The download is free, but we offer some paid services. Support us by subscribing
Delete ads and speed up browsing the library.
The download starts with the click of a button without waiting for the book to be ready.
No limits for download times.
You can upload unlimited books in the library.
Enable readers to download your books without waiting.
Delete ads on the books that you publish.
No problems with download links for your uploaded books.
Copyright reserved
The book cannot be previewed or downloaded in order to preserve the copyright of the author and publishing house
Not available digitally or on paper through the Noor Library, it is for rating and review
| Author: | Abd Allah Khalifa |
| Category: | Government Accounting [Edit] |
| Language: | Arabic |
| Publisher: | منشورات ضفاف، منشورات الاختلاف |
| ISBN: | 9786140213876 |
| Release Date: | 01 Jan 2015 |
| Pages: | 408 |
| Rank: | 826,702 No 1 most popular |
| Short link: | Copy |
| More books like this book | |
The Author Book Eastern Government Capital and the author of 62 another books.
خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1975. اعتقل من سنة 1975 إلى 1981 .عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثـقافية في الصحف البحرينية والخليجية ، ونشر في العديد من الدوريات العربية . عضو اتحاد الكتاب العرب بسوريا. ساهم في مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب ، وأول مؤتمر أشترك فيه كان سنة 1975 الذي عقد بالجمهورية الجزائرية وقدم فيه بحثاً عن تطور القصة خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1975. اعتقل من سنة 1975 إلى 1981 .عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثـقافية في الصحف البحرينية والخليجية ، ونشر في العديد من الدوريات العربية . عضو اتحاد الكتاب العرب بسوريا. ساهم في مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب ، وأول مؤتمر أشترك فيه كان سنة 1975 الذي عقد بالجمهورية الجزائرية وقدم فيه بحثاً عن تطور القصة القصيرة في البحرين ، وشارك في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب بتونس سنة 2002 ، ببحث تحت عنوان «التضامن الكفاحي بين المسلمين»، وشارك في مؤتمر بجمهورية مصر العربية سنة 2003 ، وببحث تحت عنوان «المثقف العربي بين الحرية والاستبداد» وذلك باتحاد الكتاب المصريين . والعديد من المؤتمرات الادبية العربية. كتب منذ نهاية الستينيات في عدة أنواع أدبية وفكرية ، خاصة في إنتاج القصة القصيرة والرواية والدراسة الفكرية. منذ سنة 1966، مارس عبدالله خليفة كتابة القصة القصيرة بشكل مكثف وواسع أكثر من بقية الأعمال الأدبية والفكرية التي كان يمازجها مع هذا الإنتاج ، حيث ترابطت لديه الكتابة بشتى أنواعها : مقالة، ودراسة، وقصة، ونقد. ولكن في السنوات الأولى حظيت القصة القصيرة بشكل خاص بهذا النتاج ، وقد نشر عشرات القصص القصيرة في سنوات «1966 – 1975» في المجلات والصحف البحرينية خاصة، ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي قام بطبع نتاجه القصصي والروائي والفكري في دور النشر العربية المختلفة ونتاجه الأدبي والفكري. توفى في أكتوبر 2014عن عمر يناهز 66 عاماً بعد صراع مع المرض.
النتاج الروائي:
• “اللآلئ”، 1981
• “القرصان والمدينة”، 1982
• “الهيرات”، 1983
• “أغنية الماء والنار”، 1989
• “مريم لا تعرف الحداد”، 1991
• “الضباب”، 1994
• “نشيد البحر”، 1994
• “الأقـلف”، 2002
• “ساعة ظهور الأرواح”، 2004
• “الأعمال الروائية الكاملة – المجلد الأول”، 2004
• “رأس الحسين”، 2006
• “عمر بن الخطاب شهيداً”، 2007 .
• “التماثيل”، 2007
• “عثمان بن عفان شهيداً”، 2008
• “علي بن أبي طالب شهيداً”، 2008
• “محمد ثائراً”، 2010
• “ذهب مع النفط” ، 2010
• “عنترة يعود الى الجزيرة”، 2011
• “الينابيع” (الطبعة الكاملة)، 2012
• “عقاب قاتل”، 2014
• “اغتصاب كوكب”، 2014
• “خليج الارواح الضائعة”، 2015
• “رسائل جمال عبدالناصر السرية”، 2015
• “ألماس و الأبنوس”، 2016
• “ابنُ السيد”، 2016
• “ثمن الروح”، 2016
• “الأرض تحت الأنقاض”، 2017
• “حورية البحر”، 2017
• “طريق اللؤلؤ”، 2017
• “بورتريه قصاب”، 2017
• “مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني”، 2018
• “شاعرُ الضياء”، 2018.
• “هُـدهـُد سليمان”، 2018
النتاجات الأخرى:
• “لحن الشتاء” (قصص)، 1975
• “الرمل والياسمين” (مجموعة قصصية)، 1982
• “يوم قائظ” (مجموعة قصصية)، 1984
• “سهرة” (مجموعة قصصية)، 1994
• “دهشة الساحر” (مجموعة قصصية)، 1997
• “جنون النخيل” (مجموعة قصصية)، 1998
• “سيد الضريح” (مجموعة قصصية)، 2003
• “الراوي في عالم محمد عبد الملك القصصي” (دراسة)، 2004
• “الاتجاهات المثالية في الفلسفية العربية الإسلامية ” (صدر الجزء الأول والثاني معاً بمجلد واحد)، 2005
• “الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الثالث”، 2005
• “نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية” (دراسة)، 2007.
• “تجارب روائية من الخليج والجزيرة العربية” (دراسة)، 2008
• “صراع الطوائف والطبقات في المشرق العربي وإيران” (دراسة)، 2015
• “الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية – تطور الفكر العربي الحديث” (الجزء الرابع)، 2015
• “إنهم يهزون الأرض” (مجموعة قصصية)، 2017
• “ضـوء المعتـزلة” (مجموعة قصصية)، 2017
• “الكسيح ينهض” (مجموعة قصصية)، 2017
• “أنطولوجيا الحمير” (مجموعة قصصية)، 2017
لم تتح لكارل ماركس فرصة التعرف على رأس المال الشرقي، الذي تطور بعد وفاته، في أواخر القرن التاسع عشر، ولهذا لم تتم دراسة هذا الرأسمال التاريخي المغاير لرأس المال الغربي، فخلافاً للرأسمال الغربي القادم من الإنتاج الشخصي، بدءً من الحرف فالمانيفاكتورة ثم الصناعة الآلية إلخ، ظهر الرأسمال الشرقي بقوته الكبيرة من الحكومات أساساً.
ولهذا كانت مرحلة الليبرالية العربية وامضة، محدودة التاريخ، لاعتمادها على الرأسمال التجاري بشكل كبير، فجاءت مرحلة الرأسمالية الحكومية ورافقتها الأفكار القومية والبعثية والماكسيرة والآن الطائفية.
لتطور أشكال الملكية العامة والخاصة في وسائل الإنتاج وفي نسبهما المتعددة، علاقات موضوعية، تعتمد على تطور هذه الوسائل.
إن تقلص الأفكار الليبرالية يرجع لتقلص الملكيات الخاصة لوسائل الإنتاج، والتوزيع، والتمويل، ولهذا رأينا في المرحلة الحكومية والرأسمالية تذبل، وسواء كان ذلك في روسيا السوفيتية أو الصين الشيوعية أو مصر الناصرية وغيرها من الدول، فالدول الشرقية لها قوانين عامة مشتركة، يحاول هذا الكتاب أن يظهرها.
كما أن الأفكار "الإشتراكية" مرتبطة بنمو الملكية الرأسمالية العامة، وهي تذبل كذلك مع تقلص هذه الملكية وتوسع الملكية الخاصة.
لن تنتهي الملكية العامة الرأسمالية الكبيرة الحكومية في الشرق إلا بحدوث ثورة كبيرة في قوى الإنتاج، فهذه الدول تسيطر على منابع الثروة كالبترول والغاز والمناجم الكبرى، بإسم الشعوب الغافلة، وحتى في عهد الاصلاحات الرأسمالية الخاصة الحكومية في روسيا والصين وبقية دول الشرق التي تقاطرت على هذه العملية واحدة بعد أخرى، فإن الذول لم تترك هذه الملكية التي تصنع قوى الرأسماليين البيروقراطيين الحكوميين الذين يخرجون من هذه المطابخ الكبرى كقطط سمان.
ويجري ذلك أما بالتخلص من قطاعات خاسرة، وتحميل الشعوب فاتورة الفساد، أو عبر المشاركة مع الرساميل الخاصة الوطنية والأجنبية في أرباح مؤسسات قوية، لكن لا يجري ترك الدجاجة التي تبيض ذهباً؛ قطاعات إنتاج المواد الخام الثمينة.
Copyright reserved
The book cannot be previewed or downloaded in order to preserve the copyright of the author and publishing house
Not available digitally or on paper through the Noor Library, it is for rating and review
عبـــــــدالله خلـــــــيفة : رأس المـــال الحـكومــــي الشـــــــــــــرقي ــ الكتاب الأول
✺ توطئة
✺ الفصل الأول
✺ من تاريخ قوى المال الغربية
✺ إستكمالُ نظريةِ ماركس عن رأسِ المال
✺ الفصل الثاني
✺ الرأسماليات الحكومية الشرقية الكبرى
✺ اليابان تجربة الرأسمالية الخاصة
✺ الرأسمالية الحكومية الروسية
✺ الأجور والسلطة الحكومية الرأسمالية
✺ الرأسمالية الحكومية الصينية
✺ الرأسمالية الحكومية في الهند
✺ الرأسمالية الحكومية في أمريكا اللاتينية
✺ تجربة كوبا
✺ الفصل الثالث
✺ الرأسماليات الحكومية العربية والإسلامية
✺ الرأسمالية الحكومية المصرية
✺ الرأسمالية الحكومية الإيرانية
✺ الرأسماليات الحكومية الخليجية
✺ خلاصات عـــــــــــــــــــــامة
✺ مسارات الرأسماليات الحكومية الشرقية
✺ (إصلاحات) الرأسماليات الحكومية الشرقية
✺ أنماط الرأسماليات الحكومية الشرقية
✺ من يملك الرأسمالية الحكومية؟
توطئة
لم تتح لكارل ماركس فرصة التعرف على رأس المال الشرقي، الذي تطور بعد وفاته، في أواخر القرن التاسع عشر، ولهذا لم تتم دراسة هذا الرأسمال التاريخي المغاير لرأس المال الغربي، فخلافاً للرأسمال الغربي القادم من الإنتاج الشخصي، بدءً من الحرف فالمانيفاكتورة ثم الصناعة الآلية الخ، ظهر الرأسمالُ الشرقيُّ بقوتهِ الكبيرة من الحكومات أساساً.
ولهذا كانت مرحلة الليبرالية العربية وامضة، محدودة التاريخ، لاعتمادها على الرأسمال التجاري بشكلٍ كبير، فجاءتْ مرحلة الرأسمالية الحكومية ورافقتها الأفكارُ القومية والبعثية والماركسية والآن الطائفية.
لتطور أشكال الملكية العامة والخاصة في وسائل الإنتاج وفي نسبهما المتعددة، علاقاتٌ موضوعية، تعتمدُ على تطور هذه الوسائل.
إن تقلصَ الأفكارِ الليبراليةِ يرجعُ لتقلص الملكيات الخاصة لوسائل الإنتاج، والتوزيع، والتمويل، ولهذا رأيناها في المرحلة الحكومية الرأسمالية تذبل، وسواء كان ذلك في روسيا السوفيتية أو الصين الشيوعية أو مصر الناصرية وغيرها من الدول، فالدولُ الشرقية لها قوانينٌ عامة مشتركة، يحاولُ هذا الكتابُ أن يُظهرها.
كما أن الأفكارَ(الاشتراكية)مرتبطة بنمو الملكية الرأسمالية العامة، وهي تذبلُ كذلك مع تقلص هذه الملكية وتوسع الملكية الخاصة.
لن تنتهي الملكية العامة الرأسمالية الكبيرة الحكومية في الشرق إلا بحدوث ثورة كبيرة في قوى الإنتاج، فهذه الدول تسيطر على منابع الثروة كالبترول والغاز والمناجم الكبرى، باسم الشعوب الغافلة، وحتى في عهد الاصلاحات الرأسمالية الخاصة الحكومية في روسيا والصين وبقية دول الشرق التي تقاطرت على هذه العملية واحدة بعد أخرى، فإن الدولَ لم تتركْ هذه الملكية التي تصنع قوى الرأسماليين البيروقراطيين الحكوميين الذين يخرجون من هذه المطابخ الكبرى كقططٍ سمان.
ويجري ذلك أما بالتخلص من قطاعات خاسرة، وتحميل الشعوب فاتورة الفساد، أو عبر المشاركة مع الرساميل الخاصة الوطنية والأجنبية في أرباح مؤسسات قوية، لكن لا يجري ترك الدجاجة التي تبيض ذهباً؛ قطاعات إنتاج المواد الخام الثمينة.
وهذا على مستوى الأفكار يؤدي لشحوب أفكار الوطنية والقومية والاشتراكية.
وفي الدول الطائفية السنية والشيعية فإن المذهبية المحافظة تبقى حجر الزاوية في النظام الإيديولوجي، معبرة عن سياقات خاصة لدول أكثر ترسباً في النظام الإقطاعي.
وفي الوقت الذي تصعدُ فيه القوى البيروقراطية على جثة المجتمع القديم، فإنها لا تستطيع أن تكون ليبرالية ديمقراطية حقيقية، فهي بسيطرتها على أغلبية المال العام وإنتاجه تخشى هذ الديمقراطية، تخشى هروب الدجاجة الذهبية من تحت قبضتها، فتغدو لها تحفظات على هذه الديمقراطية لكونها (لا تتناسب مع تقاليدنا العريقة)، أو بسبب الخشية من الفوضى وغيرها من التبريرات التحكمية.
وتقوم بمزج هذه السلطة التحكمية بكم ما من الشعائر الديمقراطية، لكن التي تجعل حزب السلطة، سواء كان الحزب الشيوعي في الصين أو حزب روسيا بيتنا، أو الحزب الوطني الديمقراطي المصري، أو النخبة من الطائفة السنية المتحكمة في موارد البلد، أو النخبة من الطائفة الشيعية المتحكمة في موارد بلد آخر، أو أن يجري وضع خليط من النخب الطائفية المتعددة في بلد ثالث.
ومهما كانت الصراعات والخلطات فإن النتيجة هي إنشاءُ طبقة مسيطرة على وسائل الإنتاج، تتوزعُ بينها مصادرُ الخيرات العامة، بعضها متنفذ في أغلبية الملكية العامة وبعضها متنفذ في الملكيات الخاصة وبينها تعاون وصراع يتحددان بطبيعة العلاقات بين الطرفين وبحجم السوق ومسائل أخرى كثيرة.
هذه مرحلة رجراجة بين الرأسماليتين العامة البيروقراطية المنتهية ولايتها، وبين الرأسمالية الخاصة التي لم تعط الولاية ولم يحن سعدها الكامل.
هذه المرحلة التي نعيشها الآن والتي تمثل حلقة من حلقات تطور الرأسماليات الشرقية منذ أن كانت جنيناً في رحم الأمبراطوريات الإقطاعية فأنتجت لنا متجراً ومصنعاً صغيراً وبنكاً محلياً متواضعاً، حتى تفتت الأمبراطوريات أو تحولت بشكلٍ آخر محافظة على السوق الهائل كالأمبراطورية الروسية التي صارت أمبراطورية سوفيتية، والأمبراطورية الصينية التي صارت جمهورية الصين الشعبية، وهذا التحول فيهما أدى إلى إنجاز ثورة صناعية كبرى لم تصل بعد لمستوى الثورة الصناعية الغربية، لكن ضخامة السوق كانت معجلاً آخر، وفي حين لم تهدر الصين بضائعها على الجمل الثورية كثيراً استنزفت روسيا نفسها في ذلك.
كان المتفتتون – أي الذين زالت أمبراطوريتهم كالمسلمين – أكثر الخاسرين، فعلينا مراجعة تجربة مفتتة زادتها الأيام تفتتاً، وهي مثلت في النهاية تجربة المذهبيات الإسلامية المشغولة بالحروب الكلامية والحقيقية معاً.
كان بروز الرأسماليات الحكومية بشكل طائفي تعبيراً عن صراعات الماضي الخاوية، وعن الرغبة في إستعادة الأمبراطوريات، وعن ضعف الرأسماليات الحكومية في بلدان محدودة السكان، وعن تخلف هؤلاء السكان الاجتماعي والاقتصادي، وعن عدم وجود طواقم حكومية ذات كفاءة في رؤية مسارات التطور وضعف التعاون بين هذه الإقطار الدينية.
꧂ الفصل الأول
من تاريخ قوى المال الغربية
يتحدث العديد من المثقفين العرب عن أزمة الطبقة الوسطى وانهيارها أو صعودها أو غير ذلك في تعميمات ودون أية تحليلات اقتصادية وتاريخية، تجعل عقولهم ومناهجهم تتغلغلُ في البنى الاقتصادية وتفهم ما يجري.
هذا بخلاف علماء الاقتصاد والتاريخ الغربيين الذين كرسوا الكثير من المؤلفات لفحص ذلك، بدءً من آدم سميث وريكاردو حتى ماركس.
ويقدم لنا كارل ماركس وصديقه فريدريك انجلز لوحات تاريخية ومعركة ثقافية ساخرة وعلمية عميقة عن كيف نشوء الطبقة الوسطى وقوى المال عموماً في الغرب، وذلك في كتابهما المشترك:(1).
ويقدم المؤلفان ذلك بصفته تاريخاً للإنسانية الحديثة، ويعتبران ما تشكل ويتشكل في الغرب كأنه تاريخ للشرق كذلك، لكن ما يقصدانه هو تكون الرأسمالية في الغرب، في حين ستكون للشرق رأسماليته المغايرة وذات التاريخ المختلف، ولكن الرؤى الغربية حتى من وجهة اليسار في ذلك الحين تدور في المركزية الأوربية التي سوف تقود للاشتراكية. ويفيدنا ذلك في رؤية النمطين من الرأسمالية، الرأسمالية الغربية الخاصة والرأسمالية الحكومية الشرقية. وكل منهما له سياقه العام المتميز.
يتوجه ماركس في دراستهِ المذهلة عن تاريخ أوربا الاقتصادي إلى كيفية ظهور الإقطاع في العصر الوسيط وكيف برزت المدنُ بعد إنهيارِ الأمبراطورية الرومانية، وهو يمشي على تضاريس الحرف والنقابات الحرفية وكيفية تشكل الرساميل عبر مختلف البلدان، أي إلى الأجسام الاقتصادية لأرباب العمل المختلفين من إيطاليا حتى انجلترا مركز الثورة الصناعية، ويميز بين شرائح كبيرة من هذه القوى: (إن البرجوازية لا تنمو إلا بصورة تدرجية في ذات الوقت مع شروطها الخاصة، وتنشق وفقاً لتقسيم العمل إلى فئات متعددة، وتمتصُ جميعَ الطبقات المالكة التي تصادفها)، (بالقدر الذي تتحول وفقاً له كل الملكية القائمة إلى رأسمال صناعي أو تجاري)، (2)
وماركس حين يعرضُ منتوجات الواقع هذه يتتبعُ جذورَها في التاريخ السابق مثل الحرف، والإقطاع، والنقد الذهبي، والاكتشافات الجغرافية والثقافة، ويمثل ذلك حدوث الشكل الأول الأبتدائي من العولمة الحديثة، لكي يصلَ إلى مكوناتِ التاريخ الاقتصادي الاجتماعية، فمع نمو الرساميل بشكليها الصناعي والتجاري ظهرتْ المصانعُ الأولى؛ (وكانت العاقبة الأولى لتقسيم العمل بين المدن المخلتفة قيام المانيفاكتورات، هذه الفروع للإنتاج التي أفلتت من نظام النقابات الحرفية)،(3) ص66، (واقتصرت على السوق الداخلية)،(وأصبحت المانيفاكتورة ملجأً للفلاحين من النقابات الحرفية التي كانت تستعبدهم أو تدفع لهم أجوراً سيئة). (ومع قيام المانيفاكتورات وُضعت الأممُ المختلفة في علاقات مزاحمة، وانخرطتْ في صراعٍ تجاري، هذا الصراع الذي احتدمَّ بواسطةِ حروبٍ، وحمايةٍ جمركية ، وحظرِ إستيراد).
(وتلقت المانيفاكتورة وحركة الإنتاج بصورةٍ عامة انتفاضة هائلة من جراء امتداد التجارة الذي تحقق مع اكتشاف أمريكا والطريق البحرية إلى جزر الهند الشرقية. إن المنتجات الجديدة المستوردة من هناك، وبصورة خاصة كتل الذهب والفضة التي دخلتْ التداول، قد بدلت تبديلاً كاملاً مركز الطبقات حيال بعضها بعضاً، ووجهتْ صفعة شديدة إلى المُلكية العقارية الإقطاعية وإلى الشغيلة.)، والمقصود بالشغيلة هنا الحرفيين خاصة، (4).
إن قوى الإنتاج الجديدة التي غذتها تطورات العلوم وانتشار المجموعات الكثيفة من المشردين في المدن، والاتساع الهائل للتجارة أدت كلها إلى أن (التجارة والمانيفاكتورة قد خلقت البرجوازية الكبيرة؛ أما في النقابات الحرفية فقد تمركزت البورجوازية الصغيرة التي لم تعدْ سائدة في المدن بعد الآن، بل لم يكن لها بد من الانحناء امام سلطان التجار والمانيفاكتوريين الكبار)، ويحدد ماركس تكوينات القوى الغنية المتعددة بالشكل التالي في الهامش:(البورجوازية الصغيرة – الطبقة المتوسطة – البورجوازية الكبيرة).
أما المرحلة الثانية للتحول فقد بدأت في منتصف القرن السابع عشر حتى نهاية القرن الثامن عشر، التي تتميز باستمرارِ اتساعِ التجارة، وبتطورِ الصناعات المتخصصة كالحرير، وبرفع الحظر عن تصدير الذهب والفضة وبدء النقد الورقي، والمضاربة بالرساميل والأسهم من مختلف الأصناف)، وقد توسع الطلب التجاري بحيث أن قوى الإنتاج المحدودة عجزت عن تلبيته، (وقد عممتْ الصناعة الكبرى المزاحمة وأنشأتْ وسائلَ المواصلات الحديثة وأخضعت التجارة لها، وحولتْ الرأسمالَ بأسرهِ إلى رأسمالٍ صناعي، وانبثقت المدنُ الصناعية العملاقة الحديثة)، (ولقد دمرتْ حيثما تغلغلت الحرفَ اليدوية)، (لقد أكملتْ انتصارَ المدينة التجارية على الريف).
لقد لعبت الملكية الخاصة وقوة العمل المأجور دوريهما في صياغة هذا العالم الاقتصادي، ولم تكن هنا شبكة سياسية تمنع مثل هذا النمو المتداخل الذي بدا فوضوياً، ولكن تضافر الملكية الخاصة والعلوم والمنافسة الاقتصادية أدت إلى تثوير قوى الإنتاج، وعبر ثلاثة قرون من هذه الديناميكية تكون قوى الإنتاج قد تفوقتْ عن كل ما جرى في التاريخ سابقاً.
أما في الشرق فسوف تتعرض الحركة الاقتصادية لتدخل الرساميل الغربية، ثم إلى قيام منظومات سياسية شرقية تقيدُ نموَ الاقتصاد بشكلٍ حكومي، وينجحُ بعضها في أحداث قفزة بفضل أداة الدولة المركزية المُخططة، لكن لا تبلغ درجة تطور الغرب، ثم تتشابك المنظومتان الرأسمالية الغربية الخاصة والرأسمالية الشرقية الحكومية، في صراع عالمي، ثم في توليفة مشتركة راهنة تظل صراعية مفتوحة لاحتمالاتٍ جديدة لا تتوقف.
إستكمالُ نظريةِ ماركس عن رأسِ المال
كانت آراءُ ماركس واسعة عميقة، من جهة الغرب، ومحدودة من جهة الشرق.
جانبان متناقضان يمثلان مستوى الحركة العمالية التقدمية الأوربية بين سنوات 1844 إلى 1882، ويعبران عن حركة العالم المتشكل تحت نقدِ الغربِ وأساطيله.
فكانت الحركة التقدمية العمالية تصحو مشتتة مقموعة ممزقة، غارقة في الأحلام والهذيان الاجتماعي، وفي المعارضة العنيفة، وفي ثوراتِ الشوارع المنطفئة بسرعة، أقطارُها الغربية الثلاث أنجلترا وفرنسا وألمانيا، تصوغ ردودَ الفعلِ الشعبية تجاه ظاهرة الرأسمالية العاصفة التي فجرتْ تحولاتٍ غيرَ مسبوقةٍ في التاريخ البشري.
وكانت أنجلترا وفرنسا هما طليعة هذا الحراك الفكري السياسي، ففيهما بلغت الرأسمالية مستويين كبيرين، خاصة الأولى التي كانت هي الأوسع تطوراً.
ولكن الحركة العمالية كانت غارقة في المشروعات الخيالية الاجتماعية.
شارل فورييه وسان سيمون الشخصيتان الفرنسيتان الاجتماعيتان البارزتان تقدمان مخططات خيالية لكيفية إنقاذ العمال، وكانا ينشران تنظيميهما السياسيين في كل انحاء فرنسا، ويجمعان الأنصارَ والقيادات العمالية في هذه الشبكة الاقتصادية الواسعة من معامل النسيج والمناجم، ويخططان لكي ينقلا العمال إلى جزر ومناطق بعيدة لتأسيس مستعمرات إشتراكية، أو ينتظرُ فورييه الرأسماليين الكرماءَ ليقدموا له معونات لجعل الرأسمالية جنة إجتماعية وظل ينتظر في تلك الساعة التي حددها للقاء أهل الخير طوال سنوات كثيرة حتى مات دون أن يطرق بابه أحدٌ.
وكان برودون الاشتراكي الإنساني يؤسس بنكاً للمعادلات الاجتماعية، من أجل أن يأخذ العمال أنصبتهم من الأرباح وكذلك الرأسماليين، دون ضرر ولا ضرار بين الجانبين المتخاصمين، لتسود العدالة الأبدية هذين الفريقين المتنازعين على الفلوس التافهة.
لكن رجلاً ألمانياً هارباً من ثورة دامية ومطارداً جاء إلى فرنسا وهو مشحون بديالكتيك هيجل المثالي الغيبي، ليعدل هذه الأفكار.
كان عليه أولاً أن يعدل هذا الديالكتيك القادم من الفكرة المطلقة المسيطرة على العالم وتاريخه، وهي التي تكـّون الممالك والجمهوريات والأنظمة وتحددُ طبيعة الأدب في أفريقيا وآسيا، وتكونَ البوذية في الصين.
كان قلبُ هذه الأسطورة ذات المضمون العجيب والمضيء مهمة شاقة كبيرة لرجلٍ مثل ماركس، كان عليه بالتالي أن يقرأ كلَ تواريخ الإنسانية ويحللُ أنظمتـَها، وهو ليس مثل هيجل في موقعه الجامعي ومنزله الباذح في برلين.
وكان العملُ العلمي الذي إشتغل عليه في الجامعة هو تحليلُ الفلسفة الإغريقية، وهو إختيارٌ يدلُ على أوربيته الغارقة حتى العظم.
سنجدُ أن ثقافته الفلسفية والأدبية عن الأغريق هي ضخمة ونافذة إلى علاقات ومضامين دقيقة فيها، يكتب:
(إن ديموقريطس أبعد ما يكون عن رفض العالم، بل كان على النقيض من ذلك عالماً طبيعياً تجريبياً) ،(الذرة بالنسبة إليه، متعارضة مع أبيقور، قد كانتْ مجردَ فرضيةٍ فيزيائية، ذريعة من أجل تفسير الحقائق، تماماً كما هي في التراكيب الخلائطية للكيمياء الجديدة(دالتون وآخرون)، (5) .
هذه فقرة من كتابٍ من كتبِ مرحلة الشباب، الجدالية، مع الكـُتاب الألمان، ويبدو فيها وهو متبحرٌ في الفلسفةِ بضفتيها اليونانية والأوربية الحديثة، وفي قسمٍ صعبٍ هو فلسفة العلوم الطبيعية، والاختصاص الأوربي واضح وعميق فيها، والأهم هو وضعهُ تاريخَ الفلسفة فوق ظروف نشأتِها الموضوعية، محللاً شخوصَ الفلاسفة من حيث الفكرة والشخصية الخاصة كذلك، عبر هذا الجمع الجدلي بين الذات والفكرة والصراع الاجتماعي.
وهو نهجٌ سوف يطورهُ خلالَ صراعاتهِ الفكريةِ المختلفة.
لكنه لم يستطعْ أن يكونَ مثل هيجل وهو المتنقلُ بزوجتهِ وبناته بين بلدٍ وآخر، مطاردٌ من شتى المخافر، وبالكاد يستطيع أن يؤمّن لقمة عيشهِ وبمساعدةِ رفيق كفاحه فريديك أنجلز، وكان عليه أن يقوضَ تلك الأفكار عن الاشتراكية الرائجة في القطرين القائدين لرأسمالية ذلك الزمن، أنجلترا وفرنسا.
إن المصادرَ التي اعتمدَ عليها في قراءاتهِ الاقتصادية لا يمكن عُدها، سلسلة طويلة من المؤلفين في عصور أوربا الغربية النهضوية الرأسمالية، بدءً من سيسموندي الإيطالي وتلميذه شيربوليز وسينيور الأنكليزي وجيمس ميل وجون ويد وآدم سميث وريكاردو وغيرهم كثيرون ).
إن تحليلَ كتب هذه الحشود من الباحثين والمؤرخين الاقتصاديين وضعتْ منهجيتهُ فوق الأرض الاقتصادية الغربية للوصول إلى خلاياها الاقتصادية التكوينية الأولى وهي: البضاعة، ورأس المال، والنقد، وقوة العمل، والآلة وغيرها، أي هي عملية تشريحٍ علمية طويلة في الجسد الاقتصادي الغربي، في تكوينه وتاريخيته.
والتاريخية هنا هي تاريخية غربية، فظهورُ رأسِ المال مأخوذ في مجالهِ الذي يبدأ من العصر الوسيط حتى يتعملق في القرن التاسع عشر، سواءً تمظهرَّ ذلك في الدول الغربية الأوربية أو توسع في أمريكا الشمالية، وقد راحتْ قراءاتهُ تتوسعُ في اقتصادِ أمريكا، وتتنبأ لها بقيادة الاقتصاد الرأسمالي الغربي عامة، وسيتابعُ كذلك انتشارَ العلاقات الرأسمالية دولياً، ليس كما نبتتْ في أقطار العالم الأخرى، بل كما تمظهرتْ بشكلٍ بريطاني، في الهند وهو المثال الوحيد الذي تردد في كتبه عن الشرق الحديث، خاصة بعد استقراره في لندن وتوفر المراجع في مكتبة المتحف البريطاني.
وما يشغلهُ طوالَ سنين الاربعينيات والخمسينيات هو الوضع في المانيا بلده وتحليل البنية الرأسمالية التي سوف تحتاج إلى عقود من أجل الوصول لقوانينها.
وجاءَ اهتمامهُ بألمانيا باعتبارهِ بلده ولهذا تابعهُ بشكلٍ مكثفٍ من أجل حدوث تحول جذري فيه؛(فبينما كانت البورجوازية الفرنسية، وباسطة أضخم ثورة عرفها التاريخ، ترتفع إلى السلطة وتغزو القارة الأوربية، وبينما كانت البورجوازية الانكليزية التي سبق أن تحررتْ سياسياً تثــّور الصناعة، وتخضعُ الهندَ سياسياً، وتخضع بقية العالم تجارياً، لم يذهب البورجوازيون الألمان في عجزهم إلى أبعد من الإرادة الطيبة)، السابق، (6).
إن هذا الهاجسَ الوطني ترتب عليه مناقشات وحوارات عميقة وصاخبة مع العديد من رموز الثقافة الألمانية وخاصة مع ما يُسمى باليسار الهيغلي، الذي طمح في تغيير الفلسفة نحو اليسار لكنه عملياً ظل أسير مثالياتها الغيبية.
الخلاصة هنا هي أن ماركس هو منتج لنظرية اقتصادية أوربية تعكس سيرورة الرأسمالية الغربية عامة، ولها بنية اقتصادية مغايرة للتاريخ السابق وللتاريخ الشرقي.
تدل سنواتُ الأربعينيات والخمسينيات لكارل ماركس وفريدريك انجلز على بحثهما المضني لتفسير جديد للتاريخ، ظلَّ في مادةٍ أوربية غربية خالصة. وقد صدرَ المجلدُ الأول من رأس المال في الستينيات من القرن التاسع عشر.
وترافقَ ذلك مع نضالٍ فكريٍّ مع النخب الألمانية الغارقة في المثاليات والغيبيات والتحليلات الجزئية للتاريخ والمجتمع، والتي بدأت تقرأ تاريخ رأس المال الحديث لكن بمستوياتٍ قديمة.
ومن هنا أخذ هذا الجدالُ سمة المؤلفات ك(بؤس الفلسفة) و(الإيديولوجية الألمانية) و(الأسرة المقدسة)، و(ضد دهرنج)، وهو جدالٌ مليءٌ بالسخرية، والأحكام الجزئية وكثرة الموضوعات ومناقشة الجمل الصغيرة بتوسع، ومناقشة الأفكار الفلسفية النظرية المضادة، وتبيان تهافتها، وهو جدالٌ امتدَّ لفرنسا كذلك مع برودون وسان سيمون وجماعات الاشتراكيات الخيالية.
وفي هذين العقدين بدت لماركس وانجلز إن الثورة العمالية المباشرة هي الفعلُ الوحيدُ الممكن الراهن لتصفية الرأسمالية، بناءً على أثر الغضب المتصاعد في القرن التاسع عشر ولسوءِ أوضاع العمال.
وإذا كانت ألمانيا بلدهما متأخرة في تطورها الصناعي ومحاطة بدولٍ متطورة فلا يمنع ذلك من نشوء الثورة العمالية فيها والتي تزيل البورجوازية:
(ومن البدهي إن الصناعة لا تبلغ ذات المستوى من الأحكام في جميع أقاليم البلد الواحد. ومهما يكن من أمر، فإن هذا لا يؤخر حركة البروليتاريا الطبقية، لأن البروليتاريين الذي خلقتهم الصناعة الكبرى يأخذون زمام القيادة . .)، (وإن البلدان حيث تطورت الصناعة الكبرى تؤثرُ بطريقةٍ مماثلةٍ في البلدان التي تفتقرُ أكثر أو أقل إلى الصناعة، وذلك بقدر ما تنجرف هذه البلدان غير الصناعية بفعل التجارة العمومية في تيار صراع المزاحمة العمومية)، (7).
إن ماركس الألماني الذي تعيشُ بلدُهُ في تخلفٍ صناعي، وبعمال محدودين وبنخب مائعة فكرياً، يريد الثورة العمالية باعتبارها البديل الاشتراكي لرأسمالية متخلفة.
هنا نجدُ الأفكارَ التي استخدمها لينين فيما بعد. وهي الأفكار الماركسية الشبابية التي لم تنضجْ في معمل التحليل المطول. لم يصلْ ماركس لطبيعة الرأسمالية الأوربية بشكل دقيق هنا(أي في المرحلة الشبابية)، كما أنه لا يعرف كثيراً تاريخ العالم، وخاصة الشرق، وهو في هذا المستوى العلمي الأولي، فتبدو له الرأسمالية الظاهرة في أوربا كأنها الرأسمالية العالمية كما سوف تتطور فيما بعد. إنها النسخة الوحيدة المرئية، وحتى فهم التشكيلات وهي التشكيلة المشاعية، فالعبودية، والإقطاعية، ستـُؤخذ من خلال التاريخ الأوربي.
وإذا رجعنا للفقرةِ السابقةِ الذكر المُستشـَّهد به، فنرى إن تيار المزاحمة وانتشار التجارة لا يقودان بالضرورةِ إلى بناءِ أنظمةٍ رأسمالية على الطريقة الغربية، في آسيا وأفريقيا، وهو أمرٌ يلمح إلى أن الرأسمالية تبدو لماركس ذات خصائص واحدة في الغرب والشرق.
إن محدودية فهم الرأسمالية في الاربعينيات الأوربية والحماس وتفجر الثورات كلها تقود إلى إستنتاجات سياسية بزوال الرأسمالية الراهن، وهو أمرٌ يتقلصُ في كتابه (رأس المال) حيث تـُؤخذ على أنها انتشار الصناعات الكبيرة، وهذا يكفي للثورة الاشتراكية وإزالة الأستغلال الرأسمالي، وهي شعارات يُقصد منها كذلك دحر المشروعات الخيالية للاشتراكيين الحالمين. لكنه حتى في راس المال لم يتصور نمطاً آخر من الرأسمالية. فيتوارى تاريخ الشرق المميز عن ماركس كما عن لينين فيما بعد.
ولكن الثورات العمالية كانت تتوجه لتحسين أوضاع العمال رجالاً ونساءً وأطفالاً المعيشية ومكانتهم السياسية حيث يُحرمون من التصويت والدخول للبرلمانات، فكانت هي جزءٌ من عملياتٍ إصلاحية لتغيير مكانة الطبقات العمالية في النظام الرأسمالي الحديث، الذي يجمعُ طبقتيه الرئيسيتين المالكة والعاملة في الإنتاج. وهو أمرٌ صراعي تعاوني غذاه إستعمار هذه الرأسمالية للعالم الشرقي خاصة.
لكن من جهةٍ أخرى فإن ماركس هو كذلك ديمقراطي غربي يدركُ أهمية البورجوازية، وفي مؤلفه رأس المال يواصل الإصلاحية العميقة داخل هذ النظام، ومنذ الشباب يدركُ بعضَ جوانب ذلك؛ (ولقد ظهرت عبارة المجتمع المدني في القرن التاسع عشر، حالما تملصتْ علاقاتُ الملكيةِ من الجماعةِ القديمة والوسيطية. إن المجتمعَ المدنيَّ بصفتهِ هذه لا يتطور إلا مع البورجوازية)، السابق، (8).
لا تبدو لماركس الرأسمالية إلا واحدة، غربية، قامتْ على حراكِ البورجوازية الخاصة، ولم تكن الدولُ إلا مساعدة لصعودِها أو معرقلة لها، مرة من خلال الصراع ومرات من خلال التعاون مع الدول المَلكية خاصة.
لكن ليس من خلالِ مَلكية مطلقة فالملكية المطلقة تعني ضعف تطور الرأسمالية، وماركس يطالبُ من محاورهِ أن يسمي له بلداً(تعهدَ البورجوازية، في شروط متطورة للتجارة والصناعة، وفي مواجهة المزاحمة القوية، بالدفاع عنها إلى مليك مطلق؟)، (9).
تعطينا هذه العبارة، ليس فقط الشروط السياسية لنمو هذه الطبقة القائدة للإنتاج الحديث، بل أيضاً كون هذه التجارة والصناعة خاصتين غير حكوميتين، وكلما تدخلتْ الحكوماتُ المَلكية خاصة عرقلتْ ذلك التطور الرأسمالي في فروع الاقتصاد المختلفة.
كيف يمكن إذن أن تزولَ الرأسمالية؟ هذا سؤالٌ مؤرقٌ تسخنهُ أوضاعُ العاملين وطموحُ الإنسان عامة لإلغاء الإستغلال، فهل تزول الرأسمالية لأسبابٍ أخلاقية؟
يجيب انجلز بعد موت ماركس في مقدمة كتاب الأخير (بؤس الفلسفة)؛ (ونجد بالنسبة لقوانين الاقتصاد البورجوازي أن القسم الأكبر من الإنتاج لا يخص العمال الذين انتجوه. وإذا قلنا الآن:(هذا ليس عدلاً)، (يجب أن لا يكون هكذا). فإنما يصبحُ هذا القول متعلقاً بالأخلاق لا بالاقتصاد. . فماركس لم يُقمْ مطاليبَهُ الشيوعية على هذا الزعم بل أقامها على تقلصِ الإنتاج الرأسمالي المؤكد. هذا التقلص الذي لم يَحُدث أمام عيوننا!)، (10).
إن ظاهرة تقلص الإنتاج بشكلٍ نسبي ممكنة، ولكن التقلصَ بشكلٍ مطلقٍ لا يمكن تصورهُ إلا في عالمٍ تتحولُ كلُ الدولِ فيه إلى منتجةٍ واسعة للسلع فلا تجد كلها أسواقاً، وما دامتْ توجد دولٌ أخرى غير صناعية وفيها أسواق مفتوحة، فإن التقلصَ المطلقَ مستحيل. ولكن حتى التقلص المطلق لا يكفي لإقامة الاشتراكية لكنه يعبر عن الطريق المسدود للرأسمالية، وتلك مسألة أخرى.
وهكذا فإن أوربا الغربية وأمريكا الشمالية التي أوجدت الرأسمالية الخاصة راحت تبحثُ عن أسواق للمواد الخام وأسواق لتصدير البضائع المُصّنعة، وقامتْ بذلك عبر وسائل القهر، لا عبر التبادل الحر، فهي تنتزعُ الموادَ الخام بالقوة وتبيعُ سلعَها بالقوة وتلغي حرفاً قديمة وعالماً اقتصادياً في العالم الشرقي، وهو ما جعلَ البلدانَ المغزوة تنتجُ نمطاً آخر من الرأسمالية هو نمط الرأسماليات الحكومية الشرقية ثم غدتْ كذلك في أمريكا اللاتينية لأنها كحال الشرق.
إذن كان ظهورُ نمطٍ آخر من الرأسمالية قد جاءَ في الشرق كحمايةٍ قومية وتحررية ضد اكتساح الرأسمالية الغربية للعالم.
وفي حين كان أصلُ الرأسمالية الغربية حركاتٍ اجتماعية خاصة تحررية، فإنها قد وصلتْ للسلطة وصارتْ متحكمة في الحكومات، فاستخدمتْ أدوات القوة الرسمية لفرضِ نفوذِها الاقتصادي على الأمم المتقطعة الأوصال والمتخلفة والضعيفة.
وبهذا فإن الرأسماليات التي ظهرتْ في الشرق في مجتمعات إقطاعية متخلفة وجدتْ نفسَها تلتحمُ بأجهزة الحكم منذ البداية. وفي حين وجدَ النموذجُ الخاصُ الغربي الرأسماليُّ مساحة كبيرة من الزمن لنموه تصل إلى أكثر من خمسة قرون، فإن النموذج الرأسمالي الشرقي أختنق في وقت محدود بين مائة أو خمسين سنة، وتحت ضغط مقاومة للسيطرة الخارجية جعلتهُ يحمي أسواقـَهُ الداخلية بأجهزةِ الدول.
ومن جهةٍ أخرى، فإن الرأسماليات الغربية لم يعد ركود الإنتاج فيها وأزماته إلا فترات مرحلية، يعودُ فيها الإنتاجُ أقوى من السابق، بفضلِ توسع الإسواق المستمر وتطور القوى المنتجة، التي التحمت فيها التطبيقات العلمية وثورتها بأدوات الإنتاج.
ويتعلق ازدهار الأسواق بظروف جديدة جيدة للجمهور في بقاع مختلفة، أما الكساد فهو غياب هذه الظروف، لكن الإنتاج الرأسمالي يشتغل على جانبين إستغلال موارد وتدهور حرف وصناعات، وعلى ازدهار معيشة، وهذان جانبان متناقضان.
وبين إعادة إنتاج الداخل وتنمية الأسواق والقوى العاملة والقوى المنتجة عموماً كانت تحدث توسعاتُ هذه الرأسمالية وتطوراتـُها المتسارعة المتزايدة في التقنيات، في حين وجدتْ الرأسمالية الشرقية الحكومية (ذات النمط المُسمى إشتراكي) نفسها في انقطاع عن السوق العالمية وعن تطور القوى المنتجة الكونية.
وتتراوح عمليات التطور في الرأسماليات الشرقية، ففي بعض التجارب الخاصة كاليابان التي حذت حذو الغرب بشروط البناء الاقتصادي نفسه حدثت تطورات هائلة، في حين أن التجارب الحكومية الرأسمالية العامة المتفوقة كروسيا والصين، واجهت إشكاليات هذا النظام، دون أن تستطع الخروج كلياً من إشكالياته، وضاعت دولٌ أخرى في عمليات تجريبية مشوهة غالباً بدون تجذر كمصر وأغلب دول الشرق عامة.
إن العديدَ من القوانين المكتشفة عن السلعة وقوة العمل والتراكم البدائي وأولوية الصناعة الثقيلة وتحرير الريف والنساء من السيطرة الإقطاعية وغيرها، والتي نتجتْ داخل الرأسمالية الخاصة حيث يلعبُ السوقُ الدورَ المركزي، لن تكون مستوعبة في أغلب تجارب الشرق الحكومية الرأسمالية، حيث لا يلعب السوق الدور المركزي دور ضبط فروع الإنتاج، بل ستكونُ لها تطبيقاتٌ مختلفة ومستويات متباينة في الرأسماليات الحكومية التي غدا فيها جهازُ الدولة هو المخطط وصانعُ الحواجز الاقتصادية والحريات الاقتصادية كيفما تريدُ إدارتـُهُ السياسية، وبهيمنة الأجهزة البيروقراطية في تشكيل المصانع وتحديد قوى العمل وتوزيعها، وفي خلق عمليات التراكم والتجديد الإنتاجي، وتحديد القطاعات الاقتصادية وأولوياتها، حسب وجهة نظر كل دولة، وحسب كل مرحلة من تطور قوى الإنتاج، وكذلك تحديد قوى العمل الفكري الذي يعودُ كذلك لسيطرةِ الدول عبر المدارس والمعاهد، ومدى رفده للعمليات الإنتاجية أو إنقطاعهِ عنها.
وهذا لا ينفصلُ كذلك عن تاريخيةِ المجتمع وطبيعةِ تطوره، ومدى حجم ونوع العلاقات ما قبل الرأسمالية كالعبودية والإقطاع، ومدى عرقلتها أو عدم عرقلتها للتطورات الرأسمالية. وكذلك مدى علاقات التبادل بين هذه الدول والعالم الخارجي، ودور هذا التبادل في تطوير أو عدم تطوير الإنتاج.
ولهذا لا بد أن تـُدرس كل دولة أو كل مجموعة دول في الشرق حسب تجربتها، مقارنة بنموذج التشكيلة الرأسمالية الغربية الحديثة.
إن التشكيلة الرأسمالية الاقتصادية – الاجتماعية الغربية تعبيرٌ يُقصدُ منه تعميم الصفات التي جرتْ في كل دولة غربية لنمو الرأسمالية، فرغم تأخر دول وتقدم أخرى، ورغم تبدل الأنظمة السياسية من نظام جمهوري إلى نظام ملكي إلى سيطرة اليسار في بعض المواقع التاريخية، أو عمليات تبادل الحكم بين الليبراليين – الاشتراكيين الديمقراطيين وبين المحافظين، فإن قوانين التشكيلة العامة تبقى هي نفسها كما حددها ماركس في كتابه رأس المال.
ولكن دول الشرق أُقحمتْ في هذه التشكيلة بدون إرادةٍ منها، فقد كانت منساقة في تواريخها الاجتماعية الخاصة، في تشكيلة تتراوح بين العبودية والإقطاع، في مستويات شديدة التباين، كوجود حتى علاقات مشاعية فيها، أو وجود تجارب إقطاعية ازدهرتْ بعلاقاتٍ بضاعيةٍ كبيرة كالدول العربية الإسلامية والصين، ولكن جميعَ هذه الدول وبغض النظر عن تلك المستويات والتقاليد المختلفة وجدتْ نفسها تـُزجُ في عالمٍ تسيطرُ عليه تلك التشكيلة الرأسمالية الغربية، وهي التي تجعلها كذلك أن لا تصيرَ مثلها، وتمنعَ تطابقـَها معها، بل أن تبقى في تكويناتها العامة ما قبل الرأسمالية الحديثة كي تمدَها بالمواد الخام وتفتح أسواقها لها، أو حتى تعطيها رساميل نقدية.
ورغم أن هذه الصيغة استمرتْ لدى العديد من الدول ارتضتْ لنفسِها دور البقرة الحلوب، مادة خاماً وسوقاً ورساميلَ نقدية موجهة للسيد الغرب، إلا أن دولاً أخرى ثارت أو تمردت بشكل مغامر أو عقلاني مخطط، حسب قدرتها على قراءة التشكيلة الرأسمالية الحديثة بقوانينها المُكـّتشفة، ومدى إستقلال أجهزتها السياسية عن الاقتصاد ما قبل الرأسمالي الخاص، وبهذا فإن أنماطاً عدة من الرأسماليات تكونتْ في تجارب الشرق، بعضها المطابق وبعضها المفارق، وبعضها التجريبي الضائع وبعضها المترنح للوراء بسبب الأبنية الاقتصادية – الاجتماعية شديدة التخلف وأجهزة حكوماته وجنونها السياسي.
وبهذا فإن التشكيلة الرأسمالية الحديثة الغربية وهي تسيطر على العالم الآخر كانت تنقلهُ إلى مستواها بسبب الصراع الذي أثارته، وتظهر منافساتـُها ومصارعاتـُها الرأسماليات الشرقية الخاصة والحكومية، في تكوين بشري رأسمالي تختلط فيه الرأسمالية الخاصة والعامة ويغدو أرفع من الرأسمالية التي وقف عندها كارل ماركس واعتقد أنها الطبعة الوحيدة، فقد ظهرتْ طبعة أخرى ورغم أنها سيئة وأقل جودة من النسخة الأولى، لكنها في مجرى الصراع الاقتصادي تـُحسنُ من النسخةِ المشوهةِ، وتستفيدُ من بعضِ جوانبـِها لتحسن عملية النسخ.
إن الطبعة الوحيدة تـُعّممُ، تغدو عولمية، بمستوياتِها المختلفة المتضادة المتداخلة.
وتحسنُ النسخُ الشرقي للرأسمالية الحديثة يؤججُ الصراعَ كذلك، لأن النسخَ تـُفعل أسواقها وتحولُ المزيدَ من المهمشين والمهمشات إلى عمال، وتخفف من تسلط الدول أو تتحكم فيها كلياً، وتقلل من الاعتماد على العمل البسيط اليدوي وتوسع الاعتماد على العمل التقني وتنتقل تدريجياً للثورة الملعوماتية التقنية الرقمية.
وبهذا يغدو الشرق غرباً، ويغدو العالمُ واحداً، وتصل البشرية إلى إختناق اسواقها بالبضائع، فتبحثُ عن صيغ عيش أخرى.
الخلاصة
قدم كارل ماركس مقاربةً اقتصادية لرأسمالية زمنه، وكشفَ قوانيَن نموها وتطورها لحد نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وجاءت الاحتمالاتُ الكبيرة التي تصورها لرأسمالية زمنه، بأن تدهوراً عميقاً سوف يحل بقوى الإنتاج، نظراً لنزول معدل الربح الوسطي، وبالتالي سيؤدي ذلك أما لتدهور الإنتاج أو لتوسع المصروفات القاصمة لظهر كل منتج، وإنه بالتالي فإن المجتمعات الرأسمالية سوف تشهد ظهور معسكرين لا ثالث لهما، معسكر نخب الأغنياء القليلة الباذخة، ومعسكر البروليتاريا المدقعة في الفقر والمتهيأة للثورة. لقد اكتشف سلسلة من قوانين الإنتاج الرأسمالي التي تمثل ثورة معرفية مثل فائض القيمة، وطرق إعادة الإنتاج الخ.
كانت هذه القراءة العميقة لجذور نمو الرأسمالية تمثلُ معجزةً معرفيةً لرجل واحد مضح، كرسَّ أربعين سنةً من سنواته الأخيرة من أجل القراءة والكتابة في بلد لا ينتمي إليه، وفي عائلة فقيرة وبين كثرة أولاد، لم يعتمد سوى على صديق واحد، ولم تكن له لجان أو مؤسسة دراسات خاصة به.
لكن الرأسمالية الغربية لم تقتصر على جذورها وعلى أوضاعها في القرن التاسع عشر، وراحت تتطور كأسلوبُ إنتاجٍ ديناميكي لم يتوقعه ماركس، وظن إنه سيكون محصوراً في أوربا الغربية وأمريكا النامية بقوة وقتذاك.
إن السوق الضيقة التي توقعها ماركس توسعت كثيراً، وشملت قارات العالم كله، وبهذا فإن الأنظمة الغربية حولتْ العالمَ إلى تابع لها، فما عادت القوانينُ المتعلقة ببنيةٍ اقتصادية ضيقة تشمل غرب أوربا بمماثلة لسوق كونية. وبهذا فإن دورَ الربح الوسطي المتآكلِ والمتدني والمضعفِ لقوى الإنتاج، والذي يعبرُ عن مجتمع واحد لا امتداد متوسع له، والمحكوم بآلية اقتصادية غدت ميكانيكية في رؤية ماركس؛ إن هذا الربح المتراجع تلاشى، وظهرت آفاقٌ لا تحدُ من الأرباح!
لقد توسعت الشركاتُ الغربية، ووجدت عالماً فقيراً تابعاً يمدها بالمواد الخام، وأسواقاً كبرى، ووجدت قوى عمل هائلة في الشرق، بأجورٍ شديدة الانحفاض وهذا هيأ لها الانتقال من عالم الثورة التقنية الميكانيكية إلى عالم الثورة المعلوماتية.
فمن المصانع الكبرى والتلوث وثورة الحديد والفولاذ والمدن المكتظة إلى عالم الأجهزة الدقيقة والكومبيوتر وثورات الفيزياء والكيمياء وتصنيع الزراعة والثورة البيولوجية وغزو الفضاء الخ.
ومن بعد الحرب العالمية الثانية توافقت الرأسماليات الغربية على منظومة واحدة، تجعل الصراع بينها سلمياً، تقنياً، وعبر غزو الأسواق الأخرى وهذا يعني مزيداً من التغيير في السلع والتقنية.
إن رأسمالية كارل ماركس القديمة لم تعد تحكمها قوانين الربح الوسطي وعجز القوى الإنتاجية، لكن تحكمها قوانينُ العالم الواحد الذي صار كتلةً اقتصادية واحدة، متعددةَ المستويات؛ غربٌ غنٌّي مسيطرٌ وشرقٌ ناهض، ذو آفاق في الرأسمالية أكثر توسعاً وتقنية وفتوة وأقل تكلفة من رأسمالية الغرب الكهل.
ظهرت قوانينٌ جديدةٌ للرأسماليات الكونية، رأسماليةٌ غربية حرة قديمة وذات مستوى عريق من التقنية والمستوى المعيشي الجيد ومن السيطرة على البيئة، ورأسماليات شرقية متنوعة تسودُ فيها الحكوماتُ المسيطرة والمتحكمة في الإنتاج والتي تقومُ بالتخطيط وبفتحِ الأسواق معاً، وهذا بسبب تأخر نمو هذه الرأسماليات وبضعف وعي الشعوب وتراثها الاجتماعي المحافظ، مما يجعل الصناعة بأجور شديدة الانخفاض وبدون شروط بيئية كبيرة، وهذا أدى كذلك لنقل صناعات كبيرة إلى الدول ذات النمو المتسارع كالصين والهند وشرق وجنوب آسيا.
فنهضت هذه الرأسماليات الشرقية نهوضاً لا سابق له، بسبب اتساع أسواقها وعوز أهلها وضخامة أعدادهم وكبر ساعات العمل فيها، وجلبها للتقنيات الغربية التي تعبتْ فيها الدولُ الغربية، فحصدتْ مكاسباً من التطور العالمي متنوعةً، وبهذا قامت بغزو أسواق المسيطرين السابقين عليها وانتزعت منهم الأرباح في عقر دارهم.
إنها رأسمالياتٌ كونية متعددة الأقطاب، متنوعة المستويات، وهذا لا يمنع من بقاء التناقض الكبير بين مستويات الغرب والشرق.
فرأسمالياتُ الغرب لديها كذلك عمقها التقني ولشعوبها مستويات حضارية أكبر، وهي لا تزال مسيطرةً على ثروات كبيرة من الشرق، خاصةً من المناطق الضعيفة التطور، والتي لا تزال تقدمُ الموادَ الخام وليس في شعوبها تطور صناعي أو تقدم تقني كبيرين.
ولكن العالم كله تشمله رأسماليات متعددة، مُقادة من الغرب، الذي لم تعد تناقضات كارل ماركس الاجتماعية تجري فيه بتلك الصورة المبسطة، ولكنه لم يخرج من ذلك التناقض المحوري بين البرجوازية والبروليتاريا، وهي برجوازية اصبحت ذات سيطرة عالمية، والبروليتاريا لم تعد البروليتاريا الصناعية المدقعة الفقر، بل تطورت مادياً ومعرفياً، وظهرت بروليتاريا جديدة ذات معرفة تقنية، وانتقل عصبُ قوةِ العمل إلى الدماغ بدلاً من التركيز على اليد كما كان سابقاً، فهي بروليتاريا مثقفة تتطلعُ لمستوى معيشة مرتفع، وتجمع في نضالها بين ورقة الانتخاب والأضرابات الاقتصادية المؤثرة، وآفاق تطور هذه الطبقات العاملة كبير، ليس على مستوى العمل الاقتصادي بل كذلك في دورها السياسي، وفي تغييرها لحياة الاستغلال والثقافة المحافظة، ولا يستبعد في العقود التالية أن تحكم عبر أحزاب ووزارات.
أما البروليتاريا الرثة المدقعة فقراً ذات العمل اليدوي فانتقلت إلى الشرق وأمريكا اللاتينية. إن برجوازيات الغرب تنقل مخلفاتها الصناعية إلى الشرق كما تنقل الوظائف الدنيا في مجتمعاتها، أو تستورد العمالة اليدوية المتدنية، فتصاعد التناقض بين الشرق والغرب وغدا كتناقض كبير يحكم العالم، فغدا سكان العالم الثالث كبروليتاريا عالمية متدنية الأجور وتعيش في أوضاع سيئة وبخدمات رثة، وبدت الفروق بين الأجور والظروف على مستوى العالم مخيفة.
وبدت سيطرة الدول دائم العضوية ودول الشرطي العالمي الغربية كجهاز عسكري يؤبد الفروق بين التكوينين المختلفين ولا يبحث هذه الفروق التناقضية الخطيرة ويحلها.
إن التطور الرأسمالي العاصف خلال القرن الجديد سيكون ذا احتمالات خطيرة، وستظهر رأسمالياتٌ شرقية كبرى تريد أسواقاً وموادا متناقصة باستمرار، ولا يستطيع هذا العالم المكتظ بهذه الرأسماليات المتصارعة إلاستمرار إلا عبر تغييره وتشكيل مجتمعات إشتراكية ديمقراطية تنقله إلى تعاون إنساني أرقى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش الفصل الأول:
(1) : (الإيديولوجية الألمانية: كارل ماركس وفريدريك انجلز، دار دمشق ومن ترجمة فؤاد أيوب).
(2) :السابق ص 65.).
(3): (السابق ص 66 ).
(4) (السابق ، ص 68).
(5): (السابق ص139).
(6):(السابق ، ص 197).
(7)(السابق، ص 72)
(8) :(الإيديولوجية ، السابق، ص 85).
(9) : (السابق ، ص 205).
(10)(بؤس الفلسفة، مكتبة ودار الحياة، بيروت، ص 12).
꧂ الفصل الثاني
الرأسماليات الحكومية الشرقية الكبرى
لا بد لنا لكي نفهم طبيعة تكوينات الرأسماليات الحكومية الشرقية من مقارنتها بالرأسمالية الخاصة التي تكون تحت ظروف إستثنائية في الشرق وهي التجربة الرأسمالية اليابانية.
اليابان تجربة الرأسمالية الخاصة
حين نقرأ بعض الحيثيات المفيدة التي يقدمها مؤلفون عرب حول مسار التجربة اليابانية، وخاصة كيفية الانتقال من النظام الاقطاعي إلى النظام الرأسمالي، فإنهم يضعونها في إطار المعجزة، الخارجة عن قوانين الانتقال نحو الرأسمالية في الشرق، لكونهم لا يقرأونها ضمن قوانين الانتقال العامة للرأسمالية الشرقية ذات الخصائص المختلفة عن الرأسمالية الغربية.
لقد قفزت اليابان نحو نمط الرأسمالية الغربية الخاصة، خلافاً للرأسماليات المعرقلة بتدخل الدول الشمولية في الشرق. بل وعلى العكس قامت الطبقة الحاكمة اليابانية بتوجيه قوى الأغنياء نحو تلك الرأسمالية الصناعية الخاصة، وهو جانبٌ سياسيٌّ فريد نشأ بسبب صغر اليابان تجاه الدول الكبرى المحاصرة لها والتي تريد التهامها كالولايات المتحدة وروسيا والصين.
لقد عملت الطبقة الحاكمة التي قلصتْ نفسها إلى أسرة صغيرة حاكمة، مزيلة طبقة الإقطاع الكبيرة وموجهة إياها نحو الاستثمارات التجارية والصناعية.
لكن قيادة الأمبراطور لهذه التحولات لم تكن دفعة واحدة بل جرى تذويب الطبقة الإقطاعية على مراحل:
(أطاحت القوى السياسية بالشوجون (قادة الجيوش) وانتقلت مقاليد السلطة للامبراطور من جديد بعد ان كانت في يد مجموعة من نبلاء البلاط استأثروا بها، نظراً لصغر سن الامبراطور مايجي، وقد كان عليهم باعتبارهم قوة جديدة ان يواجهوا المشكلات الملحة وعلى رأسها الزحف الغربي على بلادهم والفساد المالي، لأن مواجهة الاطماع الاوروبية في اليابان تتطلب قاعدة اقتصادية صلبة، بعد ان بدأت السلطة الحاكمة في اليابان في العمل على تعديل النظام الطبقي بما يتلاءم مع الأوضاع الجديدة، حيث قامت باجراء العديد من التعديلات والقوانين التي تنظم الطبقات، تمهيداً لإلغاء النظام الاقطاعي، وكانت البداية عام 1869 حيث وضعت تصنيفاًَ جديداً للطبقات جعلت بمقتضاه ارستقراطية البلاط وحكام المقاطعات طبقة واحدة باسم النبلاء، وقسمت الساموراي الى مستويين، ساموراي كبار، وساموراي صغار. وفي عام 1870 ادخلت الحكومة تعديلات على أوضاع الطبقة العامة فصار من حقها بمقتضى هذه التعديلات اتخاذ ألقاب عائلية، وسمحت لأبنائها في العام التالي بالتزاوج مع ابناء الطبقة العليا. كما سمحت الحكومة للنبلاء والساموراي بالاشتغال بالزراعة والتجارة والحرف. وفي عام 1872 أعادت الحكومة تقسيم القوى الاجتماعية الى ثلاث طبقات، هي النبلاء، والساموراي و«الهيمين»، والأخيرة تضمنت العامة وصغار الساموراي القدامى والمنبوذين وأصبحت جميع الطبقات بعد ذلك ـ نظرياً ـ أمام القانون سواء، وقد اضطرت الحكومة عام 1872 الى ان تسن قانوناً يجرم الاسترقاق ويحرم الاتجار في الرقيق.)، (1)
كان إبعاد الطبقة الإقطاعية الكبيرة العدد عن الدخول الحكومية هاماً لأجل إبعاد أجهزة الدولة عن التبعية لطبقة من الطبقات، أي أن تكون محايدة بشكلٍ نسبي، بين الطبقتين الكبريين، الطبقة الإقطاعية الآفلة، والطبقة الرأسمالية الصاعدة، فقد أدركَ الأمبراطور إن المستقبل للأخيرة وللصناعة وللحداثة، وهو بحاجةٍ للقوى العاملة الحديثة وللعلوم، ولا بد بالتالي من الانفصال عن إرث الماضي الإقطاعي، ومن جعل الصناعة بؤرة الحياة الاقتصادية، ومن تحرير الفلاحين والنساء، وتشابك ذلك المنحى الاقتصادي بالشعور القومي الاستقلالي، بل والاستعماري التوسعي كذلك، والذي تحول فيما بعد إلى عدوانية خارجية.
ولنلاحظ كيف كانت اليابان مربوطة بوشائج متخلفة مع علاقات الإنتاج القديمة، كالعبودية، وعلاقات اجتماعية متخلفة كثيرة، لكن جهاز الدولة المركزي إستقل عن الطبقات القديمة، وحسم الخيار الحضاري باتجاه مماثلة تقدم الغرب في جوهره، وهو التصنيع الواسع.
(وقد أدى إلغاء النظام الطبقي وتطبيق نظام المعاشات واستبدال نظام سندات حكومية به الى تجريد طبقة الساموراي بشكلٍ كامل من امتيازاتها المادية، ورفع عبئاً كبيراً كانت ميزانية الدولة تتحمله كل عام قامت بتوجيهه للتنمية.)، (2).
إن خلق التراكم البدائي في التجربة اليابانية كان على الطريقة السوفيتية، بأن تـُجلب الفوائض المالية من الطبقات المثقلة بالاستهلاك والبذخ أو الموظفة في الزراعة، وأن تصُبَ في الصناعات الثقيلة والخفيفة. لكن بدون أن تنتقل الثروة المُصادَّرة وعمليات التراكم المختلفة من ضرائب وغيرها، لتشكيل رأسمالية حكومية على الطريقة السوفيتية، بل أن تكون لعمليات التوجيه المركزي نحو المجتمع الرأسمالي من خلال قيادة الأمبراطور!
وهنا فروق كبيرة بين هذه القيادة وما جرى في بعض دول الشرق، فكثيراً ما تـُقارن عملية القيادة اليابانية بمصر في عهد إسماعيل باشا خاصة، كما يقول عارض الكتاب: يتحدث الكتاب في فصله الثالث عن حركة التصنيع ونمو الرأسمالية في اليابان، برصدها في عهد مايجي بشكل يذكرنا بحركة التحديث التي حاول اسماعيل باشا في مصر أن يقودها، وبنفس الاسلوب، حيث لجأ كلٌ منهما للاستدانة من بيوت المال الفرنسية والانجليزية لبناء وتحديث بلاده، وكانت القروض أداة كل من
E-books are complementary and supportive of paper books and never cancel it. With the click of a button, the e-book reaches anyone, anywhere in the world.
E-books may weaken your eyesight due to the glare of the screen. Support the book publisher by purchasing his original paper book. If you can access it and get it, do not hesitate to buy it.
Publish your book now for free
We require cookies for this site to function. Please enable them to continue.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
By using this website, you consent to us collecting cookies to provide you with a better user experience,
more details.
You cannot browse the site since you refused the use of cookies, as the site relies primarily on them to work.
Intellectual property is reserved for the authors mentioned on the books and the library is not responsible for the ideas of the authors
Old and forgotten books that have become past to preserve Arab and Islamic heritage are published,
and books that their authors are accepted to published.
The Universal Declaration of Human Rights states: "Everyone has the right freely to participate in the cultural life of the community, to enjoy the arts and to share in scientific advancement and its benefits.Everyone has the right to the protection of the moral and material interests resulting from any scientific, literary or artistic production of which he is the author".