسلامي تاريخاً طائفياً منذ البدء لدى أدونيس ويتجلى ذلك في استشهاده رقم (112) في صفحة 332 من ثبت المصادر من الجزء الأول، حيث يستعين بكتاب الكامل لأبن الأثير الذي يروي وصية الإمام علي بن أبي طالب لولديه الحسن والحسين اللذين يطالبهما بضرورة نصرة الحق وبخصومة الظالم، ثم يروي وصية معاوية لأبنه يزيد الذي كرس فيه السيطرة والتعالي. وكلا الوصيتين تعبران عن منحى كلٍّ من الإمام والطاغية معاوية، لكن أدونيس يأخذ النصين الوصيتين ليستنتج منهما منحيين تاريخيين مجردين مُعممَّين فيقول: (وتكشف هذه الأقوال على منحيين أساسيين في النظر والعمل: الأول هو الذي ارتبطت به، تاريخياً، وانبثقت عنه مختلف التحركات التي تسير في أفق التحول. والمنحى الثاني هو الذي ارتبطت به مختلف التحركات التي تسير في أفق الثبات) .
(11): (نفسه ، قصيدة البحر ص 56).
(12): (ليس هذا الشكل ولا بشكلٍ آخر)، دار قرطاس، الكويت، ط1، 1997، ص 18 – 19).
هذا هو النهارُ يطلعُ على الحارة المستيقظة، وأنتَ الشمسُ في سمائِها الرملية الخشبية المتغضنة، تلغي دعواتَ الملوك والأمراء والرؤساء لتشربَ القهوةَ في حانةٍ صاحية.
الأزقةُ لم تغتسلْ وتنفضُّ القملَ بعد، والفتيةُ يتدربون على مسرحيةٍ بين أذرعٍ خشبيةٍ وقماش وأعمدة، وخولة بعيدة، مأسورة في القصر، وقصتُها المخيفةُ أسرتَها في غرفة ربما، في زنزانةٍ عائلية.
شامخٌ هنا، يعرفك هؤلاء العامةُ العابرون الدائمون في الدم، يمضون لينزفوا بضع ساعات، وأنت عروقك مربوطةٌ بنهرِ الحياة، ومدنٌ كثيرة تصحبكَ وتدعوكَ وتلتمسُّ ذراتَ نورك المتساقطة من يدك وكم دعتك المنابرُ والمخافرُ والعنابرُ والشاشاتُ وما لبيت سوى دعوة القيامة.
تخرجُ من كهفكَ هذا الحصى العتيق الذي تناثر على كتفيك تراباً وسخاماً، فكأنك حدادٌ خارج من النار.
كم يطولُ بك هذا الليلُ وإلى متى لا يحضنكَ ترابكَ ويهربُ منك أصحابكَ ويتبرأُ منك أهلك؟
تنزفُ منذ الصباح الباكر، لا كأسَ ولا سيجارة، ولا علبةَ، ولا امرأةَ، ولا ولدَ، ولا خزانة، وملكوتٌ واسعٌ من الكلمات، وعيونٌ أكثرُ من الرمل تراقبكَ وتسمع دبيبَ قلبك وتفتشُ مسوداتك عسى أن تجدَ ثعباناً فيها أو سحراً يفكُ عقدك.
ماذا تريدُ من هذه الأزقةِ ومن هؤلاء الترابيين الشاكين الصامتين الحالمين النائمين الخائفين المتشاجرين؟
ضيعتَ عمركَ في الأحلام وبين الأنام وغيرك يسهرُ ويغني ويسمعُ العودَ ويجيءُ متراقصاً في الفجر يسيلُ فتاتُ عقلهِ في الثقوب والدروب.
إلى متى...؟
مستويات السرد عند الروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة.. الدلالة والسياق
■ المنظور السردي
المنظور السردي صورة مصغرة من العالم الروائي الذي يمثل لما يمكن أن يوجده الراوي من مفردات، سواء اتصلت بذاته، أم ببقية عناصر الأدوات الفنية، ولذلك يمكن اعتبار المنظور مصوغاً كلياً بديلاً عن المكونات البلاغية قصيرة المدى داخل النص، لأنها إن وجدت فهي تتصل ببلاغة الجملة أو الكلمة او بالمدى القصير الذي يوجده المجاز في صورة مصاحبات دلالية تعمل في نطاق ما تصل بعناصر المنظور من مفردات، ويكمن أن نقارن صورة المنظور السردي باعتباره مكوناً للنص الروائي بصورة منظور آخر يصاحبه، وهو المنظور الحكائي، والذي يمثل صورة موازية داخل المنظور السردي، ويمثل بدوره مفردات تتصل بعناصر الحكاية، بداية من الذوات والمكان والزمان والفضاءات المكونة للنص، وقد تتقاطع السردية والحكائية في بعض مفرداتهما، مثل ما يمكن أن يقدمه الراوي إذا كان يعتمد على زمن مغاير لزمن الحكاية، أو كان مجرد ظل لحكاية، وأيضاً إذا استوت أزمنه مختلفة داخل الرواية، مثل ما يمكن أن يمثله زمن القص كإطار حكائي، وزمن الحكاية كمتن حكائي.
إن المنظور السردي لا يقف عند الحدود الشكلية للمعنى، ولكنه يتجاوز ذلك إلى الدلالات والذوات بل وكل عناصر البناء، ويعتمد على أطر معنونة تتصل منظورات مصاحبه سواء كانت متوازية أم متقابلة على مستوى رقعة النص، فنرى عدة صور للمنظور على النحو التالي:
ــ المنظور السردي الخارجي
وهو الإطار الأكبر الذي يضم عناصر غير حكائية مثل الوصف، والمجاز وعلاقات الراوي، واتجاهاته، وكيفية إدارته لحركة الطرح القيمي داخل النص الروائي، ويمكن أن نحدد عدة منظورات مصاحبة للمنظور الخارجي.
ــ المنظور السردي الداخلي
ويظهر هذا المنظور فيما يقدمه الراوي داخل الذوات من عوالم مصاحبة يمكن أن تتمثل الصورة المقابلة للصراع داخل النص، أو تمثل تأويلاً فكرياً يحدد عالم القيم داخل الفكرة الاجتماعية أو الفكرة السياسية، وهو أيضاً يتقاطع مع المنظور الخارجي ويكمله، ويمثل أحياناً أجزاء منه فيما يخص العلاقات الذي تصنع الغطاء الحكائي للحدث، أو مجموعة الأفعال التي يبني على أساسها النص.
إن المنظور السردي يمكن أن يقدم العلاقات الظاهرة والمسكوت عنها داخل النص من خلال كل ذات وطبيعة حركتها، ومن خلال المكان وما يمثله داخل كل شخصية، وأيضاً يعطي أثراً دلالياً متشابهاً للأثر الدلالي الذي يرتبط بصورة الحدث والفعل داخل الرواية، بل إن ما تقدمه العناصر الكلاسيكية في الحكاية مثل الزمن، والراوي، أو الأفعال، يعتبر عاملاً مهماً في بناء المنظور الظاهر، وبل يتحمل ما يمكن أن نقدمه من تأويلات فيما أسميه بالمنظور الضمني، وهنا تتضح عملية السرد، بداية من السارد والمسرود لهن والعملية السردية بكامل مستوياتها بما تتضمنه من عناصر وأفكار تتصل بكل أداة من أدوات السرد. ولذلك يسمح الفضاء النصي والمجازي الذي يضمنه الراوي داخل المنظور بتقديم مفردات الحكاية بشكل يوحي باتحاد الراوي وبقية العناصر التي تتبع كل مفردة من مفردات العملية السردية، والتي بدورها تنتمي إلى حركة الصراع داخل الرواية.
إن الراوي عند عبدالله خليفة راو ينحاز إلى ذوات مهمشة في معظمها، ذوات مأزومة بطريقة أو بأخرى، وهي في حالة تناقض دائم مع كل مفردات السرد، يبدأ هذا التناقض مع الذات، ثم يتسع ليشمل الذوات الأخرى، حتى تلك التي تمشي في الدرب القيمي والفكري نفسه، أما الذوات الأخرى، والتي تمثل الحالة المقابلة في الصراع فإنها هي التي تحرك السرد، بمعنى أن ذوات عبدالله خليفة ذوات في كثير من المواقف، سكونية الرؤية، او هكذا يحاول الراوي أن يقدمها من خلال عدد من عناصر الحكاية:
1ــ الأفكار التي تحرك الذوات.
2ــ طبيعة المكان، وعلاقة الذوات به.
3ــ طبيعة الذوات، وعلاقتها بعناصر البناء الحكائي.
4ــ الأحداث التي تواكب حركة الذوات.
■ السياق المؤسس للحكاية:
إن الصراع في روايات عبدالله خليفة يمثل صورة افتراضية لما مر به الإنسان والمكان داخل الذات التي تمثل حركة الراوي أولاً، وداخل المكان الذي يمثل الإطار المادي للفعل، فهو يعتمد على صورة الراوي العليم الذي يقدم الحكاية من أولها إلى آخرها معتمداً على مخزون هائل من التفاصيل الحكائية التي تقدم الواقع في صورة افتراضية من ناحية، وتقدم داخل الذوات بصورة مختلفة، تمثل من الناحية النفسية صورة من صور المنظور النفسي الذي يؤسس له سياق إنساني واجتماعي تتميز به فترة تاريخية مهمة من حياة المجتمع الجديد في البحرين، وبالذات مدينة المحرق، وهي المدينة الملاصقة تماماً للبحر. وقد مثل هذان العنصران صورة التطور الطبقي والاجتماعي بشكل يومي، وكأن منظور الصراع داخل النص الحكائي يتم صنعه بشكل حتمي. كذلك فإن الرواية نفسها لا تتضمن مرجعية واحدة فحسب، بل مرجعيات مختلفة، منها مرجعية الكاتب التي يستحضرها لتمتزج بمرجعية النص التي يريد الكاتب طرحها.
لا يمثل الصراع عند عبدالله خليفة صورة اجتماعية بقدر ما يمثل صورة وجودية ليست كالتي يمكن أن نجدها في كتابات ساتر، ولكنها الخلفية الافتراضية لحالة الحضارة التي وصل إليها المجتمع في الوطن العربي، وهو يمثل ــ أيضاً ــ واحة مقابلة لحالة الوجود في مدينة مثل الإسكندرية، حيث المكان هو الذي يوجد علاقات المنظور الحكائي، وكذلك مدينة المحرق والمكان هو الذي يوجد المنظور السردي، وهو الأعم في التصور عند الراوي، يعقب ذلك صورة مختلفة لهذا الوجود.
ــ المقابلات السردية:
المقابلة هي الصورة الأكثر ظهوراً في مستويات السرد الحكائي عند الراوي، فنجد على سبيل التمثيل في رواية «ألماس والأبنوس» يقدم صورة الراوي «برهان» الشخصية المركزية في النص، في مقابل صورة الأب الذي يمثل الحالة التراثية الواعية بمفردات الحياة الواقع. ثم يبدأ الراوي في تحريك المنظور ليقدم المقابلة على أنها منظورات حكائية متقابلة.
الأول: يمثله برهان الراوي والذي لا يعي مفردات الواقع.
الثاني: الأب ويمثل حالة الوعي.
وبعد ذلك يبدأ الخطان السرديان في التداخل والتماهي لنصل إلى حالة فريدة من الوعي عند الأب، وحالة من الغياب عند الابن. لأن الأحداث والمؤشرات التي تميل إليها كل عنصر في الحكاية يمكن تأويلها في داخل السياق وخارجة.
إن الصراع الطبقي الذي يمثله الراوي ليس من منظور الفكر الماركسي بقدر ما هو تعبير عن الواقع الفعلي، في بدايات تكوين المجتمعات العربية، حيث الاستعانة بالأفارقة (ويمتلكون العرق الأسود) الذي يقدمه الراوي على أنه صورة للعبودية وحالة مستقلة من الإنسانية، في مقابل العربي الذي ينتمي إلى القبائل التي تكونت للمجتمعات العربية منها.
لا يفصل الراوي بين ذاته وبين ذوات الآخرين وهو يقدم البناء الحكائي القائم على التصور المكاني على شواطئ المحرق حيث البحث عن اللؤلؤ هو البحث عن المال والجاه وامتلاك السفن وامتلاك للقوة آنذاك.
ــ الحلم واللاوعي:
يعتمد عبدالله خليفة في بناء الرواية على صور متعددة من صور تداخل الحلم مع عناصر المجاز التي يمكن ان تتمثل الشخصية بستائر متعددة ومتراكمة من حالات اللاوعي داخل الحكاية، وهو بهذا يقدم صورة الصراع ليس على أنه صراع طبقي فقط. ولكنه صراع وجود في مقابل الحركة المتنامية للمكان وفي وجود حركة مصاحبة مثل حركة الصيد والبحر، وفي ظل حالة من البحث عن الذات داخل الحالة. ولا يتوقف الراوي في حالة اللاوعي التي تمثل صورة من منظور النفسي، وهو ملمح بنائي مهم يعتمد الراوي عليه في جذب دلالات للنص ويقدم المنظور على أنه هو الأكثر ظهوراً في الرواية، ربما لا يريد الراوي أن يقدم الحكاية على أنها حركة حياة، ولكنه يريد أن يقدم الحكاية داخل ظلال من سياق موسع يحتوي الصراع والوجود والبحث عن حقيقة النفس وبقاء الإنسان من الداخل والخارج.
يقول الراوي وهو يقدم صورة الصحراء: "آفاق الصحراء غير مرئية. تشابهت فتلاشت الرؤية. مرآة رملية تطالع نفسها. وسماء ممتدة رمادية. وعدة كائنات عطشى تدب وتبحث عن عشب. أصابعي تتجول في نقاط الخريطة. المستنقعات الذهبية تشرد من أنابيبي. الآلة تحفر وتحفر وتلاقي التراب والحصى، تتفجر تأوهاتها وشرارتها. كهف واسع يحدق في البرية. الحمير لا يتسع لها المكان.
نسكب المياه في أجسادنا اليابسة الظمأى. تتراقص الأسربة أمام أعيننا. الجبل يجلس شامخاً بعيداً عنا. نرى القوافل تتراقص في سراب الزجاج المضيء. تقطف الجواري والثمار ثم تذوب في المحال. البدوي الذي قطع تذاكر الصحراء لنا يتغذي بالضببة والجرابيع المشوية ثم يعزف الربابة وينام". ربما يبحث المتلقي عن أثر للفعل الحكائي فلا يجد، وإنما يجد نفسه داخل حالة من الحوار الذاتي الذي يصنعه الراوي مع الأشياء بداية من ذات، ومروراً بالشخصيات ويمثلها «جوهر الأسود» والذي يقدمه برهان الراوي في علاقات متشابكة مع الأشياء والمفردات التي تمثل الواقع.
■ السياق المصاحب والبناء الدرامي:
في رواية «أغنية الماء والنار» يقدم الراوي السياق المصاحب كبديل فني عن الصورة الشعرية التالي يعتمد عليها في الحكاية البسيطة المعقدة بين «راشد» السقاء، منبع الحكايات لأطفال الأكواخ التي تنمو على شاطئ المدينة كما ينمو الزنبق في الرمال الجافة. على أن النص كله لا يقدم أفعالاً تُذكر سوى فعل واحد هذا الذي غير مسار الحكاية، فعل البحث عن ذاته في مقابل التخلص من كل شيء، وفي الوقت نفسه أكمل الرؤية السياقية المصاحبة لبناء درامي محكم من خلال عدد من الخطوط السردية المتوازية.
ــ قدم الراوي شخصية «راشد» السقاء كذات مقهورة.
ــ في نهاية الحكاية تظهر شخصية «راشد» السقاء القاهرة.
ــ قدم صورة المرأة الغامضة على أنها جزء من الضعف واللين في مقابل القهر الجسدي.
ــ وفي نهاية الحكاية ظهرت شخصية المرأة على أنها صانعة الفعل.
الذوات التي تقابل شخصية السقاء قد تكون في حالة صراع ظاهر، وتناقض اجتماعي في حين أن الراوي أراد أن يقدم أطراف الصراع في حالة من الانسجام في كثير من الأحيان ليبني اللعب الحكائي بناءً درامياً يعتمد على صورة التناقض الظاهر بين الشخصيات. يقول الراوي عن السقاء: "يسير في الظلام الشاحب، قد هدهده الكلام والحزن والسكر والضجر، يرمق القمر المستدير كالبالونة الضخمة البيضاء التي لم يطلقها طفل. تأتيه أنفاس البحر فتدغدغ حواسه المتعبة ويرى نفسه الصياد الفقير واقفاً على الصخرة يكلم السمكة/المرأة. ثم يمضي إلى مدن مضاءة بالنور، يضحك من أعماق قلبه، وينام على فراش نظيف ومعه امرأة جميلة لا يزيد فيها سوى الذيل. اقترب من البيت الكبير الجاثم لوحده. إن الأضواء ترقص من نوافذه. سمع إيقاعات طبل وهزات دفوف وغناء فكاد يرقص من جمال الصوت والنشوة.
قال (سأتفرج على أجسادهن)، واقترب من النوافذ. لكن شقوقها لم تكن تساعده في رؤية شيء إلا البساط وبعض الأقدام. سمع صوتاً يقولك
ــ من هناك؟
كان صوتاً نسائياً رقيقاً. التفت وراءه فلم يجد شيئاً. عاد ثانية للبحث عن الأجساد التي لا ترى منها سوى الأقدام. حاول أن يجلس فلربما اتسعت شاشة الرؤية ولكن بدون فائدة. عاد الصوت النسائي ثانية بأقوى مما كان. التفت إلى النوافذ الأخرى فلم يجد أحداً. وحين نظر إلى السطح وجدها. وجهها الأبيض المشع كان يخترق الظلمة وقلبه. تسمر واقفاً، فرحاً، مضطرباً، راغباً أن يتجمد هذا المشهد طويلاً".
إن الصراع الاجتماعي القبلي الذي يحاول أن يرمز به الراوي للنخوة العربية وصورة القيم التي اكتسبها الراوي من الصحراء، في حين أن الحضارة لم تقدم سوى الحزن والبؤس والقيم التي لا تسهم في بناء الأنسان.
وفي رواية «رسائل جمال عبدالناصر السرية» خروج من دائرة الوقوف على شواطئ البحرين ليقدم الصورة الايديولوجية للفكر الروائي حينما يعتمد على شخصية تاريخية معاصرة في بناء درامي يعتمد على أحداث حقيقية ليرى (حرب فلسطين) (العدوان الثلاثي ــ هزيمة 1967) ليظهر الراوي الذي ينتم صراحة إلى الفكر الاشتراكي، ويرى في زعيمه جمال عبدالناصر صورة المخلص الحقيقي الذي يمكن أن يعطي الإنسان العربي الجديد حكاية جديدة، فنراه يعتمد على حالة من الحالات التي اعتمد أن يقدمها في رواية كلها وهي تداخل الحلم والواقع ليخرج شخصية عبدالناصر من إطارها الواقعي إلى الإطار الذي يمكن أن ينتمي لفكر «الواقعية السحرية» بداية من الفعل، ومروراً بالحوارات الذاتية التي يقدمها من خلال الاعتماد على المنظور السردي التخييلي. في حين أنه في رواية «ألماس والأبنوس» يأتي السياق مؤسساً للنص، لأن فكرة الصراع تنتقل من الحالة التخييلية العامة إلى الحالة الواقعية التي ترتبط بالزمان والمكان.
ويقول الراوي: "من نسل الصحراء، من صرخة حوريس، من تقطع أوزوريس، من ذكاء عمرو، من بسالة خالد، من نقاء علي، يطلع من حصار السيارات المحروقة والمدرعات الجائعة للحم النيليين، ويمشي بين حقول الجثث المزهرة حقداً خططاً. يحرك البدلات العسكرية للقرويين المليئة بالأشباح والتمائم فيحصد غباراً. ينغمر في الحارات والحقول يصافح المجندين والشهداء والأمهات الثكالى. كلما مشى مع احدهم رأى كبشاً أو نعجة. تعرف بود على برميل لحم فوجده يحلم أن يكون ملكاً ".
إن السياق في النص يشتمل على قواعد اللغة، ومواقف الكاتب، والقارئ، وأي شيء آخر قد يكون متصلاً بهذا الموضوع وبطريقة يمكن تصورها أو إدراكها. ولكن إذا قلنا إن المعنى هو السياق المحدد، وهنا يجب أن نقول إن السياق قد يكون غير محدد قبلياً فيما يصل بالموضوعي.
ــ الرموز السياقية في الحكاية:
هناك دلالات تفصيلية في حياة الراوي عند عبدالله خليفة يجعل منها صورة من صور التحول الحكائي، وصورة من صور الانفصال عن الواقع كأداة من أدوات تجميل حالة الصراع التي تسيطر في الايديولوجية الهاربة من أفعال الشخصيات، وصورة المكان، فنجد على سبيل التمثيل في رواية «ألماس والأبنوس» ولادة طفل أسود يعني بشكل حاد أن المرأة قد خانت مع رجل أسود، وهذا يعني انهيار العلاقات الإنسانية والاجتماعية داخل التراتبية التي حددتها القبيلة العربية، بالإضافة إلى الحالة النفسية التي تصاحب ولادة طفل أسود. ربما أراد الكاتب أن يرمز إلى ازدواج الشخصية عند العربي في صورة العلاقة بين الأبيض والأسود. فالنص يوجد حالته وسياقاته من خلال مجموعة من الرموز السياقية التي تحدد الهدف الايديولوجي أحياناً، أو تحدد وجهة الشخصيات والأفعال داخل الحكاية، وغالباً ما تأتي عند عبدالله خليفة باعتبارها خلفية اجتماعية وإنسانية يمكن أن تقدم سياقاً سياسياً، أو سياقاً حضارياً.
يقول الراوي في «رسائل جمال عبدالناصر السرية» "المرأة ذات وجه متألق جميل، عيناها بحيرتان تطير فيهما الكراكي والبجع، تنفث لغة قديمة لا يفهمها، يجلب لها الماء والزبائن والضالين في شعاب الجبال. على الجدران خطوط غريبة. حفر فوجد عملة فيها ذوالقرنين يهزأ بالزمن، وثمة امرأة على ساعدها نسر، وثمة حية تلتف حول عصاها المتجذرة في التراب. النسر يقبض على الصاعقة. والفرعون ملأ الأرض خراباً. المرأة تتبدل في الفراش، تغدو عامية ساخرة من نجمته وبدلته المحروقة وقدومه من النهر للجبال، يرى الحشود تبيع الحيات والقات والتراب للسياح والعقود الزائفة ويقبضون عليه ويضعونه في الحبس، والمرأة تجلب له الأكل والشراب وتسحر الضباط والجنود. تقرأ عليه سورة بلقيس: للتحول فصول كثيرة، جسد المرأة ربيع الطبيعة، ادخل في خلاياي وتكون بشرياً إنسياً جميلاً. يسبح في بركتها الواسعة ويشرب الحليب. يبحث في التلال والأرض الواسعة والحصى عن عملات، يجد جماجم وسلاسل، وعظاماً أزلية ساخرة بالحياة، يركب باخرة مليئة بالجنود تزحف ببطء في البحر وترى السفن المكتظة بالحجاج الغارقة، حشود من الثياب البيض واللحى والنهود، مصانع الحليب المتوقفة المأكولة من سمك القرش، يضحك بين الدخان في المقهى، وهو يطالع الجري وراء القطع المعدنية".
فلو تتبعنا الرموز السياقية الصغيرة لوجدنا الآتي:
ــ عملة ذي القرنين يهزأ بالزمن.
ــ النسر يقبض على الصاعقة والفرعون ملأ الأرض خراباً.
ــ للتحول فصول كثيرة، جسد المرأة ربيع الطبيعة.
على أن كل كلمة تصلح أن تكون رمزاً، ثم تتحول إلى فعل من أفعال الدلالة المركزية في النص، والتي تتمحور حول عتبة النص الأولى «رسائل جمال عبدالناصر السرية»، وكأنه يتحدث أو هو يتحدث عن الأحداث السياسية. طبيعة المرحلة، الصراعات الاجتماعية، الطموح الزائد، النصر الزائف، الهزيمة المقنعة.
وهكذا يحول الراوي اللغة التي يستخدمها إلى لغة مضادة، وكأنه يكتب الشعر لتتحول الدلالة على أثر ذلك إلى دلالات شعرية تميل إلى المنطق العام أكثر مما تميل إلى منطق الحكاية إن وجدت، لأن الراوي في كثير من سروده لا يميل إلى حكاية مؤطرة بقدر ما يميل إلى حالة من السرود الوصفية التي تتضمن بشكل أو بآخر صورة من صور الحياة التي يقدمها، وهو يعتمد عليها بنائياً في النص بأكثر من أسلوب.
الأول: يقدم التأصيل السردي القائم على الوصف، ثم يعقبه بتأصيل فكري ثم يقدم الحدث مغلفاً في السرد.
الثاني: يقدم التأصيل الحكائي، ثم يعقبه بسرد وصفي يعتمد على مجازات الواقع والمكان والأفكار.
الثالث: يقدم الذوات، ثم يعقب ذلك بوصف سردي يعتمد على الذوات والمكان من خلال العلاقات المجازية النفسية التي تبدو في الحكاية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدكتور : محمد زيدان
أستاذ النقد الأدبي الحديث
صراع الطوائف والطبقات في المشرق العربي وإيران
صراع الطوائف أم صراع الطبقات؟
ليس للعصر الحديث الا منطق واحد في الحياة السياسية الاجتماعية هو منطق الصراع الطبقي.
وقد حاولت الأنظمة والتيارات التقليدية لزمن طويل أن ترفض مقولة الصراع الطبقي، وقد استخدمت كل أسلحتها العنيفة والدعائية من أجل الغاء هذه المقولة، التي هي حقيقة راسخة في علم الاجتماع والتاريخ الحديثين، وليس مقولة إيديولوجية كما تزعم المناهج الجامعية العربية المعادية للعلوم.
لقد حاولت الحكومات العربية ومن ورائها الإمبريالية الغربية ومن ثم الجماعات الطائفية أن تلغي جميعها فكرة الصراع الطبقي، وكل هذه الوحدة الفكرية بين هذه الأطياف المختلفة ترينا المدى الاجتماعي الواسع لضرب فكرة معينة، حيث تشعر هذه القوى كلها بأن هذه الفكرة تشكلُ لها هاجساً كبيراً لا تتحمل تداعياته الحضارية والأخلاقية!
هكذا ناور الاستعمار الثقافي في العالم العربي طويلاً من أجل نفي فكرة الصراع الطبقي، وهو أمر يشير إلى تخلي الاستعمار عن جذوره الثقافية الحضارية في الغرب، واعتماده على لصوصية الشركات والحكومات والموظفين الاستعماريين التي تقطع جميعها العلاقات بالإرث الديمقراطي والإنساني في الغرب، إرث جان جاك روسو وفولتير وماركس وهيجل وكتاب التاريخ الفرنسي الموضوعيين، وإنها مجردُ محصلةِ إتاواتٍ وجامعة خراج جديدة.
وهكذا فحين قامت هذه القوى الطفيلية بسرقة العالم المسَّتعمر رفضت استخدام قوانين الصراع السياسي والاجتماعي التي تجري فى الغرب الذي جاءت منه، فظهر لديها نموذجان للإنسان؛ نموذج الإنسان المتقدم الذي يُعامل بقوانين الصراع الاجتماعي في أطر سياسية وبرلمانية وهو الإنسان المتحضر المثقف المتميز.
أما النموذج الثاني وهو نموذج العالم المستعمَر فهو النموذج المتخلف الحيواني الذي لا يجب ان تنطبق عليه قوانين الصراع الاجتماعي المتحضر!
ولكن الإنسان المتحضر نفسه دخل في أتون حروب عالمية ومناطقية كثيرة لسرقة المستعمرات وتقسيم أعداد الخدم والمواد الأولية ومن يسرق النفط ومن يسرق القمح ومن يسرق البشر، بحيث إن كتل اللحم المطحونة من هذه الحروب تكفي لدفن بحار
كاملة، مما أغرق لعقود الميراث الديمقراطي في الغرب نفسه!
لم تقنع كلُ هذه الكوارث صناع الفقر والاستغلال والمجازر في الغرب واليابان أن الإنسانية واحدة تنطبق عليها قوانين اجتماعية وسياسية متماثلة، حتى استمر الصراع الاجتماعي على نطاق عالمي في حقبة الحرب الباردة، والتي اخذت فيها كتلة الفقراء والعمال طابع المجابهة العسكرية مع كتلة الرأسماليين الكبار، وكانت كتلة العمال هي الأخرى تعتقد بانتهاء الصراع الطبقي، في حين كان الصراع مستمراً ومدمراً فيها نتيجة لعدم الاعتراف به!
وقد انتهى الصراع بين الكتلتين باعتراف الجميع في الكتلة الغربية والشرقية السوفيتية على السواء، بأهمية وجود الصراع الطبقي ولكن على ان يجري بشكل سلمي سواء على المستوى الوطني أو العالمي.
وبطبيعة الحال اتخذ الصراع الاجتماعي أشكالاً جديدة متدهورة مفككة لهذه الكيانات السياسية الدولتية القومية المركبة، نظراً لعدم الاعتراف الطويل به فى الكتلة الشرقية والتي زعمت أنها حلت إلى الأبد مشكلة الصراع الطبقي، سواء على المستوى الوطني أوعلى المستوى القومي، ونتيجة في الطرف الآخر، لاحتكار السلطة في الغرب للقوى المالية الكبرى!
والآن يجري الصراع الطبقي على النطاق الإقليمي أو العالمي باشكال تضمن سيطرة القوى المتنفذة الكبيرة بحيث أن لا يؤدي مثل هذا الصراع إلى تغييرات كبيرة في الموازين السياسية العالمية، وأن لا يحل التناقضات الكبرى العنيفة للإنسانية، وان يجعل القوى القومية الكبيرة المتمثلة في الدول الصناعية السبع وروسيا والصين والهند والبرازيل مهيمنة على مناطقها ومستعمراتها ومناطق نفوذها بشكل لا يخل بالتوازن بين الراسماليات القومية الكبرى!
قام الاستعمارالثقافي للعالم الإسلامي على إنكار مقولات الحداثة، ومن ضمنها مقولة الصراع الطبقي، مثلما شجع السقف الفكري للمرحلة الإقطاعية الطائفية التفكيكية المتخلفة الممتدة من انهيار الحضارة العربية حتى تقطيع أوصال الإمبراطورية العثمانية ونشوء حركة النهضة العربية الأولى.
ان تشجيع الاستعمار للمنظمات الثقافية/الاجتماعية، الأبوية والعشائرية والطائفية، هو من أجل أن يبقى مضمون الفكر العربي عاجزاً عن النقد والتحليل الاجتماعيين، ومرتبطاً بتكوينات ما قبل رأسمالية، بكل ما فيها من سحرية غيبية، ورغم حدوث تطورات اقتصادية وسياسية رأسمالية إلا أن هذه التطورات لم تتبور فكرياً تحديثياً على صعيد الوعي الشعبي خاصةً، في حين ان بعض الأفكار تسربت إلى النخب التي ظلت عاجزة عن توسيع أفق الحداثة الفكري داخل الجمهور.
كذلك فان المؤسسات السياسية التي أقامها الاستعمار أثناء وبعد رحيله اعتمدت على مظلة الأفكار الأبوية والطائفية، فقد عمل الاستعمار وورثته على الإبقاء على البنية التقليدية بكل هياكلها الأساسية، ولاستمرار الثقافة الخرافية السحرية، والطائفية والأمية والذكورية سائدة بين الشعوب.
وحتى حين نشأت الحركات القومية والدينية المختلفة، فإن هذه الحركات واصلت إعادة إنتاج ثقافة الطوائف والتخلف، حيث أضفت على (العرب) طابعاً سحرياً كأمة غير مقسمة طبقياً، ومتحدة في جوهر غيبي خارج تحليل التاريخ.
وهكذا تأسس القوميون والبعثيون والجماعات المذهبية المختلفة على أساس إنكار الصراع الطبقي داخل الأمة، وداخل الطوائف المختلفة، وداخل الأوطان، وداخل القبائل، وكان هذا الإنكار يعبر عن الطابع الدكتاتوري العميق داخل هذه الحركات، والذي تجسد عملياً في قمع عنيف ومتنوع لكل من يطرح تقسيم الأمة والطائفة والوطن والقبيلة والمذهب!
وترافق هذا القمع مع تأجيج مشاعر حادة ضد كل من يطرح الانقسام الاجتماعي، وحتى فى دراسة التاريخ اعتبرت الإشارات إلى انقسام الأمة العربية و(الامة) الإسلامية كارثة فكرية وخطراً يهدد سلامة الفكر العربي!
وأخذت تسميات تاريخية قديمة تسعتيد نفسها كتسمية (الشعوبية) وأُعتبر الباحثون الاجتماعيون المدققون والأحزاب اليسارية كشعوبيين جدد، وهراطقة وملحدين وشيوعيين خونة!
ولم تستطع هذه الأفكار أن تتصدى للمد الفكري التقدمي العالمي الجارف، وتحولات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإذا كان الوعي الطائفي لم ضعف بسبب هذا المد فذلك يعود إلى أن التغيرات التي جرت فى الخمسينيات كانت مداً وطنياً هادراً أسكت القوى الطائفية مؤقتاً بحكم هديره الانفعالي، وليس بقدرته على التحليل والنقد والتجاوز.
كذلك فإن التسييس التحديثي العلماني اقتصر على النخب المضحية، وبقيت الجماهير في أشكال سياسية هلامية وفي شعارات حماسية، وليس في تنظيمات وحقول إنتاج تعيد تشكيل مهن ووعي هذه القوى العاملة، فقد ظل الهيكل الاقتصادي العتيق مع بعض التطورات الحديثة الصغيرة التي لا تقوم بإعادة تشكيل البناء الاقتصادي عامة، ولا على التثوير التقني والعلمي لهذه القوى.
كذلك فإن تحديث القوى العلمانية والديمقراطية كان شكلياً نخبوياً فهو لم يقم على حرث الأرض الاجتماعية بالتحليل العميق، وبقراءة المذهبية السياسية كتدهور في حركة الإسلام الديمقراطية والثورية، وبعجز النظام الإقطاعي/الطائفي الذي شكلته القوى الحاكمة المتعددة، عن إنتاج الحداثة وفهم الإسلام معاً.
وهذا قد جعل الحركات العلمانية واليسارية العربية نفسها لا تخلو من جذور غائرة للطائفية، وهكذا تم فهم الصراع الطبقي في التاريخ الإسلامي بأنه صراع الأماميات المذهبية المتعددة ضد السنة، وإن الأماميات هي التي تحمل النضال الثوري للكادحين في حين كان السنة ممثلين للقوى الاستغلالية.
وهكذا حدث التباس عميق فى الوعي، مما عبرعن إسقاط صراعات معاصرة على فهم التاريخ، وعن قصور في أدوات التحليل، وعجز عن فهم أسلوب الإنتاج الماضوي/ الراهن وتناقضاته العميقة.
ولكن كان لهذا القصور انكاساته على تطور الصراع السياسي الحديث!
إن عجز اليسار العربي عن فهم مسار الصراع الطبقي في الماضي والحاضر، كان أكبر ثغرة فكرية في فهمه وفي قدرته على اتخاذ مواقف سياسية مؤثرة ومتنامية.
إن عدم القراءة الموضوعية العميقة للصراع الطبقي قد أدى إلى تداخله والصراع الطائفي، واتخاذ الأخير بديلا عن الأول، لقصور في الرؤية والفعل السياسي معاً.
لقد تمت قراءة الصراع الطبقي فى التاريخ الإسلامي بوصفه صراعاً بين الطوائف، فثمة طائفة ثورية وطائفة محافظة، وهذا التعميم حدث الالتباسُ فيه لكون الطوائف الكبيرة التي حازت على السلطة وثروات الفتوح وحكمت الأمم الأخرى، شكلت وعياً إيديولوجياً معبراً عن سيطرتها، في مجموعة من المذاهب التي عرفت مذاهب السنة الأربعة الرئيسية، والتي أخذت تتمظهُر فقهياً وفكرياً وسياسياً على مدى قرون فيما عرف باسم أهل السنة، ولكن هذا التمظهر شكلته الدولُ المسيطرةُ وأجهزتها، فهي تقوم بإزاحة العناصر المعارضة والنقدية فى فقه المذاهب الأربعة، وتشكلنها، أي تجعلها شكلية ومُسيسّة لسيطرتها، والأمر لم يجر فى المذاهب الفقهية فقط بل فى المذاهب الفلسفية والتيارات الاجتماعية، كتيار الاعتزال الذي قُمع وأُفرغ من نضاله الدمقراطي!
والامر لا ينطبق على مذاهب السنة بل أيضاً ينطبق علي المذاهب الإمامية المتعددة، بدءاً بالزيدية التي تحولت من حركة معارضة إلى جماعة إقطاعية عبر بني بويه وفي اليمن، وكانت منفتحة في المغرب، والإسماعيلية التي كانت حركة اغتيالات وتمرد فصارت عبر الحكم والهيمنة على الجمهور جماعة قصور ونحلة
سرية وهيمن عليها الإقطاع كذلك، وأصبح آغا خان زعيمها الروحي يوزن بالذهب في الزمن المعاصر! ولا تشذ الإثناعشرية من هذا التاريخ حيث كانت معارضة أسرية منذ البداية، أي تريد الحكم لآل البيت العلوي ثم انتقلت إلى هيمنة رجال الدين الكبار الذين تداخلوا مع السلطات في إيران وبعض المناطق، أما الجمهور الشعبي المستقل فعجز عن تشكيل صوته الخاص!
وهكذا فإن المعارضات المذهبية اكتسبت طابعاً تقليدياً غير قادر أن يصوغ وعي الحداثة والديمقراطية، بعد أن تشبعت بالهيمنة الطبقية العليا.
ومن هنا قامت هذه الهيمنة الطبقية المذهبية العليا، وفي مختلف المذاهب، بمعارضة كافة أشكال الوحدة بين المسلمين وهذه الوحدة تفترض مبدأ الصراع الطبقي بداهةً وضرورةً، حيث لا توجد وحدة قوية دون صراع!
ولم تعارض أي سياسة استعمارية أو وطنية إلا حين تتعرض لسيطرتها الخاصة، وحين تقوم بالتحديث الذي تعتبرهُ قضاءً على تلك السيطرة المطلقة على الطوائف. لكن الجتمع الإسلامي الحديث لا يمكن أن يتقدم إلا على ضوء الحداثة، وعلى تفكيك الطوائف وتحويلها إلى شعب موحد منصهر فى بوتقة وطنية، وبوتقة الوطنية تفترض انقسامه الحديث إلى طبقات لا إلى طوائف، حيث تتصارع الطبقات على توزيع الثروة وتطوير البنية الاجتماعية المتخلفة، وصراع الطبقات إذا تم بشكل حضاري سلمي يقوي الأوطان أما الصراع الطائفي فهو يقوضها، ولا بديل عن أحدهما، فإما تطوير وأما هلاك!
إن الصراع الطبقي يتماشى مع آليات الحداثة، ولا يتعارض مع الانتماءات المذهبية والعقائد الدينية، ولكن الصراع الطبقي يفكك الهيمنة التقليدية للقبيلة والطائفة والأمة، فلا يصبح لزعماء الطوائف سيطرة على الجمهور، بل يتوجه الجمهور لمصالحه الطبقية في النقابات والأحزاب.
وإذا كان أعضاء الطائفة ينقسمون إلى عمال ورأسماليين وتجار ومزارعين، فمن المستحيل تشكل وحدة سياسية واقتصادية بينهم، بسبب تعارض المصالح، فهذا في نقابة عمالية وذاك في منظمة لأرباب العمل، ويقوم زعيم الطائفة بتشكيل وحدة خيالية للطائفة المنقسمة المتصارعة، والتي تجد أقسام وحدتها النضالية ليس في كتل من طائفتها بل في كتل من طوائف أخرى أقرب إلى شقائها أو أرباحها او مصاحها!
وهكذا يصبحُ الشكل الطائفي السياسي عائقاً امام تطور الوعي الطبقي للقوى الشعبية المختلفة، والتي هي بحاجة إلى مثل هذا الوعي لوحدتها ودفاعها عن مصاحها وتصعيد رموز سياسية إلى النقابات والبرلمان يعبرون عن هذا الوعي ويجسدون تلك المصالح!
ويحتاج الفقراء والعمال أكثر من غيرهم إلى مثل ذلك لأن القوى الأخرى تجد السبيل لتحقيق مصاحها عبر ثروتها وصوتها المسموع.
وكما قلنا فإن قوى اليسار التي وهنت قواها في بعض المناطق العربية فقدت القدرة على تصعيد مثل هذا الوعي الطبقي، نظراً لانقطاعها عن الجمهور لشتى الأسباب، وحيث وجدت ان الطوائف ذات الظروف الصعبة تطرح مسائل العدالة الاجتماعية فقد اعتقدت بأن هذا هو الوعي الطبقي ولكنه تشكل عبر الشعار الطائفي!
هنا يتضافر الوعي الانتهازي والفرصة السياسية، فمع انقطاع أدوات التحليل الموضوعية، يقوم بعض ممثلي الفئات الوسطى الذين وهنت قواهم الفكرية والسياسية المدافعة عن العاملين، باقتناص الفرصة واستغلال الحركات الطائفية من أجل مصاحهم الشخصبة وليس من أجل مصالح الحركتين السياسية والاجتماعية.
وهنا تأتي مفاهيم السنة والشيعة والمسيحيين وتحويلها إلى مفاهيم كاريكاتيرية، (حيث يوجد الفقراء المسلمون تكون القضية والكفاح والتضحية، وحيث يوجد الأغنياء المسيحيون أو السنة توجد الكوارث!).
هكذا تم التعامل مع القضايا المعقدة للتركيبة الطبقية والثقافية اللبنانية مثلاً !
ولكنها لا تقتصر على الانتهازية السياسية بل تجمعها مع الانتهازية الفكرية فتقوم بالتنظير لمثل هذا السقوط، لأنها هنا تخدع فقراء وعمال الطوائف المختلفة، وتسلم قيادتهم لقوى استغلالية متخلفة، وتجعل العاملين يتذابحون، فيتم منع تطور وعي العمال الطبقي المستقل ويتحولون إلى أدوات في يد قوى توظفهم من أجل مصاحها وارتفاعها السياسي الخاص.
وهكذا راينا بعض الحركات القومية والدينية واليسارية تصعد رموزاً وقيادات سياسية شمولية طائفية تقوم بذبحها واستغلال الثروات وتخريب التطور عامة.
علينا أن نقول: إن الطوائف يعاد تشكيلها مع النظام الاقتصادي الحديث، فهي تصطف فى طبقات مختلفة، ولكن ذلك يتعلق مدى تطور النظام الرأسمالي في البلد المعني، أي مدى تحوله من نظام إقطاعي مذهبي تشكل على مدى القرون السابقة، إلى نظام غير طائفي وحديث، أي ألا تكون لافتة الطبقة المسيطرة على النظام السياسي لافتة مذهب ديني معين، بل أن تكون خارج المذاهب، وأن تتشكل بفكر الحداثة، أي لا تنتمي لطائفة معينة، بل تنتمي لكل الطوائف، لأنها تعبر عن طبقة ولا تعبر عن طائفة أو عن عائلة أو قبيلة أو عن وطن أو عن أمة!
هكذا ينزاح الفكر القبلي والطائفي والوطني والقومي بمعنى أن الطبقة الحاكمة لا تزعم أنها معبرة عن الشعب كله أو الأمة كلها أوعن الطائفة كلها، فهذه تعميمات خادعة، وغير ممكنة سياسياً واجتماعياً، فهي تعبر عن شريحة من طبقة أو عن طبقة كلها أو عن مجموعة من الطبقات، بحسب تحديدها لأهدافها السياسية والاقتصادية الانتخابية وتصويت الجمهور لها، الذي من الممكن أن ينحسر فى انتخابات أخرى، وتجد أن تعبيرها الطبفى تقلص أو زال!
ومن هنا تبدأ القوى السياسية بإدراك تمثلها الاجتماعي الطبقي الحقيقي، وليس الموهوم الذي افترضته مسبقاً، بحسب وعيها الذات بأيديولوجيتها غير الموضوعية وغير الدقيقة!
إن للتعبير الطبقي هو تمُثل انتخابي، لأنه لا يوجد حزب يستطيع أن يعبرعن طبقة بشكل كلي، وأبدي، بل قدرته تتمثل في دمج أهدافها الاقتصادية والاجتماعية فى برنامجه، ولهذا فإن الجماعات الطائفية ليس لديها برنامج طبقي، فلا تستطيع أن تعبر عن طبقة، ولهذا تعيش الجماعات الطائفية في مخاض سياسي لا تعرف كيف تخرج منه، وفي بلبلة فكرية واجتماعية، وهي لا تستطيع ذلك سوى عبر الخروج من تشكيلتها الطائفية، أي عبر اتحادها الفكري مع جماعات من خارج طائفتها والخروج من تسييس المذهب.
ومن هنا يغدو تفكيك الإقطاع الديني والإقطاع السياسي، وتكوين الطبقات والوعي الطبقي الحديث عمليات متداخلة، لأن الوعي الطائفي يعجز بشكل مستمر عن تمثل تطور العملية الاجتماعية الديمقراطية، كما أن آليات السيطرة الحكومية الشاملة تفتقد مبرراتها وتتشكل حالات استقطاب بين المجموعات المتحدة المصالح.
ومن هنا ضرورة أن تلعب العناصر الديمقراطية داخل الطوائف حراكاً سياسياً لتكوين حركات سياسياً مؤثرة تنسلخ من التكوينات الطائفية/السياسية، نحو التكوينات السياسية الوطنية.
ومن هنا ضرورة ألا يرتبط ممثلو القوى الدينية أنفسهم بجماعة طائفية معينة وأن يطرحوا الخيارات السياسية المتعددة أمام المنتمين إلى الطائفة الواحدة حسب مواقعهم الاجتماعية وخياراتهم الفكرية، كذلك أن تتحول الدولة من آلة فكرية دينية إلى دولة خدمات متداولة بين القوى السياسية الفائزة في العملية الانتخابية، لا شأن لها بتمثيل مذهب معين.
عبر هذا يمكن الحديث عن تجاوز مسأة الطائفة الحاكمة والطائفة المحكومة، وهذا سوف يطرح قضايا عديدة متعلقة بالتعليم والثقافة وتطور الفقه المشترك وبقاء خصوصيات الطوائف العبادية.
وفي هذه العملية المخاضية الديمقراطية ستواجه التجارب بطبيعة الحال المتطرفين والمتعصبين من كل الطوائف الذين سيرفضون التزحزح عن الأشكال الطائفية السياسية، باعتبارها الممثلة للطائفة، وسيكون هؤلاء متعاونين مع القوى القومية
والحكومية الرافضة وفي تباين في جسم الأمة والشعب والطائفة!
وهذا يعبر عن احتكار سلطوي داخل الطوائف والدول، وزعامات تقيم سيطرتها على سلطة اصبحت متجاوزة من قبل التطور السياسي.
وهذا الاحتكار السلطوي الاقتصادي هو العقبة الأساسية أمام الديمقراطية الحقيقية، وأمام أن تكون الدولة والمجتمع في صراع اجتماعي وليس في صراع طائفي.
ومن هنا تترافق الإصلاحات السياسية مع الإصلاحات الاقتصادية : تفكيك القطاع العام من سيطرة الدولة، ومراقبة ثروة البلد من قبل المجالس والقوى السياسية، وتطوير أوضاع الفقراء والنساء من التخلف والأمية والفقر .. الخ.
تجربتي في الرواية *
كانت عائلة صغيرة قد قدمتْ من بلدةٍ بحريةٍ «الحد» وسكنتْ مدينة المنامة في مجمعٍ كبير من البيوتِ المصنوعةِ من سعف النخيل. فقدَ الأبُ ورثَ أجدادهِ البحارةِ أصحابِ السفن والغوصِ على اللؤلؤ والتجارة، وصار عاملاً زراعياً في شركة النفط بأجر قريبٍ من التراب، وبسببِ هذا الانتقال إلى هذه المنطقة المليئة بالأحداثِ والجماعات السياسية وضعني والدي في بؤرة الصراع، وكرسني في المدرسة بقسوة، ثم اشترى لي بعضَ السير الشعبية البطولية والأم قدمت لي الشعر العامي والأغاني، ثم رفضا ثمار هذا التحول .
فهي قبل أن تموت، وفي زمنِ عصفِ الشباب السياسي، وكانت الغرفة تمتلئ بدخان أوراق التقارير السياسية المحروقة ، قالت لي أمي:
"دع عنك هذه الأوراق".
كانت الأوراقُ كثيرة: منشوراتٌ وتقاريرٌ وكتبٌ ومجلاتٌ ومعها أصدقاء كثيرون، وخلايا في حارات المدينة، وثمة أحلام كبيرة بتغيير الوطن والعالم، ووقوفٌ صامدٌ طويل مرهق أمام عيون الطلبة في الصباح.
كانت أوراقٌ كثيرةٌ تحترقُ أو في طريقها للاحتراق، فحين جاءت الشرطة في صبيحة يومٍ أغبر هو الثالث والعشرين من أغسطس 1975، يوم حل البرلمان في البحرين، أصر العريف على حمل كل كتبي عن التراث الإسلامي ونصوص الروايات وكتب الفكر إلى الجيب، فسألته وما دخل كتبي؟ لماذا تريد أن تأخذها هي الأخرى؟
معتقداً بأنني سأعود إلى هذا البيت الهادئ بعد زمن قصير، ولكن العاصفة أخذتني طويلاً.
فيما بعد رأيتُ المحرقة عند بوابة قلعة المنامة، فكانت براميل سوداء لا تختلف عن أية براميل للحرق، وفي خطوطها السوداء المتفحمة رأيتُ مصير الثقافة والرواية في عالمي!
في زمنِ تعليم الأطفال والأولاد تصعب الكتابة الأدبية، وفي زمن الطرد من مهنة التعليم بسبب الدعوة لإصلاحها، والاشتغال في صحافة التحقيق المنتوف الريش والأظافر، تصعب الكتابة الإبداعية، فاللهث وراء اللقمة وكتابة حروف انعكاسية عن الأسعار والأكواخ، تمزقُ آخرَ ما بقي من رقة وخيال!
والآن أطبقتْ أسوارُ السجن، ووقفت القبضاتُ الصلدة على الباب، فلا ترى العينُ سوى الجدران، أو الأصدقاء، ولا تسمع سوى شريط الماضي يتدفقُ صوراً، وكتلة الأحجار والقبضات مكونة من أجل أن تنتزع آخر ما بقي في رأسك من حلم، وآخر ما في روحك من حروف.
ولكن عليك أن تقرأ سواء من مكتبة السجناء الفقيرة أم من جريدة تحصل عليها ، والجريدة ليست سوى أوراق ملوثة عليك أن ترفعها من برميل الزبالة وتخبئها في فوطتك وأنت متجه لدورة المياه في الصباح البارد.
كلُ شيءٍ يدعوك للموت الثقافي، الصراخ والعلبة الإسمنتية الصغيرة ووجود الرفاق المستمر فوق رأسك، وغياب الشاي والهدوء والنساء.
لكن الكتابة في الظلام ممكنة، حين يختفي النورُ منذ العصر، يمكنك أن تخربش فوق الورق المعتم، وتملأ رأسكَ بالحبكات القصصية، التي تكبرُ كل يوم من اليوم السجني الطويل، تتعثرُ بالأرز اليابس، أو بشوربة العدس الأقرب للقيئ، أو بأشباح النسوة لكن الكتابة تنمو فوق الأرض الحقيقية، تسحب الصواري من عند البحارة الذين غطسوهم موتى وهياكلَ خاليةً من المعنى في قعر الخليج، فتغدو الروايةُ الكبيرة المخططة في الرأس روايات عديدة .
كتبتُ روايات عدة على أوراق السجائر وعلب الصابون في السجن، مثل: الدرويش والذئاب، و لا مكان للصعلوك بين الملوك .. ورواية عن شهر زاد المسجونة بعد قصصها المثيرة للقلق، ولكنها كلها لم تـُنشر، كانت مليئةً بالخيال وخاليةً من العظم الإنساني، وشخوصها كأشباحٍ تمشي في زمان بلا مكان، إذ تحدثت عن شخصيات تكون هاربةً منسحبة إلى أدغال ذاتية رمزية، وإذ ثارت تكون ثورتها مسيّسة صارخة. وهي بلا وطن معين، وبلا بشر منتمين إلى بنية موضوعية ..
لكن في سنينك العجفاء الحجرية هذه قد تتصاعد إرادتك وقد تذبل. قد تحول ذكرياتك وعلب الصابون إلى نسيج من الكلمات، وقد تفقد إيمانك ودورك وتصبح كلماتك من أجل أناك فقط .
هذان طريقان من طرق عديدة قد رأيتها فيّ وفي الآخرين، والرواية تتشكلُ هنا كمحاولةٍ لهدم السياق النثري التبسيطي، ولهذا تزخرُ باصطناع أدوات تقنية لعدم الوقوعِ في سطوة الجدران والصراخ الليلي لأناشيد المعتقلين، ومن هنا تــُرفد بخيالٍ فسيح، تسمحُ به أيامُ وليالي الفراغ الطويلة ، ومن جهة الدلالة تقومُ بالانغراس في جذور الأرض لأن كل يوم هو لحظة ألم وأمل، خاصة أن أرواح السجناء الحية تتعفن أمامك . يصبحُ الماضي ملاذاً مهماً . فتنسجُ من ذكرياتٍ وقصص متشظيةٍ يرويها الأبُ عن زمنِ الغوص، ومن استدعاء لتاريخ الخليج بسفنه واحتفالاته وطقوس بحره، ومن كتب الخلايا الوطنية المليئة بروايات المقاومة، ومن أحاديث وموضوعات السياسيين والمؤرخين، ومن لفائف السجائر وخيوط العنكبوت الغازلة للرماد والتراب والحرير، ومن موتِ الأم المفاجئ السريع ، فتطلع إشعاعاتٌ ويتشكل وميضٌ، وتتشكل الشخصية المأزومة المقاومة لب الحياة في قص من هذا النوع، وهكذا تظهر القصص القصيرة أما أن تكتب رواية فأي ورق هنا وأي دار نشر ستنشرها وأين الأقلام ؟!
كذلك فإن للرواية نسيج حدثي وشخوصي كبير، متشابك، ومتنامٍ، والرواية في البحرين وقتذاك زمن أواخر السبعينيات من القرن الماضي لم تظهرْ، فكيف ستظهر من السجن ؟
كانت الجدرانُ تحيطُ بنا، في الداخل والخارج، فذاكرة بشرنا ممسوحة من الملاحم، ولا يوجد لنا أرشيف إبداعي ، وحتى تاريخ مسجل وقتذاك ، ولهذا كان الأمر يتطلب الكتابة الروائية حقاً، ومن قعر تلك القفة الحجرية ، في معسكر في الصحراء، في صندوق من الخشب معمي العينين ، إلا من ثقوبٍ صغيرة تحددُ لك أشباحَ القادمين المفاجئين ، يمكنك أن تكتبَ روايتك الأولى على قراطيس السجائر . والروايةُ سواء كُتبت في قصر أم في مركز للإعدام في سافرة مركز تدريب قوات الشغب ، فإنها لا بد أن تأخذ شهادتها الشرعية من بنائها.
كانت الرواية الأولى التي نــُشرت لاحقاً باسم «اللآلئ» بها الشرارة التي بحثت عنها. هنا وقفتُ على أرضي، هنا تلفتُ فوجدتُ وطني. رأيت أبي وخالي وأمي. رأيتُ السلاسلَ والأزهار والأساطير. إنها عن الربان المغامر، عن النوخذا القاسي الذي يؤخر سفينته بعد انتهاء موسم الغوص طمعاً في المزيد من اللؤلؤ الثمين فيُواجه بعاصفة مفاجئة تطيح بالسفينة على إحدى الجزر.
ليس عرض صراعات الغوص، وظلالها المعاصرة، هي فقط ما شدتني إلى تلك الشخوص التي ظهرت فجأة بل أيضاً اللغةَ المتشظية المنفجرة المتداخلة سرداً وحواراً والراجعة دائماً إلى الوراء بحثاً عن خيوط الشخوص وأسرار المكان. إنها عودة دائبة للزمن الخلفي كمحراث أساسي في شق تربة الحاضر أمام تطورات الصراع المشهدي المتفاقم باستمرار.
هذه اللغةُ التي أحببتُ أن ترافقني وأنا أعيدُ النظرَ الفني في تاريخ الخليج وزمنه الراهن، وأن لا تتوقف مسيرة الغواصين عند جزيرة النوارس الفارغة من التاريخ والبشر في «اللآلئ»، بل أن تمتدَ خيوطُ السرد من قلب البحر إلى الطوابق المتعددة المهدمة المتصارعة المتشكلة في روح الإنسان وفي بنى الاضطهاد المتصاعدة .
وأنا في السجن وفيما بعد في أحداث الحياة الحافلة وفي البطالة الطويلة والتشرد المنزلي وكتابات الصحافة، انشغلت بالتقنية التي راحت تتهدم وتنبني بإيقاعات مضطربة ، خائفاً دائماً من أن تأكلني التقارير ولغة الصراخ. كان الصراخ هو الانفجار النفسي والفني الوحيد الممكن في شريط حجري محاصر. كثيراً ما نصرخُ في الليل موقظين الصحراءَ العسكرية إلى فقداننا للهواء، خائفين أن نفقد الفن وخائفين أن نفقد اللغة والحياة فجأة، وهذا الشعور يدفعنا للمغامرات الفنية بأساس حيناً وبدون أساس حيناً آخر، فقد تشبعنا من مسامير الواقع وصدئه الكثيف في أعمال الانعكاس، ومن هنا أخذتُ في التركيب الشخوصي والحدثي وفي تعدد الرواة إلى درجة التداخل الشديد أحياناً كما في «القرصان والمدينة»، فشخصية المدرس المحورية لم تكن تروي لوحدها حدث خطف زوجته من قبل الفنان الكبير كامل، بل أن الربان المتهم بالقرصنة كان يروي كيف خان الثورة وسلم مراكبه للعدو . . روايتان على مستويين زمنيين مختلفين متداخلين، فيهما هذا الطموح بمعالجة التراث والعصر معاً .
وفي اللغة التي تغدو غايةً غير منفصلة عن المعمار، وفي الشخوص والأحداث المركبة وفي التكثيف تكونت أساسيات الروايات الأولى، «اللآلئ»، «القرصان والمدينة»، و«الهيرات» (أي المغاصات) ، و«أغنية الماء والنار»، و«امرأة»، «والضباب»، وكان عليها أن تتغير مع تبدل حالة الكاتب وهو يخرج من العزلة ويكتشف بنية المجتمع المتحولة .
حين جاءت الثمانينيات خرجتُ من بين الجدران، بأعمال قصصية وروائية مخزنة في علب الحلاقة، وكان عليها أن تخرجَ من بين السوائل عبر آلة كاتبة قديمة أخذت تشتغلُ فوق طاقتها، في بيت أبي الذي لم تعد فيه أمي موجودة لكن كثرت فيه الأوراق التي لم تكن تحبها. وقد كلمت أشباحها الكثيرة إنني لم أحرق الورق فقط . والوطن لم يعد هو الوطن فثمة أحياء أخليت من العقل واجتاحها جنونُ الدكاكين الأجنبية ، وغدا فيها البشر حصالات متجولة. تعملقت الدولة وصارت حوتاً يبلعُ البشرَ ومالَ الناس والقيمَ وصار بيع الروح واللسان هو الخيار الوحيد لتحصل على عمل ومسكن.
عادت هنا لغةُ التواصل المباشرة وانقطعت استراحة المحارب الشعرية، وعاد القاص المنعزل إلى صحفي على أرض ملأى بالحطام وبفتات المناضلين وباستيلاء الماضي السحري والديني على الحاضر الضائع وبازدهار الغموض وعبادة الأشكال .
كنت أمشي نحو المجلة التي اشتغلتُ فيها أكتبُ فيها تحقيقات حامضة، أركض نحو المزارع والأحياء، وأوقن أن مسألة الكتابة القصصية والروائية المتصلة مستحيلة.
لا يزال النوخذا المهووس باللآلئ سابقاً وبالذهب والنفط والرقيق والآثار راهناً، والمغامر بحياة بحارته، لا يزال يمسكُ الدفةَ بين صخور العصر ونافورات النقود، وقد تحول إلى مجنون يبيع أرضه ونخله وبحارته وأبناءه وتماثيله لمن يدفع ، وصار الواقع جملةً من الكوابيس ، وغدت المقاومة نفسها انتحاراً أو جنوناً آخر ..
فتحت صحافة التحقيقات عيني على الأدغال المتوارية وراء الشوارع الرئيسية حيث القرى والأزقة المثقلة، والتي انفجرت في صراعات دينية ضارية .
أكدت الانفجارات الدينية محدودية الرواية الواقعية، فذلك الحفر فوجئ بضخامة الموروث، وطلع ربانٌ آخر يريدُ قيادتنا للماضي الميت، وتناولت رواياتي وروايات آخرين ما هو معاصر، وأنشدت للراهن والجزئي غالباً ، في حين أن الدين وجذوره الموغلة في القدم غير مرئية بعمق في هذا الراهن المروي ونحن في غربة، وبرواية محدودة القراء وبلغة صعبة وفي زمن أزمة الكتاب!
في شقة من غرفة واحدة على سطح عمارة من ثلاثة أدوار رحتُ أدرسُ مجدداً الإسلام والتاريخ العربي، وأعتزم أن أشكل رواية كبيرة عن الفتوحات الإسلامية، ولكن هذه القراءات أخذتني لبحث هذه الفترة وصراعاتها الاجتماعية وتياراتها الفكرية، حتى صارت كتاباً من عدة أجزاء عن تطور الوعي الفكري والفلسفي .
حينئذ غدت الصراعات الروحية تتجسد في أكثر من رواية معاصرة مثل رواية «الأقلف». وهي عن الطفل اليتيم المشرد غير المختن الذي تتسع دائرة حيرته لتصل أطراف الدنيا المتباعدة فيصير الانتماء أما إلى الشرق أو إلى الغرب، إلى الإسلام أم إلى المسيحية؟ إلى الوطن أم إلى الاستعمار أم إلى الإنسانية؟
شدتْ دراستي الطويلة عن الوعي الديني أنظاراً، وغدت دائرة الحوار مع اتجاهات متعددة تتسع، فقد غدا الدين محور الوعي في هذه المرحلة الشائكة، وفي لحظة خاطفة غريبة: قلت لماذا لا تغدو الرموز الدينية مجالاً للرواية، وقد شدتني خاصة شخصية الحسين، فكتبتُ عملاً عنه ولكنني انقطعت عن ما كــُتب عن وجوده الحي، آخذاً رأسه المقطوع الدامي في رحلة روائية لم تؤخذ من قبل.
هكذا رحت أعمل على صعيد الرواية التاريخية والرواية المعاصرة معاً، لتتكشف أبعاد الزنزانة في الماضي والحاضر، ولتكون مرئية مجسدة متوترة للقارئ، سواءً كانت عن عمر بن الخطاب أم عن بطل مغمور في القرن العشرين.
إن الشخصيات العظيمة كشخصيات الصحابة العظام أو قادة الاستغلال القدامى، الشخصيات الميتة، تحيط بنا منذ الطفولة، تغلف حياتنا، وتحدد معاييرنا، وتأتي كتلٌ تستغل هذه الشخصيات لتصعد فوق الظهور نحو الكنوز، مكررة دورة التناسخ القهري، فنعمل نحن كعبدالرحمن الشرقاوي وغيره على انتزاع هذه المغلفات ونضع هذه الشخصيات والأحداث على الأرض ، لتكون جزءً من معاناتنا المعاصرة، ليكونوا رفاقاً لنا في معركتنا الطويلة، لكن روايات مثل «عمر بن الخطاب شهيداً» و«عثمان بن عفان شهيداً» و«علي بن أبي طالب شهيداً» وغيرها تزعج حراس التراث والكنوز النفطية فيصادرونها لأنها تعري ثقافة انتهت صلاحيتها للاستعمال العربي التحديثي.
إن كتابة الرواية التاريخية عملية صعبة ليس بسبب الدخول لتجسيد الصراع الاجتماعي في ذلك الزمن التأسيسي المقدس للأمم الإسلامية، بل كذلك بسبب تصوير ما هو ملموس من أشياء ومناخات وأمكنة، فمعرفة النباتات والفواكه لا تنفصل عن وضع الشخصيات في تلك المواقف الدرامية والمأساوية للشخصيات العظيمة وهي تــُقتل في ذروة الانتصارات والانقسامات العميقة النارية التي تتصاعد بين صفوفها، وهي تخفق مع إنجازاتها في تحقيق الحلم الذي نعيد رؤيته الآن وصنعه في زمن مختلف وبأدوات ثقافية مغايرة مجابَهين بعنفٍ أكبر وانقساماتٍ أوسع.
هذه لمحاتٌ خاطفة عن تجربة بدأت عند شواطئ قصية للوطن العربي، ومبعدة عن التعليم والنشر، ثم راحت تتغلغل في جذوره وماضيه بحثاً عن تفكيك قيود أحاطت بنا، لا ينفع معها الصراخ بل التحليل العميق لبناها الغارقة في القرون الوسطى والتبعية المعاصرة.
الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية
⓵ ـ قراءة جديدة لظاهرات الوعي العربي
يتناول هذا الكتاب ظاهرات الوعي العربي ـ الإسلامي بجانبيه الأساسيين : الدين والفلسفة، و بجذور هذا الوعي الأولى ، وهو يتشكل وينمو من المرحلة الجاهلية فظهور الإسلام وتشكل الدولة الإسلامية وحتى نهاية الدولة الأموية. إن هذا يمثل الجزء الأول من البحث المطول ، حيث أن ثمة أجزاء أخرى تعالج المراحل التالية .
وهذا موضوع ليس جديداً ، فهو كان ولا يزال مركزاً لدراسات لا تتوقف ، فلا بد أن يحمل هذا الجهد الجديد شيئاً مختلفاً ، يضيف إلى هذا الكم والنوع الكبير ، مساحة مختلفة من الرؤية.
وبطبيعة الحال فإن الباحث تجشم هذا العناء من أجل أن يطرح وجهة نظر مختلفة ، فالعمل هو رؤية جديدة إلى الوعي العربي ، تجعله كائناً تاريخياً مركباً ، فالوعي العربي ـ الإسلامي الذي تشكل في الجزيرة العربية ، لم ُتبحث جذوره التاريخية الممتدة إلى التاريخ القديم في المنطقة ، وإلى تضاريسها الجغرافية / الاقتصادية ، وإلى كونه مستوى في بنية اجتماعية متضادة متغيرة دوماً.
فإن يظهر الوعي العربي ، بصفة وثنية ، ثم ينعطف إلى الطبيعة الدينية التوحيدية ، فإن ذلك لا يتم في إطاره التاريخي المعزول عن الطبقات التاريخية السابقة ، ولا عن التطورات الفكرية في منطقته المشرقية ، التي غدت بعدئذٍ عربية ، ولا عن بنيته الاجتماعية الخاصة التي يقوم بتكوينها ، جدلاً مع التاريخ ، وحفراً في الحاضر.
إن بحث الطبقات التاريخية القديمة في المشرق ، عبر رؤية الأنظمة الاجتماعية المتشكلة ، وخاصة جوانبها الفكرية ، يقود إلى تحديد أنماط هذه الحضارات ، وأسباب تحجرها في نمط إنتاجي معين ، ليرى المحطة التي دخل فيها العرب ، والظاهرات المختلفة ، التي جعلت الإسلام يظهر بتلك الصورة التحويلية لهذا العالم المتجمد عند تشكيلته الاقتصادية ـ الاجتماعية.
إن قراءة التاريخ العربي / الإسلامي عبر تحليله من خلال جذوره في الماضي ، هو أمر سيفتح مستويات وعي البنية العربية / الإسلامية ، فهذا الوعي العربي المتنامي أخذ عناصر فكرية من الماضي كفكرة الآلهة أو الإله الواحد أو دور السماء كمركز لإنتاج الوعي المطلق وبعض أسماء الأنبياء وبعض الأفكار الدينية الخ..
ونحن نقوم بدراسة البنية الأولى ، بنية العصر القديم عبر هياكلها الإنتاجية ومستوياتها الفكرية ، ونقوم بالربط بين خيوط المرحلتين ، أي نرى كيف تواجدت تلك العناصر الفكرية في بنية الوعي العربي وأسباب تطورها بهذا الاتجاه داخله.
وقد ركزنا خاصة على بنية المجتمع العراقي الجنوبي ، وعلى الخطوط العريضة لتطور الإنتاج والوعي فيها ، وعلى الخطوط العريضة لتطور الوعي الديني في مصر ، بحيث نكتشف طبيعة النظام الاجتماعي المشترك ، ودور هذا النظام الاجتماعي المشترك في تجمد التطور التاريخي ، أي في البقاء ضمن تشكيلة اقتصادية ـ اجتماعية واحدة.
فالوعي العربي ، ومن ثم تطوره اللاحق ، الوعي الإسلامي ، وهو ينمو داخل بنيته الاجتماعية يقوم باستعادة تلك العناصر من العصر القديم ، سواء عبر علاقته المباشرة ، أو من خلال التأثيرات الفكرية التي تأطرت من خلال الأديان : الوثني ، واليهودي ، و المسيحي.
أننا سنقوم برؤية علاقة التداخل هذه ، سواء بالاستفادة من المؤثرات أم بتجاوزها ، وبناء منظومة جديدة . ولكن علاقة التداخل هذه ستكون معقدة وذات مستويات ، ففي المرحلة الجاهلية تكون العلاقة مختلفة عن المراحل التالية ، بحيث إن العلاقة تحكمها تطورات البنية الاجتماعية الداخلية، فاسترجاع الماضي ، أو الاستفادة من المؤثرات القادمة من الخارج ستخضع لهذه البنية الداخلية وصراعاتها.
إن هذا يقودنا إلى تحديد نمط وتطور البنية الاجتماعية العربية، أي دراسة الخطوط الرئيسية لإنتاجها ، وأشكال الوعي السائدة فيها ، حيث سندرس طبيعة البنية ‹‹الرعوية›› وتأثيراتها الكبيرة على الوعي والتطورات الاجتماعية والفكرية والسياسية.
ولكن دراسة البنية الاجتماعية لا يجعلنا مأسورين في طابعها التـقني ، أي أن نعتبر الرعي اتجاهات فكرية وسياسية ، بل نحن نعتبره علاقات اجتماعية واقتصادية معينة ، في حين إن الاتجاهات الفكرية والسياسية تعود إلى مستوى آخر ، لكنها ترتبط كذلك بالظروف الاجتماعية السائدة.
فإذا كان الإسلام ظاهرة نمت بين الرعاة وفي هذا المجتمع العربي الرعوي فلا بد أن تكون جذوره مربوطة بمستويات هذا المجتمع ، ولكنه من حيث الإتجاه هو تحول حضاري يتجاوز مجتمع الرعاة هذا ، ويستهدف تخطيه وتمدينه. وهنا تتشكل علاقة الدرس والتحليل للعلاقة بين المدينة [مكة] كقائدة حضارية لهؤلاء الرعاة . وبين القيادة الطليعية والجسم الاجتماعي تتكون علاقات معقدة من التداخل والتجاوز.
إن سيادة الجسم الرعوي تعبر في حد ذاتها عن مستوى البنية ، وبالتالي فإن الاتجاهات الحضرية فيها لم تقم بحسم عملية التطور الاجتماعي ، والدخول في بنية اجتماعية ذات نظام سياسي محدد، وكان الرعاة (الساميون) لهم تجارب في هذا القفز التاريخي، وعبر ذلك كانت العلاقات الاجتماعية العليا تحمل العلاقات الاجتماعية الدنيا، في مركب غير متناسق، (1).
والإسلام نفسه هو العملية الحضارية الهادفة إلى تغيير هذه البنية الرعوية السائدة ، وهو يظهر من خلال موقع اجتماعي وفكري محدد ، حيث برز كثورة ، أي أنه صعد من خلال تحالف اجتماعي طليعي مقاتل ، وإن هذا التحالف هو الذي جعله يرتبط بأغلبية السكان ، وبالتالي يعيد تشكيل الجزيرة والمشرق والعالم المحيط من خلالها.
لكن هذا الاتجاه يخضع لعملية التطور والصراع بين الجماعات الاجتماعية ولمستويات تطورها وفاعلياتها ، وبهذا فإن البنية الاجتماعية الرعوية أساساً خاضعة للصراعات الداخلية وللمؤثرات الخارجية ، خاصة عملية الفتوح التي سادتها القبائل الرعوية ومستوياتها الاجتماعية والفكرية ، وقادها المركز القرشي.
وبهذا فإن البنية الاجتماعية للعهد النبوي تختلف عن البنية الاجتماعية للعهد الراشدي ، من حيث كون الأولى عربية ـ جزيرية بدرجة أساسية ، وكون طبيعة حركتها الاجتماعية وطريقة تقسيمها وتوزيعها للملكية ، وبسبب غياب الدولة وملكيتها ولبداية تشكل أجهزتها ، في حين إن بنية العهد الراشدي اعتمدت على حركة الفتوح وهجرة السكان المقاتلين وعوائلهم إلى الأمصار وبدء تشكل الدولة العربية الواسعة التي تضم المشرق العربي والإسلامي ، الذي لم يصر عربياً وإسلامياً بعد حينذاك.
إن بنية العهد الراشدي تعتمد على ظهور ملكية الدولة للأراضي العامة [ الصوافي ] ، وظهور نمط جديد من الإنتاج والتوزيع ، وهذا ما أدى إلى سلسلة من التغيرات الاجتماعية والفكرية ، ومع ترسخ هذه البنية واستعادت الهياكل الاقتصادية العائدة للعصر القديم ، تبدأ صراعات اجتماعية وسياسية عميقة في هذه البنية ، تفضي إلى النظام السياسي الأموي.
وتتوغل الدراسةُ في بنية النظام الأموي وتناقضاتها وسيرورة الصراعات داخلها وسببيتها ، بحيث نقوم بوضع الخطوط العريضة لتطور المجتمع العربي / الإسلامي في هذه المراحل الاجتماعية والسياسية المتعددة ، أي نقرأ عملية انتقاله من البداوة إلى الحضارة ، و طبيعة الصراعات وأشكالها ومضامينها ، بحيث نصل إلى دراسة التشكيلة الاقتصادية / الاجتماعية التي أستقر عليها.
⓶ ـ موقع الاتجاهات المثالية من التطور الاجتماعي:
إن قراءة هذه الخطوط العريضة والتفصيلية للتطور الاجتماعي لا تفصلنا عن دراسة بؤرة الموضوع ، وهي مسألة الاتجاهات الفكرية المثالية.
إن المثالية عموماً هي وجهات النظر التي ترى أسبقية الوعي على الوجود ، وهذه الأسبقية قد تكون من خلال أسبقية الألوهية أو الأفكار أو الماهيات والجواهر في صنع العالم ، أو أسبقية الوعي الفردي ، (2) .
وقد أعطى الإنسان قديماً الأرواح المختلفة القدرة على التحكم في الوجود المادي والمصير الإنساني ، وكان الإنسان ـ الحيوان جزءً مادياً ملتصقاً بالطبيعة عبر مئات الآلاف من السنين ، وحين بدأ الانفصال البطيء الطويل المحدود عنها ، عبر العمل كانت تبعيته مع ذلك للطبيعة عميقة وغائرة في هياكله الاجتماعية والفكرية ، سواء عبر المنظومة العشائرية ، أم عبر سيطرة الأرواح وأرواح الأجداد والطواطم وعبادة الأمهات والكواكب والنجوم ، على وعيه وتنظيم حياته.
إن انقسام الأرواح إلى خيرة وشريرة كانت تعبر عن الطابع المتناقض للظاهرات الكونية والمادية والبشرية ، وهي تنمو عبر التمحور في كائنات ما ورائية مطلقة ، هي الأرواح والآلهة والشياطين والمسوخ المختلفة الخ..
إن تبعية الإنسان للطبيعة هنا ، وعدم وجود قدرات إنتاجية تحويلية لديه ، كانت تقود إلى سيطرة القوى الما ورائية المختلفة ، تعبيراً عن الجوانب والقوى المادية في الكون والحياة التي تهيمن عليه.
وهكذا فإنه أوجد الرؤى والشخوص المتخصصة في التحكم في هذا الإنتاج الروحي ، كشكل أولي سحري من المثالية ، أي عبر هذا الوعي الذي يعطي الخارج الميتافيزيقي القدرة على السيطرة على الداخل الإنساني ، سواء كان هذا الداخل تنظيماً اجتماعياً أم أفكاراً ومشاعر.
هذه الطبقة من الرؤى السحرية والطقوسية هي الجذور الأولى للوعي الإنساني ، وهي التي تواجدت مع تشكل الحضارة البشرية في منطقة المشرق ، وبدء تحول القرى إلى مدن وظهور الدولة والطبقات الخ..
لا بد أن نلاحظ التمايزات التي تشكلت في المشرق [ العربي ] منذ البدء عن المناطق الاجتماعية ـ الفكرية الأخرى ، كالمنطقة الهندية ، والصينية وغيرهما ، حيث لعبت العناصر الطبيعية [السماوية] خاصة من نجوم وكواكب ومطر وشمس وأنهار دورها في الانقسامية الكبرى للأرواح الخيرة والشريرة ، ثم في التشكل الثنائي المتضاد لها ، حيث للأولى الجوانب العليا المهيمنة الطيبة الخيرة ، وللثانية المستويات الدنيا وحدوث الانفصال الكلي المطلق بينهما .
كانت هذه تركيبة متداخلة مع العصر الأمومي ، وكانت هذه الأخيرة تشكل آلهة أنثوية إنتاجية ومسالمة ، ولكن مع تشكل الحضارة في جنوب العراق وصعود المدن من قرى المستنقعات ، وظهور السلطات والطبقات ، فإن تلك التركيبة السماوية الشاملة ، سوف تصعد الأرواح والآلهة الصغيرة والقبائل الإلهية لتحكم السماء وتسيطر على تنظيم الكون والحياة الإنسانية ، بشكل شرس وعنيف ومتفرد . كذلك فإن هذا يترافق مع انتقال الحضارة من المجموعات السومرية الزراعية المسالمة إلى القبائل السامية الرعوية العنيفة.
إن تبلور الأرواح على شكل آلهة عليا ترافق وانقسام العمل إلى عمل يدوي وذهني ، وحصول السحرة والكهنة والملوك على موقع أعلى من المنتجين ، فأخذ الأولون عبر الرموز السماوية كالكواكب والنجوم في تجسيد السلطة المتعالية.
لقد أخذت المثالية صيغتها الأولى من السحر والطقوس والأديان البدائية ، حيث القوى الغيبية المختلفة تسيطر على بناء الطبيعة ، فتنهدس الكون وتشكله من خلال المواد الطبيعية والاجتماعية المتاحة لها، سواء كانت عبر المعارك مع الحيوانات الخرافية أم مع قوى الطبيعة الملتحمة بها كالبحر والسماء والنجوم والعواصف والطوفان الخ..
ثم هي لا تكتفي بتشكيل الطبيعة في المدة الزمنية القصيرة الممدة على أيام الأسبوع ، بل أيضاً تقوم بتنظيم الحياة الاجتماعية بالصورة التي ترتئيها ، فتضع الرجل والمرأة في الأمكنة التي تريد ، وتصنع الإنسان من طين أو من بقايا إله قتيل ، وتعلن الوصايا الاجتماعية والسياسية التي لا ُتخرق أبداً .
هكذا غدت الغيبية الدينية الأم الأولى للمثالية ، المدرسة الفلسفية الكبرى فيما بعد ، التي ترى أسبقية الفكرة في صنع الوجود ، وهذه الأفكار الغيبية نقول إنها نظرات وأفكار مثالية ، من حيث إعطائها القوى الفكرية والتصورات العقلية السحرية والأسطورية ، الدور الأول في صياغة العالم ، لكن الفلسفات المثالية ستتشكل فيما بعد ، معتمدة على هذه الجذور الدينية والأسطورية حين تتراكم المعارف ويُكتشف التجريد والتعميم النظري ، ويلتحم بالمنجزات العلمية المختلفة.
إن الجانبين يتفقان في أسبقية الوعي وتشكيله للعالم ، والجانب الأول يشكله عبر المواد السحرية والقوى الخارقة المختلفة ، والجانب الثاني يشكله عبر الآلهة والأفكار المطلقة والقوى المجردة والرموز المختلفة.
والجانبان يعبران عن مرحلتين تاريخيتين ومستويين فكريين / اجتماعيين ، مختلفين ومتداخلين ، فالأول يعبر عن المناطق التي سادت فيها الأديان حيث هي الأفكار التي تتعاضد فيها العمليات العقلية التصويرية والتجريدية.
ويلعب التصوير دوره الأساسي ، ويتمظهر عبر القصص والملاحم والأناشيد والأساطير الخ .. فيجسد الآلهة والقوى الغيبية المتحكمة في الوجود ، وحينئذٍ تكون العلاقة بين الجمهور المنتج والسحرة والكهنة والملوك علاقة هيمنة مطلقة من قبل الأخيرين ، وتتمظهر عملياً عبر المعابد والطقوس ، فيسود فيها الانفعال وتغييب عقل الجمهور ، ومن الممكن أن نجد هنا عناصر مادية كالهواء والماء والنور وغير ذلك ، ولكنها مجرد عناصر مسيطر عليها وذائبة في القدرات الخارقة للآلهة والشياطين التي أخذت تهيمن بشكل أساسي ، على الوجود السياسي / الإيديولوجي ، حيث إن الآلهة معبرة عن الخير وقوى النظام والصحة والحساب الخ .. ، والقوة الثانية أي الشياطين معبرة عن قوى الشر والرفض والمرض الخ..
إن قوى الطبقات المسيطرة المتجسدة في المشرق ، ثم في امتدادا ته المناطقية والعالمية ، تحيل عناصر المادة إلى عناصر مهيمن عليها وذائبة ، مثلما تفعل في العناصر المادية الاجتماعية كالمدن الحرة والصناعة والتجارة ، فهي ُتلحقها بالطبقة المهيمنة بفرعيها الملكي / الديني.
ولهذا فإن العناصر الميتافيزيقية شديدة الغيبية تظل الأقوى في الحضور الفكري ، في حين إن الفلسفة المثالية الموضوعية لا تكاد أن تخرج إلا فيما بعد ، وبعد عدة قرون من ظهور الإسلام في المجتمع العربي.
إن التحام العناصر السحرية والدينية بالنظام السياسي العبودي المُعمّم ، حيث السلطة السياسية معبودة وملتحمة بالآلهة ، يجعل هذا النمط من المثالية الفكرية ، ينيخ على الفضاء الفكري للناس ، جاعلاً إياهم جزءً من حيوانات الإنتاج ، فلا تعطى مفردات العالم الموضوعي : الطبيعة ، المجتمع ، الوعي ، استقلالياتها وتفرداتها ، وتغدو كلها تابعة للآلهة والكائنات الغيبية المطلقة.
لهذا تغدو الأديان مهيمنة على الوعي على مدى آلاف السنين ، مع نمط الإنتاج العبودي العام ، وبنائه التقني وهو الزراعة ، ولكن تشكل الدول الكبيرة ونمو المدن واتساع التجارة والحرف ، يشكل نمواً مختلفاً للوعي ، وفي الدول العبودية المعممة القديمة المشرقية ، لم تتشكل الفلسفة ، أي هذا الوعي المتميز النوعي المستقل عن الدين ، كبنية فكرية تنظيمية ، وليس كاتجاه ، أي إن الدول المشرقية العبودية منعت حتى انبثاق هذا الوعي ذي الصفة الاستقلالية عن الغيبيات الدينية ، والذي يغدو إنتاجاً فردياً مميزاً ، في إطار تذويبها للأفراد وللعقل المستقل والنقدي. لكن الوعي المعارض والثوري يتمظهر عبر الدين نفسه في صراعات متعددة ومتداخلة، تشكل مسار التطور الاجتماعي والفكري المتضافر.
في المدن الحرة اليونانية الديمقراطية التي تحميها الموانع الطبيعية والعسكرية الشعبية ، عن هيمنة الدول العبودية المعممة المشرقية ، أمكن لهذا الوعي المستقل أن يتشكل بصفة نسبية هامة عبر صعود دور التجارة و [الصناعة] ، دون أن يتحرر كلياً من الغيب الديني والأساطير، ومستفيداً من الثروة العلمية والأدبية الكبيرة التي تشكلت في المشرق.
ولهذا حدث التمايز بين الشكلين من الوعي المثالي ، الأديان /الأساطير ، والفلسفة ، وحين ذهبت الأخيرة للمشرق ، فقد كان بانتظارها تلك الأديان والأساطير في مرحلة جديدة من تطورها ، فتقوم الأديان والأساطير باستيعاب الفلسفة اليونانية في عباءتها الغيبية ، مثلما تقوم الفلسفة بالصراع ضد الأشكال الغيبية المطلقة.
إن الشكلين من الدين والفلسفة ، هما الشكلان المتميزان الرئيسيان من الوعي المثالي ، في المشرق ، ويعتبر الدين حجر الزاوية في البناء الفكري ، نظراً لارتباطه بالعمليات السحرية في الوعي والبناء الاجتماعي ، وبأشكال جماعية طقوسية ، مؤد لجة لحماية الأنظمة العبودية المعممة ، والإقطاعية فيما بعد ، وحيث تجد القوى الشعبية المعارضة أصواتها الجماهيرية كذلك ، في حين إن الفلسفة هي نتاج ثـقافي فردي وجماعي لم يظهر في عمليات الطقوس والشعائر السحرية والغيبية ، بل عبر الوعي ‹‹العقلي›› للأفراد والنخب الثـقافية والفكرية ، ولهذا فهو كنوع نتاج الاستقلال عن البنية الأسطورية والدينية ، المعبرتين عن الدولة ، بجناحيها السياسي ـ الديني ، المفارقة والمطلقة ، والمتحكمة كلياً ونهائياً في البشر، وكذلك عن التمردات والثورات ضد هذه الدولة بمستوييها السياسي والديني.
فالآلهة والشياطين الخ ليست في النهاية سوى تمثلات للسلطات والاتجاهات المختلفة ولقوانين التطور الطبيعية والاجتماعية المُغيبّة ، وعمليات تبدلها المستمر عبر العصور ، ولكن من حيث إفقادها الطبيعة والمجتمع والوعي كياناتها المستقلة وتطوراتها الموضوعية.
إن هذه الأنظمة العبودية والإقطاعية التي ألغت الوجود البشري ، وألحقت المنتجين بالتالي بحيوانات الحقول ، عبر جعل كائنات الأديان والأساطير تهيمن بشكل مطلق على الوجود ، ستناوئ الفلسفة كقوة فكرية للمثـقفين المستقلين والأحرار ، ولكنها أيضاً ستتدخل في هذا الشكل الجديد من الوعي القادم من بلاد اليونان .
⓷ ــ الدين والفلسفة كشكلين متميزين للوعي :
في كلا الجانبين الدين والفلسفة ، تكمن النظرة الشاملة للوجود. فالدين يقوم بتنظيم الحياة والكون عبر ترتيب قصصي أو ملحمي ، أي معتمداً على المادة التصويرية ، لإنتاج منظومة فكرية تهيمن على السلطة ومن ثم المجتمع والبشر وتحاول تأبيد وديمومة وجودها إلى الأبد.
ورغم إن الدين هو من تبليغ أو تشكيل أو بناء شخوص محددة هي الأنبياء أو القادة ، فإن المصدر الفردي لا يعتبر جوهرياً، فالفرد ذاته هو صوت للغيب ، أو للأرواح ، فهو رسول القوى ألما ورائية ، مما يعبر عن قوى غير فردية، ولهذا يكون عادة جزءً من المرحلة القبلية البطولية ، فيتداخل النسيج الغيبي والأسطوري بالدين ، متجسداً عبر مادة تصويرية غالباً ، ويكون بناؤه أقرب للشعر منه للنثر.
وليس في هذه المادة التصويرية برهان أو تسلسل منطقي ، وإنما هي مادة موروثة التحمت بالطقوس والعبادات. وإذا أخذت بنموها الفكري والاجتماعي في البنية التي ظهرت فيها ، يمكن رؤية تطورها السببي ، ولكن باعتبارها مادة منزلة من السماء ، أو باعتبارها نتاج القوى الخفية ، فليس هنا أية سببية برهانية متسقة لها.
ولهذا يحدث التمايز هنا بينها وبين الفلسفة ، التي تعتبر نتاجاً فردياً عقلياً محضاً ، فتتشكل على أساس المنطق والحجج والبرهان ، وهذا بحد ذاته يؤدي إلى الصدام بين هذين الشكلين من الوعي ، فالدين الجماهيري السلطوي الغيبي أو الجماهيري التمردي يتشكل بلا برهان ، ومن مجموعة من القصص والحكم والمواعظ ، في حين إن الفلسفة المكونة من خلال الأفراد والمعتمدة على أبنية فكرية متسقة ، تبدو أعلى في كيانها ومرتبتها من الدين ، نظراً لتشكلها عبر العلل واعتمادها على ثمار العلوم المختلفة ، وهي بهذا العلاقة المتوارية الضمنية ، تقوم بالهجوم على الدين ، أو على الأقل بالاختلاف والتمايز معه ، وتغدو كبناء فكري نتاج مرحلة بشرية أكثر تقدماً.
ويغدو نموها في الطبقة الوسطى ، أي في شرائح المتعلمين والمثقفين والتجار ، عاملاً آخر في تناقضها مع الدين الذي يلتحم مع المؤسستين السياسية والدينية. أي مع الطبقة الحاكمة بفرعيها الأساسيين.أي أن كافة الاتجاهات الدينية تقوم بالتوغل في الفلسفة ، وهذا يرتبط بمستوى التطور ومدى فاعليات الطبقات الوسطى والشعبية.
والعلاقة بين الدين والفلسفة لا تعتمد على تضادهما الفكري ، باعتبارهما مستويين مختلفين من التشكيل المعرفي ، بل أيضاً على الصراع الاجتماعي أو التعاون أو الإلحاق القائم بين الأشراف والطبقة الوسطى ، أي أن التضاد بين الدين والفلسفة قد يصل إلى المضامين العميقة المشكلة لهما . ولهذا فقد غلب على الفلسفات اليونانية في مرحلتها الأول الاتصاف بالمادية حين كانت مستقلة ومعبرة عن اتجاهات الطبقة الوسطى في مدن حرة ، ولكن الاتجاهات المثالية نمت وتطورت وسادت فيها بعد ضمور الطبقة الوسطى وإلحاقها بالدولة و صعود طبقة ملاك العبيد .
إن عمليات التعاون أو الصراع تعتمد على الظروف السائدة في البنية الاجتماعية واتجاهات التطور فيها ، وعلاقات التداخل والتباين بين مستوياتها وأشكال الوعي فيها ، ولهذا فليس من الممكن المعرفة المسبقة بعلاقات الدين والفلسفة ، وهما كشكلين من الممكن أن يحدث تعاون وتداخل بينهما ، حسب رؤية المفكر ، فيحدث توظيف كل منهما للآخر ، ومن الممكن أن يحدث الصراع .
إن الاتجاهات السائدة في البنية هي التي تلعب دوراً كبيراً في علاقة الدين بالفلسفة في المشرق ، نظراً لأن الفلسفة تالية والدين قديم وراسخ ، فهذه الاتجاهات السحرية والأسطورية والدينية نظراً لخمسة آلاف من الحضارة العبودية المعممة الاستبدادية هي التي كونت القواعد العقلية الجماهيرية ، في مناطقها الزراعية المنعزلة ، وتغدو المدن مكان إدارة الطبقة الحاكمة بمؤسساتها السياسية والدينية ، وتصير فئات التجار والمثـقفين والإداريين الخ ، ذات علاقة تابعة بالطبقة الحاكمة ، ومن ثم تصير الفلسفة تابعة للدين .
ولكن أيضاً من الممكن مع اتساع الدولة والتجارة والحرف ، أن تظهر فئات إنتاجية وتجارية ومالية غير تابعة للدولة ، أو أنها تُرهق وتعاني من استغلال الحكام ، فتقوم بإنتاج وعي مختلف ، نقدي ، أو تشككي ، أو معارض بصورة مبطنة دينية أو صوفية أو عقلانية الخ ..
ومن المؤكد إن حجم ونوع هذا الاختلاف يعتمد على مدى تطور الفلسفة باتجاه القراءة الموضوعية للطبيعة والمجتمع والوعي ، ومدى شمولية الدين وتداخله مع السلطة أو السلطات ، واتساع أو ضمور المواد العلمية الناتجة من الأبحاث وتطور التقنية والترجمة ، ومدى دور وأهمية النزعات المادية في داخل الأبنية المثالية أو خارجها الخ..
وتقود الصراعات في البنية الاجتماعية إلى تفكك المنظومة الدينية الشاملة الوحيدة إلى مذاهب متعددة ، تعبر عن النزاعات الاجتماعية والقومية غير المعبر عنها سياسياً ، وتتخلق بشكل مذاهب وربما أديان الأقليات المختلفة ، وهذا كله يتغلغل في الفلسفات ، لتغدو اتجاهات متعددة ، وللجسم الإمبراطوري شكله التطوري الخاص ، بخلاف زمنية التفكك والدويلات ، بحيث إن التعميمات الفكرية والاستخلاصات المجردة المتعالية فوق البُنى التاريخية المحددة ، تقود إلى استنتاجات غير دقيقة.
فحين نناقش ـ على سبيل المثال ـ تيار المعتزلة ينبغي أن لا يُؤخذ فوق البُنى التي تتشكل وتتنامى داخل تضاريسها ، ففي عصر الدولة الأموية كان الاعتزال يتطور بشكل ، هو بمثابة المرحلة التأسيسية له ، ولكن هذا الطور الأول ليس متماثلاً مع الطور الثاني ، رغم وحدة المفاهيم الأساسية ، لأن البنية الاجتماعية الجديدة قامت بإعادة تشكيل الاتجاه ، فقد كان في الطور الأول قيادياً طليعياً ، أما في الطور الثاني فكان تابعاً للدولة ، وهذا مرتبط بعملية الصراع الاجتماعية ـ الفكرية ، ولهذا سوف نقرأ التباينات الاتجاهية والمعرفية في الطورين ، وسنرى علاقة ذلك الوثيقة بالبُنى ومدى هيمنة الدولة ـ الدين فيها، والفروق بين الطورين والجوانب المتضادة فيهما .
أي أن اتجاه المعتزلة سيُؤخذ ليس كاتجاه فكري له جذوره الموضوعية فحسب ، بل كفاعلية فكرية وسياسية داخلة في البنية ومراحلها المختلفة مؤثرة ومتأثرة بها، ومن هنا ستتضح الفوارق الدقيقة بين كل مرحلة ، والعمليات التي تؤسس الوعي ، وعمليات الوعي في الحياة.
وسندرس كل اتجاه حسب هذه الطريقة ، وتفاعل الاتجاهات المختلفة ، داخل البنية الإمبراطورية ثم في البنى الإقليمية ، وسنقرأها في ضؤ التفاعلات بينها ، مستعيدين جذورها وجذور المنطقة والأقاليم المختلفة ، لتتشكل لوحات مركبة للدين ، وللاتجاهات الفكرية ـ الدينية وللمذاهب والعلوم والفلسفات.
ولهذا فإن هذا الجزء من البحث سيقوم بقراءة الجذور القديمة والمعاصرة لتشكل الوعي العربي بين مرحلتيه الوثنية والإسلامية، وحيث لا يوجد هنا سوى وعي ديني بمرحلتين وببنيتين، وهي المرحلة التي ستضع القواعد الأساسية للمرحلة التالية للعصر العباسي الأول .
في حين سيبحث الجزء الثاني الأبنية الفكرية التي تشكل على أساسها الوعي الفلسفي المكتمل في العصر العباسي الثاني .
أما الجزء الثالث فهو يختص ببحث أبنية الفلسفة المختلفة .
وهذا التقسيم سوف يضعنا على التشكلات المعقدة لبنية الوعي المتطورة، والملتحمة بالتطورات الاجتماعية والفكرية المختلفة، بحيث نكتشف ظاهرات الوعي المتعددة، في نوعيها الرئيسين: الدين والفلسفة، ومن بذورها الصغيرة وكيف تتنامى في أشجار كبيرة .
أننا حين نبحث في المذاهب الدينية سنرى أسباب انقساماتها وتدرجاتها ، حسب الوعي والجغرافيا، وعلاقاتها بالصراعات الاجتماعية و [القومية] والمستويات الفكرية للمناطق ، وعلاقاتها بالعصر القديم والمادة الإسلامية.
أو حين نتتبع تياراً فكريا سنقرأه عبر مراحل تطور البنية الاجتماعية العربية / الإسلامية ، حيث سيبدو مضمراً وصغيراً في مرحلة ، كما يحدث للصوفية على سبيل المثال ، حيث ستبدو اتجاهاً زهدياً في المراحل الإسلامية الأولى ، ونقرأ أسباب التشكل بهذا المستوى ، ثم سنرى الصوفية في مرحلة أخرى وقد أعطاها التطور الاجتماعي والفكري القواعد الأساسية لتغدو اتجاهات مستقلة عن البنية ، وكظاهرات وعي متميزة.
إن التداخل المعقد بين ما هو اجتماعي وفكري سوف يتيح لنا تفكيك هذه الاتجاهات والفلسفات بصورة جديدة في القراءة المعاصرة .
إن مصادرنا القديمة والمعاصرة تحفر بدرجات متفاوتة في هذه المادة ، فالمصادر القديمة تقدم المادة بصورتها الخام بهذه الدرجة أو تلك من الأمانة والعرض ، وبدرجة محدودة من العرض التاريخي والقولي ، لكن تغيب عنها البنى المركبة الاجتماعية والفكرية لكل مرحلة ، وفي العصر الحديث تم التوجه إلى التوغل في التسلسل التاريخي وبعض سببياته المحددة و المباشرة كموسوعة أحمد أمين الهامة ، أو رؤيته من خلال البنية الصراعية للعصر دون الجذور التاريخية المركبة للمنطقة ومراحلها المختلفة ، أي دون التضفير بين الصراعات الاجتماعية والتضادات الإنتاجية البارزة للأقسام الرعوية والزراعية ، كما كتب الباحث حسين مروة في النزعات المادية ، إلى الكثير من المساهمات المفيدة والعظيمة، والتي تحتاج في الآونة الراهنة إلى التغلغل الأعمق إلى تضاداتها العميقة والمركبة .
لو أخذنا الأستاذ أحمد أمين كنموذج لقراءة الوعي الديني والفلسفي فما سنجد؟
يعتبر الأستاذ أحمد أمين من كبار الباحثين العرب الذين أعطوا الكثير للبحث العلمي في مجال التاريخ الفكري والفلسفي العربي، فقد غربل هذا الرجل لوحده مئات المجلدات العربية القديمة، وفحصها أيضاً على ضؤ الدراسات الأوربية في عصره ومن خلال شخصيته المنفتحة ، وليقدمها مشروحة مكثفة منتقاة، باحثاً عن خيوط النور والوعي فيها، غير متجاهل لأثر البيئة والوسط والأحوال المادية والفكرية وتلاقح الأجيال والعصور والأفكار.
جهدٌ كبيٌر وعملٌ عظيم ، فأياديه بيضاء على الباحثين ممن جاءوا بعده ، فتلمسوا الأرض الممهدة والجهد الخلاق ، فأضافوا وحفروا وشقوا دروباً جديدة.
استطاع أحمد أمين أن يرى تداخل العصور الفكرية ، فهو لا يصور المنتجات الفكرية وكأنها منقطعة السُبل عن بعضها البعض ، بل يراها كمعاناة اجتماعية بشرية لإنتاج وعي جديد ، وتمثل موسوعته : فجر الإسلام، ضحى الإسلام ، ظهر الإسلام ، ذروة عمله العلمي الذي عكف عليه طوال حياته ليضع التاريخ الفكري للأمم الإسلامية رهن المادة المتداولة المدروسة .
في استعماله لألفاظ : الفجر، الضحى، الظهيرة ، تعبير زمني عن جدلية التطور ، فهو يدرس تطور الوعي وكأنه في لحظة نمو نهاري ومتوقف عند سمت الشمس العمودية وليس الغاربة ، وفي هذا حدس بالصيرورة الاجتماعية وقد اتخذت صفة اليوم، ومن هنا تراه يعكف على بلورة التطور العام للفكر ، مموضعاً إياه في ظاهراته المختلفة ، مقسماً إياه في شرائحه الفكرية والاجتماعية المختلفة الكثيرة، فهو يدرس الأدب والفلسفة والدين والحياة الاجتماعية الخ..، بحيث يقود هذا التشريح الموضعي إلى فهم الصفات المشتركة .
ومن هنا لن تجد لديه التعميمات والصفات العامة، فكلمة [ عربي] لن تُؤخذ بإطلاق، بل في مكانها الاجتماعي والتاريخي ، ولهذا يقول عن أبن خلدون :
[فترى من هذا أن أبن خلدون في حكمه على العرب خلط بين العربي في عصوره المختلفة ، وأصدر عليه أحكاماً عامة ، مع أنه هو نفسه القائل بأن العربي يتغير بتغير البيئة.]، (3).
إن أحمد أمين وهو يقوم بقراءة التاريخ المحدد، أي المُنتَّج في فترة تاريخية ما، سيبحث عن العوامل البشرية المؤدية إلى تشكيله، ولن يعطي لأحد العوامل أهمية استثنائية، ولهذا فهو يعرض العوامل والظواهر جنباً إلى جنب بموسوعية، وحتى الظواهر الغيبية سيضعها داخل صيرورتها الإنسانية، دون أن يغفل الطابع المركب لهذه الظواهر، حيث سنرى جذور الماضي تتدلى قرب رؤوس الحاضر، والحاضر بدوره يحمل مواليد الغد، وهذه الجدلية المركبة ، لن تعترف بالمطلقات كالقول بالعقل اليوناني والعقل العربي والهندي وكأنها براميل مستقلة ، تحمل موادها الكيميائية الخاصة المتجوهرة على ذواتها ، وسيجد إن العقل العربي في مرحلة البادية مختلف عن عصر المدن ، دارساً الظاهرات المتحدة والمتنوعة له ، وهو يلاحظ هنا عمليات معقدة تجري للوعي العربي، فحين يتناول أبا ذر الغفاري كشخصية داعية للمساواة، يتتبع أثر الأفكار المنتشرة والقديمة والمتداخلة بين الشعوب فيقول : [ونلمح وجه شبه بين رأي أبي ذر الغفاري وبين رأي مزدك في الناحية المالية فقط ]، (4).
ومهما كانت صحة آرائه هنا، أو كذلك تحامله على عبدالله بن سبأ، فنحن يهمنا هذا الالتقاط للشعيرات الفكرية والاجتماعية المتداخلة.
ويعبر كل هذا عن قراءة التداخل بين الوسط والوعي بشكل زمني متصاعد، يرجع للوراء قليلاً ، لكنه ينمو دوماً إلى الأمام، وليس هذا الوسط إلا حدود الجغرافيا الطبيعية والاقتصادية والفكرية ، متقطعة في المراحل السياسية المعهودة في التأريخ: العصر الجاهلي ، فالإسلامي، فالأموي الخ..
وهنا تلعب المرجعيات الفكرية الليبرالية لعصر أمين دورها ، فمفاهيم الوسط والبيئة والعوامل المختلفة المؤثرة، هي التي تقوم بالتحليل المتضافر المنساب عبر الزمن، أما مفاهيم البنية الاجتماعية وقوانينها ، فهي مرحلة لم تصل لها هذه المنهجية بطبيعة الحال ، (5).
والفارق بين المنهجيتين ، أي بين منهجيتي البيئة والبنية ، يعبر عن أدوات التحليل بين زمنين ، فمفهوم الوسط البيئي لدى أمين لا يعبر عن صراعات القوى الاجتماعية في ظل بنية محددة، يقوم العلم بدراستها ، ثم يتتبع البُنى التالية وأسباب ظهورها وتشكيلاتها، فلا يغدو التاريخ الفكري مجرد مؤثرات على وسط غامض الملامح ، بل تأثيرات على بنية أو بُنى تزداد تناقضاً ثم انفجاراً متيحة الدرب التاريخي لبنية أخرى.
فنظرة أحمد أمين لا تستطيع أن تفسر بعض القضايا المركبة ، كالقول بأن الإمامية هي ذات جذور فارسية ، وأن [ثانوية الفرس كانوا منبعاً يستقي منه رافضة الإسلام]، (6) ، فمسائل التيارات الفكرية أعقد من ذلك، وظروف الصراعات العربية الداخلية كانت هي الأساس في إنتاج مثل هذه التيارات ، مع أهمية المؤثرات الخارجية.
إن فترات العصر النبوي والراشدي ، والفترة الأموية ، والعصر العباسي الأول ، والعصر العباسي الثاني، التي يتخذها أمين كفترات معروضة في أجزائه، هي بحد ذاتها بُنى اجتماعية لها قوانين تطورية مختلفة عن المراحل الأخرى، وميزته إنه يقوم بعرض ظاهراتها المختلفة ، بدون التوصل لقوانين الصراعات الاجتماعية فيها ، فليس لديه مفهوم البنية وترابطها، لأن هذه البنية هي التي تحدد تشكل الظاهرات الفكرية التي يدرسها، ولكنه يأخذها مستقلة عنها غير متضافرة بسبب علل جوهرية، مع أهمية المعلومات والمواد التي يقدمها عنها.
ومثال آخر نقرأه لدى الأستاذ الدكتور محمود إسماعيل، فالباحث الدكتور محمود إسماعيل هو من القلائل في مصر الذين اعتنوا طويلاً بالبحث في التاريخ والفلسفة العربيين ـ الإسلاميين ، وكان أول كتاب له عن [الحركات السرية في الإسلام] وهو الكتاب الذي صدر في بداية السبعينيات ، وقد افتتح فيه تحليل التاريخ الإسلامي من وجهة نظر كشف تطور الصراع الاجتماعي ، ثم تتالت كتبه عن ظاهرات الفرق والاتجاهات خاصة في شمال أفريقيا التي درّس فيها حقبة هناك ، ثم أصدر كتابه الأساسي [سيوسيولوجيا الفكر الإسلامي] وهو أربعة أجزاء يتناول فيها تطور الوعي في التاريخ العربي الإسلامي وكيفية نشأة الفرق والاتجاهات الفكرية والفلسفية المختلفة ، مستخدماً أسلوباً سهلاً في العرض ، معززاً إياه بمئات المراجع والنصوص ، مما يعتبر مرجعاً لأي دارس لهذه الظواهر .
وإذا كان أسلوبه يمتاز بسلاسة العرض وبساطته نظراً لاستمراره في العملية التدريسية وثورية أفكاره ، إلا أن التبسيطية في النظرة إلى التاريخ الفكري تنتشر لديه في الخطوط العريضة لرؤية هذا التاريخ.
فهو يقسم التاريخ الاجتماعي إلى قوتين متصارعتين هما البرجوازية والإقطاع ، والتطور والحداثة والعلم تأتي من الأولى ، أما القوة الثانية فهي قوة تخلف وارتداد ، وهو حكم صحيح في عموميته الواسعة ، ولكن إلى أي مدى كانت البرجوازية تستند إلى أسلوب إنتاج بضاعي وصناعي ، وما هي تداخلاتها مع التيارات الفكرية والفلسفية ، فإن هذه مسائل مركبة يبسطها الدكتور محمود إسماعيل ، فلا يقوم بتوصيفها التوصيف الدقيق المتداخل ، لأنه يلجأ عادة إلى التعميم.
في الجزء الثالث ، على سبيل المثال ، وهو المختص بدارسة أفكار الفلاسفة والفرق الفلسفية ، يتعرض لمدرسة [أخوان الصفا] ، وهي المدرسة الفكرية السرية التي ذاعت أفكارها في العالم الإسلامي عبر التاريخ.
وحول الاختلافات في تاريخ ظهور هذه المدرسة وعن صحته يقول الباحث : [وعندنا أن ظهور المعلومات الأولى هذه عام 360 هـ لا يخلو من دلالة على ارتباط هذا الظهور بعصر الصحوة البورجوازية الثانية ـ من حول منتصف القرن الرابع إلى منتصف القرن الخامس الهجري ـ وهو عصر المد الليبرالي الذي شهد ظهور كيانات سياسية كبرى تمثل في الدولة البويهية والدولة الفاطمية والخلافة الأموية بالأندلس ، وهي كيانات ذات طابع بورجوازي حققت الكثير من طموحات إخوان الصفا]، (7).
إن هذه الكلمات العامة عن الصحوة البرجوازية والمد الليبرالي، يجب أخذها بحيطة موضوعية وتدقيق بالغ ، فهل يمكن اعتبار عصر الدولة البويهية عصر [صحوة] ، وما معنى الصحوة في سياقات البحث الاجتماعي ، وهل الدولة البويهية دولة بورجوازية؟ إن كلمة [صحوة] تقابل النوم ، فكأن العلم الاجتماعي يتحول هنا إلى استخدام التعبيرات الفضفاضة المتعلقة بنوم واستيقاظ الفرد ، وليس بقراءة تشكل الفئات والطبقات الاجتماعية.فمن المعروف إن الدولة البويهية كونها أمراءٌ فرسٌ زيديون تلاعبوا بالخلفاء العباسيين وحولهم إلى دمى، وقد عاثوا بميزانية الخلافة على بذخهم ولهوهم ، وانحصرت الخلافة حول بغداد ثم بضع دويلات فارسية ، وعموماً تحول الأمراء البويهيون إلى إقطاع متحكم في الثروة.
وإذا أردنا قراءة الوضع البويهي على حقيقته فلنستمع إلى باحث ثقة في هذا المجال وهو عبدالعزيز الدوري ، فحول وضع الفلاحين نقرأ: [فمن آثار سياسة معز الدولة تجاه الأراضي أن " فسدت المشارب ، وبطلت المصالح ، وأتت الجوائح على التناء {الفلاحون} ورقت أحوالهم] في حين أرتفع دخل أفراد الجيش البويهي المسيطر ، [والخلاصة، فإن عصر العصر البويهي كان خالياً من الخدمات الاجتماعية باستثناء الفترة بين369 ـ 372] ، [وكان الفقراء يأكلون الجراد أيضاً، وخاصة في السنين العجاف]، [وكانت معيشة البدو صعبة] ، [ورأى بعض الوزراء في المصادرة مورداً أساسياً للخزينة وتصرفوا بموجب ذلك]،(8).
هكذا غدا هؤلاء الأمراء البويهيون الغزاة إقطاع عسكري ، ينتزع الفوائض عبر الجيش ، وهو ــ أي الإقطاع ــ لا يعرف كيفية توسيع الإنتاج وتحديثه، ولكن ما هي علاقة أخوان الصفا الذين ظهروا في هذه الفترة بالبويهيين وهل كانوا من تأثيراتهم؟
إن أخوان الصفا تجمع ثقافي سري ليس له صلة بالحكام ، وهو يتشكل من شرائح الفئات الوسطى المعارضة للاستغلال الإقطاعي السياسي والديني والعسكري ، وقد أمكن لهذه الجماعة أن تكتب وتدس كتبها في غيبة من أعين السلطات ، واستفادت من صراعاتها الفوقية وغياب ملاحقاتها ، ولهذا فإن كلمة [الصحوة] تبدو بلا معنى هنا ، ففعل أخوان الصفا فعل كفاحي استمر في فترات طويلة ولا علاقة مباشرة له بنظم الحكم الراهنة، فالمستوى الفكري ليس انعكاساً مباشراً للحظة السياسية، بل له صيرورته الخاصة ، فهو إجابة على الأسئلة التي طرحها الإسلام عبر حركاته المختلفة ، خاصة حركة الاعتزال ، وحركة أخوان الصفا مرتبطة بالتقاليد الكفاحية الفكرية للمناطق العراقية الجنوبية القديمة وهي محاولة لتجاوز عقلانية الاعتزال بصورة مختلفة . أما إلى أي مدى هي بورجوازية فإن ذلك لا بد أن يقوم على دراسة دقيقة في مدى تعبيرهم عن ذلك. وعادة كانت الشرائح الوسطى والصغيرة غير ذات استقلال عن الإقطاع الديني والسياسي ، ولهذا لا نستطيع أن نتحدث عن فكر بورجوازي مستقل وبشكل واسع لديهم.
لكن الدكتور محمود إسماعيل بعد هذه الملاحظات العامة يسوق الكثير من الأفكار المتغلغلة في تحليل فكر أخوان الصفا ، بصورة دقيقة متتبعاً تجليات وعيهم في مختلف الظاهرات السياسية والعلمية والفلسفية ، بحيث جاءت هذه الملاحظات بغنى مختلف عن التعميمات التي لم ترتبط بها.
⓸ ـ خاصية هذا الجزء وموقعه:
يتناول هذا الجزء الجذور الاجتماعية البعيدة والقريبة لتشكل الفلسفة العربية ـ الإسلامية. فالجذور البعيدة تعني الأسس التي أقيمت عليها الأديان في منطقة المشرق العربي، فهذه المنطقة التي عرفت الحضارة مبكراً، كانت لها أسسها الخاصة في تكوين الوجود الاجتماعي والفكري، نظراً لقيامها على دول استبدادية شاملة بسبب عمليات الري الحكومية المبكرة ، فظهرت فيها الآلهة الشاملة المسيطرة على الوجود كليا ً، وقد تنامت هذه السيطرة من الجزئي إلى الكلي، من الطبيعي حتى الروحي، وقد تمثل ذلك في وعي المشرق وأوربا بخلاف البشرية الأخرى ، أي غدا ذلك متجذراً في الوعي الأسطوري المشرقي القديم ثم في الديانات : اليهودية، والمسيحية ، والإسلام.
ولن يكون تناولنا لهذه الجذور البعيدة إلا لوضع بعض الأسس الموضوعية لظهور عمليات التدين، حيث ستقوم الأديان السماوية بوراثتها وتجاوزها . فهنا تقع التخوم بين العصر القديم والعصر الوسيط ، وتجري عمليات التوارث والتداخل والتجاوز ، ويقوم الوعي باستعادة الموروث القديم حسب المواقع الاجتماعية والجغرافية المختلفة ، أي حسب لحظات تطور الشعوب في كل بقعة ، وعمليات الصراع الداخلية التي تجري فيها.
فيحدث التأثر والتجاوز حسب مهمات التطور لكل شعب ، فالتراث السابق يقع في لحظات الغربلة المستمرة والتجميد المقصود واللامقصود ، ومن هنا سنأخذ التاريخ العربي باعتباره يتشكل في حضن القديم ويقوم بتجاوزه ، ويقوم هذا الجزء بتحليل كيفية تشكل ذلك ، فهنا توجد الجذور الاجتماعية والفكرية الأولى ، فهي المرحلة التأسيسية القاعدية للتطور التالي ، ولا بد من رؤية قوانين تشكلها ، حيث ستقوم بإعادة إنتاج نفسها في المناطق الأخرى ، ليس بشكل مجرد ولكن من خلال سيرورتها الاجتماعية المفروضة على تلك المناطق ، ثم عبر تفاعل تلك المناطق ومقاومتها وإعادة تشكيل نفسها.
ولهذا يتصف الوعي هنا بخضوعه لعمليات الصراع السياسية والاجتماعية المباشرة ، ويؤدي تكون الإسلام في الجزيرة العربية ومحاولة مدنها للتقدم ، إلى التصاق هذه المرحلة بالعمليات المختلفة القادمة ، فتغدو المرحلة بمثابة الجذور الفكرية ـ الاجتماعية الأساسية لهذا الوعي الديني ، وتغدو تطوراته التالية مرتبطة بإنتاج هذه المرحلة وإعادة النظر فيها ، أو على العكس بتجميدها في المناطق واللحظات التاريخية الأخرى ، تبعاً لكيفية القراءات ومواقعها. وهنا يقف هذا الجزء الأول فيما سيتابع الجزء التالي ، الثاني ، المرحلة التالية والتي نعرض الآن خطوطها العريضة.
فإذا كانت المرحلة الإسلامية والأموية قد حددت جسم الظاهرة وأبرزت مضامينه الاجتماعية الأساسية المتضادة ، حيث ستغدو المرحلة التالية هي بمثابة النمو الكمي في التطور الاجتماعي ـ الاقتصادي ، فلن يكون العصر التالي : العصر العباسي الأول ، سوى امتداد واسع وتثبيت له ، ولكن دوره ينتقل إلى المستوى الفكري ، فهو يتجاوز النمو الفكري السابق ويشكل ظاهرات فكرية عميقة واسعة ، تغدو تحولاً نوعياً في مسار الوعي ، ولكن هذا المسار النوعي للوعي يستند على التطور الاجتماعي السابق وعمليات الانتشار والتعميق له.
وفي هذه المرحلة تبدو عمليات التضاد بين المرحلتين ؛ المرحلة التأسيسية برؤاها البسيطة ، ذات النسيج الديني والسحري والأسطوري والواقعي ، وبين المرحلة الراهنة حينذاك ذات البنية الثـقافية المتطورة التي تقوم بتسجيل الإرث السابق وحفظه ، أو تقنينه وعقلنته ونقده ، لكن عملية الاستعادة والتجاوز المتصارعتين ، تعتمدان على مجمل الصراعات في البنية الواسعة التركيبية ، فالطبقة المسيطرة، بفرعيها السياسي والديني في العصر العباسي الأول تقوم بحفظ التراث السابق بشكل حرفي ، كجزء من الحفاظ على النظام السياسي / الاجتماعي الذي يضمن لها الحياة الرغدة ، ويمنع القوى الاجتماعية المستَّغلة من الانفصال ، ولهذا يغدو الإسلام الرسمي في هذه المرحلة عامل وحدة للأمم الإسلامية المتكونة تدريجياً ، فيشكل العمود الفقري لعالمها القادم .
وتتراوح عمليات الحفاظ على الموروث السابق بين الشكلانية شبه الكاملة وتوجهات التجديد التي لا تشكل إعادة نظر جذرية لأسباب تتعلق بمواقف هذه القوى السياسية والدينية الحاكمة ، وهي التي غدت الآن تكرس نظاماً شمولياً يستعيد النظم الاستبدادية القديمة في المنطقة .
ومن هنا تغدو عملية الحفظ [الشكلية] لمرحلة التأسيس الإسلامية مرفوضة من قبل الشعوب المستَّغلة من تلك الطبقة الحاكمة ، وهي تحاول الدخول إلى العمليات المضمونية العميقة للنصوص الإسلامية الأولى ، ونزع قشرتها الشكلانية التي فرضتها القوى المهيمنة على الدولة والمجتمع .
لكن عمليات التأصيل الجديدة حينذاك تقوم على استعادة الموروث القديم لمنطقة المشرق ، وليس على العمليات التحليلية الموضوعية للإرث القديم بشكليه الإسلامي أو الديني القديم ، فالتناقض بين المستوى الحضاري للمرحلة الرعوية الدينية والسياسية السابقة ، و المستوى الحضاري للمرحلة الزراعية الراهنة يتمظهر بشكل صراع مذهبي إسلامي ، أو بصراع ديني بين الإسلام وبين المانوية والمسيحية واليهودية.
فالرعاة العرب الذين فرضوا تراثهم على المنطقة الشمالية الزراعية ، واصلوا استعادة تاريخهم السابق في جميع أشكاله ، وتغدو النواة الصلبة لعملية هذه الاستعادة والتثبيت جزءً من رفض سيطرة البنية الزراعية الراهنة وقتذاك بظلالها الفكرية والسياسية.
والأمر ليس تناقضاً تقنياً بل هو أيضاً صراع مصالح بين الجمهور الذي استفاد من الفتوح والجمهور الذي واصل الإنتاج والعذاب . وحين تثبتت تلك المصالح في طبقة حاكمة بفرعيها السياسي والديني ، فأخذ الوعي القديم ما قبل الإسلامي باستعادة دوره الكفاحي ، في ظل معطيات جديدة ، حيث صار الدين الجديد مقبولاً ، خاصة لتأثيرات دعوته وممارسته الكفاحية الأولى .
ولكن هناك من ورثة هذا التاريخ الرعوي / التجاري من أقترب من فعل الإسلام الحضاري ، ومضمونه الثوري الأولي ، عبر التركيز على عناصر توحيدية وعقلانية دينية ماضوية وحديثة ، ولكن هذا يعتمد على إنتاج حرفي لم يتطور بشكل صناعي وعلمي شامل.
إن اتجاهات هذه المرحلة وتراكماتها المعرفية هي التي تضع الأسس لمرحلة التطور الفلسفية التالية ، التي هي تتويج للتطور الفكري في ظل الإسلام ، والمسيحية واليهودية ، والنزعات الدهرية المختلفة ، فهنا ستصل الصراعات الاجتماعية والسياسية الكامنة في ظل المرحلتين السابقتين إ
يعتبر محمد عبدالملك أول قصاص أستطاع ان يوظف القصة القصيرة في مصلحة التقدم الاجتماعي وهو أبن حقيقي للتحولات السياسية والفكرية في أعقاب انتفاضة آذار/ مارس 65.
في مجموعته الاولى «موت صاحب العربة» نصادف الفقراء والكادحين يعيشون واقعهم المر. في قصة «موت صاحب العربة» نطالع انساناً كادحاً ينتقل بين كوخه والسوق جاراً عربته امامه ثم يموت موته بسيطة هادئة وبشعة كحياته، دون ان يدري به احد. في قصة «سعد السكران» رجل فقير سكير يعربد في الحي. «خمارة الجرذان» مجموعة من العمال في حانة يهاجمون المقاولين «افواه جائعة» الجياع في الريف. «أحمد الناطور» قصة حارس المدرسة الذي يندمج في حركة الطلبة الوطنية ضد الاستعمار. «زمن» قصة البحار يقتل ابنه في مظاهرة فيزداد صلابه. «قوس قزح» المثقف الجامعي اليساري المتطرف، الذي يخون اهل حيه ويندفع في اتجاه المناصب والاغراءات.
المجموعة تشكل وثيقة تعكس الحياة السياسية والفكرية الحاصلة فالفقراء اصبحوا في مسرح الاحداث لا فقراء أحمد كمال البؤساء المعذبين الذين تهطل عليهم الكوارث، فيستسلمون للقدر الرهيب بل هم في كثير من الاحيان شخصيات من لحم ودم، يتحركون يميناً ويساراً، يعبون من الخمرة ويتألمون ثم نجدهم في قصص أخرى مندفعين مع حركة الاحداث المتدفقة.
ولكن رغم هذا التحول الكبير من اليأس والقضايا الجزئية الصغيرة المعزولة عن البناء الاجتماعي ككل، رغم هذا فان مجموعة محمد عبدالملك تقف في العديد من القصص عند بعض الظواهر الجزئية المأخوذ عرضها كإدانة للنظام الاجتماعي بأسره. وهي عندئذ وفي هذه القصص لا تتغلغل في الظواهر الاجتماعية تغلغلاً عميقاً.
ففي قصة «سعد السكران» يسلط القاص الاضواء على سعد الرجل السكير، فيصفه بوضوح تقريري تام، ويقدم وصفاً جاهزاً يدعو القارئ للكسل العقلي، وتلقى ما يحدث دون اعطائه فرصة ليحلل بنفسه ويدقق بوعيه.
في البدء يفتتح الكاتب القصة بما يشبه التقديم العام فيقول.
«وكان الصوت والاغنية يرويان مأساة جماعية ضاربة في قاع عميق متصل تتفرع منه مأساة كبيرة تنطبع صورها في الوجوه الصفراء الباهتة المتناثرة كأوراق خريفية ميتة فوق مقاعد خشبية من حوله..».
هذا التقديم يقدم صورة مسبقة للحدث، ان كان يوجد حدث، ويتدخل الكاتب بعد ذلك ليصف سعد ابن الحارة المتشرد، الذي ينتمي لجيل آخر غير جيل الشباب. وكيف ينكت ويكره رجال الدين؟
انه يقدمه بكل تفاصيله، بل كثيرا ما سبق التفاصيل وراح يقدم الظاهرة بنفسه، يقول عنه.
«أما رجال الدين فأنه لشديد السخرية بهم يطيل الحديث عنهم حتى يضج الجميع بالضحك فهو يتحدث عن الجنة بسخرية تامة».
ثم يقدم الحوار الفكة الذي نستطيع ان نعرف بواسطته كل الجملة المباشرة السابقة.
ومن هذا كله نرى شخصية وفكر القاص بوضوح، لقد التقط هذه الصورة بالذات ليقول لنا ما بدأ به القصة، فهي تمثل مأساة اجتماعية. مأساة ذلك النموذج المعذب، انسان الحضيض.
وتجري العديد من القصص هذا المجرى، وبعضها لا يدين هذه الواقع فحسب، بل ينطلق ليصور انتفاضة الشعب الوطنية.
ففي قصة «أحمد الناطور» نلتقي بالإنسان العادي ثانية. الناطور الذي يتغير مع مظاهرة.. الطلبة والعمال، والذي يشعر بعدالة الشعارات المطروحة، ولكن هذا الشعور غامض متناقض فهو يعكس وعي الانسان العادي بصدق. يقول.
«ينشدون المساواة أيضا.. هل يمكن أن نتساوى جميعاً فيجلس أحد الاغنياء عند البوابة ألم فضلنا الله بعضنا على بعض.. نعم.. تلك حكمة الهية.. ولكن الله طيب.. الله يحب الجميع».
ويتحول العجوز في خضم اللهيب الثوري ولكن هذا التحول ينقلب في النهاية الى واقعة ميلودرامية بينة، عندما يرفع الطلبة «العم أحمد» فوق الأكتاف ويهتفون من حوله العم أحمد الناطور..
هذا نوع من التجاوز لعقلية هذا الانسان البسيط واقحام لموقف وعقلية أخرى. وبالفعل فان القصة تبدأ لا من خلال وعي الناطور أحمد ونظرته بل ان القاص نفسه هو الذي يبدأ القصة بألفاظه ووعيه. فهو يدرك ان حدثا سوف يقع، لهذا تكون البداية موحية بما سوف يحدث لاحقاً. يقول.
«لم يكن ذلك الصباح كما تمر الايام كالعادة في المدينة فقد كان الفجر في صمته ينذر بشيء يشبه الانفجار حتى التمزق».
ومن هذه اللحظة يقوم برصد وتسجيل كافة الظواهر والذبذبات التي تقع. فالناس يريدون تحدي الظروف، السماء تنذرهم بما يجول هنا وهناك. كما ان العمال ــ أساس المشاكل ــ يضعون أيديهم في جيوبهم وكأن الامر لا يعنيهم .
ولا يترك الكاتب العم أحمد يفكر في حياته بطريقته الخاصة فهو عندما يحس بشيء «يضيق صدره كالكدر الاسود المر السقيم فيكاد يختنق من تحت ثيابه».
ويقوم المؤلف بتفسير سبب ذلك فيقول: فقد كانت حياته الطويلة خالية الخ.. ثم يقوم بالشرح والايضاح.
هكذا تتفاعل في القصة اللحظات الحية المتدفقة بلحظات تقريرية ومباشرة يقوم القاص بإعطاء تحليل جاهز وقطع تدفق وعي بطله لتفسير شعور ما طرأ في نفسه.
وهذه الطريقة في العمل الفني تجعل القاص خاضعاً للمادة التسجيلية، دون أن يقوم بتعميق هذه المادة وتبيان جذورها، فهو يخضع لقطاع صغير ولا يحاول أن يربطه ربطاً فنياً رائعاً بالواقع ككل، ويكتفي بربطه من خلال وعيه وتدخلاته هو. فالثورة المتفجرة في القصة ذات أبعاد اجتماعية خطيرة، وقد وضعت علامات استفهام كبيرة حول الوجود البريطاني في البحرين. ولكن القاص أكتفى بالناطور وقضاياه دون أن يربطها فنياً حياً بالصراعات الاجتماعية العميقة الدائرة.
وهذا التحليل نتاج للأسلوب التسجيلي الذي يرصد كل صغيرة وكبيرة دون ان يخفف من هذا الحمل الثقيل ويقدم رؤية عميقة للقارئ.
ولكن في قصة «قوس قزح» يزداد التكنيك ارتفاعاً ونضجاً واقترب القاص ممن سيطرته على الواقع الاجتماعي ككل.
أن بطل القصة يعاني ازمة حادة. وهذه الازمة تبدأ عند قوله.
«قدم في الأرض.. وأخرى في السماء.. الابحار في قاربين؟ الرجل اليمني في قارب واليسرى في قارب؟».
البطل شعر في أعماقه بأنه موزع بين اليمين واليسار، بين المنصب والتضحية، بين الخيانة والثورة.
ولو كان الامر بالطريقة القديمة لقام المؤلف بإعطاء سرد تفصيلي بالوقائع المحددة عن أزمة بطله، لكنه الآن يستخدم التداعي الذهني والومضات الخاطفة المنطلقة هنا وهناك للكشف عن الأزمة.
يقف أمام صورة معتمة تمثل ماضية، تمثل اطفال الحارة الحفاة وما تلبث الصورة القابعة في زوايا الذاكرة ان تنطلق لتكشف الجذر الاول للأزمة. فهو من حي شعبي فقير في حارة بائسة، تذكرنا بحي سعد السكران والآخرين، وهؤلاء الفقراء هم أصدقاؤه ومودعوه عندما اراد السفر للجامعة.
وفي ومضة أخرى نلمحه في الجامعة، وقد تعلم بعض المصطلحات وغدا مهرجاً صغيراً يعتبر «ربطة العنق عادة برجوازية؟» يقول «كنت اليسار المتطرف بكل عنفه الصبياني».
وحينما يعود الى بلاده يدع كل تلك الشعارات المحفوظة المعلبة ويتهالك على المنصب الذي يصل اليه.
البطل ترك آراءه السابقة وخمدت روحه المدعية. لقد تبدل الآن. ومع هذا فان فترة معايشته للجماهير عندما كان في حيه الفقير تترك بصماتها على وعيه ونفسه. فهو لم يزل يحن للعودة الى الزقاق ويحب الصقور التي تحمل الوعي وتتحمل الشهادة.
وتتحول الاقصوصة الى اندفاع سريع، لا اهتمام بالمظاهر السطحية التي لا تكشف القضية الجوهرية، بل محاولة لاستخدام الجزئيات وتوظيفها لكشف الاساسي والجوهري.
كذلك الاهتمام القديم بملامح الوجه والطول والعرض، يحل محلها اهتمام بوظيفة الملامح والطول والعرض في بناية القصة.
ومن ناحية الزمن يذوب الزمن العادي، ويتفاعل الماضي والحاضر والمستقبل في وعي البطل. ويبدو الزمن حركة وصيرورة، لا تختفي.. معالم أزمة البطل وتضيع بل لتتضح وتتموضع فما العودة الى الماضي الا وضع علامة استفهام دامية وأخرى على وضع البطل الراهن.
يكشف الحوار أيضاً أعماق الشخصية، فهو يتكلم مع زوجته عن فيروز التي تعني بالنسبة له تذكر الانتماء القديم.
ويعمق التداعي الذهني الحوار. يقول بعد الحوار السابق مباشرة. خطوات الرفاق.. وأنفاسهم في الغرف المغلقة.. آه.. أين هم؟؟
وهكذا نرى القصة أكثر تطورا من القصص السابقة. ولكن التطور لا يحدث الا بمراحل انتقالية ولذا فالقصة لا تخلو من حشو وزوائد.
والابطال سابقاً نماذج وانماط لا تتغير في حركة القصة وحتى عندما يتغير البطل ويحاول ان يضع بصماته على الحدث، يحدث ذلك بصورة مفتعلة «أحمد الناطور» أما هذه القصة فقد حاولت أن تكون رؤية عميقة نفاذة الى الواقع ودعوة لتغييره.
أن رؤية محمد عبدالملك في هذه القصة رؤية ثورية، حيث تنقد بشكل ساخر وحي ومثير طريقة البرجوازية الصغيرة في العمل السياسي، هذه الطريقة التي تتردد وتتذبذب بين المعسكرات المختلفة، فتارة ألفاظ رهيبة مدوية تريد فصم ظهر العالم بها، وتارة أخرى جري وراء المناصب والقاء السلاح.
وتطل رؤية الطبقة العاملة كبديل لهذا الجبن كله، فهذا البرجوازي الصغير ذاته يعرف ماذا يفعل «الرفاق في الغرف المغلقة» وهم الذين يتحملون عبء الشهادة حاملين بذور العالم الجديد.
أن الدعوة الاصلاحية، وبقاء المجتمع الحالي، مرفوضة في المجموعة، فالطبقات الشعبية هي البديل، بنضالها المتعدد الاشكال لتغيير العالم القديم تغييراً جذرياً.
تجارب ونماذج روائية وقصصية من الخليج والجزيرة العربية،
❁ توطئة.
❁ مسارات روائية.
❁ المعمار الروائي في الخليج والجزيرة العربية بين الذوبان والتشكل.
◇ بين القص والرواية: « هيفاء تعترف لكم » لـ خولة القزويني.
◇ بين القص والرواية: «عالم الحرير» لــ رجاء عالم.
◇ بين القص والرواية: «النواخذة» لـ فوزية شويش السالم.
◇ بين القص والرواية: «العصفورية» لـ غازي القصيبي.
◇ بين القص والرواية: «جروح الذاكرة» لـ تركي الحمد.
◇ ثانياً، الرواية تتكون: «الكائن الظل» لــ إسماعيل فهد إسماعيل.
◇ الرواية تتكون: «ليلة الحب» لـ محمد عبدالملك.
◇ الرواية تتكون: «حارس الأوهام الرمادية» لــ جمال الخياط.
◇ الرواية تتكون: «الطين» لـ عبده خال.
◇ الرواية تتكون: «البرزخ» لـ فريد رمضان.
◇ رواية تتكون: «القلق السري» لـ فوزية رشيد.
◇ رواية تتكون: «فخاخ الرائحة» لـ يوسف المحيميد.
◇ رواية تتكون: «كف مريم» لـ عبدالقادر عقيل.
◇ خاتمة : مشهد عام.
❁ رواية الشباب في الخليج والجزيرة العربية.
◇ «منامات» لـ جوخة الحارثي.
◇ «الحزام» لأحمد أبي دهمان.
◇ «صوفيا» لـ محمد حسن علوان.
◇ «الجسد الراحل» لأسماء الزرعوني.
◇ «أو.. على مرمى صحراء.. في الخلف» لـ عواض شاهر العصيمي.
◇ «بحريات» أميمة الخميس.
◇ «جاهلية» ليلى الجهني.
◇ «طنين» سيف الإسلام بن سعود.
◇ «تَرمي بشررٍ» عبده خال.
◇ «ريح الجنة» لـ تركي الحمد.
◇ «بنات الرياض» ليست رواية فضائح.
◇ «زرياب» لـ مقبول العلوي.
◇ خاتمة.
❁ من التجربة الروائية في دولة الإمارات العربية.
◇ «شاهندة» لـ راشد عبدالله.
◇ «ساحل الأبطال» لـ علي راشد محمد.
◇ «أحداث مدينة على الشاطئ» لـ محمد حسن الحربي.
◇ «الاعتراف» لـ علي أبوالريش.
◇ استنتاجات.
❁ السرد الروائي في تجربة جمال الخياط.
◇ توطئة.
◇ القصة العائلية الموسعة.
◇ استمرارية القص الطويل.
◇ التحول إلى الرواية.
◇ بذرةُ ملحمةٍ وطنية.
❁ الشكلُ الروائيُّ المفتوح وتجربة غازي القصيبي.
◇ بداية غازي القصيبي.
◇ التجربة الروائية.
◇ «أبوشلاخ البرمائي».
◇ رواية «سبعة».
◇ رواية «الجنية».
❁ الثورة الوطنية في الرواية العربية في الخليج.
◇ توطئة.
◇ تجربة عبدالرحمن منيف نموذجاً.
◇ «أرضُ السواد» إشكالية التأليف.
◇ «أرضُ السواد» وأساسيات «مدن الملح».
◇ «أرض السواد» بنية عامة.
◇ «أرض السواد» تكاثر الشخصيات.
◇ «أرض السواد» التقنيات الروائية.
◇ وعموماً لا توجد تقينات جديدة ملفتة في الرواية.
◇ «أرض السواد» الدلالات السياسية.
❁ تجارب قصصية من الخليج والجزيرة العربية.
❁ تحولات القصة القصيرة البحرينية.
◇ القصة القصيرة عبر موجة السبعينيات.
◇ كتابة الشباب القصصية.
◇ حسن بوحسن.
◇ جعفر أيمن يوسف.
◇ معصومة المطاوعة.
◇ سعاد آل خليفة.
◇ أحمد المؤذن.
❁ نماذج من القصةِ القصيرةِ بالمملكة العربية السعودية.
◇ لمحاتٌ من أعمالِ رواد.
◇ فهد العتيق.
◇ إبراهيم النملة.
◇ جارالله الحميد.
◇ عبدالعزيز مشري.
◇ محمد المنصور الشقحاء.
◇ أميمة بنت منور البدري.
◇ شريفة الشملان.
◇ الخاتمة.
❁ تجربة قصصية من الإمارات .
◇ سلمى مطر سيف .
❁ ملحـــــــق:
◇ تطور القصة القصيرة وعلاقته بالتطور الاجتماعي في البحرين.
◇ المرأة في القصة البحرينية.
الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الاسلامية
الجزء الرابع
تطور الفكر العربي الحديث
توطئة :
حول كتاب (الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية..)
لماذا هذا الكتاب ؟
كان البحث في تاريخ التطور الفكري والاجتماعي العربي يراودني منذ فترةٍ مبكرة ، حيث نشأنا على خلاءٍ من البحث في الجذور الكبرى للتاريخ سواءً في المنطقة الجزيرية الخليجية أم في العالم العربي – الإسلامي عموماً ، فكانت قراءتنا المبكرة للمصادر الماركسية توجهنا للسؤال عن موقع بلداننا من هذه الكتابات ، وكانت الإشارات في المصادر هذه تجلعنا نحاول الحفر فيها علنا نلقى إجابات حول تشكل الإسلام وظهور الأمة العربية والأمم الإسلامية الأخرى لكن بدون الحصول على تلك الإجابات .
مثل كلام أنجلز في رسائله إلى كارل ماركس كان ينبه لعوامل استثنائية في ظهور الإسلام كمسألة دور الري في تشكل الإمبراطوريات في الشرق واختلاف ذلك عن التطور في الغرب .
كما لاحظنا بعد ذلك توجه بعض الباحثين العرب إلى الحفر في هذا التاريخ السياسي والاجتماعي ، وفي سنوات الدراسة والتحاقي بمعهد المعلمين والتخصص في اللغة العربية والدين ، صار من متابعاتي المستمرة قراءة الأبحاث العربية حول تاريخ الإسلام ، خاصة لدى أحمد أمين في موسوعته حول التاريخ الإسلامي وطه حسين في كتابه (الفتنة الكبرى) وغيرهما .
وفي تلك الفترة قبل اعتقال سنة 1975 كانت مجلة الطريق تنشر دراسات مجزأة للأستاذ حسين مروة ، قرأت منها دراسته حول المعتزلة ، وفي سنوات السجن عزت المصادرُ ، لكن في السنة الأخيرة 79 – 80 ، لاعتقال مجموعة حل البرلمان ، سُمح لنا بالكتب فكان كتاب جواد علي (المفصل في تاريخ الإسلام ) من عشرة أجزاء ، و كتاب (النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية) الذي أنجزه مروة خلال تلك السنوات ، من أثمن الكتب التي وصلتنا بتوصية مخصوصة . وغيرها من الكتب التي تتناول التراث والأدب بصفة خاصة .
لكن ظلت مثل هذه القراءة غير وافية ، كما أنها لا تجثم في بؤرةِ الاهتمام بالنسبة لي ، كما أن أسئلةَ الواقع والعصر لم تطرحْ نفسها بحدةٍ علينا ، فلم يزل المعسكر (الاشتراكي) موجوداً ، وكان تصورنا حول (الماركسية – اللينينية) لم يزل مدرسياً شعارياً ، استيرادياً ، وحين حدثت التغيراتُ الكبرى فيما بعد أصبحت هذه المسائل تنتقل إلى بؤرة الوعي .
وخارج السجن الذي انتقلنا إليه كانت المصادر أكثر ، فتتابعت عمليةُ البحث في الجذور ، وقد بدأتُ ذلك بشكل قصصي ، بمحاولة كتابة رواية عن العهد الراشدي والفتوحات ، وذلك قبل عشر سنوات من الآن ، فرحتُ أستجمع أفكاري عن المرحلة الإسلامية ، لكن الرواية كانت تحتاج إلى معلومات ملموسة وليس فقط أبحاثاً عامة ، فقلتُ يجب أن أكتب تصوراتي عن ظهور الإسلام وأوضاعِ العرب وكيفيةِ نشوء الفتوح ، فرحت أكتبُ مقالات عن ذلك في جريدة أخبار الخليج ، في الملحق الثقافي وكانت أول مقالة بعنوان (قريش تؤسس وحدة العرب) ، وهكذا كان في كل أسبوع أنشر مقالةً تواصل الحلقة السابقة ، وراح الهدف يتغير من كتابة رواية إلى كتابة تاريخ تطور الوعي العربي دينياً وفلسفياً ، وكذلك فإن بحث الدين كان يقودُ إلى بحثِ كيفية نشوء الفرق ، وأسباب ذلك ، والفرق السياسية تقود إلى تشكل الفرق الفكرية ، فيتشعب البحث وينمو .
لكن هذه الكتابة الأولية الُمبسطة ، كانت تتعرض باستمرار للتبدل والتوجه إلى جذور الموضوعات ، حيث أن عرض الأحداث لا يكفي فلا بد من معرفة أسبابها الكامنة العميقة ، وهذا يقودُ إلى دراسة البُنى الاجتماعية ، وما يسمى ماركسياً بالتشكيلات التاريخية .
لماذا الاتجاهات ولماذا النزعات
قام كتاب المفكر التقدمي حسين مروة في كتابه (النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية) على البحث عن البذور المادية في الفلسفة العربية الدينية عموماً . والبحثُ عن البذور (المادية) يعني فكرياً البحث عن العناصر الموضوعية والعلمية في الوعي السائد ، والتي غالباً ما ينتجها مفكرون يعبرون عن القوى الشعبية ، فهم يكشفون داخل الفلسفة عناصر مضادة للتفكير المثالي الذي يجعل جذور الوعي موجودة في الغيب ، أو في المطلق .
لكن مثل هذه العناصر تغدو استثنائية لأن الفلسفات العربية – الإسلامية كانت فلسفات دينية عموماً ، والوعي الديني لا يسمح باتساع الفكر المادي داخله ، فهو يفسر ظهور الدين مثلاً بعوامل غير اجتماعية وغير واقعية .
لهذا فإن البحثَ في وجود الوعي المادي داخل فلسفات دينية عموماً يؤدي إلى عدم كشف الطابع المثالي السائد في هذه الفلسفات ، ومن هنا أردت استكمال مشروع حسين مروة وغيره من الباحثين التقدميين في جوانب أخرى ، هي جوانب الفكر المثالي المسيطر ، ولماذا هو مسيطر .
إن الاهتمام بالفكر المادي في العصر الإسلامي التأسيسي يوجه البحث إلى تضخيم العناصر المادية والثورية ، وهذا التضخيم ينعكس على الحركات السياسية الاجتماعية في ذلك الوقت ، وبالتالي يجري إعطائها صفات ليست فيها ، والمبالغة في اقترابها من الفكر المادي الجدلي الحديث .
فمثلاً يجري تصوير المعتزلة بأنهم قريبون من الفكر العقلاني وأن لديهم عناصر فكرية مادية كبيرة ، وأن بعض الفلاسفة كانوا مضادين للدين بشكل متوارٍ ، وهذه العملية تقود إلى تفسير أي توجه فكري مثالي لديهم بأنه قناع وأن الفيلسوف بسبب الاضطهاد والقمع يحمل فكراً مادياً متوارياً .
هذه المبالغات في رأيي هي بسبب العقلية السياسية السائدة في سنوات الستينيات والسبعينيات حيث الاعتقاد بالانتصار الوشيك للاشتراكية على الرأسمالية وأن التراث الإسلامي يحملُ الكثيرَ من الاقتراب من هذا الفكر المادي وأن الحركات السياسية في الماضي هي حركات قريبة للحركات التقدمية العربية المعاصرة .
ومع تصدع هذه الأفكار ، وظهور الواقع أكثر ارتباطاً بالدين وفي اتجاهاته المحافظة ، وابتعاد النموذج الاشتراكي ، أخذت نظرتنا للواقع وللتراث في التغير .
ومن هنا كان العنوان (الاتجاهات المثالية) أي هو البحث في السائد ، فما هي الجوانب المثالية المسيطرة في الفلسفة العربية ، ولماذا هيمنت هذه العناصر على الوعي ؟
والبحث في سيطرة (المثالية) يقود إلى بحث تشكل الأديان في المنطقة وعلى أية أرضية تشكلت هذه الأديان ، حيث قامت أنظمةُ العبودية العامة في الحضارات القديمة في الشمال الزراعي العربي خاصة وهي : الرافدية والمصرية والكنعانية وغيرها ، بخلقِ هيمنة الفكر الديني الواحد ، المتداخل مع هيمنة الدولة ، والتي يجري تغييرها عبر فكر ديني مضاد ، والذي يصبحُ منتجاً لدولة مستبدة بعد حين ، وهكذا دواليك .
أي كان لا بد من أخذِ العناصر الإنتاجية والجغرافية والتاريخية المتداخلة المركبة التي شكلت الإسلام ، وفكره في سيرورة صراعية خاصة به .
ولهذا توجهتُ للبحثِ عن الجذور السياسية والدينية عند القدماء ، ورحتُ أبحث العناصر المشتركة في مثل هذه الثقافة ، حتى ظهور الإسلام ، وما هي العناصر الخاصة التي أحدثها .
في الأديان ثمة عناصر تمثل القوى المسيطرة وعناصر تمثل القوى المعارضة ، لكنها كلها تتشكل في مناخ مثالي ، أي يعيد سببيات التطور إلى عناصر غيبية في نهاية المطاف ، وإعادة هذه العناصر للغيب ، تعني إعادتها للقوى العليا المسيطرة ، وهذا ما فعلته كذلك الفلسفات العربية الإسلامية ، حيث قامت على الدين ، ولكنها بدلاً من تفسير الكون والحياة بعناصر غيبيةٍ دينية كفكرةِ الإله فإنها تفسرُ الكونَ إضافةً لذلك بفكرة العقول الكونية التي تخلق الطبيعة ، وبشكل متدرج ، لكنها تقوم بإعطاء هذه الطبيعة المادية سببياتها بعد أن تكون نتاج صورة الإله التي تتصورها .
ولهذا فإن الحركات الفكرية الإسلامية توجهت للبحث عن عناصر معينة لفهم الواقع والطبيعة مركزةً على فكرة الإله ومنتجة صوراً كثيرة حول ذلك ، ومقيمة كل فلسفاتها على صور الإله التي تنتجها .
الجزآن الصادران
هذه فكرةٌ مبسطة جداً حول نشأة الدين والفلسفة في الواقع العربي ، والجزآن الصادران بين أيديكم في مجلد واحد ، يبحثان الخطوط الاجتماعية والفكرية الممهدة لظهور الفكر الفلسفي ، منذ نشأة الحضارات القديمة بجوهرها السياسي – الاجتماعي ، حتى الخصوصيات في التكون العربي الإسلامي ، وظهور الإسلام والصراعات الاجتماعية التي عاشها ، كتعبير عن حركة تجار متوسطين متحالفين مع العبيد والفقراء ، مما مثل ثورة مدنية بأدوات الوعي الديني ، ولكن هذه الثورة سيطر عليها الأشرافُ وحولوها إلى دولةٍ يتحكمون في ثرواتها ، وقد ظهرت فئاتٌ وسطى مدنية حاولت أن تقوم بعمليات تحولية عبر المذاهب الفكرية والسياسية كالقدرية والمعتزلة والمرجئة والزيدية والمذاهب الفقهية السنية والإثناعشرية والإسماعيلية الخ ..
ولهذا تجدون فصول الجزء الأول تدور في : تطور الوعي الديني في المشرق القديم – قريش تؤسس وحدة العرب – الثورة المحمدية – عهد الخلفاء الراشدين – الملك والإمام – القصة في القرآن – الفرق المعارضة الكبرى الخ كما يبحث هذا الجزء آثار الفتوح وتمازج العرب بالأمم الأخرى ، وتداخل الأديان ، ثم دراسة طبيعة التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية ، وهذه قضية محورية لفهم مقولة النظام الإقطاعي وتطوراته .
فمن المهم دراسة البنية الاجتماعية بمستوياتها كما تشكلت في مناخ الجزيرة العربية البدوية ، وكذلك انتقال هذا الموروث إلى البلدان المفتوحة وقراءة التمازج الذي حدث بين الفكر الإسلامي الطالع من الجزيرة والفكر الديني القديم الراسخ في الشمال ، لأن هذا سيضع بصرنا على الأرضية الموضوعية لتشكل الوعي بمختلف تجلياته .
في حين يبحث الجزء الثاني ما بعد تشكل النظام الإقطاعي الديني ، عبر فصول مثل : الثورة العباسية ، التطور الاقتصادي للعصر العباسي الأول ، طبيعة تكون الإمبراطورية العربية ، صعود الثقافة العربية الإسلامية ، نماذج من مثقفي العصر البارزين كابن المقفع والجاحظ . ثم كيفية ظهور الفلسفة العربية الإسلامية وأول نموذج لها وهو الكندي .
إن الغرض من هذا المسح الشامل هو الوصول إلى طبيعة النظام الاجتماعي الذي أقامه المسلمون وكيفية تشكل الصراعات الاجتماعية والفكرية ، والإمكانيات الموضوعية التي يخلقها لظهور الفلسفة .
فقد حدث خلافٌ فكري كبير حول طبيعة التشكيلة التي أقامها العرب المسلمون و هل هي عبودية أم إقطاعية أم آسيوية ، وقد كانت الفصول السابقة هي تحديد وذلك ، وهذا ما جعلني اكتشف جوانبَ جديدةً حول علاقات الدين والفلسفة ، فأركز على طبيعة النظام الإقطاعي المذهبي ، المستمر حتى الوقت الراهن ، وكيف يُلحق الفئات الوسطى بسيطرته ويمنعها من تشكيل نظام رأسمالي حر .
ولأن المثقفين – المنتجين للوعي الفقهي والثقافي والفكري والفلسفي – هم نتاج هذه الفئات ، فقد كانوا نتاج التمرد على هذا النظام وعلى محاولة تغييره أو الالتحاق بسيطرته.
ومن هنا فالمعتزلة الذين كانوا متمردين على ظهور ونشأة هذا النظام في العصر الأموي حاولوا تشكيل عناصر عقلية دينية مثالية في زمن آخر ، ولكن لأن جزءً هاماً منهم التحق بسيطرة الطبقة الإقطاعية الحاكمة ، فإن العناصر التمردية والعقلية تآكلت ولم تستطع المعتزلة فتح طريق عقلاني واسع للوعي العربي الديمقراطي .
ولهذا أقوم بتقسيم تطور الوعي الاعتزالي عبر مراحل نمو البنية الاجتماعية ، ففي المرحلة مع واصل بن عطاء كان الفكر المعتزلي بشكل ثم تبدل في مرحلة أثناء النظام والجاحظ وغيرهما من قادة الاعتزال ، ثم جاءت مرحلة ثالثة مع فشل المعتزلة من الخروج من هيمنة صورة الإله المباشرة والشاملة على الطبيعة والمجتمع رغم طرحهم بعض السببيات في تفسير الظواهر، وهذا الفشل صعّد جماعةً مضادة هي الأشعرية عكست رؤى الطبقة المسيطرة في مرحلة مختلفة هي مرحلة سيطرة الإقطاع وإضعاف الفئات الوسطى بشكل كبير .
وقد الفلاسفة بمحاولة استكمال مشروع المعتزلة على صعيد أكثر تطوراً وأحفل بالتناقضات الفكرية كذلك ، فهم لم يعتمدوا على عناصر فقهية ودينية بالدرجة الأولى بل على عناصر فلسفية ، أي بالاعتماد على المقولات الأرسطية . لكن فلسفة الفارابي كمثال تقول في خاتمة المطاف إن على الوعي أن يتوجه للاتحاد بالذات الإلهية كأرقى شكل من التجلي الفكري وأن ينسحب من المجتمع المادي ( الوضيع ). وعملية الزهد ثم التصوف ثم فلسفة التصوف ستلعب كلها دوراً من الهدم للنظام دون أن تستطيع تغييره إلى الأمام ، وهذا سوف يقوي التيارات الفقهية الدينية وسيطرتها على الجمهور بدلاً من الفلسفة .
أي أن الطبقات الإقطاعية الحاكمة باستيلائها على موارد الدولة تقوم بإهدارها على بذخها ومتعها غير سامحة للفائض الاقتصادي بتشكل ثورة صناعية ، ولم يستطع المفكرون والفلاسفة اكتشاف ذلك ، وتشكيل فاعلية اجتماعية لقطع الطريق على هذا الخراب .
في حين قامت الحركات الاجتماعية والمذهبية بتكرار ممارسات الطبقة الإقطاعية في المركز في مناطق قوميات وشعوب أخرى.
الجزآن التاليان
ويبحث الجزآن الثالث والرابع هذا النمو التاريخي حتى العصر الحديث ، فالجزءُ الثالث يتناول مسألة نمو العلوم وعلاقاتها بالإنتاج وتطورات الفرق الفكرية خاصة الاعتزال وظهور الأشعرية وتطورات الإسماعيلية والإثناء عشرية ، وأفكار الفلاسفة وهم الفارابي وابن سينا والغزالي وابن طفيل وابن رشد وابن باجة وابن تيمية وصدر الدين الشيرازي ، ثم كتابة خاتمة تدرس المبنى الديني – الفلسفي العربي الإسلامي عامة من داخل تفاصيله وهيكله .
ثم يتناول الجزء الرابع والأخير ظهور الوعي العربي الحديث بدءً من انهيار الإمبراطورية العثمانية مروراً بتشكل فكر النهضة الديني عند الأفغاني ومحمد عبده وظهور الفكر النهضوي العلماني عند فرح انطون وسلامة موسى وطه حسين وغيرهم ، وكذلك العمليات الأولى لظهور الفلسفة ، ثم ظهور الفلسفة العربية الحديثة عند يوسف كرم ، وزكي نجيب محمود وزكريا إبراهيم ونصيف نصار وغيرهم من الباحثين المعاصرين وكذلك طبيعة الفرق الفكرية – السياسية المعاصرة كالقوميين والماركسيين والدينيين لدى أبرز من يمثلونهم فكرياً .
وهذا كله يجري في قراءة البني الاجتماعية القديمة – الحديثة ، وهل استطاع وعي الشرائح الوسطى فهم طبيعة النظام الاجتماعي العام الديني السياسي أي طبيعة (النظام الإقطاعي المذهبي) ، وأسباب اخفقاتها في ذلك ، وماذا يمكن أن يحدث مستقبلاً وكيفية إدارة الصراع السياسي والاجتماعي على ضوء السابق .
فليست غاية الدراسة هي نظرية فقط ولكن المساهمة في اكتشاف الواقع العربي الراهن ، وكيفية تكوين تحالف عربي ديمقراطي في كل بلد يتوجه لتغيير الهيكل الاجتماعي التقليدي ، بالتعاون بين الفئات الوسطى والشعبية ، بين عناصر النضال الديمقراطية القديمة والجديدة ، لتفكيك الدولة المذهبية الشمولية ، وقراءة الموروث.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي من البحرين
الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث، وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة.
صدر عن منشورات ضفاف ببيروت، ودار الامان الرباط ، ودار الكلمة تونس ، ومنشورات الاختلاف الجزائر 2015.
في 450 صفحة من القطع الكبير.
إنها غوصٌ حميمٌ غنائي سردي في شخصيةِ النبي محمد، نبي الإسلام، حيث تتجسدُ البطولةُ في المفرداتِ الإنسانيةِ الطفوليةِ الأولى، وتنمو بشكلٍ درامي صدامي مع الواقعِ والآخرين، في نأيهِ عن عبادةِ الأحجار والتحامه بالمغمورين من البشر، وببذور المعرفة والنضال، وفي تساؤلاتهِ وبحثهِ عن طريقٍ متحضرٍ لجماعةٍ غارقةٍ في التخلفِ والتمزق.
هي لحظاتهُ الدراميةُ المتفجرةُ وثورته.
هي روايةُ محمد الإنسان، في حبهِ لخديجة، ونمو علاقتِهما وسط الوثنيين، المعادين، وفي عملِهما المشتركِ المضني المتصاعد.
ويتجسدُ من جهةٍ مضادةٍ الوثني الأناني الإستغلالي المتخلف، الذي يريدُ كرسياً وملكاً فوقَ رقابِ البشر، ويستعينُ بكلِ شيءٍ لوقفِ التقدمِ والحرية ودولة الجمهور.
محمد ثائراً
تعتدلُ الأسواقُ حين يمر.
يتطلعُ الباعةُ إلى موازينهم جيداً. تعتدلُ الأسعارُ ويتجرأ الفقراءُ، ويحترمُ الرجالُ نساءهم، ويختبئ اللصوصُ والدجالون في أوكارهم، وتزهرُ غيومُ العصافير على الشجر، وتتدفق كتبُ الأمصار بأخطاء الولاة، فيندفع رجالٌ على خيولهم أو أبلهم لا توقفهم الصحارى والسيول والذئاب والصعاليك والأمراء، يقتحمون أبوابَ الإمارات العالية، وينزعون سياطَ الحراس ويحررون الخدمَ من الأحباس، ويسحبون الولاة للمحاكم والأسواق، ويعرضونهم لصفعات الناس ، وكلماتهم القاسية..
يقحمون رؤوسَهم في خزائنهم، يدققون في الأرقام والمعادن النفسية، والرخيصة، يأخذون الكثيرَ وينثرونه على المساكين، ويتطلع أؤلئكَ الفقراءُ في أزقتهم المعتمة لهؤلاء البدو الغرباء ذوي الثياب الرثة، يحولون النقدَ الثمين مثل مطر مضيء رخيص ينهمرُ على العشش.
يرون أبوابَ الولاة الثمينة تـُهدمُ وتنفتحُ دارُ الإمارة للمتسولين والنساء والمجلودين في الحقول والمسروقين في أهراء القمح، وتتكاثر الحشودُ على الولاة.
حين يظهر عمرُ بدرتهِ في الطرقاتِ والأسواق والحارات، يختفي المتسولون وباعةُ الغش، وتمشي النساء باحترام، وترتاح حيواناتُ الحمل من صناديق ثقيلة وأحمال متعبة، ويوقف المتحدثون خطبهم الطويلة عن الفضيلة، ويتجه الرجالُ للحقول ويتركون مجالس الثرثرة.
ويبعث الحطابون والمزارعون والنساء والعراةُ من وراء الصحارى بخطاباتهم لأمير المؤمنين ينتقدونه على عدم عنايته بهم، ويتطلع بعضُ الصحابة في الرسائل بغضب، في حين يدقق فيها عمر، ويسألُ، ويكتبُ، ويرسل رجالاً مصنوعين من عظام الفضيلة والجرأة السميكة، يقتحمون مخادعَ الولاة النائمين ويجرجرونهم عن المحظيات، ويعرضونهم لسياط العامة، ويستبدلونهم برجالٍ آخرين من التراب، ويحملون خزائنهم ويلقونها في بيت المال، حيث حشدٌ من العبيد والخدم السابقين، حراساً غلاظاً على كل درهم.
عمر بن الخطاب شهيداً
من رأى عهداً للحب والحنو والمساعدة مثل عهدي؟ اسألوا الأباطرة الذين رحلوا ووسعوا المقابر، اسألوا الغاضبين الذين قُتلوا! انظروا العاصمة التي تخلو من الحرس والشرطة والمشعوذين والمخبرين والشحاذين! ولكن بعض النفوس الصغيرة لا تحبني، يريد لكل هؤلاء الفقراء أن يزهدوا في الدنيا بل لا بد أن يفرحوا ويأكلوا في الموائد العامرة، وينتشوا بالحياة!
عثمان بن عفان شهيداً
تنامُ العيونُ وتهجعُ الأجسادُ، وهو لا ينامُ ولا يستريحُ، في الأزقةِ المتربةِ، في خيامِ القادمين من الأمصار، في الأسواقِ الناعسةِ والضاجةِ بالصراخ، يرونه..
اسمهُ مثل عاصفةٍ على الأشرار، يسترخي الفلاحون تحت الأشجار، وترتاح حيواناتُ الجر، وتتوقف الفوائدُ المجحفة، وتقلُ الأرباحُ النهمةُ، وتسالمُ جيوشُ الفتوحِ السكانَ والزرعَ، وتغمغمُ القصورُ والبيوتُ الكبيرة بالشكوى.
يوجهُ الرسلَ والأمراءَ والدعاة:
- اذهبْ لمصر واعدْ السلام وأخمدْ الفتنة.
- أذهبْ إلى اليمن وأحمِ الرعاة.
- أذهبْ إلى الكوفةَ وأسألْ الناسَ عن واليهم.
- أمضِ إلى البحرين ووزعْ الفيءَ على الفقراء.
يتأملُ الليلَ والنهارَ، ويغسلُ بيتَ المال من أثر الذهب والفضة، ويجلسُ ليأكلَ وجبتَهُ الشحيحة.
يتساءلُ: هل سيتركونني أعملُ ونقفز على مستنقعات الدم؟
هل سوف ينسى كبارُ رجالات قريش الماضي والكراسي؟!
علي بن أبي طالب شهيداً
تتوجه هذه الرواية بأسلوبٍ عصري مختلف لحدثٍ تاريخي شهير.
إن مأساة الحسين تتحول هنا إلى حراك شعبي واسع مع غياب جسد الحسين نفسه.
فالرأس التي تُحملُ على أسنة الرماح نحو مقر الخلافة حيث زعامة القهر تحرك الجمهور ليقرأ واقعه الذليل، وتحملُ هذه الرأسَ عدة شخصيات، وتدخل مدناً، وتلتحم بمنولوجات شخصية وحوادث فردية وجماعية، حتى تتشكل دائرة واسعة من الأحداث والصراعات والحوارات.
لكن الرواية كفنٍّ عصري لا تكتفي بعالم من الأحداث التاريخية الحقيقية، بل تمزجها بخيال فني، يوسع من تغلغلها في الشخصيات التاريخية المحورية، فتوجدُ الشخصية الشعبية المتحولة كمحور كبير، فيتمازج المتخيل بالحقيقي، وما هو شعبي كفاحي متوارٍ يغدو في مقدمة اللوحة، وما هو تاريخي فوتوغرافي يتراجع للوراء ليكون خلفية الرواية، ليتغلب الشعري على النثري، وتغدو الرواية جزءً من ملحمة الصراع في بداية التاريخ الإسلامي.
إن تراجيديا التاريخ الإسلامي تتحقق هنا على صعيد الرواية كحوارات صراعية بين شخصياتها المحورية.
إنه عمل روائي من نوع جديد.
الحسين شهيداً
رأس الحسين/ أسئلة التاريخ … أسئلة الدم
د. عزالدين جلاوجي✼
قبل جس نبض الرواية أرى لزاما التوقف عند محطات من جهد الأديب عبدالله خليفة، رغبة في إضاءة بعض من جوانب حياته للمتلقين.
عبدالله خليفة كاتب وأديب بحريني كبير، ولد عام 1948، كتب في القصة والرواية والمقالة وله إسهامات فكرية كبيرة، توفي رحمه الله سنة 2014، عن عمر ناهز 66 عاما.
العتبة الكبرى / الرأس الهاجس:
اعتبر رأس الحسين هاجسا كبيرا في كل التاريخ العربي الإسلامي، على اعتبار أنه منارة للنضال والتضحية، وعلى اعتبار أنه الرمز الأكبر لمنهج النبوة، غير محصور في منهج جده عليه السلام فحسب، بل هو منهج النبوة منذ أن اصطفاها الله تعالى، وهو منهج محفوف بالتضحية وتقديم القرابين.
والمتلمس اليوم بحثا عن هذا الرأس لا يجد ركازها في مكان بعينه، بل ركزتها الأمة في كل مكان، وأقامت لها مقاما كريما في كل مَصر لتكون علما على علم، نجدها في العراق والشام ومصر.
بل إن المتتبع لتبني الأسماء يجد طغيان الحسين والحسن وعلي، في واقعنا الاجتماعي منذ الفتنة الكبرى إلى يوم الناس هذا، ولا نكاد نسمع اسم معاوية ويزيد إلا ما ندر، إنه انتقام بشكل ما، بل بشكل فضيع، كأنما هو سعي لمحوهما من الذاكرة تماما، في حين تحولت الأسماء الأولى إلى أعلام حملها الخلف ويحملها السلف إلى نهاية التاريخ.
مثلت لفظة الحسين داخل الرواية هاجسا مركزيا تحولت معها إلى تيمة رئيسية، حيث ترددت مئتي مرة بل وأصرت على الحضور بداية من العنوان، الذي يعد (عنصرا من أهم العناصر المكونة للمؤلف الأدبي، ومكونا داخليا يشكل قيمة دلالية عند الدارس، حيث يمكن اعتباره ممثلا لسلطة النص وواجهته الإعلامية)(10)، إن ظهور الكلمة التيمة في العتبة يعطيها وقعا أشد وتأثيرا أقوى، ويمنحها السيادة والسيطرة والأولوية، ويمكن أن نسميها الكلمة العمدة على قياس العمدة لدى النحاة، إن (الكلمة/ العنوان... لها محمول استثنائي)(11)، وقد وردت في الرواية عمدة مرفوعة في تركيب الجملة، معرفة بإضافتها للحسين، وهي إضافة تمنحها تميزها ومكانتها وقيمتها، كان للروائي أن يعنون نصه بلفظة الرأس، إلا أن التعريف بالــــ هنا يحيطها بهالة من الغموض ويمنحنا فرصة تأويها ونسبتها، غير أن الروائي منذ الوهلة الأولى قطع علينا ذلك الطريق وكفانا جهد التأويل حين ربطها بالحسين، الذي بقدر ما يحيل عليه في ثقافتنا وتاريخنا، فهو يحيل أيضا على الحس والحسن والحي والحَيْن/ المحنة، وما شئت من المعاني في لغة العرب، والتي اكتنز بها هذا الاسم.
ولا يكتفي الكاتب بالعنوان، بل نرى حضور كلمة الرأس مباشرة في الجملة الأولى من النص، كأنما هو في عجلة من أمره كي يثبتها في الأذهان «انتزعتْ يداهُ الرأسَ»(12)، جملة تفوه بها الشمر وهو يفصل رأس الحسين عن جسده، وتتدافع إليه الأيدي الآثمة رغبة في الظفر بالرأس للظفر بعرض الدنيا، فيعاود الشمر الصراخ في الجميع «أنا الذي قتلته ولي هذا الرأس الثمين!» (13) .
غير أن الدم يتحول نافورة، ويجري موجا هادرا يثير الحيرة والأسئلة، هي بالأساس أسئلة التاريخ وأسئلة الدم، في أول سؤال يستيقظ الضمير على لسان حمزة، وهو الشخصية التي خلقها عبدالله خليفة لتمثل صوت الضمير، صوت الأمة التي أراد حكامها أن يقزموا وضيفتها في التهريج، ولكنه سؤال يحمل إدانة كبرى للحكام/ حكام بني أمية بالأساس «لماذا ساقنا الخليفة يزيد إلى هذه الأرض الترابية والإحاطة بهذه العائلة الصغيرة والجماعة الضئيلة؟! هذه الأسرة التي حاصرناها طويلا وهي لا تستحق كل هذا الحصار العنيف!»(14)، عبارة قصيرة تعتلي صهوة النص وتشرق في طليعته لكنها تفصح عن كل شيء، عن الإدانة كما أسلفنا، «لماذا ساقنا الخليفة يزيد إلى هذه الأرض الترابية»(15)، عن الكبرياء في العترة الطاهرة، التي لم يدفعها ضعفها العددي وقلة حيلتها إلى الاستسلام «بهذه العائلة الصغيرة والجماعة الضئيلة؟! هذه الأسرة التي حاصرناها طويلا وهي لا تستحق كل هذا الحصار العنيف»(16)، عن تأنيب الضمير الذي تحيل كلمة «لا تستحق»(17).
وفجأة يتحول التأنيب إلى حيرة حين تنتقل الأحداث من الواقع إلى الغرائبي والعجائبي، وحين تختفي الجثث فجأة، ولا يجد حمزة مناصا من أن يقلب طرفه حائرا في كل مكان «أين ذهب الضحايا؟»(18) «أين رحل القتلى؟»(19) سماهم ضحايا في جملته الأولى، وسماهم قتلى في الثانية، لكنه لم يجرؤ أن يصفهم بالموتى، فالشهداء يقتلون ولكن لا يموتون، والصالحون يقدمون أنفسهم قرابين لله تعالى ليخلدوا عنده، وهذا يحيلنا على إبراهيم عليه السلام وهو يقدم ابنه، فهل هي إشارة للتماثل في بيت النبوة بين إسماعيل والحسين
عليهما السلام؟ وهو تناص واضح مع قوله تعالى «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون»(20).
ويذهب الخيال بحمزة حين يتصور أن الموتى قد مضوا سريعا إلى السماء مستعيرين أجنحة، كأجنحة الطيور، «قد مضوا بسرعة، أو أن أرواحهم استعارت أجنحة الطيور واندفعت في السماء تشكو، وأن سهاما من النور والنار سوف تتدفقُ من العلياء وتثقب جلودهم!»(21)، وهو ما يحيل مباشرة على قصة جعفر الطيار عليه السلام.
إذن هي جملة من الأسئلة يستهل النص بها حضوره، قدمت منذ البداية تصورا عاما للمنحى الذي ستأخذه مئات الأسئلة التي ستأخذ برقاب بعضها إلى نهاية نص الرواية يكون محوراها الأساسيان، الحسين مجللا بنور الحق، ويزيد مكبلا بأغلال الباطل.
تتناوب الرواية مجموعة من الشخصيات كلها ذات صلة بالتاريخ، إلا شخصية حمزة الذي كان مهرجا بالقصر الأموي، ثم يغامر للحصول على رأس الحسين دون سيف يحمله، طمعا في أن ينال بذلك قسطا من المال يبني به مستقبله، وتنتهي به الرواية ثائرا ضد الظلم الأموي منتصرا لحق آل البيت، وهو بذلك يمثل الضمير الجمعي للأمة التي أراد يزيد أن يجعل منها قاراقوزات في قصره، فشحذها الحسين بطاقة خلاقة لتنتفض ضد الظلم، ليس في تلك الحقبة فحسب، بل في كل ما تلاها وما يليها من حقب.
غير أن الرواية كلها تقوم على شخصيتين محوريتين، الشخصية الأولى وهي الحسين ولا يمثلها داخل الرواية كلها إلا رأسه، الذي تتناوبه الحراب والأيدي الآثمة من كربلاء إلى دمشق، والثانية هي شخصية يزيد التي لا تبرح قصر الخلافة، وفيما يلي بسط لحضورهما داخل الرواية.
1ـــ رأس الحسين/ منارة فوق رمح:
تنطلق أحداث الرواية مباشرة من قتل الحسين عليه السلام وقطع رأسه، ومعنى ذلك أن الروائي يضرب صفحا عن كل ما سبق هذه الحادثة من أحداث فصلت فيها كتب التاريخ، بل ويضرب صفحا حتى عن جسد الحسين، «يا سيدي الجثة لم نعثر لها على أثر، كأنها سرقت، أو خطفها أشباح أو جن أو بشر، فجأة توارت في الظلام..!»(22).
على اعتبار أن الحسين ليس جسدا بقدر ما هو رأس/ فكرة، ولم يفعل الموكب الآثم وهو يتحرك بالرأس مرفوعة على رمح طويل سوى أن يجعل منها راية ستبقى مرفرفة ترسم الدرب للصادقين في تلمس شمس الحق «حدق جعدة بغضب في راية الشمر حيث كانت الرأس مرفوعة على الرمح، والشمر يزهو بقوته ورمحه الذي يحمل الجائزة الكبرى!»(23).
وما تكاد العصابة تتحرك حتى ينتقل بنا الكاتب من عالم الواقع/ التاريخ إلى العالم العجائبي، حين يبث الروح في الرأس، فإذا بها تنظر وتبتسم «والتفت فوجد رأس الحسين تنظرُ إليه وتبتسم!»(24)، بل وتتكلم «الجثة التي بلا رأس تتكلم»(25)، ورغم أن الرأس كانت تحاور حمزة بالأساس، «هل تعرف يا شمر بأن الرأس تكلمني، هذه التي تحملها على رمحك القاسية تشير إلي بعينيها وثمة نورٌ غريب يتدفق منها!»(26) مما يجعله خائفا مضطربا طول الطريق بين كربلاء ودمشق، فإن ذلك ينتقل إلى غيره من المقاتلين، حتى الشمر الذي لاحظ اضطراب حمزة فسعى لمعرفة الحقيقة منه، يقول حمزة للشمر: «غريبة هذه الأمور، لأن أفرادا من الجيش صاروا يسمعون هذه الرأس وهي تتكلم، بعد أن حاصرتها يا شمر وقطعت الماء عنها وأطلقت عليها كل هذه السهام وطعنتها بكل السيوف لا تزال تتكلم، وتحدث الجنودَ والناس...»(27).
يتعجب الشمر لما يسمع وعجل يتفقد الأمر «أوقف الحصان وأنزل الرمح وقرب الرأس الملفوفة بالقماش، وطالع الوجه المفتوح، وكان الغبار وكانت ظلمة كبيرة مفاجئة، وكانت صرخة من الشمر ، الذي أسقط الرأس وهو فزع، صرخ: كأن شيئا عضني!»(28).
لاشك أن ما وقع فيه الشمر كان بفعل إحساسه العميق بما ارتكبه ضد الحسين، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تصير الرأس أفعى، غير أن وهم الشمر وقناعته بجرمه أوقعه في ذلك، وتوهم هذه العضة المؤلمة، وهو مما بقي في ضميرنا الجمعي إلى اليوم، الإحساس بالذنب الذي آلم أولئك الذين ارتكبوا الجريمة أو سكتوا عنها في حينها، انتقل إلى أحفادهم الذين ظلوا بطرق مختلفة يسعون إلى التطهر.
كان يمكن للكاتب انطلاقا من مأساة الحسين أن يجعلها باكية شاكية، شاتمة لاعنة، محرضة على العنف والانتقام، عبر تحريض الناس، لكن ذلك كله لم يحدث، إنها رأس شامخة مكابرة هازئة من الجرح، لا تحسن إلا أن تنشر المحبة والسلام، تحاصر الحقد بالحب، والضغينة بالتسامح، والغضب بالابتسام، تمد سنا الحلم حتى يضيق بحلمها السفهاء.
وما تكاد الرأس تدخل قصر الخلافة في دمشق حتى تزلزل أركان الخليفة يزيد، «لا أحد معي في هذا القصر الكبير. أريد صديقا وأنتم لستم أصدقاء. أنتم تكرهون هذه العائلة كلها،... والرأسُ التي حملوها إلي هنا تشع دما ، وتأتي إلي في رقودي الصعب، الحسين يتطلعُ فيّ ويسخرُ مني.. إنني لا أستطيع أن أكون في مكان واحد معه. أقول له أصفح عني، ولكنه يتطلع إلي ويضحك! أحاول أن أبعد رأسي دون فائدة، أغطي عيني بالظلمات الكثيفة فأراه يشعُ فيها..» (29).
ولا يملك يزيد إلا أن يأمر بنقلها إلى خيمة لتوضع تحت مرأى الجميع، لا شك أن يزيد كان يسعى أن يتخلص من الرأس أولا، ويجعلها عبرة للجميع ثانيا ليبث فيهم الرعب، غير أن الأمر ينفلت عن السيطرة، حين تتمرد الرأس على كل القيود والسجون وتنزرع في عيون الأطفال، وأحلام الكادحين، وحناجر الطيور، ونسمات الربيع، وسلاسل المسجونين، إنها كبرياء تعلمنا جميعا كيف نحيى بشرف «ويجثمُ عند الرأسِّ بضعة حرا س أشداء غلاظ، مسلحين بالحديد. والناس تأتي لتحدق... ويدقُ المطرُ بعنف شديد، وتهتز الخيمة ويرتعشُ قماشها بقوة، وتندفع سيوف البرق فجأة وتشعلُ بعض أجزائها، ويطفئ الحراسُ النارَ بصعوبة، وتبدو الخيمة كبهو كبير مفتوح، ويُضاءُ باتساع، فتتضخمُ الرأسُ وتبدو من مسافات بعيدة، فعبر النوافذ الصغيرة الملقاة في بحر الحجر، وعبر الشرفات الكبيرة المفتوحة على الجبل والهواء والطيور، ومن ثقوبِّ الأكواخ، ومن أبواب المقاهي ومن أفواه الأسواق المفتوحة على اتساعها لالتهام الجيوب، ومن نوافذ القصر وأسرة الجواري ومن خرم إبر السجون الكثيرة المنتشرة عبر المدينة.. »(30)، لا شك أن قصة انتقال رأس الحسين من كربلاء إلى دمشق وما صاحبها من أهوال وعجائبية تنقل قصتها من مجال التاريخ والرواية معا إلى مجال الرحلة أيضا، كون عنصري العجيب والغريب يطغيان على رواية الرحلة وتمتزج فيها الحقيقة والخيال، لدرجة يصعب معها الفصل بين الواقع والخيال.(31).
2 ـــ يزيد/ اللعنة الأبدية:
يقدم الكاتب يزيد رجلا ضعيفا مستهترا بكل القيم التي يؤمن بها المجتمع الذي يقوده، حتى قيم الدين ذاته، يغرق في طلب اللذة، تحيط به مئات الجواري وزجاجات الخمر، معتقدا أنها طريقه للهروب من مواجهة حقيقته التي تربى عليها على يد أبيه معاوية «ليس ثمة حل لكآبة ما بعد الشرب سوى الشرب! هيا أضحك ودع هذا التجهم!»(32)، يبحث عن التسلية حتى مع المهرجين والقردة «كان يزيدٌ يلاعبُ قردا. كانت القاعة فسيحة، وبضعة نسوة جالسات على السجاد الملون باللؤلؤ، ويضحكن»(33).
يفتقد ذلك حتى في زوجته، وابنه الذي تمرد عليه وغرق في تبتل دائم مزورا عن نهج الانحراف الذي سار عليه أبوه، لقد اختار يزيد لابنه اسم معاوية ليس في تصوري وفاء لأبيه بقدر ما هو دلالة على ضعفه الذي جعله في حاجة ماسة إلى قوة أبيه وحنكته، لكن الفتى يخيب ظن أبيه، يغرق في بداية حياته في اللهو، حتى إذا ما قتل الحسين يفر إلى عالم التبتل، مناقضا تماما أباه الذي ما كان يؤمن بدين أصلا، ولذلك نراه يسعى بكل ما أوتي من قوة لتتفيه العبادات عنده حتى الصلاة «يدخل يزيد جناح أبنه معاوية الثاني، يراه يصلي، هو راكع الآن، ينحني ليسجد، يمسكه من كتفه: ماذا تفعل يا بني؟ تصلي؟ هيا دع عنك هذه الحركات!»(34)، محاولا أن نَيزج به في عالم المجون «صاح يزيد: لن تخرج من هنا أيها الأحمق. انظروا يا ناس فتى غضٌ يتركُ مخاز الخمور واللحم وغرف الجواري ويريد الذهاب إلى كهف»(35).
ويسعى الكاتب في أن يعري بني أمية جميعا، حين يعتبر حصارهم لآل البيت انتقاما من الرسالة ذاتها التي كانت في بني هاشم ولم تكن فيهم، إذ لم يكن إسلامهم إلا مناورة، يقول يزيد مخاطبا الحسين «منذ زمن بعيد وهذا العرش مكتوبٌ لنا، بعدت الرسالة عنا، لكن الكرسي لا يعرف غيرنا.. منذ المجد الغابر ونحن فرسان الخيل والسياسة والدهاء، وليس لكم يا بني هاشم سوى القراطيس والأحلام!»(36).
غير أن الهاجس الأكبر الذي نكد على يزيد كل حياته، هو رأس الحسين، فهو لم يكن يريد جسدا ولا رأسا، بل كان يريد استسلاما وخضوعا، مقتل الحسن نهاية لعرش يزيد، استشهاد الحسين لعنة صبتها السماء على آل معاوية، "يجلس على المقعد وهو يتنفس بصعوبة، يغمغم: كلُ جهدي ذهب هباءً، كل مطاردتي له، وحصاري العنيد العنيف، وقتل أهله، لم يفد شيئا كنتُ آمر بحصار أهله وقتلهم لكي يتصدع داخليا،... كنتُ أتوقع أن ينهار ويصرخ: ارحمني يا يزيد!... ما باله بهذا العناد والحماقة! لم أكن أريد سوى أن ينحني لي فقط، هل هذا شيء عظيم؟ وفضل الموت.. فضل قطع الرأس بالسيف على أن يقول لي كلمة،... حتى في موته حاول أن يذلني، أن يهينني، أن يبصق في وجهي، يصرخ الآن أنت تافه؟»(37)، والهاجس ذاته يكرره في موقع آخر وهو يلقى قائد جنده عائدا من ساحة المعركة، فيعجل إليه ليعرف شيئا واحدا، الخوف في عيني الحسين «أي مجنون أنت؟ كيف يمكن لرجل لا يخضع لي ولا يؤمن بجبروتي والسيف على رقبته؟ لا يمكن هو جبان، هو جبان وكان يتذلل وينتفض ويرتعد، ويصرخ سوف أخضع ليزيد، قل الحقيقة!»(38).
رواية رأس الحسين/ التاريخ بطعم الأسطورة:
لاحظنا منذ البداية أن الكاتب وإن حافظ على الأحداث الكبرى للتاريخ إلا أنه ازور عنها ليتعمق نفوس الشخصيات، إذ لم يكن الهدف أساسا هو الحادثة التاريخية بقدر ما كان الهدف هو كيف تفاعلت هذه الشخصيات مع الأحداث، وهي شخصيات مثلت كل طبقات المجتمع، الطبقة الحاكمة ممثلة في يزيد وعائلته وبني أمية، طبقة الجند ومثلها الشمر ومن خاض معه مغامرة قتل الحسين للحصول على المال، طبقة العامة من الناس ومثلتها أسرة الشمر وغيرها من أسر القبائل بأطفالها ونسائها وشبابها، الطبقة الثائرة ومثلها آل البيت وعلى رأسهم الحسين وزينب عليهما السلام، ضمير الأمة في تلك السنوات العجاف إلى يوم الناس هذا ومثله حمزة وكل الثائرين معه، بمن فيهم معاوية بن يزيد.
غير أن الكاتب يركز أساسا على شخصية الحسين، بل وعلى الرأس بالذات الذي ينقله من الواقع إلا عالم العجائب لدرجة أسطرته، فالرأس ينظر ويبتسم ويتكلم ويؤثر في واقع الطبيعة، ويختفي تماما كما اختفت الجثة من قبل، ليصير طاقة ثورية خلاقة داخل النفوس، منطلقا من تيمة الموت إن جاز لنا أن نزعم ذلك انطلاقا من تقسيم جان مالينو «Jean Malino» لتيمات العجائبي (الجن والأشباح، الموت ومصاص الدماء، المرأة والحب، الغول، عالم الحلم وعلاقاته مع عالم الحقيقة، والتحولات الطارئة على الفضاء والزمن)(39)، وهذه الطاقة ما كان لها أن تحدث لولا انتقال الكاتب من عالم الواقع إلى عالم الغريب المدهش، أو المعروف في ثقافتنا الدينية بعالم المعجزات والكرامات، أو ما يسميه تودوروف بالكثافة مفرقا بين الواقعي والعجائبي، يقول: (إن ثمة اختلافا في الكثافة التي تبلغ أقصاها في العجائبي)(40).
إن عبدالله خليفة لم يحرص على الحقيقة التاريخية، التي أوردها في كثير من الأحيان متخذا موقفا صريحا صراحة فنية، بل انتقل من حقيقة التاريخ/ المرجع إلى عالم تخييلي صارخ، إنه عالم العجائبي، فهل يمكن أن تصنف الرواية في باب الرواية العجائبية أيضا، على اعتبار أن العجائبي ينشأ عندما يتدخل التخييل في تحويل فكرة منطقية إلى أسطورة(41)، كما يذهب إلى ذلك بيار جورج كاستيكس Pierre-Georges Castex، وعلى اعتبار أن معظم عوالمها تستحضر العجائبي من خلال الرحلة، رحلة رأس الحسين من كربلاء إلى دمشق، كأن الحسين أبى إلا أن يمضي في طريقه حتى يهد عروش الظلمة، فالحسين حق لا يمكن أن يقهره قتل، وفكرة تتمرد على الجسد المادي، وروح تظل تسري في النفوس عزة وكبرياء، ولم يقتصر موضوع العجائبي على الرحلة فحسب، بل إن اختفاء الجثة أولا منذ بداية الرواية «يا سيدي الجثة لم نعثر لها على أثر، كأنها سرقت، أو خطفها أشباح أو جن أو بشر، فجأة توارت في الظلام»(42)، واختفاء الرأس في آخرها «لكن رأس الحسين يا سيدي اختفت..»(43)، ينقل العجائبية إلى موضوع الغيبة، الذي ارتبط في الثقافة الإسلامية بالمهدي المنتظر، وقبله بالنبي عيسى الذي رفعه الله إليه، بل ويرتبط ذلك بالشهداء أيضا الذين يخبرنا القرآن الكريم أنهم يقتلون ولا يموتون بل يظلون أحياء بيننا يرزقون دون أن نحس بوجودهم بيننا، مع الإيمان بعودة هؤلاء جميعا جسدا وروحا وإن لم يغيبوا فكرا من واقع الناس، على اعتبار «إن الجسد ليس كيانا منغلقا على ماديته الخالصة، فهو بناء رمزي يخضع للحالة الاجتماعية وللرؤية للعالم، أي أن الجسد ليس مسكنا أو قبرا أو حاويا فقط، بل هو علامة تتكلم وتشير وتنخرط في تواصلية ذات دلالات»(44).
إن عبدالله خليفة بهذا النزوع نحو العجائبية لا يقصدها بحد ذاتها ولا يرمي للتسلية والمتعة، بقدر ما يرمي إلى جعل رأس الحسين رمزا كبيرا يستمر في واقع الناس اليوم ليتحدوا به القهر والظلم والهزيمة، وهو الذي فعل داخل النص ذاته حين صير حمزة وبعض المسحوقين في واقع الناس آنذاك إلى ثوار.
وهذا الإصرار على المنحى العجائبي داخل النص بوظيفته الرمزية ينقل رأس الحسين من التاريخ/ الماضي، إلى حاضر الناس وواقعهم، بل وإلى مستقبلهم وتطلعاتهم أيضا، وليس الأمر غريبا على كاتب مثقف في حجم عبدالله خليفة الذي ظل في كل ما خط يقف إلى جانب المحرومين والمسحوقين، يبحث لهم عن شعاع من أمل، وعن حلم يتشبثون به بحثا عن كرامتهم وشرفهم.
الخاتمة:
يتجلى لنا مما تقدم المراس الكبير الذي يمتلكه الأديب عبدالله خليفة، فهو يختار الحادثة التاريخية الأكثر حضورا لدى عامة الناس، دون أن يقف عند حدود المرجع، وإنما يصبغ عليها عوالم متخيلة تصل بها إلى حد العجائبي، ثم يحينها رابطا إياها بواقع الناس ومستقبلهم، إذ أن الرواية التاريخية تكمن أهميتها في تحويل الخطاب التاريخي النفعي، الملتفت إلى الماضي (خطابا روائيا إبداعيا منشغلا بقضايا الراهن جماليا وأيديولوجيا)(45)، بل ويذهب بيار لويس راي إلى حد اعتبار الرواية التاريخية تغدو أكثر صحة من التاريخ (46).
وبحكم إيمانه القوي بدور الأدب في صناعة الإنسان، فإن الأديب لا يجعل من نصه مطية للفني والجمالي فحسب، لكنه يتجاوزه إلى جعله حاملا لرسالة أيديولوجية عظيمة أساسها حرية الإنسان وكرامته.
وهو لتحقيق ذلك لم يتوان أبدا في استغلال كل الممكنات الإبداعية التي يوفرها السرد، وعلى رأسها هذه الثنائية الضدية التي تجلت على مستوى الشخصيات، وهي بقدر ما فيها من بشارة لانتصار الخير والفضيلة، بقدر ما فيها من تحذير للطبقة المتسلطة التي لا يمكن إلا أن تكون مأساوية وظلامية.
حافظ الأديب على الشخصيات التاريخية كما هي وسار بها كما سارت بها الأقدار، خير أنه صنع لنفسه شخصية «حمزة» فحملت كل الرسالة التي أراد الكاتب أن يبلغها لنا، حمزة الذي كان في قصر السلطة مجرد مهرج، يتحول إلى قائد للثائرين ضد هذا القصر، وما كان لحمزة في بعده التاريخي واللغوي من معاني القوة والتحدي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
✲ استاذ جامعي من الجزائر
قراءة في أعمال الأديب عبدالله خليفة
د. باربارا ميتشالاك*
نشر عبـــــــدالله خلــــــــيفة في عام 1975 مجموعته القصصية الأولى «لحن الشتاء» التي تلامس موضوعات سياسية تتصل بالكفاح من أجل الاستقلال. وفي نفس العام تم اعتقاله حيث بقي في المعتقل مدة ست سنوات. وفي السنوات التالية حتى يومنا الحالي نشر سلسلة من الكتب تتضمن روايات وقصصاً قصيرة.
وفي البداية ركز عبدالله في تقديم حياة الأشخاص العاملين في البحر، أمثلة من هذا يمكن أن تجدها في رواية «الهيرات» حيث تتركز الحبكة بأكملها حول البحر الذي يمثل العنصر الرئيسي للعالم المقدّم في القصة. فهو من ناحية أولى يمثل شيئاً هاماً هو منح الحياة بينما على الجانب الآخر يمثل قوة تدميرية. الشخصيات الرئيسية في الرواية هي أربعة. رجال وولد يعملون جميعاً لدى تاجر لؤلؤ ظالم وبارد القلب.
حمدان الذي فقد أباه أثناء العمل في البحر هو الذي يروي القصة حيث يأخذنا خلال مصاعب العمل في البحر التي تشتمل على تجديف السفينة واتباع الأوامر. كمراقب دقيق يظهر الراوي قساوة عالمه المحيط الذي يسيطر عليه الجشع والظلم ضد أولئك الضعفاء.
يقدم الراوي الاحداث بطريقة ديناميكية جداً حيث العمل في البحر وتجارة اللؤلؤ، فالقارئ لا يصبح فقط متعوداً على العلاقات بل على الهرم الاجتماعي في البحرين أيضاً، يثري ذلك منظور كلي للحيوات الخاصة لجميع الشخصيات الرئيسية ويؤازر كل هذا الأوصاف الكثيرة لشروق الشمس وغروبها، أحداث الأرصاد الجوية، والبحر نفسه.
يواجه القارئ بجرعة كبيرة من المشاعر السلبية منذ الصفحات الأولى في مجموعته القصصية «يوم قائظ» ويتمثل هذا غالباً بالتململ، الغضب، خيبة الأمل والحزن. في قصة «الدرب» التي تفتتح المجموعة يقدم العالم كأنه مبني على أوصاف فنية ديناميكية وعنيفة: «واجهنا حقلٌ من النخل ، جذوعٌ منتصبة بانحناءات مكسورة ، مجموعة من الشيوخ الشحاذين على أبواب الصحراء . . تمدُ أيديها للماءِ ولكن البلدوزر الأصفر يمدُ لها أسنانـَهُ . . تجتاحُ الأعشاب . . يجتاح الأعشابَ والفسائل الصغيرة يقطعها بحدة وقوة ، ننظر إلى الشمس الصاعدة نحو قلبِ السماء ونخفضُ رؤوسنا بسرعةٍ ، إنها تعصرُ القلبَ وتشربُ الدمَ .
يطعنُ البلدوزر النخلة الشامخة ، تلك التي تنتصبُ في عمق الطريق ، يجأر بالغضب وهي تقاوم بصلابة ، يتناثر ( الكرب ) فوق الأرض وتنتزعُ الأسنانُ تلك القشرة السوداءَ لتصلَ إلى البياض الجميل ، تنحني النخلة قليلاً ، تغوصُ الأسنانُ ، يرهفُ السمعَ إلى الأرض اللامبالية.. تقطع السكينُ الضخمة النخلة فتتهاوى جثتها بصخبٍ ، ننطلقُ إليها ، نرفعها بسرعةٍ وخفة ونلقيها حيث تجمعت الجذوعُ في مقبرة هائلة».
ان وصف النخلة وهي تُقتلع يصور العلاقات من ساحة معركة غير متكافئة فالنخلة تنهي مقاومتها للآلة ويصبح الانسان في درجة أدني ويقوم بدور مشغل الآلة حيث يقدم المؤلف صورة عن المعركة التكنولوجيا والطبيعة التي لابد ان تخسر الطبيعة فيها.
في القصتين المعونتين «أمّاه أين أنت؟» و«الخروج» الشخصيات الرئيسية هي السجناء. ففي القصة الأولى يقدّم العالم واقعاً كئيباً لزنزانة سجن صغيرة: «أفقتُ في الليل . كان الفجرُ وشيكاً . تبينتُ النورَ البازغ في إضاءة شفافةٍ شاحبةٍ تسربتْ إلى النفاذة العاليةِ . الصمتُ، الهدوءُ، يشمل زنازينَ السجناءِ والمطبخ وبناية الشرطة العالية المحدقة بالسجن.».
على الرغم من ذلك حينما نعبر بوابة عقل السجن ندخل إلى عالم أكبر من الذكريات والرغبات التي تمتد على نحو مقرر خلف الأهداف وخلف جدران السجن والجزيرة التي يقع فيها: «أنا كنتُ بلا حلمٍ رائع ، بل ربما رأيتُ فيما يرى النائمُ قبضة تهوى على رأسي . كان فضاءُ الحلمِ ظلاماً شاسعاً ، وكانت ثمة شراراتٌ غريبة تتوهجُ ، كأسماكٍ تتقلبُ في الماء . وكان صوتٌ مألوفٌ يدغدغ ذاكرتي وكنتُ أسبحُ في الظلام بأجنحةٍ وأبكي بصوتٍ خافتٍ.».
ليس واضحاً من محتوى القصة سبب وجود هذا المعتقل في السجن ونحن حتى لا نعرف أسمه. أفكاره، رغباته وعلى الخصوص معاناته التي يعيشها، ليست جميعاً بسبب ظروف الصرامة لكن بسبب افتقاده لأمه وهو الشيء الأكثر أهمية. سبب الألم هو الوعي بأنها ربما لم تعد هناك حينما يتم الافراج عنه. الراوي الذي هو في نفس الوقت من الشخصيات الرئيسية ينقلنا إلى عالم داخلي عميق. المرور عبر بوابات النفس الإنسانية يفتح حقلاً واسعاً للمنظور السري للمؤلف حيث يتوقف عن الاتصال بإطارات المنطق والنتيجة.
الشخصيات المجهولة التي ترسم صورتها الظلية في عالم بعيد عن الكمال هي كل من الراوي والشخصية الرئيسية في نفس الوقت في كل قصة من قصص هذه المجموعة. كل واقع مطروح هو نوع من السجن لكل واحد من هذه الشخصيات بصورة حقيقية تقريباً. فالمهاجر، في القصة المعنونة بـ«الدرب» يقطع أشجار النخيل من أجل إنشاء طريق جديد في الصحراء، هو سجين مسؤولياته الشخصية تجاه ربّ عمله وعائلته. والشخصية المحورية التي تغادر السجن في قصة «الخروج» يصبح سجيناً للحرية في مدينته الأم التي أصبحت غريبة وغير مألوفة. لم يعد له أصدقاء حميمون أو عائلة وأصبحت التغيرات التي وقعت أثناء وجوده السجن غير مقبولة. إن تقسيم العالم إلي فضاءين، البر والبحر له أهمية. البر جاف وخام وغير لطيف ومحدود كسجن في جزيرة. أما البحر فعلى عكس البر، جميل، أزرق، لا نهائي لكنه غالباً يقدّم كمكان غير قابل للدخول لغالبية الشخصيات المحورية. القصة مليئة بالتشاؤم والايمان بأن الأشخاص الذين كانوا في السجن لديهم صعوبات كبيرة في العودة إلى حالة الحرية الكلية.
الرواية المعنونة بــ «الضباب» هي محاولة لفهم قلق شخص محاصر بسلسلة من الاحداث المحزنة. الحبكة تعتمد على قصة مأساوية لأحمد ناصر البالغ خمسين عاماً وهو كاتب مثقف مدمن مرضياً على الكتب ويحاول أن يتعامل مع مختلف أنواع المشاكل وهو محكوم عليه بالمعركة المستمرة بين الشدائد التي لن يحفظه قدره المخيف منها. قصته عبارة عن حادثة محزنة تلو أخرى: جريمة، موت، ألم، فقر، جوع، سجن، تعذيب، عدم وجود قوة مميزة، مرض مستشفى وجنون. يحاول أن يستعيد ذاكرته المفقودة بالرجوع إلى الحقائق المختلفة من الماضي بعد إلقاء القبض عليه متهماً بالاغتصاب وإيداعه السجن. ذكرياته تأخذه إلى الوراء إلى طفولته حيث يتذكر الحياة تحت سقف زوج أمة الذي تحوّل من بيت إلى جحيم للسكن. الشخص الإيجابي الوحيد في حياته في ذلك الوقت كان جدّه الذي أخذه ورعاه رعاية فائقة. يحاول أن يتذكر ماذا حدث حقيقة لكنه يفتقد إلى المفتاح لكي يفتح به ذاكرته. يتذكر كيف قضى فترة في مستشفى الامراض العقلية الذي لا يريد أن يتركه منذ أصبح في الواقع لا مكان له للذهاب إليه.
يترك المستشفى ليذهب ويعيش في شقة متواضعة. يبدأ في غسل السيارات وإزالة المخلفات من البراميل ليكسب عيشه. يقيم علاقة مع مومس محلية حيث تقوم برعايته كأنها أمه. نعرف عن قصتها المأساوية بالإضافة إلى قدر متشردين يمران على شقته بالصدفة. ويوجز المؤلف قصته بجملة مقتضبة مفادها أن العالم ليس له ضمير.
ذاكرته تعود به إلى الفترة التي عمل فيها كمحرر في دار نشر. هناك قابل حبيبة حياته التي تركته لاحقاً مع ابنتهما بسبب صعوبات مادية. وبينما هما يدخلان السيارة يقتلان في الموقع وبذلك الحدث تنتهي حياته حيث يقول إنه لم يبق شيء هناك في البيت عدا الأشباح.
عنوان الضباب هو موتيفة متكررة في القصص ويرمز إلى النسيان، الصورة المبهمة منة حياة الشخصية الرئيسية، إنه عنوان بارد، كثيف ومرتبط بالدلالة المنذرة بالموت.
سوء الطالع تسبب في أن يحصل أصدقاؤه على المال والمكانة الاجتماعية بينما راح هو يغسل سياراتهم الفخمة. إنه يتمرد على هذا الواقع وعلى نفسه ويسخر من حياته بالقول إنها علّمت المجانين بجيوب خالية وحياة قد انتهت كما يكشف عن الحقيقة القاسية بأنه الآن لا شيء سوى حيوان. وكنتيجة لذلك تحضر الشخصية الرئيسية إلى مكان اعدامها وسط هتاف حشد متجمع. مرة أخرى تقدم حقائق حياته, في هذه المرة في اطار حلم سحري غير منطقي وليس من الواضح فيما إذا كان أحمد ناصر مذنباً بارتكاب جريمة أم لا.
قصص مجموعة «سهرة» يمكن تقسيمها إلى مجموعتين، الأولى تشمل قصصاً تنتهي برسالة فلسفية وسوداوية كما في قصتي «خميس» و«قبضة تراب». المجموعة الثانية تشمل قصصاً أطول تطرح في نغمة كئيبة ومعظم شخصياتها الرئيسية أطفال تعرضوا للأذى من قبل العالم وأستغلهم البالغون. وعلى سبيل المثال قصص «هذا الجسد لك» و«هذا الجسد لي» و«أنا وأمي». تتصف هذه القصص بالوصف الكامل، الغموض والاشكال الفنية المستخدمة تعطيها لحناً شعرياً.
تظهر النساء في هذه القصص وهن يخزين شرف عائلاتهن بسلوكهن كما في قصة «أنا وأمي». إن سوء سلوك الأم يصبح عذاباً وهوساً. ذلك يجعل البطل يفقد رشده بالرغم من حقيقة أن أمه تعيش بعيداً عنه ولم تعد تتدخل في حياته. إنه مجنون بالرغبة في قتلها وتخليص نفسه من خزيها فيخضع كل حياته لهذه الرغبة. على إثر ذلك يعذب حياة أخته أيضاً خوفاً من اتباعها خطوات أمها. النتيجة هي مناقضة للمرغوب فيها فتقرر الأخت أن تكون أقرب إلى أمها وتحرر نفسها من استبداد أخيها. وتصل الحبكة إلى ذروتها حينما يضرب البطل أخته لأنه عثر على حمرة شفاه نسائية خاصة بها. "أبحثُ في متاعها ، أجدُ (روجاً) كانت تخفيه في قعر الحقيبة . أوقظها ، تـُذعر ، أصبغُ وجهها بالروج ، وكأني أحفر بالدم ، كأني أكتبُ بالنصل غير المثلوم.
«كانت تصيحُ:
- أرحمني يا أخي !».
في قصة «هذا الجسد لي» يعطي المؤلف وصفاً تفصيلياً لأحداث طفل صغير يتم ختانه حيث إنه لم يُخبر سابقاً أو يكون واعياً بما تنطوي عليه عملية الختان، فيشعر بالاستياء تجاه أبيه لعدم تهيئته نفسياً لهذه التجربة. كما يتعرض الطفل أيضاً لعملية اغتصاب بالقوة خلال حفل زواج أخته.
أعتقد أن هذا الشيء يمكن أن يكون خاضعاً لحكم عامة الناس حول مشكلة الشذوذ الجنسي بالإضافة إلى إرغام الأطفال لدخول عالم البغاء. تجارب الأطفال والجرح المملوء بالأسى فيما يتعلق بالخيانة الزوجية لأحد الأبوين تم تصويرها في قصتي «هذا الجسد لي» و«أنا وأمي».
«أودُ أن أصرخ، والرجلُ الأصلع دفن رأسه في صدر أمي، وهي ألقت بنفسها على الكرسي ، دون أن تتفوه بكلمة!».
يبدو أن الشخصية المحورية في تقديم قصته تبدأ بالصراخ: هذا ليس جسدي.
وفي العديد من القصص فأن أوصاف الهذيان شبه الواعي والتنبؤات المرضية هي صور لما يراه البطل وهو يبالغ في وصف عقل طفل مريض. وتبدأ حدود الأشياء في أخذ شكل شيطاني فيصبح كل شيء مشوشاً او متعدداً ويرتفع الجسد ويسقط إلى المنحدر. فمن ناحية يكون الرجل واعياً للحرارة المرتفعة والعرق الغزير الذي يغمر جسده بينما من ناحية أخرى يشعر كما لو أن جسده قد انفصل عن عقله وروحه.
هذه الأوصاف معقدة جداً ومملوءة بالاستعارات ويبدو أن المؤلف مفتون بما يحدث للأشخاص حينما يفقدون السيطرة على أجسادهم وعقولهم.
«امتلئ بالعرق والبخار الساخن ، أمسكُ سريري بأظافري ، ثمة أطيافٌ من النار تتراقصُ حولي . جسدي يدغدغهُ ثعبانٌ كبير ، وأنا أركضُ في العتمة والضباب والعواء ، أعبرُ مستنقعاتٍ من جمرٍ وضفادع وفحيحِ رجال .
اتقلبُ على الفراش ، أودُ أن أعبر تلك الظهيرة المشتعلة ، أن أتخلصَ من جسمي ، وأذوبَ ، أقفز هذا البيت ، وصراخ الرجال في القاعة ، ضحكات أمي التي تفتقُ ضلوعي ، أصيرُ فراشةً في حقلٍ ، أو ناسكاً في كهف ، أموت ، أتحولُ إلى ظلامٍ أبدي ، أرفرفُ نحو السماء ملاكاً».
في كثير من الفقرات يتملّك المرء شعور بأن المؤلف يؤكد بصورة متقنة على قبح وعدم توازن الحالة العقلية للشخصيات الرئيسية. «هناك أنا مسجى ، بركة من العرق ، والشعر الغزير، والأصوات الغريبة التي تناديني».
يبني المؤلف جملاً مملوءة بالاستعارات التي تعرض صورة للجنون.
وعبدالله خليفة لا يدين شخصياته الرئيسية. وهو لا يعبّر عن رأيه تجاه تصرفاتها وخططها ومشاعرها بالرغم من أن قتل أم إحدى الشخصيات هو أسوأ الجرائم جميعاً. فالأم، مهما كان سلوكها، تحب ابنها وتساعده في الخروج من السجن، وتعتني به وتطعمه حينما يكون مريضاً. السجن كان عقاباً لإشعال النار في البيت وتضرر الأشخاص الموجودين بداخله. يعرف القارئ القصة بأكملها حسب وجهة نظر الشخصية الرئيسية: الاتهامات والجنح الموجهة إلى أمه. نهاية القصة مفاجئة نوعاً ما ففي حين يبدو أن لا خلاص للولد المريض الممتلئة روحه بالحقد وأن هوسه سوف يقوده إلى جريمة شريرة، نجد أن هناك، داخل أعماق روحه، مشاعر وعواطف دافئة تجاه أمه. وأخيراً تأتي لحظة المصالحة: «يتقاربُ رأسانا المهزومان . تختفي في صدري»، هذا بلا شك تأكيد أن المشاعر والعواطف الإيجابية، بالإضافة إلى الحب الحقيقي، قادرة على الانتصار على الأذى، الجرح، والحقد وإنه ليس متأخراً أبداً العثور على الحب في ثنايا قلب المرء. وسوف تبقى الأم أماً فوق كل شيء آخر، وسوف يكون الحب تجاهها دائماً اقوى من الكراهية.
العنصر الرئيسي الذي يظهر في غالبية قصص مجموعة «دهشة الساحر» هو المستقبل الذي ينزع بالفرد تجاه التأملات والبحث المستمر عن الهوية في مواجهة واقع اليوم الحالي فليس من المصادفة أن تفتتح المجموعة بقصة عنوانها «طريق النبع» التي يؤكد فيها المؤلف بوضوح على رأيه في المستقبل. طريق النبع هي ذكرى للطفولة، أيّام التعرّف على العالم وكل ثرواته وأسراره بطريقة مبهجة. يرسم المؤلف لوحة شعرية جميلة للقرية العربية. مكان محدد هو النبع، لا يعطي الحياة فقط لأشجار النخيل المحيطة، بل إلى الناس أيضاً. مناخ التفرّد لكل من المكان والوقت تم التأكيد عليه بواسطة الطقوس التقليدية التي يؤديها والد الشخصية الرئيسية. هذه اللوحة الشاعرية للماضي تصطدم بالوعي بأن كل هذا قد ذهب بلا عودة، كما ذهبت العشرون سنة من حياته حيث يتذكر بألم وحسرة كيف أراد أن يتوقف الوقت في هذا المكان بالتحديد. بصورة نوستالجية للطفولة يصنع تعارضاً واضحاً مع الأوقات المعاصرة حيث لا مجال للسحر أو الأسرار أو الاتصال القريب مع الطبيعة. الناس غير قادرين على التعلّم من الطبيعة والعيش بانسجام معها لكنهم يغلقون أنفسهم داخل حيواتهم المصطنعة. وتربط الشخصية الرئيسية بين ماء النبع القديم وقوة إعطاء الحياة والحكمة. لذلك فإن الطريق إلى النبع يعني الطريق لكي يجد المرء جذوره واستخراج الثروات منها. هذه هي الطريقة التي يحاول بطل قصة "دهشة الساحر» أن يعيش فيها. هذا الرجل كرّس حياته كلها لاكتشاف أسرار الطب الطبيعي. سافر إلى جميع أنحاء العالم وسأل الله والملائكة والنجوم أن يعيدوه إلى ارضه. ما تعلّمه طوال رحلته الطويلة امتد وراء الصورة الملازمة للحقيقة. كان مملوءاً بسائل مضيء يجعله يعيش بين السماء والأرض. استفاد الساحر من معرفته للخير للآخرين حيث أن في هرمة الاجتماعي يمسك الانسان بالمركز الأعلى. هذا الشيء له علاقة بتاريخ الأطباء البارزين الذين هم في نفس الوقت فلاسفة وسحرة كابن سيناء والرازي.
لا تخلو قصص مجموعة «دهشة الساحر» من الإشارات إلى شخصيات معاصرة كالخميني. ويفحص المؤلف هذه الظاهرة في قصة «الترانيم» حيث يقدّم الشخصية الرئيسية كرجل ذي موهبة متميزة في تأليف الترانيم التي تساعد الناس على إيجاد معنى وجودهم.
هناك شيء ما بداخله يسمح لنا بأن نرى العالم بأكمله في عينيه: الغابات، الأفق، المدن، والخلود. كل واحد ينتظر بتعطش ليسمع ترانيم إضافية رائعة تجعل الواقع المحيط بهم يتغير. من القصة نستطيع أن نرى كيف حدث هذا في إيران حيث أُعطي رجل بسيط ومريض التبجيل الأقصى.
أما قصة «نجمة الصباح» فتظهر كيف يؤثر الماضي في شخصية الانسان. فالشخصية المحورية وهي رجل عمل صحفيا بجريدة كبرى مدة 32 عاماً يتذكر مناخ العمل الذي ساد قبل وفاة مالكها بحنين إلى الماضي. إنه لا يستطيع أن يجد نفسه في الواقع الجديد تحت إدارة ابن المالك الذي لا يهتم إلا بمصالحه الخاصة. هناك تناقض شديد بين المالك الحالي والمالك السابق للجريدة. إن تغيير النظرة إلى العمل وكذلك إلى الموظفين هو علامة واضحة على مجيء نظام جديد.
ففي الماضي كان العمل بالنسبة لهذا الصحفي أشبه بالمهنة المقدسة، حيث يمنحه الإحساس بالإنجاز الذاتي. إنه غير قادر الآن على التكيف مع البيئة الجديدة ولذلك يقرر تدمير مصدر المشقّات التي يعانيها. غضبه موجّه نحو المالك الجديد الذي يقتله في نوبة غيظ شديد. وفي الوقت اللاحق، يقف البطل بلا حيلة تجاه الماضي المتصادم مع اللحظة الحالية.
هذه الموتيفة تستمر في المجموعة القصصية التالية لـ عبدالله خليفة واسمها «جنون النخيل».
كما يرى القارئ. إنه من الصعب للمؤلف أن يكون على وفاق مع التغيرات الاقتصادية والعمرانية المستمرة. ويبدو هذا جلياً في قصة «النوارس تغادر المدينة» حيث يقول: «الآن هو غريب في المدينة. لا أحد قربه. سوى الطيور والمشترين وركاب الباصات الذين لا يرون وجهه.
لم تكن ثمة نوارس في الساحة.
كانت بشعة، ومملة. المارة الغرباء لا يلتقون إلا للافتراق. الوجوه تتبدل دائماً بسيول من السحنات واللغات.
كان يحدق في الطيور العابرة، يسأل عن رحلاتها المستمرة في الكون. أسراب بعد أسراب وهو يتآكل ويتأمل، رجله المقطوعة سلسلته في اللعبة الخشبية: بدلاً من جناحي الحلم، فقد المشي».
حتى النوارس المذكورة في العنوان غير قادرة على التكيّف مع الواقع الجديد. إنها تعاني شحة الفضاء والحرية والبحر المانح للحياة بينما الأشخاص الجالسون في بيوتهم الفخمة، أمام بركة السباحة وهم يشوون اللحم على النار، يطلق عليهم ضحلين ومعاقبين من قبل البحر الذي يفيض ويغمر محطة الكهرباء الساحلية، ففي قصة «جنون النخيل» يقول: «إن الماء يهز الأعمدة والساحل كلّه يتقلقل ويأكل الرمال». كما نقرأ أيضا عن العواقب المأساوية للبيئة الطبيعية كنتيجة لتطوّر المدينة. فالعمال يثبتون الأنابيب وسط البساتين ويرمون عشش الطيور في براميل المخلفات ويقطعون أشجار النخيل التي هي جزء أساسي من طريقة البحرينيين في العيش. ففي نفس هذه القصة يرد ما يلي: «كانت النخيل ذوات وجوه آدمية، متكلمة، متجهمة، تتغلغل جذوعها في مياه البحر، وتبدو كقطيع واسع من المردة المحبوسين».
على الرغم من ذلك يهتم المؤلف كثيراً بالتقاليد التي لا تدحض تقدّم الحضارة بالكامل وقد انعكس هذا في المجموعة القصصية «سيد الضريح». فلعدة سنوات درج عبدالله خليفة على كتابة ملاحم عن تاريخ البحرين ومنها رواية «الينابيع» التي تعود إلى بداية القرن العشرين حتى الالفية الجديدة.
شخصيات تاريخية عديدة ومن بينها حكّام البحرين وكذلك مواطنوها، الحاكمون البريطانيون وآخرون، بالإضافة إلى حقائق من التاريخ المعاصر للبلاد، خصوصاً اكتشاف النفط الخام في الثلاثينات، والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي أحاطت بهذا الحدث، كلها يمكن أن نجدها في هذه الرواية.
العالم المقدّم في قصص وروايات عبـــــــدالله خلــــــــيفة مليء بالتأملات والأفكار الشخصية علاوة على التجارب والمخاوف والأمور المقلقة. الحياة حافلة بالكفاح ضد القدر والنضال من أجل العيش والمشاكل والخلافات الداخلية. الناس يكافحون بصورة مستمرة ضد الحواجز التي هي نتيجة البيئات المحيطة والتي تشكّل النفس والروح. ومهما كان تعقيد خط القصة فإن المؤلف يريدنا أن نفهم أن هناك قيماً أعلى تمنح الانسان القوة للقتال ضد كل الكوارث والظروف المعاكسة التي سيجلبها القدر. هذه القيم هي متع الحياة والقدرة على رؤية الجمال في العالم والعيش بانسجام مع الأشياء المحيطة، واحترام التقاليد، والحرية، والحب والأمل.
ــــــــــــــــــــــــ
الدكتورة باربارا ميتشالاك، أستاذة الأدب العربي بجامعة جاجيلونيان في بولندا، والمهتمة بالأدب العربي والأدب الخليجي خصوصاً
رواية «عمر بن الخطاب شهيداً» تثير أزمة جديدة في البحرين
مؤلفها عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الوزارة التي «احتجزتها» سمحت بـ«رأس الحسين»
أثار قرار وزارة الإعلام البحرينية احتجاز رواية عمر بن الخطاب شهيداً أزمة جديدة في البحرين بين شريحة واسعة من الأدباء والمثقفين والوزارة..
واستغرب مؤلف الرواية عبـــــــدالله خلــــــــيفة، في حديث لـ«العربية.نت»، أن تحتجز وزارة الاعلام روايته رغم صدورها في الخارج أصلا وقد سبق لها أن وافقت على دخول رواية أخرى له وهي «رأس الحسين». في الوقت نفسه، قالت وزارة الاعلام في تصريح صحفي إن «إخضاع الرواية للرقابة هو إجراء طبيعي».
وقال عبـــــــدالله خلــــــــيفة لـ«العربية.نت» إن عددا من مثقفي وأدباء البحرين شكلوا لجنة للبحث مع وزارة الاعلام بمصير الرواية وإلى متى ستبقى محجوزة، مضيفا: رواية «عمر بن الخطاب شهيداً» هي عمل أدبي حول دور الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الفتوحات وإقامة عدالة إسلامية والدفاع عن الناس وخاصة الفقراء.
«تشخيص» الصحابة
وتابع عبـــــــدالله خلــــــــيفة، وهو كاتب بارز أيضا بصحيفة «أخبار الخليج»، «الشخصية الرئيسية أي البطل في الرواية هي عمر بن الخطاب كما هو معروف في التاريخ، وتشخيص الصحابة شيء قديم جرى في كتب السيرة والروايات المعاصرة كما فعل الكاتب أحمد علي باكثير قبل أجيال عندما كتب عن سيرة عمر عدة أجزاء بشكل قصصي».
وعن استخدامه «الشهيد» في اسم الرواية، يقول «لأن الخليفة عمر بن الخطاب قُتل جراء مؤامرة فارسية خططها أبو لؤلؤة المجوسي وآخرون عندما طعنه أبو لؤلؤة بخنجر في المسجد، وبالتالي هو شهيد كونه لم يمت موتة طبيعية».
وأضاف عبـــــــدالله خلــــــــيفة أن الرواية «ركزت كثيراً على شخصية عمر بن الخطاب كبطل مناضل من أجل الناس العاديين واهتمامه بالنساء البسيطات والمرضعات، وعرضت للجوانب الإنسانية في شخصيته بشكل أدبي حديث وليس بشكل روائي سردي تقليدي».
ولفت إلى أن الرواية هي «نص أدبي قائم على أحداث جرت لأنه يتناول رموزاً إسلامية كبرى ولا نستطيع أن نبتكر فيه خيالاً، لكن ما قام به من فتوحات كبرى هو العمل الخيالي في تلك العصور ونحن الآن لا نستطيع أن نحرّك حجراً».
وزارة الاعلام توضّح:
وكان مصدر مسؤول بوزارة الاعلام البحرينية أعرب عن أسفه لما نشرته صحيفة «الأيام البحرينية» بشأن إحالة رواية «عمر بن الخطاب شهيداً» للمؤلف الروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة الى وزارة الشؤون الإسلامية، معتبراً ان ما جاء في هذا الخبر هو بعيد عن الواقع والحقيقة وتضمن اساءات واتهامات غير صحيحة.
وقال المصدر، الذي لم يكشف عن نفسه في رده للصحيفة ، إن إدارة المطبوعات والنشر بوزارة الاعلام كانت ومازالت تتبع نفس الإجراءات التي نص عليها القانون بشأن إجازة المطبوعات والتي يعرفها جميع العاملين في هذا الحقل الثقافي وتأتي ضمن التزامها ومسؤوليتها عن تطبيق القانون وليس «انسياقاً منها وامتثالاً للخطابات الظلامية»، كما جاء في نص الخبر المنشور في الجريدة.
إلا أن عبـــــــدالله خلــــــــيفة رأى، في حديثه لـ«العربية.نت»، أن رواية «عمر بن الخطاب شهيداً» صدرت خارج البحرين عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمّان، وأي كتاب يصدر في الخارج تسمح به وزارة الاعلام بشكل عادي لأنه يخضع لرقابة مسبقة في دولة عربية أخرى، ولكن أي كتاب يصدر في البحرين يحتاج موافقة وزارة الاعلام.
«رأس الحسين»
ووصف إجراء الوزارة بأنه غير طبيعي أبداً «لآن الاجراء الطبيعي هو أي كتاب يصدر في الخارج يدخل البلد بشكل عادي، وأي كتاب يصدر في البحرين يحتاج ترخيصاً، وهذا الكتاب دخل دولا عربية أخرى والوزارة لدينا تحتجزه منذ شهر، علماً أنه سمح لكتاب سابق لي بالدخول وهو رواية (رأس الحسين) عن الدار العربية للعلوم في بيروت.
وأشار إلى أن روايته «عمر بن الخطاب شهيداً» هو جزء في سلسلة بدأها بـ«رأس الحسين» وسوف يصدر روايات أخرى عن علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما.
واتهم عبـــــــدالله خلــــــــيفة، ما أسماهم بـ«المحافظين الدينيين»، أنهم «لا يريدون من أحد الاقتراب من الإسلام أصلا ويحاولون احتكار الإسلام وأي قوى أخرى تحاول أن تحترم رموز الإسلام وتكتب عنها تعتبره شيئاً غريباً».
وكان خليفة قد صرّح لصحيفة «الأيام » البحرينية أن من احتجزوا كتابه هم «نسخة من تلفزيون قندهار فيما المشتغلون فيه عاجزون عن فك الخط، وإجادة اللغة العربية، لتستعصي عليهم قراءة نص رواية (عمر بن الخطاب شهيداً) والذي كتب بلغة إبداعية بسيطة جداً، تبجل شخصية عمر بن الخطاب وتظهره كبطل تاريخي عبر سرد فتوحاته ومواقفه من قضايا الناس والدفاع عنها».
وردّ عليه مصدر في وزارة الاعلام بالإعراب عن «اسفه لعرض الموضوع بصيغة خارجة عن مفاهيم الصحافة والثقافة بوجه عام لما اشتمل عليه الخبر المنشور من إساءة وتجريح لشخصيات معروفة بثقافتها واطلاعها الفكري وللعاملين في في قطاع المطبوعات والنشر بالوزارة.
دبي- حيان نيوف
نشر في: 08 أبريل 2007
كانت تأخذني الخطواتُ لهذا الحي، أدخل في الأزقة المتلوية، كان هنا باعة للحلوى والشربت، ثم تلتفُ الدروبُ حتى تصل للسوق. هنا كنت أتّوهُ من يتبعني، ثم أعودُ لدربي الأصلي، وفي عطفةِ الزقاقِ أقف أمام الباب وأدق الجرس، الذي يرنُ في الداخل بخفوت.
يفتح الأستاذ عامر الصيرفي بطلتهِ الهادئةِ الرزينة وبهيئتهِ الوسيمةِ وببياضهِ الوردي. أدخلُ وإذا بثوبٍ نسائي يتوارى بسرعة.
المجلسُ خالٍ إلا من سجادةٍ ومساندٍ وفرشٍ هابطٍ قربَ الأرض. الأستاذ عامر وجهه إبتسامة دائمة، أذرعٌ تبدو حنونة لكنها لا تأخذ أحداً بالأحضان، ثمة مسافةٌ متوترة دائماً.
الآن البيت يسكنه آخرون، معالم الحي لم تتغير كثيراً، البيتُ القريب الكبير لا يزال رثاً، ونوافذُهُ الخشبية المنمنة تذكرني بالقديم الأليف.
من أي شيء يتشكل الزمن؟ ماذا بقى منا؟ كبرنا وتنائينا والأستاذ ليس بطلته المتألقة.
هنا كنتُ أجيء من شرق المدينة ماشياً، خطواتي الطلابية سريعة ونشطة، هنا كنتُ ألتقي بثلة، نغزلُ أعلاماً وخيوطاً ترابية. الأستاذ يقرأ وريقاتنا الصغيرة، ويعلقُ تعليقاتٍ خافتةً جافة.
ثمة فرقٌ كبيرٌ بينه وبين عامل الطيران سلمان الذي كنتُ ألتقي به في حينا، هناك الإجتماعات لها طعمٌ آخر، العاملُ المفتولُ العضلات، القصيرُ، يتفجرُ بالمعرفة، شراراتٌ تنطلقُ من الكتب والتقارير والأخبار، بحرٌ من الأفكار يتدفق، تُطحنُ النظريات الصعبة، وعامر هنا خافت، تعليقاته وامضة نازفة، لكن مظهره هادئ دائماً، يشعرني بالملل، خيوطُ الأحاديثِ قصيرة، البيتُ راكدٌ، لا يظهر إنسانٌ فيه، يُسمع حيناً سعالُ رجل عجوز، وقد تفجرَّ حزناً على عامر حين أخذوه ذات يوم وهو أيضاً مدرس لكنه مدرس كتاتيب، أتذكرُ المدرسةَ الواسعة التي كان يعملُ فيها عامر، إندسستُ فيها هناك ذات فصول تجريبية حين رحت أجرب أستاذيتي، ورأيتُه مشرفاً تعباً على حقول من الشوك البري، فوضى الطلبة والعصا في يده والهدوء والعصبية الغائرة تحت جلده، لم يره أبداً غاضباً، الدماثة في عظامه.
أحسسّتُ بالارتياح حين قُطعت الإجتماعات معه، لا أعرف سبب هذا الثقل الفظيع الذي أشعر به معه، لماذا لا توجد كتب هنا؟ لماذا هذا البيت يرقدُ في الصمت الغريب؟ لماذا لا أحد يظهر، أي كائنٍ، إمرأة أو لد أو كهل؟ لا توجد شجرة، لا يطير عصفور أو حمامة؟ لماذا هذه الأحاديث القصيرة المعلبة؟ كيف أشعرُ بالحنين المستمر لعامل الطيران؟ هناك أصعدُ في الأجواء، وأرى بلداناً وقارات معرفة، وشرارات تظهر في كل لحظة من سطر، وخبر، ومن حوار لا يهدأ، وهنا السجادةُ الصامتة التي تكاد أن تتمزق.
الأستاذ عامر يسكن داخلي، أشعرُ بتأنيب الضمير لأنه بتُّ أكرهه، لا أود أبداً أن ألتقي به في خلية، ومن حولي أسمعُ المدائحَ له؛ البطلُ الصامدُ وراء الجدران، القادم من أعرق الجامعات، الذي تركته خطيبتُهُ الخائنة، الذي توحد وصار أعزباً لزمان طويل، يزرعُ حقلَ الغضب بأشواكه الحارقة.
لماذا أنا وحدي أشعرُ بالأسى والتوتر والسأم؟
أودُ أن أمضي لداخل الأستاذ الصلد، المحمي بالأبتسامات الدائمة والبراءة والمجاملات، أن أعرفَ ماذا يدورُ داخله، لماذا لا تفيضُ المعرفة، ولا تتعرى الحقولُ النازفة، ليس لديه معول للحفر، ثمة بلادةٌ غريبةٌ، وكذلك ثمة حماسٌ لا ينقطع للتقارير وسماع الأنشطة وغزو العالم كله!
كانت الأبواقُ تتفجر خلفي.
ولم يعد من الممكن الدخول في الحي. ثمة لوريات كبيرة تشحنُ أشياءً. أداةُ هدمٍ كبرى مثل جرادة حديدية عملاقة وقفتْ أمامي. غبارٌ يتطاير في الهواء ويضربُ النوافذ.
بدا أن الوصول لبيت سيد جواد غدا مستحيلاً، وما يزالُ هاتفُ بسمة مغلقاً!
ركنتُ السيارةَ قرب جدار بيت، ومشيتُ وتغلغلتُ في الأزقة حتى إنفتحت ساحةٌ كانت كلها غبار. كانت العديدُ من الشاحنات تمتلئُ وتضجُّ بهدير وتطلقُ حمماً، الدائرةُ شبهُ مشتعلة، البيتُ عليه غلالةٌ من غبار، وثمة ستائر كلها تراب، والعمال يَخرجون أشباحاً يصرخون ويقذفون الحصى والتراب وما خُيلّ إليّ إنه جن وعفاريت!
عدتُ للسيارة وملابسي ملوثة، وما زال البيتُ يحيطني، وأنا بين الغفوة واليقظة الشديدة، أجدُّ نفسي في الحانة المعتمة. بضعُ سيوفٍ وشرارات نارية وامضة، وروؤسٌ غارقةٌ في العتمة.
في الكأس صورٌ بعيدة.
في السجن البري البعيد لم أكن أتوقع أن أعيشَ بضعة شهور مع الأستاذ عامر. مرت سنواتٌ كثيرةٌ لم نلتقي بعد تلك الجلسات في مجلسه الهادئ البارد.
أُضيفتْ تلك الشهور للعذابات السابقة، الأستاذ حضر قبل فترة وجيزة، رُئي من سجناء متعددين وهو يُضربُ في جرهِ للتوقيف، إحتفظَ بملابسه المبهدلة وبكرشه، ولم يحتفظ بشعره الذي زال أغلبه، ولا بقوةِ بصره، لكن ذاكرة الأخبار كانت مشتعلةً في رأسه، من خلال القضبانِ في مكانِ التوقيف بالمدينة، راح ينشرُ لي البطولات التي حدثتْ في غيابي، وكان هو في مركزها، كانت عروقُهُ في الورق الناري الذي يتسللُ للبيوتِ النائمة، في الأستادات الرياضية التي تقفُ حداداً لأمهاتِ الرفاق المتوفيات، في المصانع التي تتوقفُ فجأة إحتجاجاً، في أغاني الشباب التي تُؤلفُ وتلحنُ وتشدو بالحرية.
لكن الآن في تلك الزنزانة البرية البعيدة، المقذوفة تحت أحذيةِ الحراس البدو، الآن أجدُّ الأستاذ الهادئ البارد نفسه، كل ذلك الشرر المتدفق، كل الرسائل المحترقة، تستحيلُ إلى قالب من الثلج، الأستاذ يستند للجدار، ويغيبُ طوال اليوم عني، لا أسمعُ سوى تنفسَهُ الرتيب العالي، يتصفح بضع صفحات ثم يغيبُ في ذلك العالم الغافي، يضع البطيخة المجلوبة من الأهل في الماء البارد الذي يُشرب، ويأكلها بأصواتٍ مزعجة، أحاولُ جره للأحاديث، لكن لا أسمع سوى كلمتين، تضج الزنزانةُ بالملل والتعب، يُطلبُ الأستاذ نهاراً للمدينة، وأتوقع أن ينطق كثيراً بعد ذلك الذهاب المريب الغريب، لكنه لا يقول سوى أن أحداً من أهله مريض أو محتاج، ويتكرر الذهاب كل يوم.
أرتعب من هذا الذهاب ثم من إستمرار الصمت حتى تم إطلاق سراحه!
أين لغة الحرائق في ذلك الرجل؟ كيف يتمكن من حفظ كل تلك الأخبار والوجود في كلِ إشتعالاتِها ونتائجها، ثم يلوذُ بالصمت الثقيل؟ وأبحث عنه ولا أجده، صار في غيابي الطويل يعذبني، لغزهُ لا يُحل، الكلماتُ المتقاطعةُ تتفككُ وتتناثر بين الأصدقاء، الأستاذ بلا عمل بعد إطلاق السراح، الأستاذ يفشل في إمتحان شركة باللغة الإنجليزية، الأستاذ لا زال يصعد البنايات ويلتقي بالرفاق ويسلم المنشورات، الأستاذ يذهب للمستشفي. . أتوقفُ عن اللهاث وأنا أبحثُ في أزقة المدينة عن وجوه قديمة، عن الأسرار.
قالت لي الطيور في الحانة إن الحياة لغز كبير، وأروح أحولُ الدخانَ لأسئلةٍ ممضة، كنتُ مرتعشاً بالسرور لأني جلستُ في المأتم أعزي، قرب الأستاذ عامر، بعد كل تلك السنوات ألتصقُ به ثانية، أسلمُ عليه بحرارة لكن الأستاذ لم يعرفني!
رحتُ أقرعُ كأسي مع الفراغ.
كانت ثمة رؤوسٌ تتجادل بخفوت. ثمة كائنٌ حوله هالة من عتمة. يلمع جانبٌ من وجهه قليلاً ثم يغرق في الرماد. الشبح إرتفع حسّهُ لحظة، سارت حشراتٌ كأنها نحوي:
- ماذا بك يا سيد ترى المكان بإدعاء؟ من أنت؟ نعرف إنك متعلم، وترسم، ولكنكم مجرد كرات صابون تطير في الهواء يطلقها الأولاد! من منكم يحمل سيفاً بتاراً ويقطع رؤوس الكفار؟ كلكم خرجتم وتقاعدتكم وطلبتم المعاش من الشركة الأم! هل كنتم مثلي تنطلقون بالكميت وترفعون؟
راح الرجل يقلد ضربات الفرس على الأرض بأصواتٍ عالية مضحكة، وكان الرواد يلتفتون إليه. لكنني لا أعرف هل كان يوجه إليّ نظراته على ما يبدو وكلماته؟
في غلالة الظلام وصراع العتمة الشديدة وخيوط الضوء لم يكن رأسه يبدو لي. وكانت الرأسُ تتحرك مثل سنديانة، وتظهر ملامحٌ مذهلةٌ مع خيوط ذائبة ثم تتوارى وتحل أصواتٌ عالية مرعبة!
لكن هذا الصوت سبق أن سمعته، لكن أين؟
- لا تتلفت هنا وهناك، لا تختفي، تعالْ إليّ لتنهل من سيرتي. هل تحسبني جاهلاً؟ لقد قرأتُ الكثير في العزلة الطويلة، وخرجتُ بفرسي، من منكم خرج بفرسه وسيفه مثلي؟!
إنفجر الهاتف في حضني. تحسستُ الضوء والأرقام. كأني في السيارة الأجرة المحطمة بين حشود غاضبة، كان صوت بسمة يجيء من قاع عميق، صاحت: تعالْ إليّ! ثم إنطفأت ثم إنغلق الخط على أصابعي ولساني.
جلستُ وقد نسيتُ صخبَ الرجل المهووس، لكن فجأة رأيتُ جسماً ضخماً يمشي ببطء وتثاقل، الرجلُ نهضَ من زاويته، الصوتُ العالي توارى، حلّتْ مسكنةٌ غريبة، أقدامُهُ كانت تجرجرُّ معها روحَ البلاط، تطلعتُ للرأس الضخمة، وللوجه ذي العين الوحيدة، والأثلام المتعددة، فضحكت وأنا أرى سالم الوحش الذي كان يتعارك بقسوة في سجن الجزيرة الساحرة ويقطعُ الرقابَ بالموس.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة:
رواية ــ رسائلُ جمـال عبدالناصر السـريةِ
«هو الاسطورةُ الغائبةُ الحية، له أسرةٌ واسعة من الطمي والتاريخ والرموز، ما زال يرقبُ الثورةَ المغدورة، يمشي بين الجمهور، يرسلُ رسائلَهُ عبر الزمن».
هو هنا يمضي، على عرشِ النيل الخالد، قلوبِ الجماهير.
يرى جمالٌ أصابعَهُ تشقُ الجبلَ، وتنهمرُ المياهُ، ومن الزقاقِ الضيقِ والباعةِ الصغار راح يطيرُ في الفضاء قربَ السحب، يمسكُ جذورَ النهر ويحولُها عن صخورِ الطحالب، يقربُهَا من منازلِ الصيادين والخدمِ وعمالِ التراحيل، يكسرُ أحجارَ الجبال ويضربُ بها العمالقةَ الطالعين من القبورِ والكهوفِ ويركضُ السحرةُ حولَهُ ويمسكون ساقيهِ الضخمتين المتشبثتين بتاجِ فرعون، يفضهم كورق الشجرِ نحو الزنزانات والفيافي، يتطلعُ للأزقةِ المزدحمةِ الخانقةِ فيجدها لم تتبدل، والفولُ هو نفسُهُ صغيرٌ صغيرٌ حتى كأنه لا يُرى، لكنه صامدٌ أبدي في الشوارع مع الدخانِ والبخار والذبابِ، يهجمُ جمالٌ على السحبِ والغبار والأموالِ وتعلو المداخنُ توزعُ الأرغفةَ على الجائعين، وتملأُ رئتيهِ رماداً فيحولُهَا لسجائرَ ثم غليوناً وتتغلغلُ في خريطةِ ظهره.
ـــ 1 ـــ
يتدفقُ حشدٌ غريبٌ في الشوارع، أسمالٌ تخرج من النهر، ومن لحاءِ الشجر، ومن الكساراتِ المليئة بالغبار ومن الأقمار وشظايا الحجر، ومن بين الورق الأصفر الذي داستُهُ الأحذيةُ في كلِ مواسم الخريف، ومن داخل الأكشاك التي حُشرت فيها الهياكل العظمية والدائخون من الذبحات الصدرية والسل وخواء العقول والجيوب.
هذا الجمهورُ لا يعرفه، هذا النمل البشري لم يُعدْ من قبل، في ظل الاحتفالات المهيبة، إنه يتغلغلُ في بدلتهِ العسكرية، ويشوي الضفادع في الليل، النهرُ صمتَ فجأة، وظهرتْ التماسيحُ تضحك، الشعبُ يزحفُ مثل النمل الكثيف، يملأُ الأرصفةَ ويقعدُ على الأسفلت ويعطلُ الباصاتَ والسيارات والحفلات في الليالي الباردة المملة.
يحدقُ بمنظارهِ المُقَرِب، المياهُ الحارةُ تتدفقُ فوق أجساده، تصليه بنيران مُحولةً من النهر، مطرٌ ساخنٌ وهو يتناثرُ ويعودُ يتكون ويتمسك بالأحجار. أهو نفسُهُ الذي كان يزحفُ في الأرياف والشوارع ويجري وراء قطارهِ أو سيارته؟
– ما هذا يا محمود؟ كيف خرج كل هؤلاء من سمح بهذه الفوضى؟ لم أقل شيئاً من ذلك! من وراء هذا العصيان والتسيب الغريبين؟
– سيدي نحن لم نأمرهم. نقاومهم في كل لحظة. لكنهم متشبثون بهذا الخروج والتجمهر، نضرب، نضرب بقسوة، ولكنهم يعودون لأماكنهم. هل نستخدم الرصاص؟
– لا! هم أولادي، أعرفُ طلبةَ الجامعات يتحمسون للوطن ويزايدون علينا.
– ليسوا هم طلبة جامعات، بل عامة غرباء، ورثاث خلق طَلعوا من المقابر.
– من المقابر؟ ماذا تقول؟
– ضاقتْ بهم الأرض.
– ألم أحررْ الأرضَ، ماذا يريدون أكثر؟
– لا يا سيدي. لم تحررْ الأرضَ بعد!
– ماذا تقول؟ في أي سنة نحن؟!
يتأملُ قامتَهُ في المرآة، يرى أكثر من وجه.
موسى بشعرهِ الكثِ السائبِ وثوبه الأبيض القذر المغسول برملِ الصحارى يتقدمُ إليه وينحني:
-ألم أقلْ إنك إلهٌ؟
– كفْ عن هذا الكفر!
– لماذا تنكرُ نفسكَ يا أخي؟ لماذا تتفعى وتندسُ في الورق الأصفر والأبيض وأنت شمسٌ طالعةٌ من وراءِ الكثبان السوداء؟ أنظرْ إلى أصابعك كيف تلدُ الكفورَ والمصانع والآلات المزهرة، كيف يرتفعُ الطوبُ من بين الأجداثِ والمقابر وتلالِ التراثِ الملأى بجثث العفونة من نفحِ يدك؟
– لكن أن أكون إلهاً؟
– لم لا؟ غادرتْ سماءكَ الفارغة، المملة، بين الملائكةِ والعفاريت، الثنائي الغرائبي، وبدأتَ التاريخَ المختلفَ، الإلهُ في الناسِ، والنورُ ليس في الإهرام بل في صكوكِ الأرضِ تُعطى للمعدمين، والآلاتُ رفيقةٌ بالعاملين، والأشجارُ المثمرةُ تنهمرُ عنباً ولوزاً وخوخاً على الجائعين، جاءَ زمنُ قيامة الإنسان!
– خذوه!
يجلسُ مسترخياً، وعصاهُ تتمددُ وتصيرُ ظلاً طويلاً، يلتفُ على موسى، الذي يتأوه، ويُخرجُ من يديهِ دوداً ينتشرُ على البساط الفارسي المنمنمِ بالأشكالِ الهندسية الراقدة. يتجمعُ الدودُ على العصا، تمشي نحو أنفهِ الضخم، تدخلُ فيه طوابير، وتنطلق صفاراتُ الإنذار، وتمشي القطاراتُ المحملةُ بالجنود، أسلحتُهم تلمع، يطلقون النارَ على الظلال، يدخلون أنفاقاً ولا يخرجون. مصانعٌ كثيفةُ الدخانِ تتوهجُ بنيران، وموسى يُربطُ ببدلةِ المجانين، يُجرُّ بقوة، وهو يصرخ: لا إلهَ إلا أنت!
يقتربُ من نعيمةَ الراقدةِ على السرير، هذا الجسدُ أصبح في خطر، وهذا الوجهُ هادئٌ مثل صخور الفراعنة يتفتت، يجلس ويتأملُ البهاءَ والجمال والمُطلقَ، شعرُهَا أسود يرفضُ الاعترافَ بالزمن، وثدياها هضبتان، وتنطلق موسيقى هادئة، كانت تعيدُهُ للطينِ وقوارب المجدفين في النهر.
يتحسسُّ حرارتَها. يضعُ كمادةً أخرى، تفتحُ عينيها:
– ألا تزال ساهراً. أنا بخير!
تقبلُ يدَه.
تلاحظُهُ كائناتُ العمارةِِ زوجاً هادئاً، وامرأةً ساكنة، وشقةً لا ينبعثُ منها صراخٌ ولا بكاء، عسكري تحت أبطه جرائد وكتب دائمة، تطيرُ فراشاتٌ من عينيه، فجأةً رأوا صورتَهُ في الورق المبهر.
يصطخبُ السكانُ قربَ المصاعدِ وداخله وفي إنتظارهِ وتعطله، وجمالٌ يصعدُ بهدوء، كأنه يحذرُ أن يصطدم بزهور نابتةٍ بين ثغراتِ البلاط الشائخ.
الصبي يطالعُ حذاءَهُ الأسودَ الضخمَ الذي يقبلُ البلاط.
– ماذا حدث لك يا سمير؟
– سقطتُ وأرى حذاءك القوي.. القوي!
يحمله ويقبلُ الفتى الضئيلَ في خده.
يأتي حاملاً ورقاً: سلسلةُ همومٍ منتشرةٍ في الحروف، كتبٌ ومجلاتٌ طالما خدعته، يتذكرُ كيف نامَ أخواه على مخداتِ كتبهما الضخمة، وهو يجري في أوردةِ الأرض.
يعودُ لغرفته، أبٌ مهموم، في زمنِ الملكِ صديق الراقصات.
– نعيمة هل نمتِ؟
– كيف يأتيني النوم وأنتَ قلقٌ تهزُّ السرير كما لو كنتَ تهز العرش؟
– لن أهزَ العرش، بل سوف أسحقه.
– لا تتكلمْ بذلك فلست سوى ضابط صغير.
– بل عقيد، سكتُّ طوالَ عقدين من السنين، قرأتُ كتباً بعددِ موجات النهر، فآن لهذا الرقص الداعر أن يتوقف في القصور.
– أتكفي قراءة الكتب لتغير أرضَ البراكين والطمي وكهوف السحرة؟
ينحني رأسُهُ على الكتاب. يغفو. يرى كائناً غريباً يتقدم. يسمع أصواتاً تملأُ الفضاء.
(إنهضْ يا أوزريس، أنا ولدكَ حوريس. جئتُ أعيدُ إليك الحياةَ لم يزلْ لكَ قلبك الحقيقي، قلبك الماضي)،(1).
النافذةُ تصهلُ بقوة، تنفتحُ ويهب أعصارٌ.
يصحو، والكتابُ يطيرُ ويضربُ الزجاجَ، وتنهضُ نعيمة خائفة.
السماءُ تتفجرُ ببروق، زوجتُهُ تحضنه.
في كلِ خميس يأتي حاملاً وردةً لها. كانت تضجُ وتصرخ وتبكي حتى هدأت، عرفَ مفعولَ الياسمين، من العنابر والثكناتِ ومن بين فوهاتِ الدباباتِ يأتي هادئاً، يطيرُ من السماء وينغمرُ بالطين، يشيعُ الحبُ في السلالم الضاجةِ بالصراخِ والأسئلةِ والشتائم. النسوةُ أول من إنبهر به. الرجالُ ضجوا بالغيرة:
– ما هذا العسكري؟
لم يروا عسكرياً جميلاً، لم تعاشرْهم بدلةٌ ذاتُ نجمةٍ ولم تنزل مطرَها الناري.
– ماذا بك يا جمال يا حبيبي؟
– أنا بركان.. أعذريني، أعماقي تتفجر.
– أنت لا تنام، لا تشبع، وتجري لهذا الجيش .. الحثالة!
– لا تقولي ذلك!
– في لحظةٍ كان كارثةً. تذكرْ المماليك، تذكرْ محمدَ علي، تذكرْ هزيمةَ عرابي!
– لا، لا! سيكونُّ هذه المرة فجراً جديداً.
– دَرّسْ في الكلية العسكرية، أكتبْ مقالات، كتباً، لكن لا تمشي بين الأسراب المجهولة المنقضة في الليل!
– لا أعرفُ الكتابة، بقدر ما قرأتُ تنامُ السطورُ تحت قلمي. ثمة إتصالاتٌ غريبةٌ بيني وبين الأبطالِ والشهداء والأموات. تمتدُ أفاعي الحياةِ في أحلامي من بين السافانا والبردى، يظهر صناعُ الأهراماتِ يكلمونني.
– خذْ أقراصاً مهدئةً قبل النوم.
يصرخُ في البريةِ الخالية من العاشقات، المليئةِ بنسوةٍ يسجدنَّ للمخابزِ ورياضِ الأطفال وفساتينِ السهرةِ وهو يدخلُ جوفَ دبابةٍ ويقتحمُ القلاع.
فتاةٌ جميلةٌ هادئةٌ هامَ بها في المدينة، الوحيدةُ التي دخلتْ في زقاقِ فقرهِ وقَبَلته. النسوةُ الأخرياتُ ضحكنَّ على ثوبه، والحقيبةِ المهترئةِ التي يحملها.
حبسَ كلَ عفاريت القرية وأضاءَ لمبةً في روحه.
يتأملُ القلاعَ المملوكيةَ وكيف يقتحمها.
أدمنَ الشطرنج.
أخواه هارون وإبراهيم يفترقان منذ أن لعبا الكرة. كبرَ وأحدهما يدوامُ في المسجد والآخرُ في الخلية. هذا يذهبُ لمكتبةِ الأزهرِ والآخر مكتبة الهلال. هذا يبيعُ وذاك يشتري، وهو يطلعُ على الحروف الميتةِ التي يقرآنها ويفضلُ النزولَ للجداولِ الحية حيث الترعُ تضجُ بأجسادِ الفلاحين والنسوة المتلفعاتِ بالأغاني وخلاخيل السحر والمياهُ تغيرُ الجلودَ والتضاريس.
يشتبكان ويفضُ نزاعَهما، يطردُ هارونُ إبراهيمَ وهو يسهرُ معه في العراء.
حتى جاءتْ نعيمتهُ وأسكنتهُ فسيحَ جناته.
تزوجها. أمتلأتْ عيادتُهُ الحربية بالأشباح، يقتحمون القصور، وبساطُ ذلِ القرون كله تحت حذائه.
أخواه يتسللان إلى جيشه، يتغللان ويتكلمان كلاماً غريباً:
– جمال طول عمره لا يعرفُ الناس.
– منعزلٌ وعسكري مغلقُ الرأس.
– هو بلا بوصلة، بلا عقيدة، مجرد بدلة فارغة!
– يسلمُ مصرَ لضوارٍ جديدة!
حشودٌ من الضباعِ تحيطُ به، الوجوهُ البيضاءُ النازلةُ بالمظلات، الأجهزةُ التي تتنصتُ على إلتصاقهِ بنعيمة، عيونٌ كثيرةُ تحيطُ بدروبه، والقهوةُ قبل أن يشربَها سممتْ عساكرَ قرويين.
يحتضنُ أخويه ويريهما جسدَهُ المثقوب.
هؤلاء رفاق السلاح لا تطلقوا عليهم كلماتكم الجارحة.
يعودان لكائناتِ المستنقعاتِ ويطلقان الورقَ والجرادَ في السماءِ الواعدة بشم النسيم.
تعودُ الضرباتُ المخيفةُ على الأبواب في منتصف الليالي المقمرة:
تتدفق الشاحناتُ المليئةُ بالنظاراتِ الطبية والأجساد الضامرة متجهةً للصحارى، وتنتشرُ معسكراتُ فراغِ المفكرين المجبرين على الصمت.
تهمسُ نعيمة:
– جمال ليكنْ صدرَك بحراً.
لم يقرأ أخواه الطمي.
هل كانوا وهما الثرثاران يتصوران حياته المغيَّبة بين السنابل والذرة الريفية المغمورةِ بالعتمةِ والكلاب صمتاً وسكوناً وإجازة؟
بدلةٌ عسكريةٌ شاحبةٌ تتقدمُ لأربعين قرناً من الحضارة الدموية لتخترقها بنصلٍ وردي.
رجلٌ شابٌ يمشي بين الحشود المضروبة والنسوة المُخَدراتِ والمقابر الحيةِ قرب الفنادق والماء النقي.
من نسلِ الصحراءِ، من صرخةِ حوريس، من تقطعِ أوزريس، من ذكاءِ عمرو، من بسالةِ خالدٍ، من نقاءِ علي، يطلعُ من حصارِ السيارات المحروقةِ والمدرعاتِ الجائعةِ للحمِ النيليين، ويمشي بين حقولِ الجثثِ المزهرةِ حقداً وخططاً.
يحركُ البدلات العسكريةَ للقرويين المليئةِ بالأشباح والتمائم فيحصدُ غباراً.
ينغمرُ في الحاراتِ والحقولِ يصافحُ المجندين والشهداءَ والأمهات الثكالى.
كلما مشى مع أحدهم رأى كبشاً أو نعجة. تعرفَ بودٍ على برميلِ لحمٍ فوجدهُ يحلمُ أن يكونَ ملكاً.
إستعانَ بضابطٍ عتيق أخذهُ واجهةً فأنتفخ الكهلُ وغدا بالونةً تجذبُ كلَ الغربان.
نعيمة تهدهدهُ وتنزعُ الشوكَ اليومي وحراشفَ الحيات السامة وتهمس:
– لا تحاولْ طريقَ الشوك والقبضات والخناجر.
كلما غضبَ هدأته، كلما ثار دمُهُ أخذتَهُ لزهرِ التراث، وزهد الرهبان والصوفيين والشهداء.
حين صادقَ ناجياً وتعرف على قبيلةٍ كاملة، ودخلَ في مجالسِها وحكاياتها، التي تعودُ لإخناتون، رجعَ إلى العمارة مثل تمساحٍ طافح نحو الخصب.
ليقولَ لهُ فكرتَهُ المخيفةَ إحتاجّ لدوي مخيفٍ من القطارات وضجيجِ سهراتٍ خادعة وتبادل كتبٍ عن ممثلي السحر والنجوم.
صرخَ ناجي في الكون وقلقلَّ النجومَ:
– ماذا تريد أن تفعل؟ أي عمل مخيف هذا؟
– لأولِ مرة منذ بدءِ التاريخ سيصعدُ فلاحٌ للعرش!
أين التيجانُ والقنابلُ المتساقطة وقوافلُ المدرعاتِ المحترقة في سيناء؟ كلها تلامسُ جسمَهُ وتتشطى بعيداً.
كلما فاتحَ ضابطاً إنهارتْ عمارة، وجاء حشدٌ من أطفالٍ يتامى لذاكرته، حتى أخذت عروقُهُ تنسجُ حديداً، ومضى إلى شقتهِ متوقعاً قيوداً تنقضُّ على معصميهِ وتمزقهما، وزوجتُهُ تصرخُ تحت التعذيب.
شجرةُ الوردِ الصغيرة المزروعةِ بين الكثبان والمسامير والقنابل راحتْ تنمو.
عساكر طلعوا من بين أشجارِ الشوكِ وحفرِ المدرعاتِ وكهوفِ السحرة وحقولِ الذرة المحروقة.
هؤلاء رجالٌ كلما وضعَ أحدُهم يدَهُ في يدِ الآخر لبسَ كفنه.
الرجلُ الذي يصنعُ طبخةَ الموتِ للقصر يلتفُ بالأسماء المستعارةِ ولا يغرقُ في البحيراتِ المرة.
هؤلاء سيقتحمُ بهم مملكةَ الموت.
بين الحشود، أمام الملايين يصرخ، يحركُ الشجرَ العتيقَ البالي، يهزهُ فيخضرُ ويثمر، إستطاعَ أن يكتشف أهراماتٍ جديدة، وأوراق بردي مخيفة.
راتبٌ زهيد، بدلاتٌ ثلاث، سيارةٌ من مخلفات المَلكية، أسرةٌ تندفعُ للمال فيتركها، وعيونُهُ تحفرُ بقعَ القرى الضارية الجوع، ويمشي بروحهِ بين الأزقة، لكن سربَهُ الكثيف السيوف يتهالك على المتع والبيوت والأراضي، وتضجُّ الطبولُ حولَ رأسه، وتنتزعُهُ السواعدُ والإشاعاتُ والأكاذيب، ودخل صحراءَ هائلةً تمتدُ من الماء إلى الماء، وجاءتْ التنانينُ الكثيرةُ وأطلقتْ نيرانَها في وجهه.
ينفضُ الوزغَ من حوله، يحطم معابدَ قديمة، يَخرجُ سحرتُها يضجون بالبكاءِ ومعهم نسوةٌ عمياواتٌ يكذبنَّ بالنبؤات.
يحرقُ الورقَ وتتطاير الأسماء. لم يتحرك شيءٌ لولا(أعدوا لهم من قوة)، ثم جرتْ السيوفُ والخيلُ تغيرُ الخرائطَ وتعطي الأنهارَ والبساتينَ للبدو. غلبَ محمدُ علي المماليكَ الزبالةَ الأخيرةَ للقرونِ الرثةِ، وغلبهُ الأنكليز. وجاء الفلاحُ ليغلب الجميع!
وبعد ذلك فلتشدو نعيمة بالمحبة!
أخواه يقرآن وينغمران في الخلايا المنتجة للعسل أو للخل فيما هو يتوجه للكليةِ الحربيةِ وريثةِ البداوةِ العريقة، يَتسللُ لذروةِ أعصابِ الرأس، ووحدُهُ لا يستطيعُ أن يُدخلَ شعرةً.
عرفَ أسرارَ الصحراء وخطى البدو والقوافل لاحتلالِ مدن العنب والخبز والجواري، وصارت عضلاتُهُ من الدباباتِ والطائرات وزحفَ بعد عالم من الحرائق والأنتظار والكوارث، وأزاحَ في يومٍ واحد سلالةً وقملاً كثيفاً في شَعرِ الفتاةِ الحوريةِ العبدةِ المجلودةِ على شاطئ النيل.
القوةُ غيرتْ كلَ شيء، فلتستمر تنشرُ المداخنَ والمزارع في كل مكان. وهارون وإبراهيم يُقصيان، والأمُ تأتي من أعماق الطين، لا يزالُ دخانُ الخبزِ في ثوبِها، ووجبةُ الجرادِ في لسانِها، تخترقُ صفوفَ الجندِ والشجرِ والعيون.
– جمال ماذا تفعل؟ أتسجن أخاك، هذا العابد المصلي الطاهر الذي لم ينسَ فرضاً؟
– لقد إستخدم بلطجياً لقتلي. أستأجر مثل العتاة رجلاً للقتل، وقتل من؟ قتل أخاه الذي يعمل للناس خيراً!
– ثمة من يفرقُ بينكم. حلمتُ بثعبان يشربُ النيل.
– أتريدين زيارته؟ أنصحيه أن يعتذر.
لكن الأمَ غطتُهُ بعباءةِ شجرِ السدرِ والحبِ ولحافِ الأمومةِ الذي أغفى عيونَ الحراس، ليهربَ ويمضي في طريقِ الصحراءِ والشياطين وهامان وفرعون.
وجاءتُهُ الأمُ مرةً أخرى، كلما فاضَ البحرُ بالغضبِ أمتلأ جسدُهَا بالندوب، تتحركُ التربةُ النوبيةُ من صندلِها الخافت، وتمشي الأشجارُ في معيتِها وهي تنزف.
– جنودك قتلوا ابنَ أخيك هشاماً هذا الذي كانَ مثل ابنك!
– ثمة خطأ، خطأ فظيع!
– يا جمال لماذا تسجن إبراهيم؟ هذا الذي يرعى المساكين.
– أخافُ على المساكين منه!
– لم يؤذِ أحداً، يوزعُ ورقاً وكتباً على التلاميذ، مرة مشى بصعايدة إلى قصر الباشا.
– زوريه وإذا هربَ ستأكلُهُ ثعالبُ الصحراء.
يضيءُ خلاياهَم بمصابيح الرهبان والقرامطة والصعاليك فلا يجدُ من عسكرهِ سوى أكلِ لحمِ الناس. يُحضرُ الحمرَ والصفر ويوزعهم على المصانع والدواوين فلا يرى سوى حشراتٍ ضارة.
هل يداهُ خائنتانِ للطين؟ يدققُ في أسعارِ الفساتين النادرةِ لنعيمة ويتبرعُ برواتبهِ فلماذا يحيطهُ المتهالكون على المتع والأشياءِ؟ يبحثُ عن الزهادِ فيجدهم غائصين في الأديرة والمكتبات المثرثرة ووراء أسوارِ الكلماتِ الشائكة والمكاتب الفاخرة والنظريات المتصحرة.
أغلبُ أعضاءِ الخلية الكبرى من الوزراء والقادة صاحبة مفاتيح الخزائن والبساتين والشركات تسكرُ وتلهو ليلاً وبعضها حتى نهاراً، ويخضهم ويكاد حليبُ أمهاتِهم أن يظهرَ منهم فلا يجد سوى الانحناء والابتلاء.
جسدُهُ ينطلقُ رصاصةً بين الجموعِ والأدغال والثلوج، منذ أن قررَ أن يركبَ الدبابةَ ويطيحَ بكلِ شيء، وها هي الجموعُ تقتربُ منه، تخرجُ من أقبيتِها، وغيرانِها، ومخاوفها، وتصرخُ ضده!
بعد أن غيّرَ السجادةَ الأرضية المليئة برسوم الكهنة والسلاطين والمجانين تقول له أمه:
– ماذا فعلتَ يا جمال؟ الذين حولك كلهم لصوص!
ـــ 2 ـــ
في بهاءِ الشباب، في ضوءِ الفجرِ السياسي، حيث تتألقُ النجومُ الصغيرةُ لتصيرَ إنفجاراً سماوياً، يجلسُ جمالٌ والعتمةُ حوله، ومصباحٌ صغيرٌ يكشفُ سطورَ حلمه، هنا أسطورتُهُ تتحركُ على قضبانِ أوربا العجوز وتدهسُ القلاعَ النخرة، النَقاشُ الذي يلونُ القارةَ بالدم فتزهرُ قمصاناً سوداء، أيها الأئمةُ الكبارُ ساعدونا في تجليةِ الأبصار.
نعيمة تقترب بخفوت، شبحٌ أنثوي مسموحٌ له بالاقتراب من العقرب الذكوري الذي يرفعُ ذيلَه، الغاراتُ الليليةُ هدأتْ وما زالتْ إنفجاراتُها تدوي في سمعهما.
– ماذا تقرأ في هذه الساعة؟
تقتربُ كأنها في أولِ المجرةِ الرُبانية، تمسحُ على رأسه وكأنها تسقطُ القبعةَ العسكرية.
شبحُ إبتسامةٍ على شفتيها:
– إنه نفسُ الكتاب المهترئ؟!
– ليس مهترئاً إلا من أصابع المحبين.
– (كفاحي؟!)، لو أنك سألتَ أرضنَا لفاضت.
– لم يكن من السهل العثور على هذا الكتاب في ظل هذا الحصار.
– وباللغة الأنكليزية أيضاً، أي تعبٍ هذا؟
أخرجتْ له صورةَ راقصةٍ مذهلة! إنتفض!
– أنظرْ يا سِيدي وجدتُها تحت فراش عبدالحميد!
التفَّ الكرسي، وحدقَ بإنبهار بساقي فتحية، الخلخال في الأسفل، كما رنَّ مراراً بين عظامِ رأسهِ الفارغة، إلا من الهوى والهوس وقطف النجوم في الظهيرة، ولم يستطع أن يكورَ الصورة ويعجنها بأصابعهِ القاسيةِ التي غدتْ حنونة فجأة.
– سوف أعاقبه بشدة!
– لا داعي لذلك إنه مجرد ولد!
– أنت تقولين ذلك وتشجعين هذه الشهوةَ الرعناء!
– أية شهوة لديه.. ما بك يا جمال؟
عبدالحميد لا يتقدمُ في دراسته، علاماتُهُ متدنية. أي معلمين أفاضل هؤلاء الذين لا يأبهون بمركز والده الخطير؟ ليبحث عنهم. منى تغوصُ في الورق وتحترق.
تأتي نعيمة مأخوذة، وبدأتْ شعيراتٌ بيضاءُ تغزو ليلَها الفاحمَ، فيتألم، تقولُ برعب:
– عبدالحميد ألفَّ رسالةَ الماجستير، ونصفُ دستة من الدكاترة ساعدته!
– أحضريه.
يتقدم عبدالحميد بكبرياء وشموخ، هيكلُهُ النحيفُ وقصرُهُ يطلقان طاقةَ خيلاءٍ غريبة.
– أتستعين بآخرين لصياغة عملك؟
– معاونة محدودة جداً.
– أنسَ هذه الرسالةَ وأبدأ من جديد!
الشابُ مأخوذ، يتفككُ إلى أجزائهِ الصغيرة الدنيا، يعول:
– دعني آخذُ كلَ المعرفة والشهادات، أصيرُ عملاقاً بين هؤلاء الأقزام، أكونُ وريثاً لك!
– لا تصلح حتى أن تكون وزيراً أو سفيراً. أذهبْ وأدرسْ من جديد!
ومنى تحرثُ في أرضِ المعرفة، تبعدُ بردى السحرة والكهنة، وتدخلُ التوابيتَ والأنفاق بضوءٍ ساحر. لكنها تتعلثمُ عنده:
– أأنا فرعون جديد؟
– لا تستطيع أن تكون.
– لماذا؟
– لستَ من سلالتِهم.
– أنظري للكتابات على أوراق البردي والرسوم كأني واحداً منهم.
– باللون ربما، بالشكل ربما، ولكن تلك أسراتٌ طويلة.
– دراستك مليئة بالأسئلة والشوك، لكنني أحترمُ رأيك ولا أعرفُ كيف أخرج من هذا الدرب. واصلي الكتابة!
– أعملْ ما تقدر عليه يا أبي، طريقكَ كله ألغام!
في الشارعِ المضيء، المزهرِ ضوءً وفرحاً، تأتي الدرابكُ والصنجاتُ والطبولُ تجعلُ للمقعدين والموتى أجنحةً، وحتى الأشجار الجامدة من عهد الأيوبيين تضحكُ وتنتشي، وورقُهَا يمطرُ حناناً شتائياً وربيعاً مبكراً، وناجي يأخذهُ من ساعده ويمشيان ويريد أن يدخله للمرقص الحانة، وهو يسحبُ ترددَه.
بعد أن مشى عنه صاحَ بناجي:
– ألا تريد أن تصحو ليلةً واحدة؟
– ماذا ستجدُ في هذا البلد، الضجرُ يأكلُ ارواحَنا. تعالْ طالعْ الراقصةَ الفاتنة، لتخفف من خطط الشطرنج.
هؤلاء هم صحبه، من أين يحضرُ أبطالاً؟ لم تعدْ الملائكةُ تنزلُ لتقاتل مع المؤمنين. متى سيتحولُ النوبيون إلى مخترعين؟
يُعّرفهُ ناجي بضابط مسيحي.
– هو أحمر يا جمال!
الشارعُ المموسقُ الراقص، تتحركُ أشياؤهُ في روحه، حتى النهر لم يستطع أن يختلي بفؤادهِ هكذا، ويحدق ناجي في ساقي فتحية الورقية المسيطرة على الأفق، ويدغدغهُ:
– لمرةٍ واحدةٍ ندخل الحانة. جرّبْ مرة، لن تخسر شيئاً، لن تظهرَ العفاريت، وهي علبة أو علبتان ثم نحلقُ على الشجر الطائر.
– أذهبْ وأستمتع! لكن أنا لا أحب الشراب، أفضل القهوة، وأحبُّ الروايةَ وأغاني أم كلثوم. لكن لن أجلس في هذه الحانات الضاجة برقص الأجساد. ليس ثمة سوى شخصية واحدة في نفسي. لن أزدوج، وأغدو زجاجةً ومصلياً، لن أجمعَ بين الإله والشيطان أبداً!
على السجادةِ يحلق، يغتسلُ بمطرٍ سماوي راعش، كلُ الأوشاب وذرات الغبار وقلق نعيمة وصور فتحية وخلاخيلها وأحذية الأنكليز وقبح الملك كلها تتساقطُ تحت أصابعهِ عند بوابةِ المسجد، كلُ الغاباتِ الشوكيةِ والحسدُ والخرزُ الشيطاني والنمائمُ تترنحُ منصهرةً كأنها طيورٌ تحترقُ ولهبها وراءه، ودخانها لا يحرقه.
ناجي لا يتغير، يصادفان لويس، ناجي يقلبُ وجهَهُ، وجمال يحضنه، يعزمه على كأس شاي متفجر بالحمرة والأعشاب السحرية والسكر يتصاعد في نشوة.
– كيف ثكنتك، وأهلك في الزمالك، لماذا تكره هتلر؟ إنتصار الألماني العظيم مؤكد، تلك قارةٌ رثةٌ، ونحن قرب النهر العظيم سوف نمدُّ حبالاً للنجوم، وتتساقطُ في أيدي صبيتنا قلائدُ الأحلامِ والكواكبُ الصغيرة النحاسية، لن تكونَ الأهراماتُ سوى أكذوبةِ الموتِ البخيل، وبناتنا لهن الخلود!
حاول ناجي أن يقطعَ الحبال، أن يصنعَ دعايةً ضد الشاي، ويقاربَ بين الصليبِ والصليبِ المعقوف، لكن لويس كان يبحثُ عن ترابِهِ والمسيح.
– ماذا بك يا جمال؟ كيف تعقدُ مثل هذه العلاقة مع هذا؟ ألم تحذرنا منه؟ ماذا جرى لك، ليست سوى بضعة ساعاتٍ قليلة، وتنقلبُ هذا الانقلاب؟!
– نعم، إنقلاب. روحي إنقلابٌ يا ناجي.
في الروح هناك بقعةٌ غريبة، هناك الإخوانُ، هناك المسجدُ الذي ينهضون له ثلاثتهم سوية، هناك الفجرُ المشعشعُ في القرية بالياسمين والجمر، تتحدُّ الفراشاتُ والوريقاتُ البيضاءُ فيه، وتمشي سطورُ القرآنِ حليباً ودواءً وحباً، الأشواكُ المزروعةُ قبل أيام، تصيرُ عظامَ سمكٍ لذيذ، وشبكاتُ الليلِ والخيلِ والخوف تذوبُ في الكف مرايا وزهرات.
حين يمسكُ جمالٌ هارونَ وإبراهيمَ يمشي معهم الحبُ، تتوزعُ على الأراضي الصغيرةِ المجدبة الحبوبَ، والسمادَ، وتُخربُ الأكاذيبُ بالحلوى، ولا يعود الأطفالُ يبكون أمهاتهم وآباءهم بمرارة.
الانقلابُ يأتي في الصحراء، والقنابلُ تتساقطُ قربَ جلده.
يجثمُ مع أقرنائهِ في سيارةٍ تقتحمُ الصحراءَ برعب. اللورياتُ المليئةُ بالجنود والقطعِ الصفراء من الشاحنات والدبابات تحبو على الرمال.
الخيمةُ والضابطُ الإنكليزي والخريطة وأصابعُهُ البيضاء تحشرُهم في الخطوط والجبال والخيام ومستنقعات العظام. في الخيمةِ يكونُ الليلُ والنجومُ والسجائر والكتب وأضواءُ المدنِ البعيدة والحانات والصحف والبرلمانات ولكن لا تزالُ الأصابعُ البيضاءُ تقتحمُ أنفه، والرتلُ مغمورٌ بمطر من القذائف، وأجزاؤهُ المعدنيةُ الهشةُ تتفتت، لم يسعدْ من قبل بهزيمة، والجنودُ الغرباءُ السود يتحولون إلى قطع محروقة.
ثيابهُ ممزقةٌ، والدماءُ تغسلُهُ، وهو يمشي في البرية، النباتاتُ الشوكيةُ والأزهارُ الصفراءُ الطالعةُ بجسارةٍ من التُربِ الصخريةِ واليابسة تذهله.
يأخذهُ البدو مع أبلِهم، يطالعُ سياقانهم المبتورة، رجالٌ يمشون بخشبٍ وعصي وأسربة، والحيواناتُ ذواتُ أربعٍ سليمةٌ، في الخيمةِ تتلاصقُ أجسامُهُم السمراءُ وروحه، وخبزُهم اليابسُ ينغمسُ بسوائلٍ وخضارٍ وأعشاب وكتابٍ وأسئلة نارية.
يحضنُ الصبيَّ معمر ويراهُ يصغرُ ويتحدُ بالتلال.
يضعون بصماتهم على جلده، ويأخذُ هياكلَ أطفالِهم المدفونة في السراب لأزقته، وزملاؤه وُشموا بالطين والتراب والدماء والنصر الفاجع، والضابطُ الأنجليزي يدعوُهُ لشقتهِ ويرى الزجاجاتَ المبهرات السعيدات بإفتضاضهن والأعلامَ المنتصرة والصليبَ المعقوف المحطم والصليبَ المتألق في رقبةِ لويس، وناجي يشربُ متألماً ويبتسم ببلاهة، يشربُ بغزارةٍ كأنه يغرق، والضابطُ الغريبُ يقول عنه إنه بطلٌ عبرَ الصحراءَ وخرائط الألغام وقبائل اللصوص والأسلاك الشائكة وعاد حياً، وصورتُهُ تألقتْ على الصفحةِ الأولى في الجريدةِ البريطانية ويظهرُ فيها بين رجالِ القبيلة والصبي معمر منفرجُ الفمِ والإبلُ عابرةٌ للتاريخ.
لكنه يعودُ للحاراتِ والأزقة والدروب كئيباً، يتسللُ لشعيراتِ نعيمة، يدققُ في ملامح الرجال الذين ربما مروا بين الخصلات، وفي الجيرانِ الذين ربما خانوا، يزور أخويه، مرةً في أعماق الريفِ ومرةً في أعماقِِ الحارات، يركبُ الدبابةَ السحريةَ ويعبرُ النيلَ والشوارعَ المضاءة ويضعُ نجوماً كثيرة على كتفيه، ويأخذُ أولادَ القبيلةِ الذين يمشون بلا أرجل، معه، وأصحابَ الجلابيب الزاحفين بين شجيراتِ القطن أصابعهم محاصرة بين الشوك والحرير الأبيض، تظهرُ الأيدي الممزقة السمراء كخرائط الأرض.
ـــ 3 ـــ
ما زالوا يزحفون نحو قلعته. يخرجون من حفرِهم وأزقتِهم المليئةِ العتمة، من مقاهيهِم المضيئةِ المليئةِ بالدخان، يمشون فوق ورق الجرائد المنشورة للذبابِ والطعام، أصابعُهُم إمتلأتْ بحبرِها وكتبتُهُ على الحيطان والزمانِ الغريبِ العاهر.
حدثَ الإنفجارُ.
في فيلتهِ البكرِ المذهلة بعد الزمان العسير، يأتي أخوهُ يرقصُ من الفرح، كأنه هو الذي ركبَ الدبابةَ، وأقتحمَ الأسلاكَ التاريخية الشائكة!
إبراهيم كان معه دائماً، في نارِ القرية وألعابِها والبحث عن آثارها والتغلغل في غيطانها، في السهراتِ النظيفة، وكان له طريقُهُ المغاير عنه!
يختفي في كفورٍ ومدن، ويأتي محملاً بزادٍ من الورق. أنعشَّ روحَه، ورأى دبابيسَ النورِ في الشوارع، والأسماءَ المبهرة القادمة من الشمال. دائمُ الذهابِ للمحلة الكبرى، وحين بدأَ الحديدُ يتوهجُ في المعسكرات أرتعشَّ وحدثهُ عن ميلادٍ جديد.
في أصابعهِ كانت الخريطةُ ولكنه لم يعرفها وذهبَ لآخرين.
– من أنتَ يا جمال؟ مجرد بعوضة!
– تعالْ معي، سأفتحُ فتحاً.
– ماذا لديك؟ من يعرفك؟ من رآك تتكلم أمام حشد؟ رأسك فارغة من النظريات والأفكار والخطط!
– لدي القوة والذكاء والسمو.
لكن إبراهيم يمشي لحشودٍ وأناس يحضرون له الاشتراكات والكتب المجانية ويزيحُ الغبارَ عن أصابعِهم المثخنةِ بالكدماتِ والدماء.
يسمعُهُ يتكلمُ بينهم عن معادلاتٍ رياضية وهم يغفون.
وهارون المنزوي عنه يراه في العيدين، أحتضنهُ مراراً ورأى النجومَ على البدلة تطيرُ في شم النسيم.
أخواي سيكونان معي. سيلتحقان بي، لكنهما لم يلتحقا، وأكفهر وجهاهما.
يا للهول، الغيرةُ هي من بعثتْ رأسَها من بين الحشائش الشقيقة السامة!
يحدقُ إبراهيم فيه مذهولاً:
– أهذا أنت يا جمال؟ أليس هنا رجل آخر، أسطوري، أأنت نفسكَ الصامت القارئ، الراهب، تصيرُ فوق الحشود؟
– كلا لستُ فوق الحشود.
بتواضعٍ رهيبٍ أذهله، أطفأ ناراً غريبةً تتغلغلُ داخله، وجعله يتجمدُ فجأة، ويجلسُ مرتبكاً.
– كنتَ لا تنبسُّ بحرف. أراك شمعةً وتتكلمُ بإشارات غريبة، سرك في تنور!
إبراهيم يتجمدُ ويتأمل.
من فراغِ التاريخ، من حقولِ القريةِ الراقدةِ على الورق والأعشاب والدود والنارجيلات والخبز، من الحوش الذي ينزلُ عليه الندى وتغتسلُ به الأسَّرةُ وما تغتسلُ العيون، والترابُ يتحدُ بالعجين، والطيورُ بالرصاص، والفتيةُ بالحقول والخلايا والثكنات، والحَمامُ بالسماءِ والأنام، مشى وجهُ جمالٍ بين الجموعِ العادية، لا يفرقُهُ عن الملايين، ضائعٌ في الحشود، والبحثُ عن الأبِ وزيارةِ الأم، والفتى الهادئُ الخجولُ يصعدُ نسراً فوق السُورِ والعظام، كان كالترابِ فإذا به شهاب، الآن كيف سيتعاملُ معه؟ أحبهُ كثيراً، الآن سوف يختلطُ الحبُ بالبدلاتِ العسكرية وبالحرسِ والقصورِ المفتوحة لأولادِ الوجه القبلي.
هؤلاء الذين يُصَلونَّ يثورونّ أيضاً ويصعدون لمسرحِ التاريخ المبهر، وهم يتكلمون في الخلايا الغارقة في العتمةِ والشرارةُ ورقةٌ وفراشة!
– لماذا لا تتكلم يا إبراهيم؟
– مرتبكٌ، حائرٌ يا أخي!
ينهضُ مرة أخرى ويعانقه.
لم يعد جمال له، لم تعدْ شقتُهُ الصغيرةُ مأواهُ في لحظاتِ الحزن والشوق، لن يستطيعَ أن يأخذ عيالَهُ ببساطةٍ ويدخلون هذا البيتَ الواسع الجديد المحاطَ بالحراس والمزروع والمُرَاقب. حدثت هوةٌ جميلةٌ مخيفة!
إبراهيم يعودُ لزقاقه، هنا الدربُ الترابي، وعرباتُ الفول والبطاطس، والأمهاتُ العائداتُ من الشغل، والرجالُ الذين لا يفترقون عن الحصى الأثري وأعشابِ المقابر التاريخية، والآلاتِ الصدئة، كأنهم آلةُ عصيرِ القَصبِ وقد صاروا يُعصرونَّ فيها ويظهرونّ عظاماً وملحاً ونوراً.
لكن الناس تعرف إنه أخو جمال الرجل الذي صار مبهراً فجأة!
حشدٌ إقتحمَ عمارتهم. الترابيون مذهولون، ثمة زلزالٌ في نفوسِهم وعظامهم، والكلامُ يُعرشُ شعراً، تهطلُ النجومُ على أكتافِ أهله، وجدوا لهم صلاتٍ بالصحابةِ والأئمة والمشايخ وأصحابِ الكرامات، أعداؤهُ قَبلوا رأسَهُ مراراً، أصحابُ الحوانيت تناسوا ديونَهُ الكثيفة، أصحابُ الخمارات إحتضنوه وإنهالت المقبلاتُ على طاولاتهِ المثخنةِ بالجراحِ والفواتير والصخبِ والكلام الذي قيل!
والرفاقُ إنتبَهوا إليه!
صارَ صعباً عليه أن يتحركَ في مساحاتِ الحشود، راح يطالعُ سيرتَهُ المغبرةَ الكثيفةَ بالمسامير والغبار والوعود، كلَ لحظةٍ يصرخُ: جمال أهذا أنت؟
يتحسسُّ يدَ زوجتهِ فاطمة ذاتِ العروقِ التي تصلُ للنهر والقواربِ والحقولِ البعيدة، التي تمشي كالسككِ المفتوحةِ بالنهارِ في الصعيد، يتذكرُ كلَ أمطارِها الغاسلةِ لغابته، كلَ صمتِها في حالاتِ رجوعهِ الكثيفة في آخر الليالي، صاخباً، مودعاً صحبَهُ أو صاحباته، تقارنُهُ بأخويه الناجحين، تضعُ مرايا أمامه وهي التي ترى الظلام، ويظهرُ أولادهما خارقين مصنوعين من نار، كلُ كوكبٍ في مدار قاتل، وأجرامُهم تنهالُ عليهما من كل علوٍّ خرافي على جبالٍ من الورق البكر.
لاحظَ أهلُ الحي الشبهَ الرهيبَ بينه وبين أخيه جمال، لو أنه لبسَ بدلةً عسكرية لأختطفَ الحكم! أو صارَ بديلاً عنه أو له! وحين تمكنَ من شراءِ بدلةٍ بعد صيف العمر تقاطرَ عليه الناسُ في شارع قصر النيل مرحبين مزغردين!
حياةُ القائدِ الغيبي الغامضِ في الأفق تغلغلتْ إلى روحه.
كل هذه السنوات الطوال ماذا فعلَ في نفسه، غير أن يوزعَ المنشورات وينجبَ ويحرضَ وينهضُ للغَزل والنسيج فجراً وهو غمامٌ ويَغزلُ الخلايا وهي تمطر؟
كان يقول لتوأمهِ: أذهبْ للجامعة، أحصلْ على شهادة كبيرة، بعد ذلك أصدرْ الكتبَ وإخترقْ هذا المجتمعَ الصوان!
لكن جمالاً ينعزل وهو يقرأُ مجلدات العسكريين، ويخترقُ الثكنات، والمدرسة الحربية، ويعودُ من معاركٍ مخيفة حياً موشوماً بشوكِ الصحارى وسموم الحيات وذكريات البدو!
يتذكرُ حسدَهُ الذي مضَّ في نفسه، وجعلَهُ يلبسُ مثل أخيه ويمضي للفتاةِ الفلاحةِ المعجبة بجمال المؤدبِ ابن الناس، وتتطلع فيه بدهشة:
– فيك شيء متغير!
– ما بكِ، تعالي قربي!
– حتى صوتك تغير.
وضمَها بقوة فصفعته!
يدبُ بين عائلةِ جمال الصغيرة يفتحُ ذراعيه كلما دخل عليه، ويغرقُهُ بالنكات وقفشات السكارى والعمال وأضواء المنشورات، وجمالٌ الرقيقُ الهادئ يزدادُ صلابةً وخشونة وقسوة، ذُهل حين وقفا على شاطئ وجاء كلبٌ واقترب منهما فرفع جمالٌ رجلَه وظهر حذاؤه ضخماً وضربَ رأسَ الكلب الذي نبح وتلوى مذعوراً باكياً!
ذُهل منه والحاراتُ تبكي وتنزف، وتضعُ الشهداءَ المحتفلين في الشوارع، ولم تعد لديه دمعة.
– شبعنا من البكاء والدماء، جاءَ زمنُ الخلاص!
أين ذهبَ ذلك الشابُ الرقيقُ الشفاف؟
وأقترب منه، تغلغلَّ في شعيراتٍ صغيرةٍ قرب معسكره وخيوطه التي ينسجها حول نعيمة، وقراءاته الغريبة، وإدمانه الصلاة، يتعبدُ في ذلك الهيكل الغرائبي، ويحولُ سطورَ القرآن لنسيجٍ كوني يغزلُ كلَ مدن وغابات العالم، يتكلمُ من خلال كتابِ الأموات الفرعوني ويذهلُ من جمعهِ بين المدن المهدمة وكلمات الرحمة، وأوراقُهُ هو كلها تجثمُ تحت أعوادِ الذرة، لكنه كان يخدعه، فيما كان يغزلُ بدلةً حديديةً ذاتَ مسامير للمجتمع.
أما هو فخيوطُ غزلهِ قوية أو واهية وكلها حارقة، كومةُ لحمٍ تمشي وراءه وتصيرُ شخصياتٍ غريبةً منتفخةً وبالوناتٍ تطيرُ قربَ الكواكب، وكلما إنفجرَّ واحدٌ منها سقطتْ على رأسهِ الحمم.
كلها تتجمعُ حوله كأنه مُخرجُ عرضٍ أو بابا نويل يوزعُ هدايا في القيظ، الأبُ الذي حملَ أطفالَهُ من الكَفر في باصٍ ممتلئ ومعهم أشياؤهم وأسكنهم في شقةٍ وصارَ يمضي من الفجر لعمله، غدا عمهم الآن هو أبوهم ومركز إهتمامهم، وغدوا منتفخين في فصولهم وشارعهم وصرخة(دا عمي!) تثقبُ نافوخه، ماذا فعلَ بنفسه؟ ما هو الآن؟ كان ينظرُ لعائلةِ جمال الصغيرة وقوقعته بدونيةٍ، هو الذي يعيشُ بين الحشود، تفتل الآلةُ خيوطَ دمهِ في النسيج العامي الأرضي، كلَ ليلة يمسكُ ميكروفون جماعته، تتفجر ثرثراتٌ عاصفةٌ حتى إنتحار الليل فجراً، وتتساقطُ الشهبُ والبلاغاتُ فوق رؤوسهم، فيما كانت النجومُ تنحني فوق كتفي أخيه، الورقُ الناعمُ يتغلغل، والآلةُ الأخرى تنظمُ الحروفَ وتضربُهَا على صخور الواقع، والصخورُ لا ينبجسُ منها ماء، ولا الرؤوسَ تتفجرُ بالتضحية والحب، تقبضُ أصابعُهُ على سرابٍ مستمرٍ وخلٍ وقشور، تهتزُ زوجتُهُ فاطمة فرحاً وتدعو:(الشكر لله طاقة القَدر وإنفتحتْ!). هي التي عانتْ في رحلته الطويلة من الكفر لجحيم الزقاق، وراحت تغسلُ الشقةَ القذرة الهرمة، والدرجات الطويلة، والطوبُ الذي يتزحزح هدأّتْ ضجيجَهُ بأصابعِها، هي التي تركبُ المواصلات لتدفعَ الفواتير وتأتي بالأغراضِ والأشياء وأخبار الضنك، هي التي ولدتْ ذلك الطابور من الكائناتِ الخرافية، وكلٌ له أجنحةٌ من شمعٍ يطيرُ نحو علبةِ دخان أو كبريت، وها هي شمسٌ تسطعُ في العائلة، تنبثقُ داخل الحوش الأسري القفر، فكيف لا تهتز فرحاً، وتهمسُّ كلَ لحظة: كلمْ أخاك!
كانا يختلطان بين الناس، يتبادلان مواقعهما بسهولة، وفي عتمةِ الغسق لا أحد يستطيع معرفة جمال أو إبراهيم. لكن يستحيل أن يذهب مصنعُ الغَزْل للقصر.
كان قربَ قميصه، ويكادُ أن يكونَ بين هدبهِ وأصابعه، كلما طلبَ شيئاً عصرَ جسدَهُ من أن أجل أن يكون له، في رحلاتهِ المستمرة من الكفر، في بحثهِ عن مكان وزوجة وأثاث وأدوية كان جمال دائماً هناك. الأخُ المتفجرُ حيويةً وجسداً يضعُ مدخراتِهِ في فخارةٍ يكسرُها حالما يرى خطوط جبين أخيه تتلوى حزناً. كومةُ اللحمِ والليالي الاستعراضيةُ والدخانُ أذلتهُ، جعلتْ توأمَهُ يَكبرهُ عقلاً ورحمة. كم من مرة دخل بيته وفي يده أشياء. لماذا حفظَ ميلادَ أبنائه وهو لا يتذكر متى تزوج نعيمة أو متى ظهرت منى! كيف سلمهُ ابنَه هشاماً آخر العنقود ليعيش في بيته بعض الوقت وأحتضنه وأحبه أكثر حتى من ولده!؟ هشام الحلم والضحية!
يقوم جمال من على السُفرةِ ويقول:
– كُلْ أنت!
ويشبعُ من الأشياءِ ويهمس:
– خذْ البدلة! لم تعدْ من مقاسي!
وهو يسخرُ منه :
– كيف لا وقد إمتلأتَ من خراف الجيش!
الآن يستحيلُ أن ينحني ويتقدمَ إليه ويقول أريد! أعطني أرضاً لأتنفسَ يا جمال! الدولةُ صارتْ في أهلي وأنا أعيشُ في الحارة الزنخة!
الناسُ تزحفُ على وجهِ الأرض إليه، الحشودُ تتغنى به، المذياعُ يهتزُّ مدوياً بذكره، السماءُ تنحني وتغدو شمسيةً في منزله، لكنه لم يفتحْ فمَهُ ليقول خذْ يا إبراهيم! عشْ أنت أيها الشقيق الذي خُنقتَ في الزقاق وتعبتَ من أجل أسرتك! عشْ يا حبيبي إبراهيم أيها المدفون حياً!
تتفجر المارشاتُ العسكرية، وتكاد الأرضُ كلها أن تكونَ على مرمى حجرٍ من عروسِ النيل، لكنه ينهضُ في الفجر ويغتسلُ عن مطرٍ من الحشرات ولعابِ السكارى وخرافاتهم المحلقة قربَ عرش الله، ويصفعُ الشبورةَ الصباحيةَ ويفتحُ له درباً في أشباحِها الباردة، ويستعيرُ بعضَ الدفءِ من أنفاسِ العمال المتجمعين بإنتظارِ الباص وفي داخله، والضوءُ يكبرُ في الدربِ وفي روحه، وحين يجثمُ على آلتهِ يغزلُ الحبَ والدمَ والنار، يدقُ كلَ ضلع أعوج من أبنائه، يمسكُ كلَ رفة نحو الشمس الحارقة، وتتبعثرُ أجزاؤه، وتتكسرُ خطواته كل نهار، ليجثمَ في الليلِ على الزجاجاتِ الباردة والرغوةِ الطائرة نحو القمر، ويصيحُ قلبُهُ كلهُ هذا أخي جمال ناءً عني!
الآن تمتدُ فيلا جمال، تعرشُ، تمتدُ إلى النجوم والصحارى والمدن، ويدخلُ إليه، ويحضنه، ويأكلُ الحلوى ويشرب القهوة ثم تزدهر التحياتُ ويخرجون للشارع الفسيح تحدقُ فيهم عيونُ العساكرِ المحايدةِ الجامدة!
في الدروب والباصاتِ تتساقطُ أحلامُهم، وجوهُهُم صلدة، فاطمة متخشبة، ولدهُ الأكبرُ فتحي يقترب منه ويهمسُّ في أذنه: أهو أخوك حقاً؟ أهذا عمي فعلاً؟ أم أنك تكذب علينا وهو من بلدياتك ومن كفرك المنسي الذائب في وهج الصعيد؟ لكن الشبه بينكما كبير!
مريم تضحك برعونة، إشتغلتْ بضعةَ شهور في المصنع، لكن لم تُطقْ العمل، شعرُهَا الأسودُ الكثيف تداخلَ والخيوط القطنية، تلمَهُ مراراً لكنه يطيرُ ويتعالقُ مع أغصانِ العوسج، مع أحلامِ الليلِ وأضواءِ الكباريهات، كانت تسبحُ فوق مياهِ النهرِ الذهبية، يقودُها القاربُ النبوي العسكري إلى فرعون، والقاربُ يغرقُ والسمكُ النهري يسبحُ قربَ عينيها الكبيرتين ويدخلُ فمَها الواسع المفتوح، وترى البدلاتَ العسكريةَ تمشي في الأعماق منفوخةً بالجنيهات والماء والهواء والأغصان. تطفو على طاولةِ الفطور، تُدخلُ في جسدِها الشُوكُ، وتضربُ باعةَ الحليب الصغار بالأرغفةِ المنتفخة بالتراب.
تتفجرُ الموسيقى في غرفتها، تهزُّ الجدرانَ وهي ترقصُ على أطرافِ أصابعِها، تمشي بجعةً محبوسةً في بركة. تقول:
– كلمْ أخاك، ليجعلني سكرتيرةً له، موظفة، ألا أستحق أن أكون وزيرة؟
أما أحمد فغارقٌ في كتبهِ وورقه، فصنعَ له أجنحةً من رواياتٍ وأعمدةٍ وجداول، يحلقُ من الشباك طائراً نحو الأزقة والجامعةِ وإحتفالاتِ الشعرِ والنجوم والنهر، حين تفجرتْ بالوناتُ العسكرِ في الشوارع صرخَ به: ماذا كنتم تفعلون في الخلايا غيرَ الكلام والسَكر؟ وصارت الكتبُ أكثر ضخامةً وراحتْ تنزلُ على رؤوسِ العائلةِ بمصطلحاتٍ ثقيلة وبمطرٍ من اللغةِ المصابةِ بالإنيميا والاسهال، وكل أسبوع يبدل أحمد قواميسه، تتضخمُ اللحيةُ فجأة، ثم تُحلقُ ومعها الشارب، وتجيءُ كتبٌ غريبةٌ ولوحاتٌ فيها الأفيالُ ترعى العشبَ في السماء، ثم تكبرُ مسبحةُ الدراويش وتتساقطُ منها حبوبُ البَركةِ والدخان الساحر، حتى عاد فتى بقميص وبنطال فقيرين فأغتنتْ الصحفُ من كلماته.
لكن كلَ شيء صار يدور حول جمال، وتتبخرُ الأشياءُ والبشرُ والأفلامُ والغناءُ والميادين والذكرياتُ والأهرامُ وأبوالهول والغيطان والسلاطين..
في منشورٍ أول فرح باللغةِ النارية الصادحة بحب العسكر، صار يوزعها وينفضُ حسدَ الرفاق، وفي منشور آخر هاجمَ الرفاقُ البدلاتَ البنية فبُهتْ للكلماتِ الغاضبة الناقدة لهم، صارت السطورُ تحفرُ الخنادقَ وتكوي اللحمَ، وظهرتْ العيونُ ثانيةً في الحانة وعلى ناصيةِ الشارع تحدقُ في القادمين إليه، والنازلين من تنوره!
صرخَ في خيال جمال:
– لماذا، لماذا نفترق؟ أتذكرُ الكتبَ في الحقل، والحرائقَ الصغيرةَ المضيئة للناس في العتمة القديمة الواسعة؟
ويواصلُ العزفَ المرير:
– ألم تكن صامتاً طوال عمرك؟ من إستطاع أن يعيدَ الحياةَ للناس غيرنا؟
وتكون الضربةُ القاضية:
– ثم إشتغلتْ في العتمةِ طويلاً وغدرتْ بأخوتك!
لكن جمال قالَ بهدوء قاتل على المسرحِ شبه المعتم:
– كانت بدايةُ المصيبة الخلية الأولى؛ أزحْ سعداً، والخليةُ الثالثةُ أزحْ النحاس، ثم أحرقْ الطرابيش ولا تدعْ الطيورَ الحمرَ تخيمُ على الحواري والحقول والعقول!
– أي تفسير منحرفٍ هذا لتاريخنا؟!
دخل الشابُ الهادئُ اللطيفُ المعسكرات ثم خرجَ كائناً آخر!
ــ 4 ــ
ليس لدى إبراهيم سوى نجوم الليل، يعودُ وأشجارُ الدفلى تلقي بأوراقِها الذابلةِ فوق عمره، يحتسي البيرةَ بزجاجاتِها الطويلة الباردة.
ظهرَ موسى من شجيرةِ العُلَّيق،(2). أفزعَهُ بثوبهِ المعتم، وصرخَ فيه:
– يا أخي كيف تظهرُ هكذا؟
القامةُ الشامخةُ وجراحُ الشوكِ والنورُ الطالعُ من البراري والخرافة. العلبُ ساعدتُهُ وحولتْ النشوةَ للقضية.
موسى يستفردُ بخياله:
– ألبسْ بدلةَ جمال، وأولاً عشّْ بين أهلهِ وصحبهِ، وأعرفْ كلَ صغيرة وكبيرة وذات يوم تكونُ مكانه! ماذا فعلَ من نبؤاتِ الأنبياء؟ لا شيء!
– ما هذا الهراء؟
– أنت التالي، هكذا تقولُ الأبراجُ والحتمية!
– الله يسمعُ منك!
– جمال الحيةُ التي ستبلعُ كلَ الثعابين، فرعونُ الجديدُ يعطي الحلوى للأطفالِ ثم يقودُهم للمقابر حين يكبرون. سترى الصحارى مملؤةً بالمشردين! ونحن الغلابة الضائعين.
– أخونا هو؟!
– هو الذي ألقانا في البئر.
– نعم كان المنتظر أن ينتشلنا منه.
– دعْ هشاماً يسمعُ كلَ شيء.
– لا تُدخلْ ابني الجميل في هذا المستنقع!
– هي حربٌ يا أخي.
ومضى موسى يكلمُ الرفاقَ وينشرُ نبؤتَهُ المجنونة.
تدفقوا على إبراهيم، غيروا حانته، قِيدَ إلى مكانٍ واسع، بيانو يدقُ على رأسهِ مثل عامل نحاس، نساءٌ جميلات يُدخنَّ ويشربنَّ المنكرَ ويتكلمن برهافةٍ شعريةٍ كبيرة، يصرخُ موسى في البرية: هذا شعبي ما زالَ ضائعاً، يسكنُ في التراثِ والمقابر، تعالْ خذهم للمصانعِ والمتاحف يا ضابطَ العسف والانضباط!
يتأمل أخاه المجنونَ الساحر الممثل غيرُ المعترفِ به عائلياً، ويرى مشهدَهُ يتغير:
الجماعةُ تحيطُ به وتقدمُ له الزجاجات والمأكولات، ويتحدثون بهدوءٍ وحماس، يخافُ أن يطلبوا منه أن يغتالَ أخاه، خطتُهم أوسع، وأغنى بالتفاصيلِ الخبيثة، المكانُ يزدهرُ في آخر الليل، المدينةُ تَسرحُ في الرغوةِ:
– إقتربْ من أخيك، كنْ في الصف الأول، كنْ مستشاراً، كنْ مُدلكاً، كن رفيقَ صلاة، كنْ منافسه المهزومَ في الشطرنج، دعْ هشاماً يكبرُ في البيت، فلتتداخل الأسرتان، بحميميةٍ أكبر، لم تقمْ بجهدٍ في هذا التقارب، أنتَ في عمق شبرا وهو في الزمالك، الآن المسافةُ إتسعتْ، ليكن وجهك دائم الحضور، حتى في الإفطار لم لا؟ أعرفْ كلَ فرحةٍ ودمعة في الأسرة، ثم ثبْ في إنفجار التغيير!
– كنتُ كذلك!
– لا تكفي المواعيدُ الأسبوعية.
– سوف يُذهل. جمال مرهفُ الحس.
– من قبيل المساعدة والتضحية، أرفضْ كلَ أماني أسرتكَ الصغيرة التافهة، فكرْ بأسرتك الكبرى.
– كأنكم موسى!
– دعكَ من الساحرِ الممثل.
قمْ يا شعبي سوف آخذكَ من وطنِ العبيد، سوف أحرركَ وأمشي بكَ إلى أرضِ الأحلام والشبع، سوف أضربُ البحرَ فينشق الفرعون، وتكونُ أرضُ الأحلامِ وتكونُ أمُ الدنيا تُرضعُ البشرَ علومَ الكون والعصائرَ والمياهَ السحرية.
يهتفون:
– بدلاتٌ مماثلةٌ ثم تأخذُ التاجَ!
– مكياجٌ من أخيك موسى وتصيرُ الساحرُ الأعظم!
– لو أن هشاماً يغدو هو الوريث!
– لكان زيتُنا في وعائِنا!
الأصدقاءُ قَدموا نقوداً كثيرة فجأة، وضعوا الحقيبةَ على الطاولة فذُهل!
– ماذا بكم؟ أنتم أجنُّ من موسى! الناس كلها سوف تفسر أن مصدرَها هو أخي!
– ليكن، سوف يزداد أصدقاؤنا.
– أي أصدقاء يأتون من نقود وتظاهر بالقرب من .. لا!
– أسرتك تتغير، ويكونون جديرين بعمهم.
– هو لم يقدم لهم حتى دراجة هوائية!
– هذا أفضل.
– أفضل؟
– سوف يعرف إنك مُعان وترتكزُ على قوة!
– يا إلهي، أي حمقى! عموماً أشكركم، لم يقدمْ أحدٌ من أهلي شيئاً مثل هذا، لا أخ الدين ولا أخ العسكر، إنني أعتبرها دَيناً.
هنا أشجارُ الدفلى العملاقة، والشارعُ النظيف، والنهرُ يتنفسُ قريباً، وأصصُ النبتاتِ تتجلى والوردُ يحيّ العابرين، وهنا الباعةُ المحترمون، والصحفُ النظيفة، والمقاهي الزجاجية، والبار المُرَاقب، ويدخلُ البيتَ نافضاً الندى من على كتفيه، والأولادُ والبناتُ يهزون طبقاتَ الهواءِ المُحاصَّرة، وفاطمة تنتظره وتحضنه، وتشوش في أذنه سعيدة.
هذا هو العزُّ إذن، الصحو في العاشرة صباحاً، ومائدةٌ عامرةٌ بأطباق شتى، ذهبَ حصارُ الفول، والبيضُ يتكسرُ وتتطاير قشورُه
[الينابيع ملحمة طويلة ونشيد بطولي]
على مساحة واسعة عمقاً وسطحاً يجمع عبدالله خليفة عُقَد الخيوط بيديه، يشدها، يمَّدها، أو يُرخيها، بامتداد فضاءات حكائية سردية مترامية، تشبه إلى حد كبير القصيدة الملحمية المطوَّلة، أو النشيد البطولي الاسطوري، حيث تتوالي وتتقاطع وتلتحم، تلك الفصول كحبات المسبحة كما تترى وتائر الوقائع والأحداث والناس والشخوص، وتحتدم الصراعات وتتضارب المصالح والطموحات والغايات.
الينابيع عمل سردي أدبي في المقام الأول، وان توسل التاريخ مادة وموضوعا ومضمونا. الينابيع ليست رواية توثِّق التاريخ بما يعنيه مفهوم التاريخ من مناسبات حركات وأحداث ووقائع وتحولات، بقدر ما توثق الفن السردي والحكائي بتوظيفها واستثمارها لتلك الوقائع والأحداث التاريخية.
وباعتبار الينابيع عملا فنيا وجماليا قبل كل شيء، ينبغي قراءتها ومقاربتها انطلاقا من أرضية الرؤية الجمالية الفنية، وليس عبر حقيقة الوقائع والأحداث التاريخية، وهذه القراءة الجمالية لا ينبغي لها أن تلغي أو تمنع أن يكون هذا العمل الفني الجمالي شاهدا، أو شهادة أكثر صدقا وأمانة من التاريخ ولا سيَّما أن هذا العمل الفني في معناه العميق يصدر عن لا وعي فردي وجمعي وعن بصيرة حدسية، وشفافية كاشفة، وبالتالي فهو لا ينفي الحقيقة التاريخية بقدر ما يبلورها بطريقته وبأسلوبه الفني الخاص، كما أن اعتماده لتلك الأحداث والوقائع لا يخرجه أو يعفيه من ضرورة التزامه بالشروط الأدبية والقيم الفنية والجمالية.
من هذه الأرضية الفنية لرواية الينابيع، لا تتطابق شخوص الرواية مع شخوص وأدوار وأفعال الواقع التاريخي وإن تبدت لنا في قرينة أو ملمح أو سمة تسم أثرا أو معلما من ذلك التاريخ شخصا كان أم واقعة، أم مكانا فالرواية في نسقها العام لا تستهدف فردا أو ذاتا تاريخية محددة، وما تلك الملامح والقرائن والأفعال والتحولات إلا جزء من آلية فنية لإيهامنا إيهاما روائيا فنيا، إن صح التعبير، فمحمد العواد، وهو من الشخصيات المدارية في الرواية، وإبراهيم زويد، ومي وفيَّ وشمَّاء وزهرة، ومهدي والشيخ ناصر وابناه محمد وحامد، وسالم الرفاعي، وسلطان المزين وأكبر مرتضى ومحسن، وجمعة الحادي وفارس جابر، وسعيد المناعي وبدر الوزان والميجر بيلي والمستشار وزوجته مارجريت، إن هي إلا أسماء روائية متخيلة مبتكرة، وقد وظفت لتلعب أدوارها المنوطة بها في دراما الحياة الروائية وفضاءاتها، ولتدفع من مواقفها المختلفة بالفعل الدرامي في وتيرة تصاعدية إلى غاياته المرسومة بذكاء وإتقان.
تجسد رواية الينابيع فصلا من ملحمة طويلة، تلك هي أرض البحرين بكل ما تعنيه من موقع جغرافي محاصر بالبحر ومن فوق البحر بسياج من بوارج الحديد المدججة وما يعوق ويحيق من مآزق سياسية واقتصادية واجتماعية...
«.. البحر، السفن، الأشرعة، الأمواج، الرجال محروقو الأجساد، والنساء بثيابهن الملونة يخضن زرقة البحر، ويصدحن بعويل الأغنيات وهي تغدو أيدي ممدودة لرجال يذبون في الماء» ص 15.
«كان الغناء وصوت النهامين وهدير السفن المتوغلة في البحر، وثياب النشل القزحية، والغزالات العائدات، كلها تتأجج في قنواته، فيحس بسكرة أين منها عزلة البرية، ومصادقة الذئاب» ص 16.
«الغناء البحري يتسرب من بين حصى البحر الصلد، فتنهمر حبالا وقواقع وجنيات، وتصير المدينة قبة بحر لا متناه زرقاء مضاءة بشمس في الداخل» ص 22.
غناء محمد الصادر عن بئر الأعماق، والأنغام النازفة من اوردة العود، وصدى القصف والعصف والجروح المفتوحة على شفة النهام هذا هو الطاقة الروحية التي تهب الرجال القوة والقدرة على اجتراح الخوارق وتحمل ما لا يطاق...
«وعلى هدير وخرير صوته ويجرُ الرجالُ الحبالَ والآلامَ والسفنَ والمدن البعيدة وقروشَ البحرِ النهمةِ والأجسادَ الميتةَ، وتحترقُ الأيدي بالسكاكين والمحارِ والشمسِ الواسعةِ المهيمنة ، وبالسياطِ التي لا تتوقف ، والمياه التي لا تهدأ ولا تنفتح، وبالتمراتِ القليلاتِ والدروبِ الفارغةِ ونياحِ كربلاء والبيوت السعفية المبتلة بالغيوم» ص 23.
وثمة مشهد آخر للبحرين المدينة من الداخل في العشرينيات:
«.. ليس ثمة سوى الطرق والكلاب والقمامة، والسير في العتمةِ المترنحةِ على الوجود. الجوعُ يمزقهُ، يعوي، والحراسُ يثقبون الوجوهَ والدروب، ومدينةُ البحرِ والغناء استحالتْ مصيدةً من الأحجار والأنفاق، وليس ثمة عود ولا نار خيمة.
يجد بضعةَ مقاهٍ موحشة، لفها الظلامُ والفراغُ، فيجثمُ على كرسي طويلٍ فيها. ويضعُ نعلَهُ تحت رأسه، وقبضتيه تحت معدته.» ص 16.
وللبحرين البحر والأمواج والأنواء والسفن:
«.. شهد الميجر بيلي البحر والأمواج والأشرعة والسفن والجماجم والأيدي المفقودةِ والعيونِ المفقوءةِ والضحكِ والبكاءِ والنسوة والصبيان والصبايا والفتيات» ص 20.
تلك هي بعض صور تزخر بها الينابيع، وهي صور حية نابضة زاخرة بالألوان والحركة والحياة، ونرى لتلك المشاهد والصور على اليابسة وفي الشواطئ والأسياف وفي أعماق البحر حيث السفن والأشرعة والصواري والأجساد وحيث تهدر الحناجر باليامال والهولو، وتتراقص القروش فرحة بفرائسها اللذيذة.
صور نرى فيها إلى الناس في مزارعهم وأكواخهم، في بكائهم ومآتمهم ونرى للغواصين في طقوسهم البحرية التليدة في مواسم اعيادهم، في نفراتهم تأهبا لموسم غوص جديد، أو (قفلتهم) عودتهم مثقلين بالجروح والعاهات والإعاقات والعبودية والديون، نراهم في الأزقة وفي الأحياء والحواري والأنفاق الضيقة المتعرجة، في المقاهي، في مجالس الطواشين وأصحاب الحوانيت والبخاخير والأغذية، في دور الغناء وحلقات الطرب السرية والرقص الشعبي في الأفراح, الأعياد، في أغاني الأصوات الخليجية، مواويل النهامين وأبوذيات العشق والعاشقين، في إيقاعات ورغاءات البحر والأمواج والأنواء، في بكائيات ومراثي ودموع ودماء كربلاء، في الجلود المسلوخة والأيدي المفقودة والأعين المفقوءة.
تلك هي ملحمة الينابيع تاريخ شعب وبلد، نضال وتصد وإصرار على مواجهة طبيعة غاشمة وجبروت، وشروط حياتية عنيفة مجحفة وغير عادلة، توجهها المصالح والغنائم والأطماع ولا تحفل أو تقيم وزنا لإنسانية إنسان. من هذا الواقع وضرورته الموضوعية تنهض شخوص الرواية كإفراز طبيعي وموضوعي لشروط واقع مختل وغير عادل، فمحمد العواد يهرب وينخلع عن القبيلة هربا من جور أبيه وتسلطه وتمييزه في المعاملة بين أبنائه السود والبيض، وهذا الهروب هو أيضا نوع من الثأر السلبي لذاته المهانة، وأمه التي افترسها أبوه بين قطيع من العبيد ذات ليلة نزوة وحماقة.
جمعة الحادي، نموذج آخر للضحية الجلاد أو الجلاد الضحية.
«.. أنت السيدُ الآن ، صعَّدتَ من حضيضِ الحضيض، من عمقِ الدموع، وقرأتَ على ضوءِ شمعةٍ شاحب، وبين لكمات السادة وبصقاتهم، انتزعتَ أوراقاً وكتباً، وأدمنتَ المكوث في مكتبةِ الكنيسة ودهشتَ من الورقِ والأفكار. رحتَ تتعلمُ كلَ شيء. ثم تعودُ لحملِ القدور والأكياسِ، تصعدُ، وسياطهم تنخر جلدك.
والآن أصنعْ سوطاً غير مرئي، وأجلدْ هذا الرمل، والأشباح السائرة واستمتعْ! كلاب!» ص 51 ـ 52.
«يتذكرُ كيف رأى جسدَ أمينة الأبيض في بيت (أعمامه) وظل سنوات يحلمُ، ويدفنُ وجهه في ملابسها حتى رآها تتلألأُ في ليلة عرسٍ وتــُلقى في غبةِ غرفةٍ مضاءةٍ بالمرايا. الآن لا بد من تملك النساء البيض وعصرهن بين شفتيه . يريدُ أن يملك ويملك حتى يبتلعُ كلَ شيءٍ!» ص 52 ـ 53..
أكبر مرتضى ـ دودة أرضية قارضة مثال صارخ لنموذج الانتهازي اللدود، أسنان منشار حديدي قاطع، لا يرعى إلاً ولا ذمة أو رحما، ينتهز المجاعات والكوارث ليأكل لحوم الناس امواتا..
«.. كان أبوهُ عند الساحل الآخر يقولُ له:
- يا أكبر. . سوف تذهب إلى الأرضِ الجنة، كلها خير وبركة، ينابيع تتدفق في البحر والبر، والبساتين على مدى النظر، هناك ستغتني يا أكبر، يا من يبخل حتى على أبيه بثمن الدواء!».
«ولكي يحقق أكبر مرتضى المزيد والمزيد من الجشع والتملك، يتقرب إلى جمعة الحادي، يحابيه، وينافقه ويتملقة، فلدى جمعة الكثير مما يمكن تقديمه من الخدمات الضرورية بحكم وظيفته في مكتب الميجر بيلي، لديه ما يدور في المجالس الكثيفة، وشبكات الخطط التي سمعها، والأسلحة الرابضة في اللواوين والدهاليز والأقبية، والرؤوس المثيرة للفتنة» ص 38.
سالم الرفاعي ـ المطوع ـ معلم الكتاتيب، يطلق لحيته ويديه، وتلاميذته الذين كبروا وأطلقوا أيديهم في البلاد والعباد، يحتج ويتذمر من الميجر الذي جمع خيوط السلطة في قبضته، وضيق الدائرة عليه وحدَّ من سلطته المطلقة يقول متذمرا شاكيا:
«ــــــ داسَ على شرائعِنا يا مولاي ، لم نعدْ نستطيع أن نحكمَ بالشرع ، فلا نجلد أحداً ولا نشتري إنساناً!» ص 42.
مي، فيَّ، شماء، أمينة، زينب، زهرة، نماذج لصورة المرأة البحرينية في العشرينيات، في الأرياف والبلدات والمدن، ومن مختلف الذوات أو بنت الحمولة بحسب التعبير الشعبي الذائع، لا يعدو حب محمد العواد، ذلك الصعلوك المتشرد لها وحبها له إلا أن يكون كالفقاعة أو سبحة خيال، أو حلم يقظة رومانسي إذ سرعان ما تصطدم هذه العلاقة بصخرة الواقع، وتتم خطوبتها على محمد ابن الحمولة الكبار، ومحمد العواد شبيه في هذه العلاقة بعلاقة جمعة الحادي بحبيبته أمينة التي رآها تزف إلى رجل آخر. ص 52.
زهرة نموذج المرأة العاملة في المزارع والحقول «.. لم تعرف سوى العمل، تشققت يداها في حقل الأسرة، وكأن ثمة غابة من الأيدي والأرجل والقامات تدبُ في الأرض السبخة المليئة بالطين والماء والأحجار. لم يكن للوجود من معنى سوى انتظار الثمار ونوم الليل ودبيب النهار وكان الخارج غائباً، مخفياً، فلا تعرف ماذا بعد النخل والبحر، ماذا يوجد وراء التلال القصية المتوهجة بالدخان والصرخات. . وكان عاشوراء يعطيها قصة مليئة بالدمع والدم فتبكي أباها وأمها» ص 78 ـ 79.
نماذج المرأة في الينابيع هي نماذج نمطية مستلبة، سواء كانت هذه النماذج في الريف أم في المدن، فهي ذلك الكائن الذي لا يملك من أمر كينونته أو مصيره شيئاً، أو لا ينبغي له أن يملك من أمره شيئاً، ولعل المختلف الوحيد بين تلك الشخوص أو الصور النسائية هو نموذج زينب زوجة أكبر مرتضى – والتي كان زواجها من أكبر مرتضى أشبه بزواج الصفقة بحساب الربح والخسارة والمحسوبة بدقة متناهية، لذلك لا يتردد أكبر مرتضى عن البوح لجمعة الحادي عما اصابه من غبن وخسران جراء هذه الصفقة الزيجة.
«. . تزوجت امرأة غنية، قبيحة، وبخيلة».
«. . تطلع أكبر إلى زوجته وتساءل، من يستطيع الزواج بك وأنت ذات الوجه البشع واللسان السليط، ألا تدخلين القفص أيتها اللبؤة؟» ص 107.
وكما تتوارى حقيقة الشخوص التاريخية وتنزاح خلف أقنعة ورموز سردية متخيلة لتتساوق وتتناغم مع البطل غير المعلن في الرواية وهو الناس أو إنسان البحرين، وهو يكتب تاريخ صراع بقائه بمداد من العرق والدمع والأجساد والدماء في صورة ملحمة شعبية طويلة شاقة ومؤلمة ممتدة عميقاً منذ ما قبل العصر الدلموني، كذلك تختبئ وتتوارى أسماء البلدان والقرى عدا المنامة والمحرق كونهما قطبي الفضاء الروائي لعموم الأحداث والشخوص والوقائع، ومع ذلك فهي لا تسمي الأحياء والحارات في هاتين المدينتين بقدر ما تشير أو توحي «.. في شرق المنامة تجمع هؤلاء السود والمجرمون السابقون واللصوص والبحارة، وتنامت الأكواخ من الشاطئ الشمالي الغارق في المزابل، حتى القرى الزراعية المتوارية وراء النخيل والأشجار في الجنوب..» ص 84.
أو وراء رمز لغوي لفظي، مثل مدينة (البيضا) والتي نستوحي عبر السياق السردي بأنها ربما كانت الرفاع أو الزلاق أو الجسرة من بلدات البحرين الراهنة. أم مثل (العين) بما يوحيه المدلول اللغوي لمفردة (عين) والتي يمكن أن نطلقها على عشرات القرى المنتشرة في شمال وشرق وغرب البحرين.. «مضت السيارة إلى طريق الريف المتربة الطويلة. رفع الفلاحون رؤوسهم من بين غابة البرسيم، وحدقوا في هذا الكائن العجيب الذي يمتطيه الميجر بيلي وحين يتوقف أمام مستنقع مليء بالبعوض، أو يتجنب حفرة أو كومة زبالة، فإن الأيدي القذرة تندفع للمس هذا الحديد العجيب، والتحديق في مراياه، والهجانة بإبلها العجفاء، ذات الرؤوس الساخرة المعتمة، تسبقهُ وتهتزُ السياط في الهواء، هذا هو طريق العين، تمعن في الخريطة، ليس ثمة لافتة ولا إشارة».
أو عبر ملامح المكان البيئية والجغرافية.
«.. عبر البحر والبر حتى وصل إلى البلدة العالية ببيوتها البيضاء المتألقة كالحمام، والقريبة من صدر السماء، العربات القليلة لا تزال تدبُ بحوافرها وعجلاتها في طرقها الحجرية، والحمير البيض الناعمة، تنقلُ الخضار والأخبار والصبية..» ص 46.
تلك هي البلدة التي فارقها غير آسف عليها(محمد العواد) ويمكننا أن نستقرئ المفردات البيئية في السياق بأن هذه البلدة ربما هي في قطر القريبة من جزر البحرين أو الدمام أو منطقة ما على ساحل الخليج.
اعتمدت الينابيع موادها الخام من معين تاريخ البحرين في العشرينيات من هذا القرن في وقائعه وأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والسؤال الحاسم لقارئ الرواية هو: إلى أي مدى تمثلت الينابيع تلك الوقائع والمواد التاريخية ومن ثم إعادة إنتاجها وصياغتها في نسيج سدري فني إبداعي، ملبية بذلك مواصفات وشروط العمل الفني الناجح بمعايير وقيم الرواية الإبداعية الحديثة...؟
التاريخ بداهة التسجيل هو الأمين للواقعة والحقيقة التاريخية في الزمان والمكان المعينين وكنموذج للحدث والحقيقة التاريخية في الينابيع (الوضع المحلي في البحرين والتدخل البريطاني المباشر في إدارة البلاد، متمثلاً في المقيم السياسي أو من يمثله وهو هنا (الميجر بيلي ومساعده أو المستشار في الفترة من 1920 – 1930، وما تلا ذلك التدخل من أفعال وردود أفعال ومواقف مختلفة ومتباينة).
وحيث إن وظيفة الروائي هي وظيفة أدبية فنية جمالية (صورية متخيلة) لذلك نرى له هنا في الينابيع يرصد إيقاعات ذلك الحدث النفسية والشعورية والسلوكية ويصور عمق الصدمة وأصداءها وما تثيره من حيرة ودهشة تنعقدان على وجوه الناس وقلوبهم وأعينهم وألسنتهم، تلك الصدمة التي تشبه إلى حدٍ ما . . ما أحدثته الحملة الفرنسية على مصر في القرن الثامن عشر.
ومن تلك الصور الفنية العديدة صورة «الميجر بيلي».
«.. والآن هذا الأشقر، ذو الجلد الناصع المحمر، الأزرق العينين كالبحر الذي ألفوه، يقف بينهم حياً، باسماً، ينظرُ إليهم، لا كرسي يضعهُ فوق السحاب، ولا حراب عبيد كثيفة، مجرد كائن بشري سحري يمشي على الأرض ويومئ برأسه محيياً، وباتراً الصمت بكلماتٍ فكهة ليذهلوا، أيمكن للرب المسيطر على الغلال والظلال أن يضحك، وينزل من فوق الخيل، ليهز الورق ويرفع أصبعه متحدياً؟..» ص 30.
وصورةٌ أخرى ترتسمُ في عيون هذا الغريب، القادم من أعالي البحار.
«.. سحب الميجر رأسه، وبدا يتأمل هذه الوجوه، التي تشبه شخصيات شكسبير بأزيائها الغريبة، ولحاها الضخمة، وأيقن أن بساطتها الظاهرية تخفي مكراً بدوياً عريقاً، وأنها ثعالب تكونت في البراري المفزعة، ورافقت الصقور في تحويماتها وانقضاضاتها الرهيبة» ص 83.
ثمة حدث مفصلي تاريخي مروع، كان له فعله السحري الأسطوري المدوي في الذاكرة أو التاريخ الشفوي في الذاكرة الشعبية في البحرين، حيث ظل هذا الحدث ولمدى عشرات من السنين محوراً تنسج في مداره المخيلة الشعبية الكثير من القصص والحكايات العجائبية الغريبة، وتتناقل هذه الحكايا الأبناء عن الآباء والأجداد، هذا الحدث الدرامي أو المأساوي الضخم، الجسيم في فعله التدميري الكبير إذا ما قيس ببلد صغير كالبحرين، يمثل تربة سردية خصبة هائلة، وفضاءً واسعاً رحباً لقوى الخيال والتصوير واجتراح الحكايا الغرائبية. ذلك الحدث هو الإعصار المدمر الذي ضرب مياه الخليج في العشرينيات من هذا القرن.
كيف تمثلت الينابيع هذا الحدث الواقعي/الأسطوري وإلى أي مدى استفادت من اسثتماره في معمارها الحكائي السردي؟
«.. كان الليل العميق في كل مكان، على البر البعيد، وفوق المدن والبلدات مليئاً بطلٍ رطب ساخن، فغرق الجميع في النوم وكابوس العرق والبعوض.
ومن بعيد ظهر مسمارٌ كبير من الهواء الملتف، يحفرُ في الأرض والماء بسنه (1) الهائلة الحادة، فيأخذ كل شيء إلى قلبه الدائر الصاهر، ويعيدُ الأشياء محطمة، متناثرة، ويعصر الأجساد والخشب(2).
اندفعَ المسمارُ الكبيرُ نحو المياه، هزَّ طبقاتَ الهواء، وكسرَ الصمتَ الصلدَ، وراح يحفرُ في البحر، ويثقب قاعه البعيد، ولم يحسْ الرجالُ بالأصابع القصيةِ الرهيبة ، لكن المسمارَ الذي تحول إلى حفارةٍ ضخمة ، اتسع وجمعَ إلى باطنهِ نثارَ الأشياء المحطمة المفزوعة ، واقترب من البحر والسفن الراقدة .
عندما رفعَ الرجالُ المفزوعون رؤوسهم من آبار النوم، رأوا عملاقاً ضخماً مضيئاً، كماردٍ شرير، كشيطان، يقلبُ خشبهم ويحطم صواريهم فوق أجسادهم ، ويمزقُ هذه الكتلَ الهادئة الساكنة، ويبعثرها في اليم، فيغوصون مهشمين، ويرقدون في القبور، ويطفحون على وجوه الماءِ، وتندفعُ إليهم قروشُ البحر سعيدةً هانئةً بهذه الوليمة الكبرى.» ص 116.
هذه صورة بنوارمية تضم في فضائها البر والبحر على السواء لحظة الإعصار وهي صورة انفجارية كلية عظمى، تتفجر من بؤرتها عناقيد من الصور الجزئية والتفاصيل التي كانت تروي شفاهاً على ألسنة الناجين من هذا الطوفان الساحق، سواءً من كان منهم في البحر على ظهور السفن أو على السواحل فوق اليابسة.
فصور المردة المسربلين بالنيران والحراب والحديد، والشياطين الذي يقلبون البحر، وأمواج الجبال هي صورٌ من مخزون الذاكرة الشعبية والدينية كما وردت في قصتي الطوفان والنبي سليمان(ع).
وتنفتحُ صورُ الإعصار الكبرى على صور تخيلية غرائبية تضاعف من مأساوية الحدث، فإبراهيم زويد يجدُ نفسَهُ على قطعة خشب طافية، والماء المالح والبقايا والألم كانت تتوزعُ للاستيلاء على جسدهِ، ويسمعُ ثرثرة قروش البحر وهي تتلذذُ بلحم ربعه.
وسعيد المناعي – النوخذا المعروف بطيبته وكرمه وشهامته، يقدرُ له النجاة هو وبحارته، وتلك اليد التي يمدها سعيد للمحتاجين أيام العسرة، امتدت والتفت لتنقذ سعيد وسفينته وبحارته.
«يمسك دفة سفينته المتلوية مع الموج الهادر، يساعده الرجالُ والأيدي الكثيرة الملتفة حوله، عرفوا الماء من الأعماق، وأمسكوا بعضهم وخوفهم ونجوا» ص 116.
وهكذا تنثالُ الصورُ وتتواتر الأحاديث.
وبحارة العنود (3) يبتلعهم البحر، وينجو بينهم صبي بأعجوبة فوق خشبة.
قرية كاملة لم يعدْ رجالهُا، غابوا كلهم في البحر، لم تأت جثة ولا ناجٍ، ولا يزال سكانُ القرية يحدقون في الموج لمرأى سفينة أو قطعة خشبٍ طافية.
فيْ زوجة سعيد المناعي ترقب البحر كل يوم من مصيدة السمك، وتتطلعُ إلى غول البحر بحثاً عن أبيها الذي أصر على دخول الغوص في هذا الموسم الأسود النحس.
«.. رأت شبحاً، نقطة رمادية في الأزرق الشفاف، كأن يداً تمتدُ في الهواء وصرخة تندلعُ في النهار المعتم، وبدا الناجي مدفون الرأس في التراب والطين لا قطعة قماش تغطيه، بل الصبان وامتدادات الجروح والرضوض والملح والتراب.
مدفون في كتل من الدم والأعشاب والإضاءات الغريبة. إنه ليس أباها، إنه إبراهيم زويد» ص 122.
وهكذا يجثمُ على البلاد ومن الماء إلى الماء ليلٌ أسود كثيفٌ قاتم مشحون بالحزن والتعازي والنواح والبكاء والقبور والدفن وهوس البحث عن الجثث والأشلاء والأعضاء في مصائد الأسماك والأسياف والبيوت الخربة المهجورة على السواحل والساحات الفارغة والأرياف القصية، وتتواتر الحكايات والقصص والأخبار والتفاصيل في صورٍ مرعبةٍ مخيفة.
ولكي لا نغمط المؤلف عبدالله خليفة حقه الأدبي والفني والذي لا تخفى معالمه وملامحه في رواية (الينابيع) أقول:
إن هذه الصور السردية الفنية والجمالية الأخرى، ومن أبرزها الأسلوب اللغوي الذي استظهر الشعر في مجازاته واستعاراته وانزياحاته، ولعل ما يميز لغة الرواية، هي تلك اللغة التي استثمرت، وإلى حدٍ بعيد، مفردات بيئة البحرين البحرية والريفية في معادلة تنمُ عن عمق التجربة وأصالة الموروث الشعبي.
وتبقى الينابيع مفتوحة لقراءات أخرى . . تستحقُ المغامرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – السن: المرساة
2– الخشب: السفن
3ـــ اسم السفينة
۞ توطئة.
۞ الفصل الأول: مقاربةُ الشعرِ الجاهلي.
۞ الفصل الثاني: غنائيةُ الشعرِ الجاهلي.
◇ امرؤُ القيسِ.
◇ تحليلُ المعلقةِ.
◇ طَرَفة بن العبد.
◇ معلقتا الصدام القبلي.
◇ شعراء آخرون.
◇ خلاصة.
۞ الفصل الثالث: الشعرُ والنثرُ الدينيان العربيان.
◇ في المعاني التوحيدية.
◇ بنائيةُ النثرِ.
۞ الفصل الرابع: صراعُ النثرِ والشعر.
۞ الفصل الخامس: القرآن في مكة.
۞ الفصل السادس: القرآن في المدينة.
۞ الفصل السابع: علاقات جديدة بين النثر والشعر.
۞ الفصل الثامن: سبل تطور النثر في العصر العباسي.
◇ نثر أبي حيان التوحيدي.
◇ العناصر الفنية واللغة الفكرية.
◇ البناء الحكائي في مقامات بديع الزمان الهمذاني.
◇ مقامات الحريري.
◇ سردُ السيرِ «الشعبية».
◇ حمزةُ البلهوان كسيرةٍ مميزة.
◇ ألف ليلة وليلة.
۞ الفصل التاسع: مسارات الشعر في العصر العباسي.
◇ الشعر والنقد.
۞ الفصل العاشر: من السيرة الشعبية إلى الرواية والمسرحية.
◇ سرد المنفلوطي.
◇ توفيق الحكيم.
◇ تداخلات الأنواع التحويلية.
◇ غنائية السياب.
◇ خاتمة.
❶
تمثلُ الأنواعُ الأدبيةُ قضايا جوهرية في الأدب، فهي تعبرُ عن قدراتِ شعبٍ أو أمةٍ ما على التطور الثقافي على مدى قرون، فليستْ هي بناءاتٌ شكلانيةٌ ترصفُ الكلام وتجمعُ المعاني في (قوالب) لكنها تعبيرٌ عن قدراتِ المبدعين والنقاد على الحراكِ التحويلي لمجتمعاتهم، أي على مدى تمكنهم من إقامة علاقاتٍ عميقةٍ مع البشر وجذورهم الدينية والثقافية والاجتماعية وتغييرها تبعاً لخُطى التقدم، ومجابهة قوى التخلف والإستغلال والتهميش للناس، وتصعيد القدرات على الحوار والبحث والتجديد.
أي هو التحولُ من هيمنةِ الصوتِ الواحد إلى تعدديةِ الأصوات، ومن سيادةِ الأنا المركزيةِ الاجتماعية إلى تنوع الأفراد وقدرتهم على الحوار والنقد والتغيير.
وإذا كانت صناعةُ الأنواعِ الأدبية تخضعُ للأفعال الحرة للمبدعين فإنها لا تستطيع أن تقفزَ على الظروف الموضوعية للواقع والناس. وهيمنةُ نوعٍ أو وجود كافة الأنواع هي قضيةٌ مركبةٌ من الذاتي والموضوعي، من سيطرةِ قيودٍ تعبيرية قَبْليةٍ ومن مساهماتٍ تحريرية لنزع تلك القيود. من آفاق مرصودة سلفاً نتاج سابقين ومن قدرة المعاصرين على تغييرها تبعاً لتطور الحياة والمساهمة في تغييرها.
والمبدعون يظهرون في شروط سابقة على إبداعهم، إنها تقيدهم وتجعلهم يعيدون إنتاج الماضي الثقافي أو يضيفون عليه بعض الإضافات اليسيرة والمهمة غير التحويلية الواسعة.
ومن هنا فظهور الشعراء في عالم العرب الجاهلي يختلف عن ظروف أخرى تالية حين حدثت نهضة، فسيطرةُ الصحراءِ والحياةِ الرعوية، هي غيرُ ظهورِ المدنِ وميلادِ دولةٍ واسعةٍ تختلطُ فيها الشعوب.
لكن إن تبقى الهياكلُ الإبداعيةُ الجاهلية في عمقِ المدن وتسيطرَ على الإنتاج فهي أيضاً هيمنة قَبْلية قَبَلية مستمرة.
وقد طُرحتْ بقوةٍ مسألةُ قصورِ الأنواعِ الأدبية على نوعٍ واحد بشكلٍ كبيرٍ هو النوع الشعري، ضمور النوعين الآخرين وهم النوع الملحمي والدرامي، وهي قضية ليست تجريدية بل قضية تاريخية وإجتماعية وفكرية طويلة ومعقدة.
يمثل النقدُ الثقافي عموماً قوةَ تفكيرٍ كبيرة غدتْ شيئاً فشيئاً معطلة، وكان يمكن أن ترفدَ الأدبَ والثقافةَ عموماً بطاقاتِها لكي يزدادَ الأدبُ والثقافةُ تأثيراً في الواقع لكن النقد توقف عن هذه العملية الضرورية، فما هي الأسباب؟
كان من الضروري لهذه القضية أن تُحلل بعمق ويُرى على ضوئها تخلفُ وجمودُ الأبنية الاجتماعية- الثقافية العربية، وهذا لا يمكن أن يكون بدون نقد فلسفي له شروط كبرى، أن أي أن يقوم على فلسفة تقرأُ الثقافةَ في ضوء البنى الاجتماعية وسيرورتها التاريخية.
هذا كان يمكن أن يحدث في الثقافة العربية الحديثة ويتم قراءة الأنواع وجمودها في العصر العربي القديم وأسباب تشكلها في العصر الحديث.
يقول ناقدٌ عربيٌ كبيرٌ هو إحسان عباس الذي استفاد كثيراً من (النقد الأمريكي والنقد النفسي لدى فرويد والأسطوري لدى كارل يونغ) يقول بأن الاقتراضَ الشديد من الغرب على هذا النحو (يجعل الدارس يقع في وهم فكري مزدوج: يتكشفُ الأولُ في إغفالِ التاريخ الثقافي العربي، ويتجلى الوهمُ الثاني في جهلِ التاريخ الكوني للآخر).. وهو أمرٌ في رأيهِ يقودُ إلى (التبعية الثقافية أو يفضي إلى المحاكاة الصماء)،‹1›.
يتحسسُ الباحثون العربُ الإشكاليةَ المركبةَ في تبعيةِ ثقافتنا للعصر الوسيط ببنائه الإقطاعي، المستمر حتى الآن، وتبعيتها كذلك لما يُطلق عليه بعضهم (الآخر)، وهذا التعبير تجريدٌ آخر معاكس للماضي، فلا يقولون بأن الآخرَ هو النظام الغربي الرأسمالي.
لكن التعميم على الجهتين يقودُ إلى سلسلةٍ طويلة من الأخطاء، لأن ثقافتنا العربية القديمة مرت بعدةِ أطوار وأبنية، ولكلٍ منها واقعٌ خاص، وكانت تعيشُ تطورات ومراحل كبيرة، فالتعميمُ المنطلقُ منها، خاصة حين يساوونه بـ(الشخصية العربية) أو بـ(الذات العربية)، يقودُ إلى كوارث تحليلية.
فالشعرُ الجاهلي لا يُعرف لماذا صار بهذا الشكل ومن أين جاء وما هي علاقاتهُ بالمكوناتِ الفكريةِ والفنية السابقة، والقرآن لماذا هو بهذه اللغةِ والتراكيب والأخطر ما هو دورهُ في عمليةِ الثقافةِ التحولية، ولماذا استمرتْ القصيدةُ المتناقضةُ البناء التقريرية حتى اليوم؟ ولماذا الغيابُ للبناءِ المسرحي في الثقافة والبناء الدرامي في الشعر وغياب الملحمة؟
دخلَ النقدُ العربي القديمُ في جوانبِ المحدودِ كالصورِ الجزئية والأغراض وأشكال البلاغة، ثم وجدَ نفسَهُ في العصر الحديث أمام مدارس أوربية كبيرة، فلم تسعفهُ أدواتُ النقد العربي القديم، ليس فقط لضخامةِ الإنجازاتِ الغربية التي تشكلتْ خلال قرون النهضة والثورة الصناعية والعصر الحديث، بل لأن واقعَهُ العربي المتعدد راح هو الآخر يتغير ويصارع، فبدأت الآدابُ والفنونُ العربية في الازدهار في واقع متخلف اجتماعياً!
وككلِ نتاجِنا وسياستنا وقع بين دكتاتوريتين؛ دكتاتورية الماضي المبهمة والمتجسدة في البناء الثقافي، وفي دكتاتورية الحداثة الغربية، التي تفرضُ نفسها عبر أنماطٍ سائدةٍ قوية فتشلُ الوعي العربي عن أن يكون وعياً عربياً ديمقراطياً.
وكي نعرف إننا واقعون بين دكتاتوريتين ثقافيتين، يحتاجُ ذلك إلى فحصٍ على مستوى الماضي ومستوى الحاضر، أي القيام بنقدٍ مزودجٍ على ضفتي الزمان والمكان.
حين نقرأ فقط القصيدة الجاهلية سوف نقول لماذا الانحباس في الشكل المضطرب الممزق الانعكاسي المباشر؟ أي لماذا عجز العربُ عن إنتاج شعر أكثر تطوراً من هذا؟
وهو أمرٌ لا يتضحُ إلا في قراءةِ السياق التاريخي، بكون القصيدة العربية الجاهلية هي نتاجُ شعبٍ محبوس ممزق في هذه الصحارى الهائلة المجدبة، وبإدراكِ إن هذا الجنسَ الأدبي (الشعر الجاهلي) هو أرفعُ ما أنتجهُ هذا الشعب بعد انحباسهِ وتقطع صلاتهِ بالشمالِ، السامي، لغةً ومكاناً وتلاقحاً واسعاً، وهو أمرٌ يربطنا بتدهور الأنواع الأدبية والفنية في الشمال (العراق، وسوريا، ومصر)، فلا بد أن نقرأ فضاءَ الآداب والفنون في الحضاراتِ القديمةِ التي عجزتْ عن تنامي التطور فيها، وعن نمو أنواع: الملحمة وبالتالي النقد وغياب المسرح.
وبهذا كان النتاجُ الثقافي العربي الجاهلي هو وليدُ ظروفِ العزلةِ والتخلف المزدوج، فالاستبدادُ الطويلُ الذي أصابَ الحضارات القديمة والذي كانت إحدى سماته تحجر الآداب، انتقلَ بقوةٍ مضاعفةٍ للجاهليين، ومع ذلك قاموا في تلك العزلةِ النسبيةِ بإنتاجٍ ثقافي يعكس ظروفهم ويعكس كذلك حريتهم البدوية.
بين الغنى الثقافي الذي فجرتهُ ثورة الإسلام وبين الأشكالِ الأدبيةِ والفنية المتيبسةِ التي سادت طوال العصر الأموي، ثم تقطعتْ بفعلِ المدنية العباسية النسبية، عواملٌ من الصراع والتداخل، فقد أضفى الفهمُ الدينيُّ المحافظُ على منتجاتِ الثقافةِ المختلفة عواملَ كبيرةً من الكبح.
فقد قام بأسلمة الشعر الجاهلي، محوراً العديد من الأسماء الدينية والأفكار الوثنية، ثم جعلَ المبنى الفضفاض للقصيدة الجاهلية نموذجاً يُحتذى، وجَمدَّ الأنواعَ الأدبية كما كان متبعاً سابقاً، فغدتْ الفنونُ التجسيديةُ محرمةً كذلك.
ثم حين تطورت الآدابُ والفنونُ في العصر العباسي في المدن النهضوية المؤقتة، فإن تغيراتٍ جذريةً في الأنواعِ الأدبية لم تعدْ ممكنة، وإذا حدثتْ تطوراتٌ كما في الرسم وظهور القصة والمقامة واتساع النقد وتشكل الفلسفة، فإنها تغدو محاطةً بدكتاتوريةِ الماضي الثقافية، ودكتاتورية الحاضر الأموي ــ العباسي الجارية.
وهكذا فإن الضرورةَ تتكشفُ هنا، فالعربُ ورثةُ الدكتاتورياتِ المشرقية القديمة، فهم إذ ينقطعون عن نتاجِ الحضاراتِ المشرقية القديمة الغني في زمنِ التطورات الحضارية الخصوبية، ليس بسبب فقدان اللغات القديمة فحسب، بل كذلك رفضاً للتعرف عليها بإعتبارها وثنية، مثلما يكيفون النتاجَ المترجم اليوناني والهندي حسب وعيهم الديني التوحيدي التجريدي وتبعاً لحاجاتهم في هذا المجتمع النهضوي المتوجه للاختناق بفعل دكتاتوريات السلطات والجماعات السياسية ــ المذهبية المختلفة.
إن النقدَ هو الآخر يتعرضُ لهذا الحصارِ فيحافظُ على شكلانيتهِ العامة، بتقزمِ الأنواعِ الأدبية والفنيةِ فيه، ثم يجمدُ تطورَ القصيدةِ بإبقاءِ مبناها العامِ المضطربِ المحدود، الذي لا يغتني إلا بفعلِ نقدهِ للواقع، وتداخلهِ مع الأنواعِ الأخرى كالدراما والقصة، وهو أمرٌ غيرُ ممكنٍ إلا بشكل تعليمي ساذج.
ليست هذه الأنواعُ الثلاثةُ؛ النوعُ القصصيُّ، والنوعُ الدرامي، والنوعُ الشعري، أنواعاً منفصلةً فحسب، بل هي أنواعٌ متداخلةٌ كذلك، فهي تغذي بعضَها البعض، وعدم وجودها في واقع ما، دليل على مشكلات ثقافية وديمقراطية عميقة فيه.
إن عجزَ النقدِ العربي القديم عن كشف ذلك، هو بسببِ ذلك الغياب الديمقراطي في السياسةِ والثقافة ولظهورِ الدول الإقطاعية المركزية أو المنفصلة، وهو أمرٌ قطعتهُ التجربةُ الغربيةُ حين تم الإحتكاكُ بها في بضعةِ عقود، فتم ذلك من خلال السيطرة الأجنبية.
إن النموَ الداخليَّ العربيَّ لم يكن حراً، فلم ينتجْ الأنواعَ السابقةَ الذكر بانفصالِها وتداخلِها المركب، ولم تتحْ تجربتهُ المقموعةُ خلال تلك القرون، التي لم تزدهرْ بالحريةِ الواسعة أن يصنعَ تلك الأنواع بتلاقحِها وتنوعها، ففوجئ وهو ينمو داخلَ الحياة الحديثة الغربية التي دخلتْ حياتَهُ بقوة في عقودِ الليبرالية، أن تاريخـَهُ الثقافي ناقصٌ ومتخلفٌ في أنواعٍ معينة، فراحَ يستكملُ النقص.
ليس العربُ كلُهم منتجين ثقافيين، فالمنتجون هم أفرادٌ وجماعاتٌ من الفئات الوسطى، التي يتيحُ معاشُها أن تشتغلَ في الثقافة، وهي موزعةٌ بين الدكتاتوريتين: دكتاتورية الماضي، ودكتاتورية الحاضر، فالليبرالية العربية لم تتطور وجاءت الحكوماتُ الشمولية فكبحت التطور، لكن بعض نتاجات الثقافة خلق تطوراته الخاصة المعبرة عن حياة الناس وطموحهم للتغيير.
❷
هناك عباراتٌ هامةٌ لبعضِ النقاد والباحثين العرب حول تطور الأنواع الأدبية العربية تعبرُ عن إشكالياتٍ متعددةٍ تتعلقُ بتطورِ هذه الأنواع في الحياة العربية، وذلك بفهمِ هذه الأنواعِ عبرَ التاريخِ العربي والعالمي.
يقول الدكتور شوقي ضيف:
(إن الغربيين عنوا في بلاغتِهم بدراسةِ الأساليب والفنون الأدبية، بينما لم يكد يعني بهذه الجوانب أسلافنا، إذ صبوا عنايتهم على الكلمة والجملة والصورة)،‹2›.
ويَضيفُ:
(ولو أن شعراءنا نظموا في أساليب جديدة كأسلوب الشعر القصصي أو المسرحي، أو لو أنهم نوعوا في شعرهم الوجداني الغنائي فأخرجوه من صورته الفردية الذاتية إلى صورة موضوعية واسعة صوروا فيها مجتمعاتهم ونفوس من حولهم لاختلفت أساليب الشعر اختلافاً واضحاً)،‹3›.
وهو يعتبرُ بأن المقامات وهو الفن النثري الجديد (سرعان ما تجمد وفقد كل حيوية، إذ حمله أصحابه من صناعة السجع اللفظية ما قضي عليه قضاءً تاماً)،‹4›.
إن تعبيراتٍ مثل (إن الغربيين اعتنوا في كتاباتهم)، (ولو أن شعراءنا)، تعبرُ عن عدمِ قراءةٍ تاريخيةٍ وموضوعية واسعة لأنواع الأدب، فهل كانت الأنواعُ الأدبيةُ المكوَّنةُ عربياً بفعل ذاتي فردي محض، أم كانت لها سببيات أخرى موضوعية كذلك، فتشابكُ الذاتي والموضوعي في نسيج ظلَّ غائباً في كثير من الأحيان.
وكما أن التاريخَ الثقافي العربي بهذه التصوراتِ فقدَ سيرورتَهُ الكامنةَ المشكلةَ له، كذلك فإن التاريخَ الثقافي الغربي غدا هو الآخر نتاجَ إبداعٍ ذاتي صرفٍ لم تتكون له شروطٌ موضوعيةٌ أهلت لتطوراته تلك.
فتغدو السيرورةُ التاريخيةُ الثقافيةُ في الجانبين العربي والغربي، غيرَ معروفةِ المسار، وإن عدمَ رؤيةِ المسارين المختلفين هو ذاته نتاج رؤية واحدة، حيث تنمو الثقافة في هذه الرؤية بدون شروط موضوعية، فيكفي حسن النوايا لكي يُصحَّح المسارَ الخاطئ الذي لم يصل للنموذج.
وتتوجه كتاباتُ الباحثين والنقادِ العربِ إلى تلمسِ هذه السببيات المتوارية، والتي تتحسسُها بعفويةٍ في بادئ الأمر ثم تتحولُ إلى جهودٍ للمقارنة ولتلمسِ ما تحت الظاهرات المرئية.
كان من العبارات الأدبية الغربية، تلك الآراء التي قدمها فيكتور هيجو في مقدمةِ مسرحيةِ كرومويل؛ (وخلاصتها أن الأدبَ قد تقلبَ مع البشرية في ثلاثة أطوار، فالشعر الغنائي كان في العصر البدائي، والملحمي في العصر القديم، والدرامي في العصور الحديثة)، وعلى هذا يكون ثمة مساران متساوقان، حيث الأدب يقطعُ المسار ذاته الذي يقطعهُ المجتمعُ الذي ينشأ فيه. ومن هنا فإن القولَ بخلو الأدب من الشكل الملحمي والدرامي يعني أن المجتمع العربي وقف عند الطور البدائي الأول من أطوار التمدن البشري.
إن مسألةَ أخطاءِ المفاهيم وقراءة التطور الثقافي العالمي سوف لن تغدو في العصر العربي الحديث عربيةً محضة، بل سوف تتشابكُ مع قراءاتٍ نتجت في بلدان أخرى كفرنسا هنا، ومع شاعر وروائي فرنسي كبير هو هيجو، كانت لديه رؤية خاصة ذاتية لتطور الأنواع الأدبية، لكن هذا التصور سوف يُرحّلُ للبلدانِ العربية وينتشرُ بين مثقفيها وسوف يدرسون على ضوءِ تلك الجملِ تطورَ ثقافتهم.
فهيجو في التصور يقدمُ آراءً ذاتيةً غيرَ مدروسةٍ لتاريخ الأدب العالمي، فهو يقدمُ تصوراً للشعر في الواقع وليس الأدب عامة، أي لنوعٍ فيه وليس لكل الأنواع، ثم إنه يؤرخُ لهذا النوعِ بشكلٍ خاطئ كذلك، فالجنسُ الشعري الملحمي هو الأول والسابق، وبعد ذلك تمخضَّ الجنسان الآخران؛ الدرامي والغنائي، لكن في تطور مجتمع خاص هو المجتمع اليوناني، فليس هو تطور الأنواع الأدبية البشرية كلها، وليس هو تطورها في كل بلد أوربي كذلك.
إن مسارات الأنواعِ الأدبية مختلفةٌ متغايرةٌ بين مجتمعٍ وآخر وفي مراحل هذا المجتمع نفسه.
ثم نأتي لكلمات أخرى عامة كذلك هي أن المؤلفين العرب قد (انتهوا جميعاً إلى أن الأدب العربي قد وقف عند الشكل الأول)، فهنا جملة من الأخطاء، فالأمرُ لا يتعلق بـ(الشكل) بل بـ(الجنس الأدبي) أي الشعر وضروبه، وفي حين أن المقصودَ هو (الأنواع الأدبية) وليس الأجناس، أي إن المقصود مناقشة الأنواع كالشعر والقص والمسرح.
وبهذا فإن العبارةَ المنقولةَ عن هيجو المتعلقةَ بتطورِ الأجناسِ الشعريةِ تغدو عربياً مناقشة للأنواع، وتـُعَّمم بشرياً وعربياً، ومن ثم يُقال بأن العربَ وقفوا عند النوع الأول وهو النوع الغنائي ولم يتطور مجتمعهم.
وبطبيعة الوعي الأوربي المركزي السائد فإن ذلك يُربط بطبيعة (العقل الشرقي)، كما حدثَ في مسألةِ قراءةِ الفلسفةِ وتطورِها العربي، وهذا يغدو تتويجاً لغيابِ القراءةِ التاريخية والتي تبدأ من هيجو حسب مناقشة الفقرة السابقة، الذي قدمَ ترتيباً تعميمياً غيرَ دقيق عن الجنس الشعري، وغدا لدى بعض الباحثين العرب تعميماً نوعياً إنسانياً فشملَ الأدبَ العربي بأنواعه والمجتمع كذلك.
انتجَ سليمان البستاني وروحي الخالدي أفكاراً في بدءِ التحديثِ العربي عن الأنواعِ والأشكال الأدبية، فيها ذات الإشكاليات، فالبستاني يقول في مقدمتهِ لترجمةِ الإلياذة بأن: (العرب قسموا الشعر إلى أبواب منها الغزل والمديح والهجاء والرثاء ونحو ذلك، ومثل ذلك موجود في شعر جميع الأمم، ولكن الأفرنج يحصرون أبواب الشعر جميعاً في بابين: الشعر القصصي (إيبك) والشعر الموسيقي (ليريك): ذلك أنه لا بد للشعر من أن يرمي إلى أحد أمرين: إما بسط أحوال العالم بمظاهره البارزة وإما التعبير عن شعائر (مشاعر) النفس الخافية عن الأبصار وإبراز التصورات الكامنة في الصدور.. فالشاعر القصصي بهذا الاعتبار يعبر عن شعائر غيره والشاعر الموسيقي إنما يعبر عن شعائر نفسه)‹5›.
يحددُ سليمان البستاني قضيةَ الأنواع الأدبية في الشعر ويضعهُ في خطين بطريقةِ أما وأما، وهو منهجٌ تقطيعيٌّ منذ البداية، فأما أن يكون الشعر موجهاً للخارج فيغدو قصصياً وأما أن يتوجه للداخل فيغدو موسيقياً، وهذه التفرقة هي قراءةٌ أولى لمسألةِ الأنواع لكنها دخلت في الأجناس، فالشعرُ جنسٌ من ضمن نوع، والقصة جنسٌ من نوع آخر، وحين يقول البستاني بأن الأوربيين عرفوا هذين (النوعين) فهو يتحدث عن المرحلة الإغريقية والمرحلة المعاصرة، فهو يقصد كما نفهم المسألة الآن بأن الجنسين دخلا النوع الشعري، وعبر ذلك تشكل في الرافدِ الأول وهو الملحمة، وفي الرافد الثاني تشكلت القصيدة الغنائية، حيث إختصتْ الملحمةُ بالتعبيرِ الاجتماعي الواسع، وبتجسيدِ الحياة، وليس أنها لم تهتم بالذات والمشاعر، في حين أن الجنسَ الغنائي تخصصَّ في التعبيرِ عن الذات، وهذا لا يعني عدم تواجد الحياة الموضوعية وتأثيراتها فيه.
ولكن الملحمةَ الإغريقيةَ تشكلتْ شعراً، وهي ليست ذاتَ صياغةٍ نثرية، وبطبيعة الحال فإن القصيدةَ الغنائيةَ هي كذلك، ولهذا فإن وصفَ الجنس الغنائيِّ بالموسيقى هو وصفٌ غيرُ متكامل.
ويقولُ شكري عياد: (ويظهر في هذا البحث بأن البستاني ميال إلى القول بأن العرب في جاهليتهم لم يكونوا مختلفين اختلافاً أساسياً عن غيرهم من الأمم القديمة كاليونان والرومان والهنود)،‹6›.
إن ما وصل إلينا لحد الآن من التراث العربي كما قلنا لا يعطينا دليلاً في هذا، ولا يمنع كذلك أن يكون للعرب ملاحم لم تصل إلينا.
ويضيفُ شكري عياد بناءً على قراءتهِ لمقدمةِ البستاني السابقةِ الذكر: (ويذهب أنهم عرفوا القصص أيضاً، ويستدل بأيام العرب مثل قصة حرب البسوس، ولا يستبعد أنها كانت في الأصل ملحمة ففقدت أجزاءً منها وتفرق ما بقي)،‹7›.
هنا يتضحُ بأن البستاني يتوجهُ للملحمةِ وهي المكتوبةُ شعراً بطبيعةِ الحال، ولكنه يصفُ فترةً لم تظهرْ مثل هذه الملاحم فيها، بل ظهرتْ القصائدُ الغنائيةُ (التي يسميها الموسيقية)، وهي سائدةٌ بشكلٍ كلي، وهو الأمر الذي يدعو للتحليل، عبر الحفر في هذه القصائد وكشف إذا ما كان لها علاقة بالملحمة أم لا، وهو ما سنقومُ بهِ لاحقاً.
❸
ثمة إدراك بكون النوعين الشعري والنثري العربيين في بدءِ تكونهما قد تشكلا بلا مساواة كمية، فالشعرُ هائلُ المساحة بينما النثر محدود، ولكننا ليس لدينا سوى ما حفظتهُ الذاكرةُ العربية بعد قرون من تشكل النوعين، ولدينا هذا الترتيب المُقر السائد بكون الشعر الغنائي العربي هو الأسبق وهو الكم الهائل المحفوظ، وفي خضم ذلك يُقال بأن الشعرَ ديوان العرب.
فهل يعني ذلك إن الشعرَ الملحمي لم يكن موجوداً لدى العرب أو أنه كان ثم اختفى؟
وبطبيعة الحال فإن المقاربةَ لتكوّن القبائل العربية وظهور لغاتها الموحدة أصبحت كلاسيكية وتم الاتفاق بشكلٍ عام على أن الشعر الغنائي هذا له من العمر مائتا سنة قبل الإسلام على الأكثر، وأما ما قبل ذلك فمجهول، وهذا الزمان التقريبي هو الزمان التقريبي لتكون التوحد القبائلي الكبير بين قبائل عدنان من جهة، وقبائل قحطان من جهة أخرى، ثم التقارب القبائلي بينها.
وعبرَ هذه اللغاتِ ــ اللهجاتِ ثم عبرَ اللغةِ الواحدة تشكلَّ هذا الشعر والنثر، وبين النوعين وحدةٌ ما، هي سيطرةُ الموسيقى فيهما، وهو الأمرُ الذي لعبَ دوره في عملية الحفظ.
إضافة إلى ذلك فنحن نقرأ النوعين عبر الرواية الدينية الإسلامية، التي حورت بعض الألفاظ وغيرت في الصياغات وربما أخفت ونحت أشياء عدة بسبب عدم تطابق هذه القصائد أو المقطوعات مع العقلية الدينية السائدة، ولكن نحن لسنا بصدد قراءة المنحول أو الصحيح بل قراءة تطور الأنواع بذات المادة المقدمة والمُعترَّف بصحتها العامة، وقد قادت عملياتُ التغييرِ والنحلِ في الشعرِ الجاهلي بعضَ النقادِ القدامي والمعاصرين إلى التشكيك الجزئي فيه كابن سلام الجمحي، وإلى التشكيك العام كما يفعل طه حسين في كتابهِ الشعر الجاهلي ثم في كتاب الأدب الجاهلي .
يقول ابن سلام الجمحي حول الشعر الجاهلي:
(.. جاء الإسلامُ فتشاغلت عنه العربُ وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم ولهتْ عن الشعر وروايتهِ فلما كثرَ الإسلام وجاءتْ الفتوحُ واطمأنتْ العربُ بالأمصار راجعوا رواية الشعر فلم يؤولوا إلى ديوانٍ مدونٍ ولا كتابٍ مكتوبٍ وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل فحفظوا أقل ذلك وذهبَ عليهم منه كثيرٌ وقد كان عند النعمان بن المنذر منه ديوان فيه أشعار الفحول وما مدح هو وأهل بيته به صار ذلك إلى بني مروان أو صار منه. قال يونس بن حبيب قال أبو عمرو بن العلاء ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله ولو جاءكم وافراً لجاءكم علمٌ وشعرٌ كثير)،‹8›.
هذه العبارة هي التي ارتكز عليها طه حسين في دحض أغلبية الشعر والنثر الجاهليين، لكن بعد فترة من الفحص قام بها باحثون تم التأكد من صحة الكثير من هذا الشعر، وتم كشف أجزاء منحولة، ولكن الفجوات في بناء القصائد الطوال خاصة وإزالة الجوانب الدينية الوثنية هي قضايا لم تـُحسم بعد.
وبهذا فإن القراءةَ التي نقومُ بها لهذا الشعر والنثر ترتكز على ما اتفق عليه وصحت نسبته إلى الشعراء والقوالين.
إن ضخامةَ الشعر الغنائي أمرٌ لا يستطيع أحدٌ أن يلغيه أو يحوره، وهو الشعر الذي تكون في فضاء هذا التوحد الاجتماعي للقبائل العربية وهي تظهرُ على مسرح التاريخ.
أما ما قبله فمجهول، ولهذا فإن التساؤلات هنا تتوجه هل نستطيع أن نعمم ونقول بأن الثقافة العربية لم تعرف الملاحم الشعرية، وهل يمكن لمثل هذه القبائل التي تشكلت خلال آلاف السنين أن تعبر عنها هذه الفترة الأخيرة فقط التي وقف الوعي الوسيط الديني المحافظ والوعي المعاصر المتعدد الرؤى عندها عاجزين عن الولوج لما ورائها بحثاً موضوعياً؟
كذلك فإنه لا بد من حسم موضوع (العقل العربي) والعقل السامي الذي لا يعرفُ الملاحمَ عبر قراءة التواشج الثقافي مع حضارة وادي الرافدين التي هي حضارة قريبة ومؤثرة على التطور الاجتماعي العربي عامة، فهذه الحضارة الرافدية عرفتْ الملاحمَ الشعرية والقصص ولكن الملاحم ليست هي ملاحم قصصية صراعية جماعية واسعة، بل هي أقربُ للقصةِ الشعرية الفردية المطولةِ كملحمةِ جلجامش، وبهذا فإنها لم تستطع أن تشكلَ ملحميةً واسعةً قادرة على تحليل شبكة من الشخوص وعلى قراءة الواقع بالتالي، وعلى طرح نماذج خصبة منوعة، وقد تمكن الإغريق من خلقها بسبب ترافد الماضي (البربري) الديمقراطي مع ثقافة المدن الحرة التي ترتبتْ على طبيعة الجزر، المتعددة، وعلى نمط التجارة الفردية الواسعة، في حين كانت الثقافة البدائية شبه الديمقراطية في وادي الرافدين والوادي المصري قد تم كتم أنفاسها مع تشكل الدول الاستبدادية الكبيرة.
ومع هذا فإن هذه المخاضات والانجازات للشعوب في منطقة الشمال لم تصل إلى عرب الجزيرة إلا عبر بعض الومضات التي نفثتها الأديان.
يقول الروائي البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة في ما يشبه الدفاع عن روايته الجديدة «عنترة يعود إلى الجزيرة»: «لم تكن تعنيني حكاية النفط على رغم أهمية تجربة منيف». إنه دفاع أمام المقولات التي تختصر الرواية في هذا المنحى، أي في تشابكها مع رواية عبدالرحمن منيف «مدن الملح». ويسلط خليفة الضوء على هواجسه الفنية والموضوعية فيها، وما مدى ما حققه فيها من اختراقات فنية مقارنة برواياته السابقة.
في رواية خليفة بروز لما يتجاوز القبيلة، «وهو الوعي التحديثي الذي يصعد من الأسرة، ينخلها ويصارعها وتنمو به وتغير نفسها وواقعها من خلاله».
يهتم الكاتب البحريني أكثر بالجوانب الروحية والنفسية والإشكاليات الكبرى، مبتعداً عن منيف، الذي كرّس، في رأيه، مجلدات عن أحوال اجتماعية ضرورية لبناء الرواية العربية، لهذا ترى المجلدات الكبيرة لم تصل للصراعات الفكرية الروحية وحين وصلت كانت إمكانات التعميم الروائي قليلة والتحليل الفلسفي محدودة، على رغم أهميتها.
بيد أن إعطاء البطولة للشعب، في تصور صاحب «رأس الحسين» هو غير إعطاء البطولة للنُخب والكائنات، التي تخرج من عفوية المسار الروائي المرحلي، «فهي لا تتنمذج في البناء الروائي. في حين أن مثل هذه الشخصيات المجهولة تصوغُ تاريخاً غائراً في حياة الناس، ملتحمة برمزية الأمة، في مسارات الواقع كافة بين الشخوص، ويجعلها ذلك تصنع تاريخها الفردي المختلف. بناءً على هذا، فإن كينونة كل شخصية ومساراتها تختلف نظراً إلى طبيعة النماذج، وإذا كانت البطولة تُغني فإن الوضاعةَ تفقر، والأسلوب يحصل على ثمار العلاقة بالواقع الملون».
إذاً، لا تتغنى رواية عبـــــــدالله خلــــــــيفة ، الذي يعد من رواد الرواية في الخليج وأحد أبرز كتابها، بزمن القبيلة ولا تحاول استعادته، إنما هي معنية بدرجة أساسية بزمن الحرية وزمن ازدهار القيم، «وهو على رغم كونه زمناً متخيّلاً، لكنه تاريخي واقعي كذلك، عبر هذه الإمكانات التي تتيحها تحولات تاريخية وعواصف اجتماعية، مثله مثل تاريخ الأمة، منقطع ومتصل، ولهذا فإن القيم المسحوقة هي ذاتها المتغنى بها».
يبدو هلال العبسي، الشخصية الرئيسة في الرواية، حتى في نظر ابنه المثقف والأكاديمي أشبه بأسطورة، كائن عجيب في أفعاله ومسلكه، فهو يقاوم السجن وينجح في الهروب منه، غير أن هذه الشخصية التي تقارب الأسطورة، تشعر بتآمر العالم كله عليها، يظهر هلال أحياناً وكأنه رمز لكل ما تم فقدانه وتلاشى، «كونه شخصية محورية لا يسلب الشخصيات الأخرى تكونها، هو في زمن صياغة الحرية. وقد ساهم في جذورها وقيمها»، يقول صاحب «التماثيل» ويضيف: «لهذا فنظرةُ ابنه إليه تعود لكون هذا الابن هو الذي يصوغ نظرته الخاصة بين ظرف استلابه وظرف صياغة حريته. المواد العلمية المؤدلجة عنده والبحث الموضوعي والمغامرة والشجاعة تؤثر في مساره المختلف. من هنا، تحمّل هلال العبسي ثمن شجاعته وثمن حرية نورة العائلة، وحتى في السجن راح يحفر لحرية الأجيال السابقة التي ضاعت أعمارها. أليس هو نتاج تلك القيم؟».
تحفل رواية «عنتر يعود إلى الجزيرة» بحضور لمظاهر التشدد الديني، من تكفير ومحاكمات، في المقابل تحضر أيضاً السلطة التي تستعمل كل ما يمكن استعماله، من قضاء ومؤسسات، لسحق من يقاوم، أي أننا إزاء قضايا راهنة يعانيها مجتمع الجزيرة، ولا تزال تلقي بظلالها على المشهد كله. ويرى عبـــــــدالله خلــــــــيفة أن الواقع الروائي لا يلتفت إلى هذا الجانب، فهنا قوى سكانية «خرقت المسار التاريخي، ولهذا فإن فاعليات الشخوص الجيدة أو السيئة، التضحوية أو الأنانية، هي التي تبرز، ربما يظهر الشكل الديني كحيلة. وما يبرز بقوة هو صراع البطولة والضعة. لدينا عنترة شعبي حلمي ولدينا فراغ بطولي رسمي». من هنا، ينظر خليفة إلى الأجيال الجديدة بصفتها ولّادة للبطولة، «لهذا، فالأشكال العتيقة من القهر لم تعد فاعلة».
إذا كان الكاتب صاحب رؤية فلا بد من أن يمر بتجارب مروِّعة لكي يؤسس رؤيته، يقول صاحب«الينابيع» ويؤكد أنها ضرائب باهظة لاكتشافاته، «إن الأعمال حصيلة لعمره، إذا لم تكن ذاتية متطرفة، والشخصيات والأحداث والأبنية الفنية هي كلها جزء منه ومن واقعه وتراكمات ما هو مضيء وتكون بعسر».
موضوع الرواية في الخليج موضوع كبير، في رأي عبـــــــدالله خلــــــــيفة، الذي سبق أن نشر دراستين عن هذه الرواية: الرواية بين الكويت والإمارات، والرواية الخليجية بين التبلور والتفكك. في هاتين الدراستين يمسح التجارب خلال العقود الأولى منذ الستينات. ويطرح أسباباً عدة «تجعل الرواية نوعاً لم يتجذر في الأرض بعدُ». ومن هذه الأسباب: ضعف الفئات الوسطى والبيئة الحاضنة للحداثة، وضعف حضور المنتجين، وبدائية الوعي، والهزال الأدبي للصحافة وغيرها. لهذا، فإن اتصال الرواية الخليجية بالجذور العميقة للواقع لا تزال في تصوره، في حاجة إلى وقت موضوعي. ويشير إلى أن تحديات الرواية في الخليج تكمن «في تحليل الواقع بجرأة وتعرية التناقضات الاجتماعية العميقة، ومنع العربة الخليجية من الانزلاق نحو الهاوية».
يلفت الروائي والباحث البحريني، الذي أصدر عدداً من الروايات ونشر عشرات المقالات في مواضيع وشؤون فكرية وثقافية وسياسية، إلى أن جيل الكتابة الروائية في الخليج لم يظهر سوى بعد إنجاز الثورات الوطنية في النصف الثاني من القرن العشرين، «من هنا، فإن معظم نتاجاته الروائية متجهة لقضايا اجتماعية تنموية، وقضايا التعسف الحكومي الوطني وجسد اختلاف الرؤى في طرق التنمية والتعبير عن معاناة النماذج الشعبية المسحوقة غالباً».
ويوضح صاحب«ذهب مع النفط» أن الرؤية الكلية لقضية الثورة الوطنية، تغدو مسألة صعبة في رواية متأخرة في النشأة، «ولأجيال إبداعية جثمت طويلاً في جنس القصة القصيرة، وهي غير قادرة إلا في شكل نادر بالقيام بعمليات التعميمات الفنية الروائية، من حيث عمق المجاز، والقدرة على نمذجة الشخوص والأحداث، ورؤية المراحل التاريخية بشفافية ترميزية. لهذا، فإنها تجثم في الاجتماعي الآني، العابر، وتتوجه في معالجاتها النادرة لمسائل الثورة الوطنية إلى الرومانسية الوطنية، أو التسجيلية الفوتوغرافية للتاريخ».
إن الآني العابر يُنظر له، كما يقول خليفة، كحلقةٍ منقطعة عن السيرورة التاريخية،«لهذا، يُقحم الأيديولوجي التبشيري أو الانعكاسي، فإما تغدو الرواية هتافاً وطنياً حماسياً مجلجلاً بالوطن والعروبة والإسلام والقادة، وإما أن تغدو تسجيلاً نقدياً فضائحياً… أو تسجيلاً لقادة النهضة العربية وتدخلات القوى الاستعمارية».
يعتقد عبـــــــدالله خلــــــــيفة بوجود نمو حلزوني يخرق الواقع والقوى المضادة،«وهذا ما يصل إليه عادة الدارسون الموضوعيون». ويعزو اختصار بعض الكتاب الكبار في مؤلف واحد، إلى أن هذا الكتاب،«ربما كان يمثل أهم خصائصه وقوة تجاربه. أو أن الكاتب لا يمثل علاقة عميقة بمجتمعه وعصره».
يختلف عبـــــــدالله خلــــــــيفة مع الآراء التي تؤكد أن البلدان، التي اعتبرت «هوامش» في الماضي، أصبحت اليوم «مراكز»، في إشارة إلى بعض دول الخليج التي تتبنى مشاريع ثقافية كبرى، وتلفت الأنظار إليها في هذا الخصوص، ويقول إن هذه الدول تهتم بالترويج، «ولكن من دون إنتاج مهم». وفي رأيه لا تتطور المجتمعات من دون إنتاج ضارب في الأرض، وبالتالي تتحول هذه إلى عروض، «بدلاً من تحريك الرواية في المناهج والصحافة وشبكات الإعلام الجماهيرية. ولهذا فمن الصعب أن يتمكن كاتب واحد، من نشر رواية مسلسلة في صحيفة خليجية ويحصل على أي مقابل».
الكاتبَ والمثقّف البحرينيّ الكبير عبـــــــدالله خلــــــــيفة ، بعد مسيرة طويلة شاقّة ومضنية وحافلة بالعطاء والتنوير، وإنتاجات دافقة وعميقة وثريّة ومتنوّعة في الفكر والفلسفة والأدب خلّفها وراءه لتشهد بآثاره التي حفرها في ذاكرة الوطن بترابه ونخيله وبحره وهوائه وشخوصه وتاريخه التليد والطارف، لقد توسّل عبدالله خليفة بالكتابة لِتقوم -كما أشار في تعقيباته النقديّة التي بعثها إليّ عبر بريدي الإلكتروني- «بالانغراس في جذور الأرض لأنّ كلّ يوم هو لحظة ألم وأمل»، ولكلِّ لحظة مضمون، وكلّما كان المثقّف ممتلكًا أدوات التعبير عن هذه اللّحظة، ومتمكِّنًا من الإفصاح عمّا تحتويه كان إنتاجه الكتابيّ أقدر على مقاومة الفناء والتّلاشي، وأجدر بتسجيل جوهر اللّحظة وتجلية خصوصيّتها.
والناظر في تجربة الكتابة الروائيّة عند عبدالله خليفة يلاحظ تراكم النصوص وانتظام صدورها؛ ليكون بذلك أغزر كتّاب الرواية في البحرين إنتاجًا، وأشدّهم حرصًا على ممارسة فعل الكتابة؛ لإيمانه بأنّ «الكتابة تنمو فوق الأرض الحقيقيّة، تسحب الصواري من عند البحارة الذين غطّسوهم موتى وهياكلَ خاليةً من المعنى في قعر الخليج، فتغدو الروايةُ الكبيرة المخطّطة في الرأس رواياتٍ عديدة»، تزخر بما يزخر به الواقع من صغير الشؤون وعظيمها، ذلك أنّ روايات عبدالله كلَّها مشدودة إلى الواقع شدًّا وملتصقة بالحياة التصاقًا، تكشفُ ما يمور به المجتمع من قضايا ومعضلات، وتعمدُ إلى فهم حركة التاريخ، ومظاهر تطوّره، وما ينعكس فيه من تجاذبات وصراعات وتغيّرات ثقافيّة واجتماعيّة وإيديولوجيّة وسياسيّة، وتنظرُ في بنية المجتمع، وتنشغلُ بمحرّكات التاريخ؛ لتقتنعَ بالتّصوّر الاشتراكيّ الذي ينتصر لمقام الكادحين والعمّال. فقد صرفت الروايات اهتمامها إليهم، وأخذتنا إلى الفلاحين يكدحون في حقول ملتهبة، والغوّاصين يجوبون بحارًا قصيّة، ويركبون الأهوال والآلام من أجل الكفاف والعفاف، ورحلت بنا إلى المصنع حيث العمّال «مندفعون في تيّار الحديد والنار والهواء البارد واللاهب»، وتنقّلت بنا بين القرية والمدينة، والماضي والحاضر، والأنا والآخر، وفتحت لنا المجال للنّظر في علاقة الإنسان بالمكان والتاريخ والتحوّلات الفكريّة والاجتماعيّة، وصلته بمصيره والسلطة.
لقد أبرزت تجربة عبدالله خليفة الروائيّة المتمثِّلة في (اللآلئ 1981، والهيرات 1983، وأغنية الماء والنار 1989، والينابيع بأجزائها الثلاثة 2012) واقع الفئات الشعبيّة المغمورة، واستفاضت في نقل همومها وأحلامها؛ فعدل الكاتب إلى تصوير فضاءات المهمّشين حيث الشخصيّات الموسومة بالعجز والضياع والتأزّم تكتوي بنار الخصاصة والشّقاء والحرمان، وتنزوي في بيوت من سعف النّخيل، وأحياء فقيرة تقطنها المستنقعات، ويقرضها البعوض، ويأتي فضاء البحر، في أغلب هذه الروايات، ليسحق أجساد الغوّاصين في مهنة الغوص، وفيها يتعملق النوخذه النهم الذي لا يشبع، ومع رواية (الينابيع) يتحوّل الغوّاصون من فضاء البحر إلى فضاء الجبل ليستعبد وجودهم المستعمِر الأجنبيّ مسخِّرًا إيّاهم في التنقيب عن النفط، داعمًا عوامل الطبقيّة والتبعيّة له، مثبتًا مركزيّته، وبذا يدور الكادحون بين ماضيهم وحاضرهم في فلك علاقة إقطاعيّة طاغية تجسّد مرارة معاناتهم، وشدّة وطأة الحياة عليهم.
يتحوّل الكاتب في روايات أخرى ليصوّر مآلات هذا الواقع المأزوم على الذات الإنسانيّة، ففي رواية (الأقلف 2002) نرى بطلَها (يحيى) تدفعه العيشة المستلبة، والحياة الصاغرة، والظلم الغاشم من قبل المجتمع إلى الانزواء والشعور بالخواء والدونيّة، فيتلقّفه الأجنبي المتمثّل في (ميري) ويدغدغ مشاعره، ويغذّي غرائزه، ويغريه بالحلم، ويفتح له باب العلم. لتفترس (يحيى) المشرّد أسئلة لا يحار لها جوابًا: الوطن أم الاستعمار؟ الشرق أم الغرب؟ الإسلام أم المسيحيّة؟ إنّها أسئلة تبثّ ما تجيش به نفسُ (يحيى) وكثيرٌ من شخصيّات عبدالله خليفة من خطاب إيديولوجيّ لاهج بالاحتجاج على مجتمعٍ عنصريّ يميّز بين بني البشر، وواقعٍ مريض يكبّل الإنسان، ويهدر كرامته، وينسف بناءه السّامي، ويفقده حسّ الانتماء؛ ليكون أداة طيّعة في يد الغريب، وينغمس في أهوائه ونزواته.
وتعدّ روايات عبدالله خليفة من أبرز الروايات التي جسّمت ما ينخر المجتمع من عاهات تُفكِّك لُحمته، وتخرم وحدته، وتفضي به إلى تعطيل حركة التقدّم وعجلة التغيير المنشود. ففي رواية (القرصان والمدينة 1982) يتبدّى لنا كيف تُخان الثورة عندما يُسلَّم قِيادُها إلى العدوّ، وبذا يفرّط الخائن بالأرض رمز الحقّ التّاريخي والهويّة والحريّة والشّرف والكرامة، ولعلّ صورة الخائن هذه وما يلازمها من عوامل الخلل، ومظاهر الشين لا تباين صورة المثقّف الانتهازي الذي يتزلّف إلى السلطة طامعًا في الصّيت والمال والحظوة، وهو ما جسّدته شخصيّة (ياسين) في رواية (التماثيل 2007). غير أنّ رواية (ذهب مع النفط 2010) تعكس سعي الكاتب إلى تجاوز صورة المثقّف تلك بأخرى أكثر نضجًا وحرّيّة تعمد إلى تنوير الشعب، وتغذية مكامن القوّة والفعل فيه بحثًا عن أفق وجود أفضل.
كما تكشف رواية (ساعة ظهور الأرواح 2004) الكثير من عورات المجتمع، بأسلوب تتداعى فيه الحدود بين الواقعيّ والعجائبيّ، بما يفضح عبثيّة الواقع ولا معقوليّته؛ إذ يمارس الكثير من شخوصها وعلى رأسهم (يوسف) ألوانًا شتّى من الاستغلال والتنكيل ليتحوّل بذلك إلى إقطاعيّ كبير له أعوانه وأجهزته، ولا تتردّد العديد من شخصيّات الرواية في الانخراط في هذا الدرب بالتواطؤ مع (يوسف) وأمثاله من أجل الإبقاء على ثرائها والمحافظة على وجودها وسيطرتها ونفوذها، وأبرز مَن يمثّل هذ النموذج الشيخ (درويش) الذي استمات في البحث عن الكنز المفقود مستترًا بعباءة الدين لتحقيق مآربه الشخصيّة، وهي أبعاد انطوت عليها رواية (اغتصاب كوكب 2014) التي عرّت تصرّفات بعض المتديّنين، وجلّت الصراع بينهم وبين بعض المتنوّرين، ووقفت على اتّساع الهوّة بينهم في المجال الفكريّ والعقائديّ؛ بما يعكس تمزّق العرب، وقصور وعيهم عن استيعاب التاريخ وتحوّلاته، وتعويلهم على رؤى غيرهم في تقرير مصيرهم وضبط المسار الصحيح لواقعهم وشخصيّاتهم.
وإذا التفتنا إلى الروايات التاريخيّة التي أنجزها الكاتب مثل (رأس الحسين 2006، عمر بن الخطّاب شهيدًا 2007، عليّ بن أبي طالب شهيدًا 2008، عثمان بن عفّان شهيدًا 2008، محمّد ثائرًا 2009) تبيّن لنا ضخامة الجهود التي بذلها للتّصدّي لشخصيّات إسلاميّة عظيمة. وفي تأكيد ذلك يقول: «إنّ كتابة الرواية التاريخيّة عمليّة صعبة، ليس بسبب الدخول لتجسيد الصراع الاجتماعيّ في ذلك الزمن التأسيسيّ المقدّس للأمم الإسلاميّة، بل كذلك بسبب تصوير ما هو ملموس من أشياء ومناخات وأمكنة». وهذا هو ما دعاه إلى رصد مسيرات تلك الشخصيّات، وسبر أغوارها، والمقارنة بينها وبين غيرها من شخصيّات التاريخيّة في الرواية، والنّفاذ إلى توضيح أوضاع الحكم في عهدها، والتغلغل إلى أسباب الصراع، وتبيّن مسؤوليّة الخاصّة والعامّة؛ ويأتي كلّ ذلك من أجل استغلال أفق تاريخيّ زاخر ومزدحم بالوقائع والخلافات والصّراعات على مختلف الصُعُد، وهو لا ينفكّ يتكرّر في الزّمن الرّاهن، وبذا يتحوّل التّاريخيُّ إلى جدليٍّ يعدل إلى مساءلة الواقع الاجتماعيّ والسّياسيّ، ويدعو إلى التأمّل مليًّا في قضايا إنسانيّة جوهريّة.
لقد كانت السياسة، وتداعياتها على الواقع الاجتماعيّ والثقافيّ، هي الشاغل الأبرز في تجربة عبدالله خليفة الروائيّة، ومن هنا هيمنت على عوالمه الإبداعيّة لينخرط أدبه ضمن الأدب النضاليّ الملتزم بقضايا مجتمعه، وقضايا الإنسان عامّة، بغية العمل على تحريره من كلّ أشكال القهر والاعتساف والاستلاب والظلم، وتحديد الشروط الكفيلة بتأسيس مجتمع منشود ينهض على الحريّة والعدالة والمساواة. وممّا يجدر توضيحه هنا أنّ عبدالله خليفة أصدر بعض الأعمال الفكريّة والفلسفيّة والنقديّة في فترة تتزامن مع إصداراته الروائيّة، الأمر الذي يكشف نهوض الممارسة الروائيّة لديه على خلفيّة نظريّة يصدر عنها في إبداعه الروائيّ؛ وقد ترتّب على ذلك عمق استيعابه إشكالات الواقع، والمنابع التي تنهل منها، وسهّل عليه المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة، وأَمْكَنه من تنويع الأساليب والبنى السرديّة وأنساق الخطاب ومستويات اللّغة، وجميع ذلك يجعل تجربته الروائيّة تتميّز بوعي نقديّ بفعل الكتابة شروطًا وأدوات وآفاقًا.
الرؤية الفكريّة والفنيّة لأدب عبدالله خليفة
– أولاً: الإنسان قضيّة جوهريّة:
إنّ أوّل ما يسترعي الانتباه في الإبداع القصصيّ والروائيّ لعبد الله خليفة هو ذلك الحضور المكثّف للإنسان البحرينيّ بصفة خاصّة، والإنسان العربيّ بصفة عامّة، والإنسان الكونيّ بصفة أكثرَ شموليّة. إذ ينطلق المبدع من عالمه الخاصّ عبر مساءلة الواقع الذي ينتمي إليه، والبحث في مظاهر تهافته، وآثار تحوّلاته؛ ومن هنا تتحوّل الذات إلى مرآة تعكس وجوهًا من الواقع، وتكشف معاناة ذات جماعيّة تمثّلها الفئات المقهورة والمعذَّبة، جاعلاً منها مادّة للحكي، ومعطًى لبلورة الوعي، فلم يكن عبد الله خليفة في أيّ عمل من أعماله، على تعدّد أصواتها، واختلاف أنماط صوغها الفنيّ، بعيدًا عن ذاته، ولم يكن بعيدًا عن مجتمعه ووطنه، ولم يكن بعيدًا عن جوهره الممتدّ في بعده الإنسانيّ. لقد كان، وهو يكتب تجربته العميقة، يُطْلِق العِنان لفكره الغزير، وأحاسيسه الصادقة، وحواسّه كافّة لتسبر غور هذا العمق أينما كان، والجمال حيث تبدّى، والقبح أنّى تخفّى، مازجًا الكلّ في طين المتخيَّل. فالذات الإنسانيّة هي التي يسعى الروائيّ إلى التأكيد على استحضارها عبر الشخصيّات المتخيَّلة، من ناحية، وعبر تقمّص الرواة أدوارها الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة من ناحية ثانية، وعبر التوصيف الإثنوغرافي من ناحية ثالثة.
على هذا النحو تتحدّد الرؤية الأولى للمتخيَّل الروائيّ لعبد الله خليفة، فهو قبل كلّ شيء رواية للإنسان المرجعيّ في نضاله اليوميّ، وصراعه الدراميّ المحتدم ضدّ العوائق والمعضلات التي تهدِّد كيانه الإنسانيّ. وكأنّ الراحل سخّر موهبته ورؤاه لخدمة تلك القضايا التي تشكّل الرأسمال الرمزيّ للإنسان. وبالانطلاق من موقفه المسؤول والملتزم كان يعي تمامًا أنّ أيّ إبداع تحيد رسالته عن هذا المغزى سيكون مصيرُه الذبول؛ لأنّ الإنسان هو المقياس لكلّ شيء، وهو الغاية من كلّ شيء، وهو الصانع لمصيره، وهو المسؤول عنه، وبهذا المعنى يغدو السرد أحد مكوّنات الهويّة الإنسانيّة.
– ثانيًا: العالم المتخيّل عند عبدالله خليفة:
إنّ أهمّ ما يسم عالم خليفة الروائيّ، تبعًا للمكوّنات السرديّة، ما يأتي:
1- اللّغة السرديّة:
يوظّف خليفة لغة أشبه ما تكون بالتقريريّة التي تقترب من لغة الخطاب اليوميّ، ولكنّها تسمو عن الابتذال، فهى أقرب ما تكون إلى لغة وسطى بين الفصحى والمحكيّة (اللّغة الثالثة). تحسّ معها أنّ الشخصيّات هي التي تتكلّم وليس الكاتب، فهذا الأخير يتنازل، ما أمكن لرواته وشخصيّاته، من أجل أن تبتكر لها لغة خاصّة ووظيفيّة، تكون فيها الجملة على مقاس الفكرة. وتلك هي لغة السرد التي تصل إلى المتلقّي بسلاسة لا يحتاج معها إلى جهد فكريّ. ويمكن للقرّاء، على اختلاف مستوياتهم وطبقاتهم، تقبّلها وفهمها دون عوائق أو متطلَّبات، وهذا ممّا يوسّع من مقروئيّة النصوص.
2- الرؤية السرديّة:
تُعَدُّ مسألة الرؤية من المسائل الضّروريّة في فهم عناصر العالم القصصيّ، وأبعاده الدّلاليّة الفنيّة؛ إذ إنّ أحداث هذا العالم القصصيّ لا يمكن أن تتبدّى في صورتها التّخييليّة إلا من خلال مبئِّر ينهض بتقديم المادّة الحكائيّة. وقد تبنّى عبد الله خليفة المنظور السرديّ التقليديّ في الرؤية، حيث يعتمد الرؤية من الخلف فهي تتيح للراوي حضورًا دائمًا إلى جانب الشّخصيّات، وتكفل له معرفة متعالية إزاء جميع ما يقع من أحداث، وحريّة واسعة في كيفيّات تركيب الوقائع، وطرائق تقديم الشّخصيّات. ورواة خليفة وإن تظاهروا في تضاعيف النصوص باستعمال أنماط متعدّدة من الرؤى السرديّة؛ فإنّها لا تعدو، متى نظرنا في إخراجهم لها، أن تنضوي تحت رؤية أكثرَ اتّساعًا هي رؤية الراوي العليم. ويكشف ذلك عن تعامل رواة خليفة مع الأحداث والشّخصيّات تعاملاً فيه الكثير من التّصرّف والانحياز بحسب غاياتهم، وزوايا نظرهم.
وفي الحقيقة لا يخلو هذا التصرّف والانحياز من غايات ومقاصد تجعل رؤية الرّاوي الخياليّ تشاطر رؤية كاتب متعالٍ يقلّب نظره في الأحداث انطلاقًا من اعتقاداته وتصوّراته الإيديولوجيّة ذات التوجّه الماركسيّ الذي يصدر عنه؛ فيلتقط ما يؤكّد رؤيته، وينتصر لمذهبه، ويكشف ما يخالفه من آراء، فيقف منها موقفًا مضادًّا؛ وبذا تعدّدت وجوه حضور الراوي- الكاتب في الروايات بين راوٍ مناوىء ومناكف لوجهة نظر الشّخصيّة، وراوٍ متعاطف ومتآلف مع رؤيتها، وراوٍ ساخر ومتهكّم منها، وراوٍ متظاهر بالموضوعيّة ومتنكّب عن نسبة ما يروي إليه مفسحًا للشّخصيّة مجال التّعبير والتّأثير. ويأتي هذا التعدّد في الرؤى والمواقف لتشييد رؤية الكاتب واختياره الفكريّ، ومذهبه الإيديولوجيّ المحرّض دائمًا ضدّ الطبقيّة، والداعي أبدًا إلى الحرّيّة والمساواة والعدالة الاجتماعيّة.
3- الشخصيّة الروائيّة:
يستلهم عبدالله خليفة شخصيّاته من الواقع البحرينيّ، لا سيّما تلك التي تعيش على هامش الحياة تكابد أشكال الفقر والظلم والقمع، وتعكس تفاصيل طويلة وممتدّة من حكايات البؤس والعسر والكفاح. هذه الشخصيّات تعيّن بأسماء وقد تقترن بألقاب منتزعة من البيئة البحرينيّة. واختيار أسماء الشخصيّات أو نحتها لا يأتي عفويًّا، وإنّما يلبّي مقاصد اجتماعيّة وثقافيّة تساهم في إرساء المعنى الرمزيّ للتجربة، فضلاً عن دلالاتها النصيّة المرتبطة بالرؤية العامّة للمحكيّ. كما تتّسم تلك الشخصيّات بأوصاف فيزيولوجيّة وثقافيّة تعكس مرجعيّة لصيقة بالواقع. وأغلبها يلبس زيّ الإنسان البحرينيّ بما يتناسب وبيئته المحليّة وتحوّلات واقعه. ولسانه ينطق بلغة الشعب في بساطتها وعفويّتها، ومخزونه اللّغوي التراثيّ في رمزيّته وإيحاءاته. فتحسّ بأنّ هذه الشخصيّات الورقيّة تعيش معك بلحمها ودمها، تتألّم، وتصرخ، وتحتجّ، وتغنّي، وتضحك، وتكافح في سبيل لقمة العيش، وتنكفئ على ذاتها في مونولوجات صاخبة، أو تحلم وتقاوم وتناضل من أجل واقع أفضل من الراهن. وكلُّ ذلك يدرجها في نطاق خطاب إيديولوجيّ يتجاوز السّياق الذّاتيّ، ومجاله الشّخصيّة، إلى سياق الواقع بإشكالاته وتحوّلاته.
4- الفضاء الروائيّ:
إنّ الفضاءات الواردة في روايات عبدالله خليفة تعزّز حضور الميثاق المرجعيّ بشكل واضح. فرواته لا يبتكرون أفضية وأمكنة وأزمنة هلاميّة من محض الخيال الشخصيّ، بل إنّهم ينزلون إلى الواقع الفعليّ لتقف الشخصيّات في أمكنة بحرينيّة مدنًا كانت أو قرًى، بأكواخها المبعثرة الصغيرة، وبيوتها البسيطة، وأسواقها ودكاكينها ومقاهيها وأزقّتها الضيّقة ونوافذها وأبوابها وسقوفها وحمامها السارح وغنمها ودجاجها وأطفالها وفتياتها ونسائها ورجالها وسفنها وأشرعتها، وكلّ ما يلامس طبيعتها الساحليّة أو الزراعيّة، وما يتّصل بكلّ بيئة من أوضاع اقتصاديّة واجتماعيّة وذاتيّة وثقافيّة وفكريّة وسياسيّة، وما يرتبط بتاريخها العبق، وملامح التطوّر فيها. وهذا يعني أنّه لا وجود، في روايات خليفة، للنقل الحرفيّ للمكان الجغرافيّ أو العمرانيّ بطريقة تصويريّة فوتوغرافيّة، بل النقل الذي يَخضع إلى التذويت، لتنبصم طبيعة المكان على الشخصيّة الإنسانيّة، وتفرض عليها منطِقًا في التعامل، وميزة في الصفات الفيزيولوجيّة، وإيقاعًا واختلافًا على مستوى اللّغة، وعلى مستوى الحركة، وأيضًا على مستوى طبيعة التفكير، ونمط العيش. وكلُّ ذلك يؤدّي دورًا وظيفيًّا على الأحداث والشخصيّات، ويتماشى وسيرورة التصوير الفنّيّ، وما يتولّد عنه من تفاعلات وصراعات، وبالتالي يفتح باب التأويل والتحليل بما يعكس تصوّرًا معيّنًا، ورؤية للعالم، وأفقًا لصوغ متجدّد، ويرفع التصوّر القرائيّ من عتبة التخييل إلى عتبة الترميز، ومن الإبداعيّ إلى الإثنوغرافي إلى الأنثروبولوجيّ.
5- الأحداث مسبارًا لرؤية فكريّة:
تتركز الأحداث، في روايات عبدالله خليفة، على تلك التي تعتني بتصوير أزمة الفرد والمجتمع، وتلتقط كلَّ ما يعكس طموحاتهما وإحباطاتهما، وهو ما يمنحها أهميّتها وثقلها المرجعيّ، ويكشف تجربةً مطبوعة وعميقة دُفِنت في أغوار الكاتب، ويحاول بعثها من جديد في عالمه الرّوائي متخطّيًا الحيّزَ الذاتيّ إلى الواقع لمحاورة ما ينطوي عليه من إشكالات وتحوّلات أو مجادلتها والاعتراض عليها. ومن أجل هذه الغاية غالبًا ما ينيط الكاتب بمفوَّضِه الخياليّ الرّاوي مداخل السّرد ومخارجه، فلا تخرج الأحداث عن ترتيبه ومعرفته ورؤيته وموقفه، وإن كان ذلك على حساب حدود السّرد ومحظوراته.
والجدير بالذكر هنا أنّ بناء الأحداث وفق السيرورة المؤدّية إلى الحبكة، لا تأتي بشكل اعتباطيّ، بل هي جزء من تصوّر إيديولوجيّ وطرح معرفيّ نقديّ يتبنّاه الكاتب في إطار مشروعه الثقافيّ ورؤيته الفكريّة ورسالته الفنّيّة، وجميع هذه الأطر يتبنّاها الكاتب بقوّة الفعل، فهو مثقّف تنويريّ، وأديب ملتزم، وناقد فذّ، ومشارك فاعل في كثير من التحوّلات السياسيّة والثقافيّة والفكريّة والاجتماعيّة والأدبيّة، ومنخرط باليوميّ وما ينضح به من أسئلة وموضوعات، ومتحرّر من حدود ذاته الضيّقة، ومقترب من الجماهير، وواقف على همومها وتطلّعاتها، ومؤمن بضرورة التغيير نحو الأفضل. وكلّ ذلك يكفل لتجربته الروائيّة جاذبيّة إضافية تكتسب من ورائها مقروئيّة واسعة، وتستفزّ القرّاء إلى تبنّي رؤية أكثر اتّساعًا تنشط معها قوى الوعي والفعل.
رواية ساعة ظهور الأرواح .. وعودة الروح وسط الضباب والرمز
الذي يجعل كتاب المؤلف البحريني عبدالله خليفة الأخير "ساعة ظهور الأرواح" يذكرنا برواية توفيق الحكيم الشهيرة "عودة الروح" لا يقتصر على التشابه في الكلمات ومعانيها المحددة بل يتجاوز ذلك إلى تلك الرسالة الواضحة وهي احياء ما بدا كامنا أو ميتا من روح الجماعة وإعادة الحياة إلى تراث غيبته مصالح كبيرة دخيلة.
وهو من ناحية أخرى يصور وسط أجواء تختلط فيها الأحلام بالخرافات ومن خلال خلفية فيها كثير من الرومانسية والمرارة عالما راحلا التهمته مدنية ما بعد اكتشاف النفط مما رسمه بتفصيل كبير عبدالرحمن منيف في "مدن الملح" والسلسلة التي تبعتها مكملة لها.
اما اسلوب هذه الرواية فيراوح بين نص شعري متقد أحياناً كثيرة فيه مزيج يمتد من جبران خليل جبران إلى الطاهر بن جلون مثلا.. وأحداث تبحر في جو من الرموز والغموض السريالي الذي يبدو للقارئ في أحيان عديدة أشبه بتشويش تلتبس فيه الأمور وتختلط إلى حدود التناقض.. وبساطة تستعير بعض القصص الشعبي لتبني فوقه صرحا من الكلمات متعدد الطبقات والأجنحة يكاد القارئ يضل فيه طريقه.
فمن هذا القصص الشعبي حديث الكاتب عن "الخزنة" المطمورة في الأرض مما يعيد إلى ذهن القارئ حكاية الأب الذي أشرف على الموت فجمع أولاده حوله وباح لهم بسر هو انه قام قبل زمن بدفن كنز في الأرض المحيطة بمنزل العائلة لكنه لم يخبرهم عن المكان بالتحديد بل قال لهم ان عليهم حرث الأرض باستمرار ليعثروا عليه. وفي نهاية الأمر يكتشفون انه بعملهم في الأرض ومحبتهم لها يعثرون على كنز لكنه ليس الكنز الذي خطر على بالهم قبلا.
وفي ما يذكر ببعض سمات عودة الروح نجد مجتمعا يعيش حياة بسيطة ومتداخلة ونجد كثيرا من اشخاصه يحب امرأة واحدة وهي "مريم" التي يرسمها الكاتب أحيانا.. دون أن يصل إلى مستوى الاساطير المصرية القديمة التي استلهمها الحكيم.. بما يوحي بأنها تمثل روح هذا المجتمع نفسه التي امتهنت واساء إليها البعض من الداخل والخارج وكيف أصبحت في حاجة إلى من يحبها حباً كبيراً يجعله لا يسأل عن حياته لينقذها من محنتها.
وقد صدرت الرواية في 227صفحة من القطع المتوسط عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ولخليفة أعمال روائية وقصصية متعددة صدرت في عدد من البلدان العربية منذ سنة 1975.ضتبدأ الرواية بوصف هذا العالم الصغير. "الظهيرة رهيبة. أرض السبخ الواسعة تئز بالنار والبخار والمستنقعات المتناثرة تغلي والبحر القريب يتوهج وتنبعث روائح فظيعة من المقصب حيث تذبح الاغنام والثيران والإبل".
قدرة خليفة على التصوير الشعري المتقد والمتحرك بكثير من الحدة تلازمه في معظم هذه الرواية.. يكمل الكاتب كلامه في جو من الشعر السريالي والخرافي فيصف عاصفة غريبة حيث كان الصبية يلعبون "لكن السماء كانت قد اثيرت كثيرا فجاءت رقع كبيرة من السحب والضباب البارد وقرقع برق كأنه صارية مشتعلة على وجه البحر فارتعشت الاسماك ميتة وصاحت الغنم في زريبة المقصب بذعر شديد.. ودهش الأولاد وهم يصطدمون بأجسام رهيفة شفافة كانت تدخل جيوبهم وآذانهم وأفواههم وتثير ضجة في خلاياهم ثم راحت هذه الأجساد الرهيفة تستوي وجوهاً ملأى بعيون وابتسامات وأفواه متفجرة باللغة وبأقنعة من ورق الزهر سرعان ما تتمزق لتتشكل".
ويصف الكاتب حياة افراد هذه الجماعة المادية الظاهرة وتوازعهم وما يسكن خبايا أنفسهم وكيف تحول مجتمع "العدامة" كما تحولت البحرين من عالم الغوص وصيد اللؤلؤ إلى عالم آخر مختلف.
يقول "كان الطفل يولد للأرض والبحر وأثداء النساء تعطي الحليب لغابة الأطفال كلها وثمة الخزنة الكبرى في بيت جده مرجان وجدته سارة.. الموانئ كانت تضع بشرا بلا توقف وسيارات يوسف تحملهم إلى العمارات الجديدة ومدينة بين التلال ظهرت بغتة بطوابقها الشاهقة وفنادقها ومراقصها.. ويأتي زمن غامض وأناس غريبون تتوارى فيه الخزنة ويندر الورق والحكايات وتعود المستنقعات ويبرز سلمان الميسري ولا أحد يعرف كيف امتلك كل أرض العدامة وبساتينها وحقولها ومصائدها".
"يقول بعضهم ان سلمان أخذ الرجال الكبار إلى رحلة واسكرهم ثم قطع رؤوسهم ويقول آخرون انه اغراهم بلعب القمار فراح ينتزع أرض العدامة شيئا فشيئا "وحاول الشيخ درويش" ان يبحث عن مكان الخزنة القديم والكوخ الملون فراح يحفر في الأرض ويهيل التراب فجاء حرس واشبعوه ضربا".
انقسم مجتمع العدامة إلى فريقين اساسيين احدهما يقوده يوسف الذي صار غنيا مسيطرا وصاحب ثروات وعلاقات مع القادمين عبر البحر وغيرهم والآخر يبرز فيه جوهر ترب يوسف ومنافسه منذ الطفولة.
نشأت علاقات بين جوهر و"الرفاق" وأخذوا في الاستعداد لاستعادة زمام أمورهم من طبقة المتحكمين الذين أصبح يوسف سوطهم وسيفهم. وصار الشيخ درويش الذي كان حكيم العدامة وطبيبها ومرشدها الروحي مناضلا ومرشدا للرفاق وأحد قادتهم ورمزا لهم خطبه المحركة كانت قوة دافعة لهم.
هنا نتذكر الواقع الثوري بأحواله "المتغيرة" خاصة في عالمنا ويعود إلى الأذهان وصف نجيب محفوظ لهذا التغير في رواية "اللص والكلاب".. فالشيخ درويش كان يخبئ أموال اشتراكات "الرفاق" وسرعان ما عاش في ازدواجية غريبة فهو الثوري والمتدين والمرشد يتحول في فصام رهيب إلى عكس ما كان عليه.
صار مالكاً لثروات وحليفا ليوسف في السر.. "يمشي الشيخ درويش في الفندق ببنطلونه وقميصه الملون ونظاراته السوداء ومرحه الجذل". ويتجلى هذا الانفصام عند الشيخ درويش في ظهوره في الفندق وغيره على هذا الشكل حليقا يغرق في مباذله وفي عودته بعد ذلك أي في النهار وبلحية مستعارة إلى دوره القديم إلى ان ينفضح أمره. يقول جوهر المناضل الطيب ان عدنان ابن الشيخ درويش "يمتلك فندقا وأنا محشور في بيت حجري ضيق ممتلئ خانق وسروالي يشمس على حبل".
وتعود "الأرواح" القديمة إلى الظهور فيسيطر الندم على الشيخ درويش ويحن إلى ماض تناساه. عند ذلك يصبح أسير الذين فتحوا له أكفهم في البداية فدجنوه واستغلوا اسمه وخطبه. وعندما قرر العودة إلى ماضيه خيروه بين الموت أو الاستمرار معهم فرفض فقضى شهيدا إذ خنقته تلك الأكف التي كانت قد فتحت له. "اطبقت اليدان الثقيلتان على عنقه ودهش كيف انهما اللتان كانتا تقدمان له الحياة".
We require cookies for this site to function. Please enable them to continue.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
By using this website, you consent to us collecting cookies to provide you with a better user experience,
more details.
You cannot browse the site since you refused the use of cookies, as the site relies primarily on them to work.
Intellectual property is reserved for the authors mentioned on the books and the library is not responsible for the ideas of the authors
Old and forgotten books that have become past to preserve Arab and Islamic heritage are published,
and books that their authors are accepted to published.
The Universal Declaration of Human Rights states: "Everyone has the right freely to participate in the cultural life of the community, to enjoy the arts and to share in scientific advancement and its benefits.Everyone has the right to the protection of the moral and material interests resulting from any scientific, literary or artistic production of which he is the author".
