العلامة الشيخ أحمد إدريس عبده –رحمه الله – أحد أساطين العلم والفتوى في الجزائر عاش للعلم وسار إلى ربه في صمت.
العصامي الذي ملأ الدنيا بعلمه وفقهه، كرّمه جمال عبد الناصر بوسام الجمهورية وغيبته الجزائر، صاحب منهج في الفتوى والفقه ومرجع إفتاء لا غنى عنه.
منذ سنتين، ودعت الجزائر والعالم الإسلامي طودا من أطواد العلم والدين، ملأ الدنيا بنشاطه وعلمه، وبرحيله فقدت مرجعا نادرا في الإفتاء والفقه.
كان فريد زمانه وزينة مجلسه، ورجل فتوى لا يفتى في حضوره.
كان مدرسة قائمة بذاتها، ومرجعا منشودا في علوم الدين والفقه، عالما جليلا، إماما ومصلحا وداعية وأستاذا مبجلا.
عُرف بأخلاقه العالية وتواضعه، زاهدا في الدنيا قانعا بما حباه الله من العلم والورع، مقبلا على العلم إقبال النحل على الزهر، منشغلا بقضايا أمته وشعبه.
عصامي التكوين شأن العظماء شرقا وغربا، قديما وحديثا.
سلاحه الإرادة والتصميم.
حظي بشرف التكريم من الرئيس المصري جمال عبد الناصر.
وتتلمذ لكبار العلماء والأدباء وشيوخ الأزهر، على غرار محمد متولي الشعراوي في الفقه، ونازك الملائكة في الأدب، وبطرس بطرس غالي في القانون.
موطنه الأصلي إثيوبيا، حبشة الإسلام، قبل أن يحط الرحال في الجزائر ويستقر بها بعد رحلات وصولات كثيرة طلبا للعلم.
ذلكم هو الشيخ الأستاذ أحمد إدريس عبده، الذي سأحاول أن أرسم عنه صورة واضحة المعالم جلية الخصال ما استطعت إلى ذلك سبيلا.
إنه ذلكم العالم الفذ والفقيه المفتي الذي حوّل التلاغمة إلى قبلة للعلم والفقه ومنارة من منارات علوم الشرع الحنيف، ودارا من ديار الفتوى.
رجل بذل من علمه وجهده الكثير..
بيد أنه لم يحظ بما يليق بعطائه الجم الغزير نظير تلك الخدمات التي أسداها للبلاد والعباد.
“الخبر” تنقلت إلى بيته بمدينة التلاغمة جنوبي ولاية ميلة، في زيارة خاصة للتعريف بمسيرة علامة عاش حاملا لراية العلم والدين ورحل إلى ربه في صمت.
أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المعروف بالشيخ أحمد إدريس عبده، ولد بمحافظة “ديسي”، 400 كم عن العاصمة أديسابابا بإثيوبيا سنة 1940.
من عائلة إسلامية محافظة.
توفي أبوه وعمره لم يتجاوز العاشرة، فكفله عمه، وكان أحد رجال الدين والمحدّثين بإثيوبيا.
كان إدريس الابن الحادي عشر من 15 ابنا من العائلة.
نشأ في جو عائلي مفعم بالثقافة الدينية.
تلقى تعليمه الأول بمسقط رأسه، حيث حفظ القرآن في سن مبكرة وعمره 12 سنة.
كما كان عمه حريصا أشد الحرص على تنشئته تنشئة العلماء، فحفظ إلى جانب القرآن الكريم “الأجرومية” وكتاب “قطر الندى وبل الصدى”.
فكان نابغة عصره، وموسوعة فكرية إلى جانب فصاحة في اللسان وبراعة في البيان، وتحكم تام في ناصية لغة العرب وملكة في التعبير مدهشة، مكنته من ارتجال الكلام في أي موضوع أو مقام، ملمّا بالنثر والشعر.
لقد كان بمثابة دائرة معارف من علوم الدين، التي بلغ فيها شأوا بعيدا إلى علوم الدنيا التي نهل منها الكثير.
لما بلغ سن السابعة عشرة حزم أمتعته في رحلة العلم الشاقة التي غيّرت مجرى حياته، حيث انتقل مع أبناء عمومته إلى السودان سنة 1957، وهناك سطع نجمه وحفظ “شرح الدردير”، وهو كتاب من كتب الفقه المالكي المشهورة..
فاتسع إناء علمه أكثر، ليستأنف رحلة أخرى نحو مصر التي كانت المحطة الأهم والتي اكتملت فيها شخصيته وتفتقت عبقريته.
أحمد إدريس لم يدخل مدرسة نظامية في إثيوبيا ولا في السودان، بل كان يأخذ العلم عن عمه وغيره من الشيوخ.
نبوغه وعبقريته مكناه من دخول جامعة الأزهر، ليترشح لشهادة البكالوريا سنة 1957 ويتمكن من الحصول عليها سنة 1963.
جامعة الأزهر كانت نقطة فارقة في مسيرته التعليمية، يقول ابنه الأصغر صلاح الدين، حيث تتلمذ لكبار شيوخ الأزهر من أمثال: عبد الرحمن أبو زهرة، والشيخ محمد متولي الشعراوي، وفي الأدب تتلمذ على يد رائدة الشعر الحديث نازك الملائكة، كما درس القانون وعلم الاجتماع على يد الدبلوماسي المعروف بطرس بطرس غالي، الأمين العام للأمم المتحدة سابقا.
المسيرة التعليمية للشيخ كانت حافلة بالنجاحات والتفوق والتألق، تخصص في الفقه المقارن حول المذاهب الأربعة، وتحصل على درجة التخصص سنة 1967 بتقدير جيد جدا.
ما سمح له باعتلاء منصة أعلى التكريمات في مصر، حيث كرم من قبل الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي أسدى له وسام رئيس الجمهورية.
بالموازاة مع ذلك، تلقى الشيخ تكوينا في اللغة العربية وآدابها بمعهد البحوث التابع للجامعة العربية، أين تحصل على درجة تخصص سنة 1965، ليواصل بعد ذلك مسيرته بالتحضير للدكتوراه بموضوع حول “الفتوى والقضاء في الإسلام”.
نبوغه وتفوقه وذكاؤه كان وراء اختياره من قبل أستاذه الشيخ محمد متولي الشعراوي ليكون ضمن بعثة إلى الجزائر، حيث نصحه الشيخ بالتوجه إلى الجزائر، فعمل بالنصيحة ودخل الجزائر في شهر أكتوبر 1969.
مسيرة الأستاذية تبدأ من قسنطينة وتنتهي بالتلاغمة دشن الشيخ أحمد إدريس عبده مسيرته المهنية من قسنطينة، المدينة التي استقر بها وعشقها، حيث اشتغل في التعليم أستاذا في معهد التكوين الأصلي بمعهد أحمد باي يدرّس مادة الفقه والفلسفة والأدب.
وأبان عن مؤهلات علمية وأدبية كبيرة.
ما أهله ليكون من بين الأساتذة الذين يقترحون مواضيع امتحانات شهادة البكالوريا طيلة 17 سنة كاملة.