The download is free, but we offer some paid services. Support us by subscribing
Delete ads and speed up browsing the library.
The download starts with the click of a button without waiting for the book to be ready.
No limits for download times.
You can upload unlimited books in the library.
Enable readers to download your books without waiting.
Delete ads on the books that you publish.
No problems with download links for your uploaded books.
Copyright reserved
The book cannot be previewed or downloaded in order to preserve the copyright of the author and publishing house
Not available digitally or on paper through the Noor Library, it is for rating and review
| Author: | Abd Allah Khalifa |
| Category: | The Literature Of Difference Translated [Edit] |
| Language: | Arabic |
| Release Date: | 01 Jan 2016 |
| Rank: | 289,604 No 1 most popular |
| Short link: | Copy |
| More books like this book | |
The Author Book Abdullah Khalifa and the author of 62 another books.
خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1975. اعتقل من سنة 1975 إلى 1981 .عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثـقافية في الصحف البحرينية والخليجية ، ونشر في العديد من الدوريات العربية . عضو اتحاد الكتاب العرب بسوريا. ساهم في مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب ، وأول مؤتمر أشترك فيه كان سنة 1975 الذي عقد بالجمهورية الجزائرية وقدم فيه بحثاً عن تطور القصة خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1975. اعتقل من سنة 1975 إلى 1981 .عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثـقافية في الصحف البحرينية والخليجية ، ونشر في العديد من الدوريات العربية . عضو اتحاد الكتاب العرب بسوريا. ساهم في مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب ، وأول مؤتمر أشترك فيه كان سنة 1975 الذي عقد بالجمهورية الجزائرية وقدم فيه بحثاً عن تطور القصة القصيرة في البحرين ، وشارك في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب بتونس سنة 2002 ، ببحث تحت عنوان «التضامن الكفاحي بين المسلمين»، وشارك في مؤتمر بجمهورية مصر العربية سنة 2003 ، وببحث تحت عنوان «المثقف العربي بين الحرية والاستبداد» وذلك باتحاد الكتاب المصريين . والعديد من المؤتمرات الادبية العربية. كتب منذ نهاية الستينيات في عدة أنواع أدبية وفكرية ، خاصة في إنتاج القصة القصيرة والرواية والدراسة الفكرية. منذ سنة 1966، مارس عبدالله خليفة كتابة القصة القصيرة بشكل مكثف وواسع أكثر من بقية الأعمال الأدبية والفكرية التي كان يمازجها مع هذا الإنتاج ، حيث ترابطت لديه الكتابة بشتى أنواعها : مقالة، ودراسة، وقصة، ونقد. ولكن في السنوات الأولى حظيت القصة القصيرة بشكل خاص بهذا النتاج ، وقد نشر عشرات القصص القصيرة في سنوات «1966 – 1975» في المجلات والصحف البحرينية خاصة، ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي قام بطبع نتاجه القصصي والروائي والفكري في دور النشر العربية المختلفة ونتاجه الأدبي والفكري. توفى في أكتوبر 2014عن عمر يناهز 66 عاماً بعد صراع مع المرض.
النتاج الروائي:
• “اللآلئ”، 1981
• “القرصان والمدينة”، 1982
• “الهيرات”، 1983
• “أغنية الماء والنار”، 1989
• “مريم لا تعرف الحداد”، 1991
• “الضباب”، 1994
• “نشيد البحر”، 1994
• “الأقـلف”، 2002
• “ساعة ظهور الأرواح”، 2004
• “الأعمال الروائية الكاملة – المجلد الأول”، 2004
• “رأس الحسين”، 2006
• “عمر بن الخطاب شهيداً”، 2007 .
• “التماثيل”، 2007
• “عثمان بن عفان شهيداً”، 2008
• “علي بن أبي طالب شهيداً”، 2008
• “محمد ثائراً”، 2010
• “ذهب مع النفط” ، 2010
• “عنترة يعود الى الجزيرة”، 2011
• “الينابيع” (الطبعة الكاملة)، 2012
• “عقاب قاتل”، 2014
• “اغتصاب كوكب”، 2014
• “خليج الارواح الضائعة”، 2015
• “رسائل جمال عبدالناصر السرية”، 2015
• “ألماس و الأبنوس”، 2016
• “ابنُ السيد”، 2016
• “ثمن الروح”، 2016
• “الأرض تحت الأنقاض”، 2017
• “حورية البحر”، 2017
• “طريق اللؤلؤ”، 2017
• “بورتريه قصاب”، 2017
• “مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني”، 2018
• “شاعرُ الضياء”، 2018.
• “هُـدهـُد سليمان”، 2018
النتاجات الأخرى:
• “لحن الشتاء” (قصص)، 1975
• “الرمل والياسمين” (مجموعة قصصية)، 1982
• “يوم قائظ” (مجموعة قصصية)، 1984
• “سهرة” (مجموعة قصصية)، 1994
• “دهشة الساحر” (مجموعة قصصية)، 1997
• “جنون النخيل” (مجموعة قصصية)، 1998
• “سيد الضريح” (مجموعة قصصية)، 2003
• “الراوي في عالم محمد عبد الملك القصصي” (دراسة)، 2004
• “الاتجاهات المثالية في الفلسفية العربية الإسلامية ” (صدر الجزء الأول والثاني معاً بمجلد واحد)، 2005
• “الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الثالث”، 2005
• “نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية” (دراسة)، 2007.
• “تجارب روائية من الخليج والجزيرة العربية” (دراسة)، 2008
• “صراع الطوائف والطبقات في المشرق العربي وإيران” (دراسة)، 2015
• “الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية – تطور الفكر العربي الحديث” (الجزء الرابع)، 2015
• “إنهم يهزون الأرض” (مجموعة قصصية)، 2017
• “ضـوء المعتـزلة” (مجموعة قصصية)، 2017
• “الكسيح ينهض” (مجموعة قصصية)، 2017
• “أنطولوجيا الحمير” (مجموعة قصصية)، 2017
صراع الطوائف أم صراع الطبقات؟ ليس للعصر الحديث الا منطق واحد في الحياة السياسية الاجتماعية هو منطق الصراع الطبقي. وقد حاولت الأنظمة والتيارات التقليدية لزمن طويل أن ترفض مقولة الصراع الطبقي، وقد ...
Copyright reserved
The book cannot be previewed or downloaded in order to preserve the copyright of the author and publishing house
Not available digitally or on paper through the Noor Library, it is for rating and review
قراءة في أعمال الأديب عبدالله خليفة
د. باربارا ميتشالاك*
نشر عبـــــــدالله خلــــــــيفة في عام 1975 مجموعته القصصية الأولى «لحن الشتاء» التي تلامس موضوعات سياسية تتصل بالكفاح من أجل الاستقلال. وفي نفس العام تم اعتقاله حيث بقي في المعتقل مدة ست سنوات. وفي السنوات التالية حتى يومنا الحالي نشر سلسلة من الكتب تتضمن روايات وقصصاً قصيرة.
وفي البداية ركز عبدالله في تقديم حياة الأشخاص العاملين في البحر، أمثلة من هذا يمكن أن تجدها في رواية «الهيرات» حيث تتركز الحبكة بأكملها حول البحر الذي يمثل العنصر الرئيسي للعالم المقدّم في القصة. فهو من ناحية أولى يمثل شيئاً هاماً هو منح الحياة بينما على الجانب الآخر يمثل قوة تدميرية. الشخصيات الرئيسية في الرواية هي أربعة. رجال وولد يعملون جميعاً لدى تاجر لؤلؤ ظالم وبارد القلب.
حمدان الذي فقد أباه أثناء العمل في البحر هو الذي يروي القصة حيث يأخذنا خلال مصاعب العمل في البحر التي تشتمل على تجديف السفينة واتباع الأوامر. كمراقب دقيق يظهر الراوي قساوة عالمه المحيط الذي يسيطر عليه الجشع والظلم ضد أولئك الضعفاء.
يقدم الراوي الاحداث بطريقة ديناميكية جداً حيث العمل في البحر وتجارة اللؤلؤ، فالقارئ لا يصبح فقط متعوداً على العلاقات بل على الهرم الاجتماعي في البحرين أيضاً، يثري ذلك منظور كلي للحيوات الخاصة لجميع الشخصيات الرئيسية ويؤازر كل هذا الأوصاف الكثيرة لشروق الشمس وغروبها، أحداث الأرصاد الجوية، والبحر نفسه.
يواجه القارئ بجرعة كبيرة من المشاعر السلبية منذ الصفحات الأولى في مجموعته القصصية «يوم قائظ» ويتمثل هذا غالباً بالتململ، الغضب، خيبة الأمل والحزن. في قصة «الدرب» التي تفتتح المجموعة يقدم العالم كأنه مبني على أوصاف فنية ديناميكية وعنيفة: «واجهنا حقلٌ من النخل ، جذوعٌ منتصبة بانحناءات مكسورة ، مجموعة من الشيوخ الشحاذين على أبواب الصحراء . . تمدُ أيديها للماءِ ولكن البلدوزر الأصفر يمدُ لها أسنانـَهُ . . تجتاحُ الأعشاب . . يجتاح الأعشابَ والفسائل الصغيرة يقطعها بحدة وقوة ، ننظر إلى الشمس الصاعدة نحو قلبِ السماء ونخفضُ رؤوسنا بسرعةٍ ، إنها تعصرُ القلبَ وتشربُ الدمَ .
يطعنُ البلدوزر النخلة الشامخة ، تلك التي تنتصبُ في عمق الطريق ، يجأر بالغضب وهي تقاوم بصلابة ، يتناثر ( الكرب ) فوق الأرض وتنتزعُ الأسنانُ تلك القشرة السوداءَ لتصلَ إلى البياض الجميل ، تنحني النخلة قليلاً ، تغوصُ الأسنانُ ، يرهفُ السمعَ إلى الأرض اللامبالية.. تقطع السكينُ الضخمة النخلة فتتهاوى جثتها بصخبٍ ، ننطلقُ إليها ، نرفعها بسرعةٍ وخفة ونلقيها حيث تجمعت الجذوعُ في مقبرة هائلة».
ان وصف النخلة وهي تُقتلع يصور العلاقات من ساحة معركة غير متكافئة فالنخلة تنهي مقاومتها للآلة ويصبح الانسان في درجة أدني ويقوم بدور مشغل الآلة حيث يقدم المؤلف صورة عن المعركة التكنولوجيا والطبيعة التي لابد ان تخسر الطبيعة فيها.
في القصتين المعونتين «أمّاه أين أنت؟» و«الخروج» الشخصيات الرئيسية هي السجناء. ففي القصة الأولى يقدّم العالم واقعاً كئيباً لزنزانة سجن صغيرة: «أفقتُ في الليل . كان الفجرُ وشيكاً . تبينتُ النورَ البازغ في إضاءة شفافةٍ شاحبةٍ تسربتْ إلى النفاذة العاليةِ . الصمتُ، الهدوءُ، يشمل زنازينَ السجناءِ والمطبخ وبناية الشرطة العالية المحدقة بالسجن.».
على الرغم من ذلك حينما نعبر بوابة عقل السجن ندخل إلى عالم أكبر من الذكريات والرغبات التي تمتد على نحو مقرر خلف الأهداف وخلف جدران السجن والجزيرة التي يقع فيها: «أنا كنتُ بلا حلمٍ رائع ، بل ربما رأيتُ فيما يرى النائمُ قبضة تهوى على رأسي . كان فضاءُ الحلمِ ظلاماً شاسعاً ، وكانت ثمة شراراتٌ غريبة تتوهجُ ، كأسماكٍ تتقلبُ في الماء . وكان صوتٌ مألوفٌ يدغدغ ذاكرتي وكنتُ أسبحُ في الظلام بأجنحةٍ وأبكي بصوتٍ خافتٍ.».
ليس واضحاً من محتوى القصة سبب وجود هذا المعتقل في السجن ونحن حتى لا نعرف أسمه. أفكاره، رغباته وعلى الخصوص معاناته التي يعيشها، ليست جميعاً بسبب ظروف الصرامة لكن بسبب افتقاده لأمه وهو الشيء الأكثر أهمية. سبب الألم هو الوعي بأنها ربما لم تعد هناك حينما يتم الافراج عنه. الراوي الذي هو في نفس الوقت من الشخصيات الرئيسية ينقلنا إلى عالم داخلي عميق. المرور عبر بوابات النفس الإنسانية يفتح حقلاً واسعاً للمنظور السري للمؤلف حيث يتوقف عن الاتصال بإطارات المنطق والنتيجة.
الشخصيات المجهولة التي ترسم صورتها الظلية في عالم بعيد عن الكمال هي كل من الراوي والشخصية الرئيسية في نفس الوقت في كل قصة من قصص هذه المجموعة. كل واقع مطروح هو نوع من السجن لكل واحد من هذه الشخصيات بصورة حقيقية تقريباً. فالمهاجر، في القصة المعنونة بـ«الدرب» يقطع أشجار النخيل من أجل إنشاء طريق جديد في الصحراء، هو سجين مسؤولياته الشخصية تجاه ربّ عمله وعائلته. والشخصية المحورية التي تغادر السجن في قصة «الخروج» يصبح سجيناً للحرية في مدينته الأم التي أصبحت غريبة وغير مألوفة. لم يعد له أصدقاء حميمون أو عائلة وأصبحت التغيرات التي وقعت أثناء وجوده السجن غير مقبولة. إن تقسيم العالم إلي فضاءين، البر والبحر له أهمية. البر جاف وخام وغير لطيف ومحدود كسجن في جزيرة. أما البحر فعلى عكس البر، جميل، أزرق، لا نهائي لكنه غالباً يقدّم كمكان غير قابل للدخول لغالبية الشخصيات المحورية. القصة مليئة بالتشاؤم والايمان بأن الأشخاص الذين كانوا في السجن لديهم صعوبات كبيرة في العودة إلى حالة الحرية الكلية.
الرواية المعنونة بــ «الضباب» هي محاولة لفهم قلق شخص محاصر بسلسلة من الاحداث المحزنة. الحبكة تعتمد على قصة مأساوية لأحمد ناصر البالغ خمسين عاماً وهو كاتب مثقف مدمن مرضياً على الكتب ويحاول أن يتعامل مع مختلف أنواع المشاكل وهو محكوم عليه بالمعركة المستمرة بين الشدائد التي لن يحفظه قدره المخيف منها. قصته عبارة عن حادثة محزنة تلو أخرى: جريمة، موت، ألم، فقر، جوع، سجن، تعذيب، عدم وجود قوة مميزة، مرض مستشفى وجنون. يحاول أن يستعيد ذاكرته المفقودة بالرجوع إلى الحقائق المختلفة من الماضي بعد إلقاء القبض عليه متهماً بالاغتصاب وإيداعه السجن. ذكرياته تأخذه إلى الوراء إلى طفولته حيث يتذكر الحياة تحت سقف زوج أمة الذي تحوّل من بيت إلى جحيم للسكن. الشخص الإيجابي الوحيد في حياته في ذلك الوقت كان جدّه الذي أخذه ورعاه رعاية فائقة. يحاول أن يتذكر ماذا حدث حقيقة لكنه يفتقد إلى المفتاح لكي يفتح به ذاكرته. يتذكر كيف قضى فترة في مستشفى الامراض العقلية الذي لا يريد أن يتركه منذ أصبح في الواقع لا مكان له للذهاب إليه.
يترك المستشفى ليذهب ويعيش في شقة متواضعة. يبدأ في غسل السيارات وإزالة المخلفات من البراميل ليكسب عيشه. يقيم علاقة مع مومس محلية حيث تقوم برعايته كأنها أمه. نعرف عن قصتها المأساوية بالإضافة إلى قدر متشردين يمران على شقته بالصدفة. ويوجز المؤلف قصته بجملة مقتضبة مفادها أن العالم ليس له ضمير.
ذاكرته تعود به إلى الفترة التي عمل فيها كمحرر في دار نشر. هناك قابل حبيبة حياته التي تركته لاحقاً مع ابنتهما بسبب صعوبات مادية. وبينما هما يدخلان السيارة يقتلان في الموقع وبذلك الحدث تنتهي حياته حيث يقول إنه لم يبق شيء هناك في البيت عدا الأشباح.
عنوان الضباب هو موتيفة متكررة في القصص ويرمز إلى النسيان، الصورة المبهمة منة حياة الشخصية الرئيسية، إنه عنوان بارد، كثيف ومرتبط بالدلالة المنذرة بالموت.
سوء الطالع تسبب في أن يحصل أصدقاؤه على المال والمكانة الاجتماعية بينما راح هو يغسل سياراتهم الفخمة. إنه يتمرد على هذا الواقع وعلى نفسه ويسخر من حياته بالقول إنها علّمت المجانين بجيوب خالية وحياة قد انتهت كما يكشف عن الحقيقة القاسية بأنه الآن لا شيء سوى حيوان. وكنتيجة لذلك تحضر الشخصية الرئيسية إلى مكان اعدامها وسط هتاف حشد متجمع. مرة أخرى تقدم حقائق حياته, في هذه المرة في اطار حلم سحري غير منطقي وليس من الواضح فيما إذا كان أحمد ناصر مذنباً بارتكاب جريمة أم لا.
قصص مجموعة «سهرة» يمكن تقسيمها إلى مجموعتين، الأولى تشمل قصصاً تنتهي برسالة فلسفية وسوداوية كما في قصتي «خميس» و«قبضة تراب». المجموعة الثانية تشمل قصصاً أطول تطرح في نغمة كئيبة ومعظم شخصياتها الرئيسية أطفال تعرضوا للأذى من قبل العالم وأستغلهم البالغون. وعلى سبيل المثال قصص «هذا الجسد لك» و«هذا الجسد لي» و«أنا وأمي». تتصف هذه القصص بالوصف الكامل، الغموض والاشكال الفنية المستخدمة تعطيها لحناً شعرياً.
تظهر النساء في هذه القصص وهن يخزين شرف عائلاتهن بسلوكهن كما في قصة «أنا وأمي». إن سوء سلوك الأم يصبح عذاباً وهوساً. ذلك يجعل البطل يفقد رشده بالرغم من حقيقة أن أمه تعيش بعيداً عنه ولم تعد تتدخل في حياته. إنه مجنون بالرغبة في قتلها وتخليص نفسه من خزيها فيخضع كل حياته لهذه الرغبة. على إثر ذلك يعذب حياة أخته أيضاً خوفاً من اتباعها خطوات أمها. النتيجة هي مناقضة للمرغوب فيها فتقرر الأخت أن تكون أقرب إلى أمها وتحرر نفسها من استبداد أخيها. وتصل الحبكة إلى ذروتها حينما يضرب البطل أخته لأنه عثر على حمرة شفاه نسائية خاصة بها. "أبحثُ في متاعها ، أجدُ (روجاً) كانت تخفيه في قعر الحقيبة . أوقظها ، تـُذعر ، أصبغُ وجهها بالروج ، وكأني أحفر بالدم ، كأني أكتبُ بالنصل غير المثلوم.
«كانت تصيحُ:
- أرحمني يا أخي !».
في قصة «هذا الجسد لي» يعطي المؤلف وصفاً تفصيلياً لأحداث طفل صغير يتم ختانه حيث إنه لم يُخبر سابقاً أو يكون واعياً بما تنطوي عليه عملية الختان، فيشعر بالاستياء تجاه أبيه لعدم تهيئته نفسياً لهذه التجربة. كما يتعرض الطفل أيضاً لعملية اغتصاب بالقوة خلال حفل زواج أخته.
أعتقد أن هذا الشيء يمكن أن يكون خاضعاً لحكم عامة الناس حول مشكلة الشذوذ الجنسي بالإضافة إلى إرغام الأطفال لدخول عالم البغاء. تجارب الأطفال والجرح المملوء بالأسى فيما يتعلق بالخيانة الزوجية لأحد الأبوين تم تصويرها في قصتي «هذا الجسد لي» و«أنا وأمي».
«أودُ أن أصرخ، والرجلُ الأصلع دفن رأسه في صدر أمي، وهي ألقت بنفسها على الكرسي ، دون أن تتفوه بكلمة!».
يبدو أن الشخصية المحورية في تقديم قصته تبدأ بالصراخ: هذا ليس جسدي.
وفي العديد من القصص فأن أوصاف الهذيان شبه الواعي والتنبؤات المرضية هي صور لما يراه البطل وهو يبالغ في وصف عقل طفل مريض. وتبدأ حدود الأشياء في أخذ شكل شيطاني فيصبح كل شيء مشوشاً او متعدداً ويرتفع الجسد ويسقط إلى المنحدر. فمن ناحية يكون الرجل واعياً للحرارة المرتفعة والعرق الغزير الذي يغمر جسده بينما من ناحية أخرى يشعر كما لو أن جسده قد انفصل عن عقله وروحه.
هذه الأوصاف معقدة جداً ومملوءة بالاستعارات ويبدو أن المؤلف مفتون بما يحدث للأشخاص حينما يفقدون السيطرة على أجسادهم وعقولهم.
«امتلئ بالعرق والبخار الساخن ، أمسكُ سريري بأظافري ، ثمة أطيافٌ من النار تتراقصُ حولي . جسدي يدغدغهُ ثعبانٌ كبير ، وأنا أركضُ في العتمة والضباب والعواء ، أعبرُ مستنقعاتٍ من جمرٍ وضفادع وفحيحِ رجال .
اتقلبُ على الفراش ، أودُ أن أعبر تلك الظهيرة المشتعلة ، أن أتخلصَ من جسمي ، وأذوبَ ، أقفز هذا البيت ، وصراخ الرجال في القاعة ، ضحكات أمي التي تفتقُ ضلوعي ، أصيرُ فراشةً في حقلٍ ، أو ناسكاً في كهف ، أموت ، أتحولُ إلى ظلامٍ أبدي ، أرفرفُ نحو السماء ملاكاً».
في كثير من الفقرات يتملّك المرء شعور بأن المؤلف يؤكد بصورة متقنة على قبح وعدم توازن الحالة العقلية للشخصيات الرئيسية. «هناك أنا مسجى ، بركة من العرق ، والشعر الغزير، والأصوات الغريبة التي تناديني».
يبني المؤلف جملاً مملوءة بالاستعارات التي تعرض صورة للجنون.
وعبدالله خليفة لا يدين شخصياته الرئيسية. وهو لا يعبّر عن رأيه تجاه تصرفاتها وخططها ومشاعرها بالرغم من أن قتل أم إحدى الشخصيات هو أسوأ الجرائم جميعاً. فالأم، مهما كان سلوكها، تحب ابنها وتساعده في الخروج من السجن، وتعتني به وتطعمه حينما يكون مريضاً. السجن كان عقاباً لإشعال النار في البيت وتضرر الأشخاص الموجودين بداخله. يعرف القارئ القصة بأكملها حسب وجهة نظر الشخصية الرئيسية: الاتهامات والجنح الموجهة إلى أمه. نهاية القصة مفاجئة نوعاً ما ففي حين يبدو أن لا خلاص للولد المريض الممتلئة روحه بالحقد وأن هوسه سوف يقوده إلى جريمة شريرة، نجد أن هناك، داخل أعماق روحه، مشاعر وعواطف دافئة تجاه أمه. وأخيراً تأتي لحظة المصالحة: «يتقاربُ رأسانا المهزومان . تختفي في صدري»، هذا بلا شك تأكيد أن المشاعر والعواطف الإيجابية، بالإضافة إلى الحب الحقيقي، قادرة على الانتصار على الأذى، الجرح، والحقد وإنه ليس متأخراً أبداً العثور على الحب في ثنايا قلب المرء. وسوف تبقى الأم أماً فوق كل شيء آخر، وسوف يكون الحب تجاهها دائماً اقوى من الكراهية.
العنصر الرئيسي الذي يظهر في غالبية قصص مجموعة «دهشة الساحر» هو المستقبل الذي ينزع بالفرد تجاه التأملات والبحث المستمر عن الهوية في مواجهة واقع اليوم الحالي فليس من المصادفة أن تفتتح المجموعة بقصة عنوانها «طريق النبع» التي يؤكد فيها المؤلف بوضوح على رأيه في المستقبل. طريق النبع هي ذكرى للطفولة، أيّام التعرّف على العالم وكل ثرواته وأسراره بطريقة مبهجة. يرسم المؤلف لوحة شعرية جميلة للقرية العربية. مكان محدد هو النبع، لا يعطي الحياة فقط لأشجار النخيل المحيطة، بل إلى الناس أيضاً. مناخ التفرّد لكل من المكان والوقت تم التأكيد عليه بواسطة الطقوس التقليدية التي يؤديها والد الشخصية الرئيسية. هذه اللوحة الشاعرية للماضي تصطدم بالوعي بأن كل هذا قد ذهب بلا عودة، كما ذهبت العشرون سنة من حياته حيث يتذكر بألم وحسرة كيف أراد أن يتوقف الوقت في هذا المكان بالتحديد. بصورة نوستالجية للطفولة يصنع تعارضاً واضحاً مع الأوقات المعاصرة حيث لا مجال للسحر أو الأسرار أو الاتصال القريب مع الطبيعة. الناس غير قادرين على التعلّم من الطبيعة والعيش بانسجام معها لكنهم يغلقون أنفسهم داخل حيواتهم المصطنعة. وتربط الشخصية الرئيسية بين ماء النبع القديم وقوة إعطاء الحياة والحكمة. لذلك فإن الطريق إلى النبع يعني الطريق لكي يجد المرء جذوره واستخراج الثروات منها. هذه هي الطريقة التي يحاول بطل قصة "دهشة الساحر» أن يعيش فيها. هذا الرجل كرّس حياته كلها لاكتشاف أسرار الطب الطبيعي. سافر إلى جميع أنحاء العالم وسأل الله والملائكة والنجوم أن يعيدوه إلى ارضه. ما تعلّمه طوال رحلته الطويلة امتد وراء الصورة الملازمة للحقيقة. كان مملوءاً بسائل مضيء يجعله يعيش بين السماء والأرض. استفاد الساحر من معرفته للخير للآخرين حيث أن في هرمة الاجتماعي يمسك الانسان بالمركز الأعلى. هذا الشيء له علاقة بتاريخ الأطباء البارزين الذين هم في نفس الوقت فلاسفة وسحرة كابن سيناء والرازي.
لا تخلو قصص مجموعة «دهشة الساحر» من الإشارات إلى شخصيات معاصرة كالخميني. ويفحص المؤلف هذه الظاهرة في قصة «الترانيم» حيث يقدّم الشخصية الرئيسية كرجل ذي موهبة متميزة في تأليف الترانيم التي تساعد الناس على إيجاد معنى وجودهم.
هناك شيء ما بداخله يسمح لنا بأن نرى العالم بأكمله في عينيه: الغابات، الأفق، المدن، والخلود. كل واحد ينتظر بتعطش ليسمع ترانيم إضافية رائعة تجعل الواقع المحيط بهم يتغير. من القصة نستطيع أن نرى كيف حدث هذا في إيران حيث أُعطي رجل بسيط ومريض التبجيل الأقصى.
أما قصة «نجمة الصباح» فتظهر كيف يؤثر الماضي في شخصية الانسان. فالشخصية المحورية وهي رجل عمل صحفيا بجريدة كبرى مدة 32 عاماً يتذكر مناخ العمل الذي ساد قبل وفاة مالكها بحنين إلى الماضي. إنه لا يستطيع أن يجد نفسه في الواقع الجديد تحت إدارة ابن المالك الذي لا يهتم إلا بمصالحه الخاصة. هناك تناقض شديد بين المالك الحالي والمالك السابق للجريدة. إن تغيير النظرة إلى العمل وكذلك إلى الموظفين هو علامة واضحة على مجيء نظام جديد.
ففي الماضي كان العمل بالنسبة لهذا الصحفي أشبه بالمهنة المقدسة، حيث يمنحه الإحساس بالإنجاز الذاتي. إنه غير قادر الآن على التكيف مع البيئة الجديدة ولذلك يقرر تدمير مصدر المشقّات التي يعانيها. غضبه موجّه نحو المالك الجديد الذي يقتله في نوبة غيظ شديد. وفي الوقت اللاحق، يقف البطل بلا حيلة تجاه الماضي المتصادم مع اللحظة الحالية.
هذه الموتيفة تستمر في المجموعة القصصية التالية لـ عبدالله خليفة واسمها «جنون النخيل».
كما يرى القارئ. إنه من الصعب للمؤلف أن يكون على وفاق مع التغيرات الاقتصادية والعمرانية المستمرة. ويبدو هذا جلياً في قصة «النوارس تغادر المدينة» حيث يقول: «الآن هو غريب في المدينة. لا أحد قربه. سوى الطيور والمشترين وركاب الباصات الذين لا يرون وجهه.
لم تكن ثمة نوارس في الساحة.
كانت بشعة، ومملة. المارة الغرباء لا يلتقون إلا للافتراق. الوجوه تتبدل دائماً بسيول من السحنات واللغات.
كان يحدق في الطيور العابرة، يسأل عن رحلاتها المستمرة في الكون. أسراب بعد أسراب وهو يتآكل ويتأمل، رجله المقطوعة سلسلته في اللعبة الخشبية: بدلاً من جناحي الحلم، فقد المشي».
حتى النوارس المذكورة في العنوان غير قادرة على التكيّف مع الواقع الجديد. إنها تعاني شحة الفضاء والحرية والبحر المانح للحياة بينما الأشخاص الجالسون في بيوتهم الفخمة، أمام بركة السباحة وهم يشوون اللحم على النار، يطلق عليهم ضحلين ومعاقبين من قبل البحر الذي يفيض ويغمر محطة الكهرباء الساحلية، ففي قصة «جنون النخيل» يقول: «إن الماء يهز الأعمدة والساحل كلّه يتقلقل ويأكل الرمال». كما نقرأ أيضا عن العواقب المأساوية للبيئة الطبيعية كنتيجة لتطوّر المدينة. فالعمال يثبتون الأنابيب وسط البساتين ويرمون عشش الطيور في براميل المخلفات ويقطعون أشجار النخيل التي هي جزء أساسي من طريقة البحرينيين في العيش. ففي نفس هذه القصة يرد ما يلي: «كانت النخيل ذوات وجوه آدمية، متكلمة، متجهمة، تتغلغل جذوعها في مياه البحر، وتبدو كقطيع واسع من المردة المحبوسين».
على الرغم من ذلك يهتم المؤلف كثيراً بالتقاليد التي لا تدحض تقدّم الحضارة بالكامل وقد انعكس هذا في المجموعة القصصية «سيد الضريح». فلعدة سنوات درج عبدالله خليفة على كتابة ملاحم عن تاريخ البحرين ومنها رواية «الينابيع» التي تعود إلى بداية القرن العشرين حتى الالفية الجديدة.
شخصيات تاريخية عديدة ومن بينها حكّام البحرين وكذلك مواطنوها، الحاكمون البريطانيون وآخرون، بالإضافة إلى حقائق من التاريخ المعاصر للبلاد، خصوصاً اكتشاف النفط الخام في الثلاثينات، والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي أحاطت بهذا الحدث، كلها يمكن أن نجدها في هذه الرواية.
العالم المقدّم في قصص وروايات عبـــــــدالله خلــــــــيفة مليء بالتأملات والأفكار الشخصية علاوة على التجارب والمخاوف والأمور المقلقة. الحياة حافلة بالكفاح ضد القدر والنضال من أجل العيش والمشاكل والخلافات الداخلية. الناس يكافحون بصورة مستمرة ضد الحواجز التي هي نتيجة البيئات المحيطة والتي تشكّل النفس والروح. ومهما كان تعقيد خط القصة فإن المؤلف يريدنا أن نفهم أن هناك قيماً أعلى تمنح الانسان القوة للقتال ضد كل الكوارث والظروف المعاكسة التي سيجلبها القدر. هذه القيم هي متع الحياة والقدرة على رؤية الجمال في العالم والعيش بانسجام مع الأشياء المحيطة، واحترام التقاليد، والحرية، والحب والأمل.
ــــــــــــــــــــــــ
الدكتورة باربارا ميتشالاك، أستاذة الأدب العربي بجامعة جاجيلونيان في بولندا، والمهتمة بالأدب العربي والأدب الخليجي خصوصاً
[الينابيع ملحمة طويلة ونشيد بطولي]
على مساحة واسعة عمقاً وسطحاً يجمع عبدالله خليفة عُقَد الخيوط بيديه، يشدها، يمَّدها، أو يُرخيها، بامتداد فضاءات حكائية سردية مترامية، تشبه إلى حد كبير القصيدة الملحمية المطوَّلة، أو النشيد البطولي الاسطوري، حيث تتوالي وتتقاطع وتلتحم، تلك الفصول كحبات المسبحة كما تترى وتائر الوقائع والأحداث والناس والشخوص، وتحتدم الصراعات وتتضارب المصالح والطموحات والغايات.
الينابيع عمل سردي أدبي في المقام الأول، وان توسل التاريخ مادة وموضوعا ومضمونا. الينابيع ليست رواية توثِّق التاريخ بما يعنيه مفهوم التاريخ من مناسبات حركات وأحداث ووقائع وتحولات، بقدر ما توثق الفن السردي والحكائي بتوظيفها واستثمارها لتلك الوقائع والأحداث التاريخية.
وباعتبار الينابيع عملا فنيا وجماليا قبل كل شيء، ينبغي قراءتها ومقاربتها انطلاقا من أرضية الرؤية الجمالية الفنية، وليس عبر حقيقة الوقائع والأحداث التاريخية، وهذه القراءة الجمالية لا ينبغي لها أن تلغي أو تمنع أن يكون هذا العمل الفني الجمالي شاهدا، أو شهادة أكثر صدقا وأمانة من التاريخ ولا سيَّما أن هذا العمل الفني في معناه العميق يصدر عن لا وعي فردي وجمعي وعن بصيرة حدسية، وشفافية كاشفة، وبالتالي فهو لا ينفي الحقيقة التاريخية بقدر ما يبلورها بطريقته وبأسلوبه الفني الخاص، كما أن اعتماده لتلك الأحداث والوقائع لا يخرجه أو يعفيه من ضرورة التزامه بالشروط الأدبية والقيم الفنية والجمالية.
من هذه الأرضية الفنية لرواية الينابيع، لا تتطابق شخوص الرواية مع شخوص وأدوار وأفعال الواقع التاريخي وإن تبدت لنا في قرينة أو ملمح أو سمة تسم أثرا أو معلما من ذلك التاريخ شخصا كان أم واقعة، أم مكانا فالرواية في نسقها العام لا تستهدف فردا أو ذاتا تاريخية محددة، وما تلك الملامح والقرائن والأفعال والتحولات إلا جزء من آلية فنية لإيهامنا إيهاما روائيا فنيا، إن صح التعبير، فمحمد العواد، وهو من الشخصيات المدارية في الرواية، وإبراهيم زويد، ومي وفيَّ وشمَّاء وزهرة، ومهدي والشيخ ناصر وابناه محمد وحامد، وسالم الرفاعي، وسلطان المزين وأكبر مرتضى ومحسن، وجمعة الحادي وفارس جابر، وسعيد المناعي وبدر الوزان والميجر بيلي والمستشار وزوجته مارجريت، إن هي إلا أسماء روائية متخيلة مبتكرة، وقد وظفت لتلعب أدوارها المنوطة بها في دراما الحياة الروائية وفضاءاتها، ولتدفع من مواقفها المختلفة بالفعل الدرامي في وتيرة تصاعدية إلى غاياته المرسومة بذكاء وإتقان.
تجسد رواية الينابيع فصلا من ملحمة طويلة، تلك هي أرض البحرين بكل ما تعنيه من موقع جغرافي محاصر بالبحر ومن فوق البحر بسياج من بوارج الحديد المدججة وما يعوق ويحيق من مآزق سياسية واقتصادية واجتماعية...
«.. البحر، السفن، الأشرعة، الأمواج، الرجال محروقو الأجساد، والنساء بثيابهن الملونة يخضن زرقة البحر، ويصدحن بعويل الأغنيات وهي تغدو أيدي ممدودة لرجال يذبون في الماء» ص 15.
«كان الغناء وصوت النهامين وهدير السفن المتوغلة في البحر، وثياب النشل القزحية، والغزالات العائدات، كلها تتأجج في قنواته، فيحس بسكرة أين منها عزلة البرية، ومصادقة الذئاب» ص 16.
«الغناء البحري يتسرب من بين حصى البحر الصلد، فتنهمر حبالا وقواقع وجنيات، وتصير المدينة قبة بحر لا متناه زرقاء مضاءة بشمس في الداخل» ص 22.
غناء محمد الصادر عن بئر الأعماق، والأنغام النازفة من اوردة العود، وصدى القصف والعصف والجروح المفتوحة على شفة النهام هذا هو الطاقة الروحية التي تهب الرجال القوة والقدرة على اجتراح الخوارق وتحمل ما لا يطاق...
«وعلى هدير وخرير صوته ويجرُ الرجالُ الحبالَ والآلامَ والسفنَ والمدن البعيدة وقروشَ البحرِ النهمةِ والأجسادَ الميتةَ، وتحترقُ الأيدي بالسكاكين والمحارِ والشمسِ الواسعةِ المهيمنة ، وبالسياطِ التي لا تتوقف ، والمياه التي لا تهدأ ولا تنفتح، وبالتمراتِ القليلاتِ والدروبِ الفارغةِ ونياحِ كربلاء والبيوت السعفية المبتلة بالغيوم» ص 23.
وثمة مشهد آخر للبحرين المدينة من الداخل في العشرينيات:
«.. ليس ثمة سوى الطرق والكلاب والقمامة، والسير في العتمةِ المترنحةِ على الوجود. الجوعُ يمزقهُ، يعوي، والحراسُ يثقبون الوجوهَ والدروب، ومدينةُ البحرِ والغناء استحالتْ مصيدةً من الأحجار والأنفاق، وليس ثمة عود ولا نار خيمة.
يجد بضعةَ مقاهٍ موحشة، لفها الظلامُ والفراغُ، فيجثمُ على كرسي طويلٍ فيها. ويضعُ نعلَهُ تحت رأسه، وقبضتيه تحت معدته.» ص 16.
وللبحرين البحر والأمواج والأنواء والسفن:
«.. شهد الميجر بيلي البحر والأمواج والأشرعة والسفن والجماجم والأيدي المفقودةِ والعيونِ المفقوءةِ والضحكِ والبكاءِ والنسوة والصبيان والصبايا والفتيات» ص 20.
تلك هي بعض صور تزخر بها الينابيع، وهي صور حية نابضة زاخرة بالألوان والحركة والحياة، ونرى لتلك المشاهد والصور على اليابسة وفي الشواطئ والأسياف وفي أعماق البحر حيث السفن والأشرعة والصواري والأجساد وحيث تهدر الحناجر باليامال والهولو، وتتراقص القروش فرحة بفرائسها اللذيذة.
صور نرى فيها إلى الناس في مزارعهم وأكواخهم، في بكائهم ومآتمهم ونرى للغواصين في طقوسهم البحرية التليدة في مواسم اعيادهم، في نفراتهم تأهبا لموسم غوص جديد، أو (قفلتهم) عودتهم مثقلين بالجروح والعاهات والإعاقات والعبودية والديون، نراهم في الأزقة وفي الأحياء والحواري والأنفاق الضيقة المتعرجة، في المقاهي، في مجالس الطواشين وأصحاب الحوانيت والبخاخير والأغذية، في دور الغناء وحلقات الطرب السرية والرقص الشعبي في الأفراح, الأعياد، في أغاني الأصوات الخليجية، مواويل النهامين وأبوذيات العشق والعاشقين، في إيقاعات ورغاءات البحر والأمواج والأنواء، في بكائيات ومراثي ودموع ودماء كربلاء، في الجلود المسلوخة والأيدي المفقودة والأعين المفقوءة.
تلك هي ملحمة الينابيع تاريخ شعب وبلد، نضال وتصد وإصرار على مواجهة طبيعة غاشمة وجبروت، وشروط حياتية عنيفة مجحفة وغير عادلة، توجهها المصالح والغنائم والأطماع ولا تحفل أو تقيم وزنا لإنسانية إنسان. من هذا الواقع وضرورته الموضوعية تنهض شخوص الرواية كإفراز طبيعي وموضوعي لشروط واقع مختل وغير عادل، فمحمد العواد يهرب وينخلع عن القبيلة هربا من جور أبيه وتسلطه وتمييزه في المعاملة بين أبنائه السود والبيض، وهذا الهروب هو أيضا نوع من الثأر السلبي لذاته المهانة، وأمه التي افترسها أبوه بين قطيع من العبيد ذات ليلة نزوة وحماقة.
جمعة الحادي، نموذج آخر للضحية الجلاد أو الجلاد الضحية.
«.. أنت السيدُ الآن ، صعَّدتَ من حضيضِ الحضيض، من عمقِ الدموع، وقرأتَ على ضوءِ شمعةٍ شاحب، وبين لكمات السادة وبصقاتهم، انتزعتَ أوراقاً وكتباً، وأدمنتَ المكوث في مكتبةِ الكنيسة ودهشتَ من الورقِ والأفكار. رحتَ تتعلمُ كلَ شيء. ثم تعودُ لحملِ القدور والأكياسِ، تصعدُ، وسياطهم تنخر جلدك.
والآن أصنعْ سوطاً غير مرئي، وأجلدْ هذا الرمل، والأشباح السائرة واستمتعْ! كلاب!» ص 51 ـ 52.
«يتذكرُ كيف رأى جسدَ أمينة الأبيض في بيت (أعمامه) وظل سنوات يحلمُ، ويدفنُ وجهه في ملابسها حتى رآها تتلألأُ في ليلة عرسٍ وتــُلقى في غبةِ غرفةٍ مضاءةٍ بالمرايا. الآن لا بد من تملك النساء البيض وعصرهن بين شفتيه . يريدُ أن يملك ويملك حتى يبتلعُ كلَ شيءٍ!» ص 52 ـ 53..
أكبر مرتضى ـ دودة أرضية قارضة مثال صارخ لنموذج الانتهازي اللدود، أسنان منشار حديدي قاطع، لا يرعى إلاً ولا ذمة أو رحما، ينتهز المجاعات والكوارث ليأكل لحوم الناس امواتا..
«.. كان أبوهُ عند الساحل الآخر يقولُ له:
- يا أكبر. . سوف تذهب إلى الأرضِ الجنة، كلها خير وبركة، ينابيع تتدفق في البحر والبر، والبساتين على مدى النظر، هناك ستغتني يا أكبر، يا من يبخل حتى على أبيه بثمن الدواء!».
«ولكي يحقق أكبر مرتضى المزيد والمزيد من الجشع والتملك، يتقرب إلى جمعة الحادي، يحابيه، وينافقه ويتملقة، فلدى جمعة الكثير مما يمكن تقديمه من الخدمات الضرورية بحكم وظيفته في مكتب الميجر بيلي، لديه ما يدور في المجالس الكثيفة، وشبكات الخطط التي سمعها، والأسلحة الرابضة في اللواوين والدهاليز والأقبية، والرؤوس المثيرة للفتنة» ص 38.
سالم الرفاعي ـ المطوع ـ معلم الكتاتيب، يطلق لحيته ويديه، وتلاميذته الذين كبروا وأطلقوا أيديهم في البلاد والعباد، يحتج ويتذمر من الميجر الذي جمع خيوط السلطة في قبضته، وضيق الدائرة عليه وحدَّ من سلطته المطلقة يقول متذمرا شاكيا:
«ــــــ داسَ على شرائعِنا يا مولاي ، لم نعدْ نستطيع أن نحكمَ بالشرع ، فلا نجلد أحداً ولا نشتري إنساناً!» ص 42.
مي، فيَّ، شماء، أمينة، زينب، زهرة، نماذج لصورة المرأة البحرينية في العشرينيات، في الأرياف والبلدات والمدن، ومن مختلف الذوات أو بنت الحمولة بحسب التعبير الشعبي الذائع، لا يعدو حب محمد العواد، ذلك الصعلوك المتشرد لها وحبها له إلا أن يكون كالفقاعة أو سبحة خيال، أو حلم يقظة رومانسي إذ سرعان ما تصطدم هذه العلاقة بصخرة الواقع، وتتم خطوبتها على محمد ابن الحمولة الكبار، ومحمد العواد شبيه في هذه العلاقة بعلاقة جمعة الحادي بحبيبته أمينة التي رآها تزف إلى رجل آخر. ص 52.
زهرة نموذج المرأة العاملة في المزارع والحقول «.. لم تعرف سوى العمل، تشققت يداها في حقل الأسرة، وكأن ثمة غابة من الأيدي والأرجل والقامات تدبُ في الأرض السبخة المليئة بالطين والماء والأحجار. لم يكن للوجود من معنى سوى انتظار الثمار ونوم الليل ودبيب النهار وكان الخارج غائباً، مخفياً، فلا تعرف ماذا بعد النخل والبحر، ماذا يوجد وراء التلال القصية المتوهجة بالدخان والصرخات. . وكان عاشوراء يعطيها قصة مليئة بالدمع والدم فتبكي أباها وأمها» ص 78 ـ 79.
نماذج المرأة في الينابيع هي نماذج نمطية مستلبة، سواء كانت هذه النماذج في الريف أم في المدن، فهي ذلك الكائن الذي لا يملك من أمر كينونته أو مصيره شيئاً، أو لا ينبغي له أن يملك من أمره شيئاً، ولعل المختلف الوحيد بين تلك الشخوص أو الصور النسائية هو نموذج زينب زوجة أكبر مرتضى – والتي كان زواجها من أكبر مرتضى أشبه بزواج الصفقة بحساب الربح والخسارة والمحسوبة بدقة متناهية، لذلك لا يتردد أكبر مرتضى عن البوح لجمعة الحادي عما اصابه من غبن وخسران جراء هذه الصفقة الزيجة.
«. . تزوجت امرأة غنية، قبيحة، وبخيلة».
«. . تطلع أكبر إلى زوجته وتساءل، من يستطيع الزواج بك وأنت ذات الوجه البشع واللسان السليط، ألا تدخلين القفص أيتها اللبؤة؟» ص 107.
وكما تتوارى حقيقة الشخوص التاريخية وتنزاح خلف أقنعة ورموز سردية متخيلة لتتساوق وتتناغم مع البطل غير المعلن في الرواية وهو الناس أو إنسان البحرين، وهو يكتب تاريخ صراع بقائه بمداد من العرق والدمع والأجساد والدماء في صورة ملحمة شعبية طويلة شاقة ومؤلمة ممتدة عميقاً منذ ما قبل العصر الدلموني، كذلك تختبئ وتتوارى أسماء البلدان والقرى عدا المنامة والمحرق كونهما قطبي الفضاء الروائي لعموم الأحداث والشخوص والوقائع، ومع ذلك فهي لا تسمي الأحياء والحارات في هاتين المدينتين بقدر ما تشير أو توحي «.. في شرق المنامة تجمع هؤلاء السود والمجرمون السابقون واللصوص والبحارة، وتنامت الأكواخ من الشاطئ الشمالي الغارق في المزابل، حتى القرى الزراعية المتوارية وراء النخيل والأشجار في الجنوب..» ص 84.
أو وراء رمز لغوي لفظي، مثل مدينة (البيضا) والتي نستوحي عبر السياق السردي بأنها ربما كانت الرفاع أو الزلاق أو الجسرة من بلدات البحرين الراهنة. أم مثل (العين) بما يوحيه المدلول اللغوي لمفردة (عين) والتي يمكن أن نطلقها على عشرات القرى المنتشرة في شمال وشرق وغرب البحرين.. «مضت السيارة إلى طريق الريف المتربة الطويلة. رفع الفلاحون رؤوسهم من بين غابة البرسيم، وحدقوا في هذا الكائن العجيب الذي يمتطيه الميجر بيلي وحين يتوقف أمام مستنقع مليء بالبعوض، أو يتجنب حفرة أو كومة زبالة، فإن الأيدي القذرة تندفع للمس هذا الحديد العجيب، والتحديق في مراياه، والهجانة بإبلها العجفاء، ذات الرؤوس الساخرة المعتمة، تسبقهُ وتهتزُ السياط في الهواء، هذا هو طريق العين، تمعن في الخريطة، ليس ثمة لافتة ولا إشارة».
أو عبر ملامح المكان البيئية والجغرافية.
«.. عبر البحر والبر حتى وصل إلى البلدة العالية ببيوتها البيضاء المتألقة كالحمام، والقريبة من صدر السماء، العربات القليلة لا تزال تدبُ بحوافرها وعجلاتها في طرقها الحجرية، والحمير البيض الناعمة، تنقلُ الخضار والأخبار والصبية..» ص 46.
تلك هي البلدة التي فارقها غير آسف عليها(محمد العواد) ويمكننا أن نستقرئ المفردات البيئية في السياق بأن هذه البلدة ربما هي في قطر القريبة من جزر البحرين أو الدمام أو منطقة ما على ساحل الخليج.
اعتمدت الينابيع موادها الخام من معين تاريخ البحرين في العشرينيات من هذا القرن في وقائعه وأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والسؤال الحاسم لقارئ الرواية هو: إلى أي مدى تمثلت الينابيع تلك الوقائع والمواد التاريخية ومن ثم إعادة إنتاجها وصياغتها في نسيج سدري فني إبداعي، ملبية بذلك مواصفات وشروط العمل الفني الناجح بمعايير وقيم الرواية الإبداعية الحديثة...؟
التاريخ بداهة التسجيل هو الأمين للواقعة والحقيقة التاريخية في الزمان والمكان المعينين وكنموذج للحدث والحقيقة التاريخية في الينابيع (الوضع المحلي في البحرين والتدخل البريطاني المباشر في إدارة البلاد، متمثلاً في المقيم السياسي أو من يمثله وهو هنا (الميجر بيلي ومساعده أو المستشار في الفترة من 1920 – 1930، وما تلا ذلك التدخل من أفعال وردود أفعال ومواقف مختلفة ومتباينة).
وحيث إن وظيفة الروائي هي وظيفة أدبية فنية جمالية (صورية متخيلة) لذلك نرى له هنا في الينابيع يرصد إيقاعات ذلك الحدث النفسية والشعورية والسلوكية ويصور عمق الصدمة وأصداءها وما تثيره من حيرة ودهشة تنعقدان على وجوه الناس وقلوبهم وأعينهم وألسنتهم، تلك الصدمة التي تشبه إلى حدٍ ما . . ما أحدثته الحملة الفرنسية على مصر في القرن الثامن عشر.
ومن تلك الصور الفنية العديدة صورة «الميجر بيلي».
«.. والآن هذا الأشقر، ذو الجلد الناصع المحمر، الأزرق العينين كالبحر الذي ألفوه، يقف بينهم حياً، باسماً، ينظرُ إليهم، لا كرسي يضعهُ فوق السحاب، ولا حراب عبيد كثيفة، مجرد كائن بشري سحري يمشي على الأرض ويومئ برأسه محيياً، وباتراً الصمت بكلماتٍ فكهة ليذهلوا، أيمكن للرب المسيطر على الغلال والظلال أن يضحك، وينزل من فوق الخيل، ليهز الورق ويرفع أصبعه متحدياً؟..» ص 30.
وصورةٌ أخرى ترتسمُ في عيون هذا الغريب، القادم من أعالي البحار.
«.. سحب الميجر رأسه، وبدا يتأمل هذه الوجوه، التي تشبه شخصيات شكسبير بأزيائها الغريبة، ولحاها الضخمة، وأيقن أن بساطتها الظاهرية تخفي مكراً بدوياً عريقاً، وأنها ثعالب تكونت في البراري المفزعة، ورافقت الصقور في تحويماتها وانقضاضاتها الرهيبة» ص 83.
ثمة حدث مفصلي تاريخي مروع، كان له فعله السحري الأسطوري المدوي في الذاكرة أو التاريخ الشفوي في الذاكرة الشعبية في البحرين، حيث ظل هذا الحدث ولمدى عشرات من السنين محوراً تنسج في مداره المخيلة الشعبية الكثير من القصص والحكايات العجائبية الغريبة، وتتناقل هذه الحكايا الأبناء عن الآباء والأجداد، هذا الحدث الدرامي أو المأساوي الضخم، الجسيم في فعله التدميري الكبير إذا ما قيس ببلد صغير كالبحرين، يمثل تربة سردية خصبة هائلة، وفضاءً واسعاً رحباً لقوى الخيال والتصوير واجتراح الحكايا الغرائبية. ذلك الحدث هو الإعصار المدمر الذي ضرب مياه الخليج في العشرينيات من هذا القرن.
كيف تمثلت الينابيع هذا الحدث الواقعي/الأسطوري وإلى أي مدى استفادت من اسثتماره في معمارها الحكائي السردي؟
«.. كان الليل العميق في كل مكان، على البر البعيد، وفوق المدن والبلدات مليئاً بطلٍ رطب ساخن، فغرق الجميع في النوم وكابوس العرق والبعوض.
ومن بعيد ظهر مسمارٌ كبير من الهواء الملتف، يحفرُ في الأرض والماء بسنه (1) الهائلة الحادة، فيأخذ كل شيء إلى قلبه الدائر الصاهر، ويعيدُ الأشياء محطمة، متناثرة، ويعصر الأجساد والخشب(2).
اندفعَ المسمارُ الكبيرُ نحو المياه، هزَّ طبقاتَ الهواء، وكسرَ الصمتَ الصلدَ، وراح يحفرُ في البحر، ويثقب قاعه البعيد، ولم يحسْ الرجالُ بالأصابع القصيةِ الرهيبة ، لكن المسمارَ الذي تحول إلى حفارةٍ ضخمة ، اتسع وجمعَ إلى باطنهِ نثارَ الأشياء المحطمة المفزوعة ، واقترب من البحر والسفن الراقدة .
عندما رفعَ الرجالُ المفزوعون رؤوسهم من آبار النوم، رأوا عملاقاً ضخماً مضيئاً، كماردٍ شرير، كشيطان، يقلبُ خشبهم ويحطم صواريهم فوق أجسادهم ، ويمزقُ هذه الكتلَ الهادئة الساكنة، ويبعثرها في اليم، فيغوصون مهشمين، ويرقدون في القبور، ويطفحون على وجوه الماءِ، وتندفعُ إليهم قروشُ البحر سعيدةً هانئةً بهذه الوليمة الكبرى.» ص 116.
هذه صورة بنوارمية تضم في فضائها البر والبحر على السواء لحظة الإعصار وهي صورة انفجارية كلية عظمى، تتفجر من بؤرتها عناقيد من الصور الجزئية والتفاصيل التي كانت تروي شفاهاً على ألسنة الناجين من هذا الطوفان الساحق، سواءً من كان منهم في البحر على ظهور السفن أو على السواحل فوق اليابسة.
فصور المردة المسربلين بالنيران والحراب والحديد، والشياطين الذي يقلبون البحر، وأمواج الجبال هي صورٌ من مخزون الذاكرة الشعبية والدينية كما وردت في قصتي الطوفان والنبي سليمان(ع).
وتنفتحُ صورُ الإعصار الكبرى على صور تخيلية غرائبية تضاعف من مأساوية الحدث، فإبراهيم زويد يجدُ نفسَهُ على قطعة خشب طافية، والماء المالح والبقايا والألم كانت تتوزعُ للاستيلاء على جسدهِ، ويسمعُ ثرثرة قروش البحر وهي تتلذذُ بلحم ربعه.
وسعيد المناعي – النوخذا المعروف بطيبته وكرمه وشهامته، يقدرُ له النجاة هو وبحارته، وتلك اليد التي يمدها سعيد للمحتاجين أيام العسرة، امتدت والتفت لتنقذ سعيد وسفينته وبحارته.
«يمسك دفة سفينته المتلوية مع الموج الهادر، يساعده الرجالُ والأيدي الكثيرة الملتفة حوله، عرفوا الماء من الأعماق، وأمسكوا بعضهم وخوفهم ونجوا» ص 116.
وهكذا تنثالُ الصورُ وتتواتر الأحاديث.
وبحارة العنود (3) يبتلعهم البحر، وينجو بينهم صبي بأعجوبة فوق خشبة.
قرية كاملة لم يعدْ رجالهُا، غابوا كلهم في البحر، لم تأت جثة ولا ناجٍ، ولا يزال سكانُ القرية يحدقون في الموج لمرأى سفينة أو قطعة خشبٍ طافية.
فيْ زوجة سعيد المناعي ترقب البحر كل يوم من مصيدة السمك، وتتطلعُ إلى غول البحر بحثاً عن أبيها الذي أصر على دخول الغوص في هذا الموسم الأسود النحس.
«.. رأت شبحاً، نقطة رمادية في الأزرق الشفاف، كأن يداً تمتدُ في الهواء وصرخة تندلعُ في النهار المعتم، وبدا الناجي مدفون الرأس في التراب والطين لا قطعة قماش تغطيه، بل الصبان وامتدادات الجروح والرضوض والملح والتراب.
مدفون في كتل من الدم والأعشاب والإضاءات الغريبة. إنه ليس أباها، إنه إبراهيم زويد» ص 122.
وهكذا يجثمُ على البلاد ومن الماء إلى الماء ليلٌ أسود كثيفٌ قاتم مشحون بالحزن والتعازي والنواح والبكاء والقبور والدفن وهوس البحث عن الجثث والأشلاء والأعضاء في مصائد الأسماك والأسياف والبيوت الخربة المهجورة على السواحل والساحات الفارغة والأرياف القصية، وتتواتر الحكايات والقصص والأخبار والتفاصيل في صورٍ مرعبةٍ مخيفة.
ولكي لا نغمط المؤلف عبدالله خليفة حقه الأدبي والفني والذي لا تخفى معالمه وملامحه في رواية (الينابيع) أقول:
إن هذه الصور السردية الفنية والجمالية الأخرى، ومن أبرزها الأسلوب اللغوي الذي استظهر الشعر في مجازاته واستعاراته وانزياحاته، ولعل ما يميز لغة الرواية، هي تلك اللغة التي استثمرت، وإلى حدٍ بعيد، مفردات بيئة البحرين البحرية والريفية في معادلة تنمُ عن عمق التجربة وأصالة الموروث الشعبي.
وتبقى الينابيع مفتوحة لقراءات أخرى . . تستحقُ المغامرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – السن: المرساة
2– الخشب: السفن
3ـــ اسم السفينة
الكاتبَ والمثقّف البحرينيّ الكبير عبـــــــدالله خلــــــــيفة ، بعد مسيرة طويلة شاقّة ومضنية وحافلة بالعطاء والتنوير، وإنتاجات دافقة وعميقة وثريّة ومتنوّعة في الفكر والفلسفة والأدب خلّفها وراءه لتشهد بآثاره التي حفرها في ذاكرة الوطن بترابه ونخيله وبحره وهوائه وشخوصه وتاريخه التليد والطارف، لقد توسّل عبدالله خليفة بالكتابة لِتقوم -كما أشار في تعقيباته النقديّة التي بعثها إليّ عبر بريدي الإلكتروني- «بالانغراس في جذور الأرض لأنّ كلّ يوم هو لحظة ألم وأمل»، ولكلِّ لحظة مضمون، وكلّما كان المثقّف ممتلكًا أدوات التعبير عن هذه اللّحظة، ومتمكِّنًا من الإفصاح عمّا تحتويه كان إنتاجه الكتابيّ أقدر على مقاومة الفناء والتّلاشي، وأجدر بتسجيل جوهر اللّحظة وتجلية خصوصيّتها.
والناظر في تجربة الكتابة الروائيّة عند عبدالله خليفة يلاحظ تراكم النصوص وانتظام صدورها؛ ليكون بذلك أغزر كتّاب الرواية في البحرين إنتاجًا، وأشدّهم حرصًا على ممارسة فعل الكتابة؛ لإيمانه بأنّ «الكتابة تنمو فوق الأرض الحقيقيّة، تسحب الصواري من عند البحارة الذين غطّسوهم موتى وهياكلَ خاليةً من المعنى في قعر الخليج، فتغدو الروايةُ الكبيرة المخطّطة في الرأس رواياتٍ عديدة»، تزخر بما يزخر به الواقع من صغير الشؤون وعظيمها، ذلك أنّ روايات عبدالله كلَّها مشدودة إلى الواقع شدًّا وملتصقة بالحياة التصاقًا، تكشفُ ما يمور به المجتمع من قضايا ومعضلات، وتعمدُ إلى فهم حركة التاريخ، ومظاهر تطوّره، وما ينعكس فيه من تجاذبات وصراعات وتغيّرات ثقافيّة واجتماعيّة وإيديولوجيّة وسياسيّة، وتنظرُ في بنية المجتمع، وتنشغلُ بمحرّكات التاريخ؛ لتقتنعَ بالتّصوّر الاشتراكيّ الذي ينتصر لمقام الكادحين والعمّال. فقد صرفت الروايات اهتمامها إليهم، وأخذتنا إلى الفلاحين يكدحون في حقول ملتهبة، والغوّاصين يجوبون بحارًا قصيّة، ويركبون الأهوال والآلام من أجل الكفاف والعفاف، ورحلت بنا إلى المصنع حيث العمّال «مندفعون في تيّار الحديد والنار والهواء البارد واللاهب»، وتنقّلت بنا بين القرية والمدينة، والماضي والحاضر، والأنا والآخر، وفتحت لنا المجال للنّظر في علاقة الإنسان بالمكان والتاريخ والتحوّلات الفكريّة والاجتماعيّة، وصلته بمصيره والسلطة.
لقد أبرزت تجربة عبدالله خليفة الروائيّة المتمثِّلة في (اللآلئ 1981، والهيرات 1983، وأغنية الماء والنار 1989، والينابيع بأجزائها الثلاثة 2012) واقع الفئات الشعبيّة المغمورة، واستفاضت في نقل همومها وأحلامها؛ فعدل الكاتب إلى تصوير فضاءات المهمّشين حيث الشخصيّات الموسومة بالعجز والضياع والتأزّم تكتوي بنار الخصاصة والشّقاء والحرمان، وتنزوي في بيوت من سعف النّخيل، وأحياء فقيرة تقطنها المستنقعات، ويقرضها البعوض، ويأتي فضاء البحر، في أغلب هذه الروايات، ليسحق أجساد الغوّاصين في مهنة الغوص، وفيها يتعملق النوخذه النهم الذي لا يشبع، ومع رواية (الينابيع) يتحوّل الغوّاصون من فضاء البحر إلى فضاء الجبل ليستعبد وجودهم المستعمِر الأجنبيّ مسخِّرًا إيّاهم في التنقيب عن النفط، داعمًا عوامل الطبقيّة والتبعيّة له، مثبتًا مركزيّته، وبذا يدور الكادحون بين ماضيهم وحاضرهم في فلك علاقة إقطاعيّة طاغية تجسّد مرارة معاناتهم، وشدّة وطأة الحياة عليهم.
يتحوّل الكاتب في روايات أخرى ليصوّر مآلات هذا الواقع المأزوم على الذات الإنسانيّة، ففي رواية (الأقلف 2002) نرى بطلَها (يحيى) تدفعه العيشة المستلبة، والحياة الصاغرة، والظلم الغاشم من قبل المجتمع إلى الانزواء والشعور بالخواء والدونيّة، فيتلقّفه الأجنبي المتمثّل في (ميري) ويدغدغ مشاعره، ويغذّي غرائزه، ويغريه بالحلم، ويفتح له باب العلم. لتفترس (يحيى) المشرّد أسئلة لا يحار لها جوابًا: الوطن أم الاستعمار؟ الشرق أم الغرب؟ الإسلام أم المسيحيّة؟ إنّها أسئلة تبثّ ما تجيش به نفسُ (يحيى) وكثيرٌ من شخصيّات عبدالله خليفة من خطاب إيديولوجيّ لاهج بالاحتجاج على مجتمعٍ عنصريّ يميّز بين بني البشر، وواقعٍ مريض يكبّل الإنسان، ويهدر كرامته، وينسف بناءه السّامي، ويفقده حسّ الانتماء؛ ليكون أداة طيّعة في يد الغريب، وينغمس في أهوائه ونزواته.
وتعدّ روايات عبدالله خليفة من أبرز الروايات التي جسّمت ما ينخر المجتمع من عاهات تُفكِّك لُحمته، وتخرم وحدته، وتفضي به إلى تعطيل حركة التقدّم وعجلة التغيير المنشود. ففي رواية (القرصان والمدينة 1982) يتبدّى لنا كيف تُخان الثورة عندما يُسلَّم قِيادُها إلى العدوّ، وبذا يفرّط الخائن بالأرض رمز الحقّ التّاريخي والهويّة والحريّة والشّرف والكرامة، ولعلّ صورة الخائن هذه وما يلازمها من عوامل الخلل، ومظاهر الشين لا تباين صورة المثقّف الانتهازي الذي يتزلّف إلى السلطة طامعًا في الصّيت والمال والحظوة، وهو ما جسّدته شخصيّة (ياسين) في رواية (التماثيل 2007). غير أنّ رواية (ذهب مع النفط 2010) تعكس سعي الكاتب إلى تجاوز صورة المثقّف تلك بأخرى أكثر نضجًا وحرّيّة تعمد إلى تنوير الشعب، وتغذية مكامن القوّة والفعل فيه بحثًا عن أفق وجود أفضل.
كما تكشف رواية (ساعة ظهور الأرواح 2004) الكثير من عورات المجتمع، بأسلوب تتداعى فيه الحدود بين الواقعيّ والعجائبيّ، بما يفضح عبثيّة الواقع ولا معقوليّته؛ إذ يمارس الكثير من شخوصها وعلى رأسهم (يوسف) ألوانًا شتّى من الاستغلال والتنكيل ليتحوّل بذلك إلى إقطاعيّ كبير له أعوانه وأجهزته، ولا تتردّد العديد من شخصيّات الرواية في الانخراط في هذا الدرب بالتواطؤ مع (يوسف) وأمثاله من أجل الإبقاء على ثرائها والمحافظة على وجودها وسيطرتها ونفوذها، وأبرز مَن يمثّل هذ النموذج الشيخ (درويش) الذي استمات في البحث عن الكنز المفقود مستترًا بعباءة الدين لتحقيق مآربه الشخصيّة، وهي أبعاد انطوت عليها رواية (اغتصاب كوكب 2014) التي عرّت تصرّفات بعض المتديّنين، وجلّت الصراع بينهم وبين بعض المتنوّرين، ووقفت على اتّساع الهوّة بينهم في المجال الفكريّ والعقائديّ؛ بما يعكس تمزّق العرب، وقصور وعيهم عن استيعاب التاريخ وتحوّلاته، وتعويلهم على رؤى غيرهم في تقرير مصيرهم وضبط المسار الصحيح لواقعهم وشخصيّاتهم.
وإذا التفتنا إلى الروايات التاريخيّة التي أنجزها الكاتب مثل (رأس الحسين 2006، عمر بن الخطّاب شهيدًا 2007، عليّ بن أبي طالب شهيدًا 2008، عثمان بن عفّان شهيدًا 2008، محمّد ثائرًا 2009) تبيّن لنا ضخامة الجهود التي بذلها للتّصدّي لشخصيّات إسلاميّة عظيمة. وفي تأكيد ذلك يقول: «إنّ كتابة الرواية التاريخيّة عمليّة صعبة، ليس بسبب الدخول لتجسيد الصراع الاجتماعيّ في ذلك الزمن التأسيسيّ المقدّس للأمم الإسلاميّة، بل كذلك بسبب تصوير ما هو ملموس من أشياء ومناخات وأمكنة». وهذا هو ما دعاه إلى رصد مسيرات تلك الشخصيّات، وسبر أغوارها، والمقارنة بينها وبين غيرها من شخصيّات التاريخيّة في الرواية، والنّفاذ إلى توضيح أوضاع الحكم في عهدها، والتغلغل إلى أسباب الصراع، وتبيّن مسؤوليّة الخاصّة والعامّة؛ ويأتي كلّ ذلك من أجل استغلال أفق تاريخيّ زاخر ومزدحم بالوقائع والخلافات والصّراعات على مختلف الصُعُد، وهو لا ينفكّ يتكرّر في الزّمن الرّاهن، وبذا يتحوّل التّاريخيُّ إلى جدليٍّ يعدل إلى مساءلة الواقع الاجتماعيّ والسّياسيّ، ويدعو إلى التأمّل مليًّا في قضايا إنسانيّة جوهريّة.
لقد كانت السياسة، وتداعياتها على الواقع الاجتماعيّ والثقافيّ، هي الشاغل الأبرز في تجربة عبدالله خليفة الروائيّة، ومن هنا هيمنت على عوالمه الإبداعيّة لينخرط أدبه ضمن الأدب النضاليّ الملتزم بقضايا مجتمعه، وقضايا الإنسان عامّة، بغية العمل على تحريره من كلّ أشكال القهر والاعتساف والاستلاب والظلم، وتحديد الشروط الكفيلة بتأسيس مجتمع منشود ينهض على الحريّة والعدالة والمساواة. وممّا يجدر توضيحه هنا أنّ عبدالله خليفة أصدر بعض الأعمال الفكريّة والفلسفيّة والنقديّة في فترة تتزامن مع إصداراته الروائيّة، الأمر الذي يكشف نهوض الممارسة الروائيّة لديه على خلفيّة نظريّة يصدر عنها في إبداعه الروائيّ؛ وقد ترتّب على ذلك عمق استيعابه إشكالات الواقع، والمنابع التي تنهل منها، وسهّل عليه المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة، وأَمْكَنه من تنويع الأساليب والبنى السرديّة وأنساق الخطاب ومستويات اللّغة، وجميع ذلك يجعل تجربته الروائيّة تتميّز بوعي نقديّ بفعل الكتابة شروطًا وأدوات وآفاقًا.
الرؤية الفكريّة والفنيّة لأدب عبدالله خليفة
– أولاً: الإنسان قضيّة جوهريّة:
إنّ أوّل ما يسترعي الانتباه في الإبداع القصصيّ والروائيّ لعبد الله خليفة هو ذلك الحضور المكثّف للإنسان البحرينيّ بصفة خاصّة، والإنسان العربيّ بصفة عامّة، والإنسان الكونيّ بصفة أكثرَ شموليّة. إذ ينطلق المبدع من عالمه الخاصّ عبر مساءلة الواقع الذي ينتمي إليه، والبحث في مظاهر تهافته، وآثار تحوّلاته؛ ومن هنا تتحوّل الذات إلى مرآة تعكس وجوهًا من الواقع، وتكشف معاناة ذات جماعيّة تمثّلها الفئات المقهورة والمعذَّبة، جاعلاً منها مادّة للحكي، ومعطًى لبلورة الوعي، فلم يكن عبد الله خليفة في أيّ عمل من أعماله، على تعدّد أصواتها، واختلاف أنماط صوغها الفنيّ، بعيدًا عن ذاته، ولم يكن بعيدًا عن مجتمعه ووطنه، ولم يكن بعيدًا عن جوهره الممتدّ في بعده الإنسانيّ. لقد كان، وهو يكتب تجربته العميقة، يُطْلِق العِنان لفكره الغزير، وأحاسيسه الصادقة، وحواسّه كافّة لتسبر غور هذا العمق أينما كان، والجمال حيث تبدّى، والقبح أنّى تخفّى، مازجًا الكلّ في طين المتخيَّل. فالذات الإنسانيّة هي التي يسعى الروائيّ إلى التأكيد على استحضارها عبر الشخصيّات المتخيَّلة، من ناحية، وعبر تقمّص الرواة أدوارها الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة من ناحية ثانية، وعبر التوصيف الإثنوغرافي من ناحية ثالثة.
على هذا النحو تتحدّد الرؤية الأولى للمتخيَّل الروائيّ لعبد الله خليفة، فهو قبل كلّ شيء رواية للإنسان المرجعيّ في نضاله اليوميّ، وصراعه الدراميّ المحتدم ضدّ العوائق والمعضلات التي تهدِّد كيانه الإنسانيّ. وكأنّ الراحل سخّر موهبته ورؤاه لخدمة تلك القضايا التي تشكّل الرأسمال الرمزيّ للإنسان. وبالانطلاق من موقفه المسؤول والملتزم كان يعي تمامًا أنّ أيّ إبداع تحيد رسالته عن هذا المغزى سيكون مصيرُه الذبول؛ لأنّ الإنسان هو المقياس لكلّ شيء، وهو الغاية من كلّ شيء، وهو الصانع لمصيره، وهو المسؤول عنه، وبهذا المعنى يغدو السرد أحد مكوّنات الهويّة الإنسانيّة.
– ثانيًا: العالم المتخيّل عند عبدالله خليفة:
إنّ أهمّ ما يسم عالم خليفة الروائيّ، تبعًا للمكوّنات السرديّة، ما يأتي:
1- اللّغة السرديّة:
يوظّف خليفة لغة أشبه ما تكون بالتقريريّة التي تقترب من لغة الخطاب اليوميّ، ولكنّها تسمو عن الابتذال، فهى أقرب ما تكون إلى لغة وسطى بين الفصحى والمحكيّة (اللّغة الثالثة). تحسّ معها أنّ الشخصيّات هي التي تتكلّم وليس الكاتب، فهذا الأخير يتنازل، ما أمكن لرواته وشخصيّاته، من أجل أن تبتكر لها لغة خاصّة ووظيفيّة، تكون فيها الجملة على مقاس الفكرة. وتلك هي لغة السرد التي تصل إلى المتلقّي بسلاسة لا يحتاج معها إلى جهد فكريّ. ويمكن للقرّاء، على اختلاف مستوياتهم وطبقاتهم، تقبّلها وفهمها دون عوائق أو متطلَّبات، وهذا ممّا يوسّع من مقروئيّة النصوص.
2- الرؤية السرديّة:
تُعَدُّ مسألة الرؤية من المسائل الضّروريّة في فهم عناصر العالم القصصيّ، وأبعاده الدّلاليّة الفنيّة؛ إذ إنّ أحداث هذا العالم القصصيّ لا يمكن أن تتبدّى في صورتها التّخييليّة إلا من خلال مبئِّر ينهض بتقديم المادّة الحكائيّة. وقد تبنّى عبد الله خليفة المنظور السرديّ التقليديّ في الرؤية، حيث يعتمد الرؤية من الخلف فهي تتيح للراوي حضورًا دائمًا إلى جانب الشّخصيّات، وتكفل له معرفة متعالية إزاء جميع ما يقع من أحداث، وحريّة واسعة في كيفيّات تركيب الوقائع، وطرائق تقديم الشّخصيّات. ورواة خليفة وإن تظاهروا في تضاعيف النصوص باستعمال أنماط متعدّدة من الرؤى السرديّة؛ فإنّها لا تعدو، متى نظرنا في إخراجهم لها، أن تنضوي تحت رؤية أكثرَ اتّساعًا هي رؤية الراوي العليم. ويكشف ذلك عن تعامل رواة خليفة مع الأحداث والشّخصيّات تعاملاً فيه الكثير من التّصرّف والانحياز بحسب غاياتهم، وزوايا نظرهم.
وفي الحقيقة لا يخلو هذا التصرّف والانحياز من غايات ومقاصد تجعل رؤية الرّاوي الخياليّ تشاطر رؤية كاتب متعالٍ يقلّب نظره في الأحداث انطلاقًا من اعتقاداته وتصوّراته الإيديولوجيّة ذات التوجّه الماركسيّ الذي يصدر عنه؛ فيلتقط ما يؤكّد رؤيته، وينتصر لمذهبه، ويكشف ما يخالفه من آراء، فيقف منها موقفًا مضادًّا؛ وبذا تعدّدت وجوه حضور الراوي- الكاتب في الروايات بين راوٍ مناوىء ومناكف لوجهة نظر الشّخصيّة، وراوٍ متعاطف ومتآلف مع رؤيتها، وراوٍ ساخر ومتهكّم منها، وراوٍ متظاهر بالموضوعيّة ومتنكّب عن نسبة ما يروي إليه مفسحًا للشّخصيّة مجال التّعبير والتّأثير. ويأتي هذا التعدّد في الرؤى والمواقف لتشييد رؤية الكاتب واختياره الفكريّ، ومذهبه الإيديولوجيّ المحرّض دائمًا ضدّ الطبقيّة، والداعي أبدًا إلى الحرّيّة والمساواة والعدالة الاجتماعيّة.
3- الشخصيّة الروائيّة:
يستلهم عبدالله خليفة شخصيّاته من الواقع البحرينيّ، لا سيّما تلك التي تعيش على هامش الحياة تكابد أشكال الفقر والظلم والقمع، وتعكس تفاصيل طويلة وممتدّة من حكايات البؤس والعسر والكفاح. هذه الشخصيّات تعيّن بأسماء وقد تقترن بألقاب منتزعة من البيئة البحرينيّة. واختيار أسماء الشخصيّات أو نحتها لا يأتي عفويًّا، وإنّما يلبّي مقاصد اجتماعيّة وثقافيّة تساهم في إرساء المعنى الرمزيّ للتجربة، فضلاً عن دلالاتها النصيّة المرتبطة بالرؤية العامّة للمحكيّ. كما تتّسم تلك الشخصيّات بأوصاف فيزيولوجيّة وثقافيّة تعكس مرجعيّة لصيقة بالواقع. وأغلبها يلبس زيّ الإنسان البحرينيّ بما يتناسب وبيئته المحليّة وتحوّلات واقعه. ولسانه ينطق بلغة الشعب في بساطتها وعفويّتها، ومخزونه اللّغوي التراثيّ في رمزيّته وإيحاءاته. فتحسّ بأنّ هذه الشخصيّات الورقيّة تعيش معك بلحمها ودمها، تتألّم، وتصرخ، وتحتجّ، وتغنّي، وتضحك، وتكافح في سبيل لقمة العيش، وتنكفئ على ذاتها في مونولوجات صاخبة، أو تحلم وتقاوم وتناضل من أجل واقع أفضل من الراهن. وكلُّ ذلك يدرجها في نطاق خطاب إيديولوجيّ يتجاوز السّياق الذّاتيّ، ومجاله الشّخصيّة، إلى سياق الواقع بإشكالاته وتحوّلاته.
4- الفضاء الروائيّ:
إنّ الفضاءات الواردة في روايات عبدالله خليفة تعزّز حضور الميثاق المرجعيّ بشكل واضح. فرواته لا يبتكرون أفضية وأمكنة وأزمنة هلاميّة من محض الخيال الشخصيّ، بل إنّهم ينزلون إلى الواقع الفعليّ لتقف الشخصيّات في أمكنة بحرينيّة مدنًا كانت أو قرًى، بأكواخها المبعثرة الصغيرة، وبيوتها البسيطة، وأسواقها ودكاكينها ومقاهيها وأزقّتها الضيّقة ونوافذها وأبوابها وسقوفها وحمامها السارح وغنمها ودجاجها وأطفالها وفتياتها ونسائها ورجالها وسفنها وأشرعتها، وكلّ ما يلامس طبيعتها الساحليّة أو الزراعيّة، وما يتّصل بكلّ بيئة من أوضاع اقتصاديّة واجتماعيّة وذاتيّة وثقافيّة وفكريّة وسياسيّة، وما يرتبط بتاريخها العبق، وملامح التطوّر فيها. وهذا يعني أنّه لا وجود، في روايات خليفة، للنقل الحرفيّ للمكان الجغرافيّ أو العمرانيّ بطريقة تصويريّة فوتوغرافيّة، بل النقل الذي يَخضع إلى التذويت، لتنبصم طبيعة المكان على الشخصيّة الإنسانيّة، وتفرض عليها منطِقًا في التعامل، وميزة في الصفات الفيزيولوجيّة، وإيقاعًا واختلافًا على مستوى اللّغة، وعلى مستوى الحركة، وأيضًا على مستوى طبيعة التفكير، ونمط العيش. وكلُّ ذلك يؤدّي دورًا وظيفيًّا على الأحداث والشخصيّات، ويتماشى وسيرورة التصوير الفنّيّ، وما يتولّد عنه من تفاعلات وصراعات، وبالتالي يفتح باب التأويل والتحليل بما يعكس تصوّرًا معيّنًا، ورؤية للعالم، وأفقًا لصوغ متجدّد، ويرفع التصوّر القرائيّ من عتبة التخييل إلى عتبة الترميز، ومن الإبداعيّ إلى الإثنوغرافي إلى الأنثروبولوجيّ.
5- الأحداث مسبارًا لرؤية فكريّة:
تتركز الأحداث، في روايات عبدالله خليفة، على تلك التي تعتني بتصوير أزمة الفرد والمجتمع، وتلتقط كلَّ ما يعكس طموحاتهما وإحباطاتهما، وهو ما يمنحها أهميّتها وثقلها المرجعيّ، ويكشف تجربةً مطبوعة وعميقة دُفِنت في أغوار الكاتب، ويحاول بعثها من جديد في عالمه الرّوائي متخطّيًا الحيّزَ الذاتيّ إلى الواقع لمحاورة ما ينطوي عليه من إشكالات وتحوّلات أو مجادلتها والاعتراض عليها. ومن أجل هذه الغاية غالبًا ما ينيط الكاتب بمفوَّضِه الخياليّ الرّاوي مداخل السّرد ومخارجه، فلا تخرج الأحداث عن ترتيبه ومعرفته ورؤيته وموقفه، وإن كان ذلك على حساب حدود السّرد ومحظوراته.
والجدير بالذكر هنا أنّ بناء الأحداث وفق السيرورة المؤدّية إلى الحبكة، لا تأتي بشكل اعتباطيّ، بل هي جزء من تصوّر إيديولوجيّ وطرح معرفيّ نقديّ يتبنّاه الكاتب في إطار مشروعه الثقافيّ ورؤيته الفكريّة ورسالته الفنّيّة، وجميع هذه الأطر يتبنّاها الكاتب بقوّة الفعل، فهو مثقّف تنويريّ، وأديب ملتزم، وناقد فذّ، ومشارك فاعل في كثير من التحوّلات السياسيّة والثقافيّة والفكريّة والاجتماعيّة والأدبيّة، ومنخرط باليوميّ وما ينضح به من أسئلة وموضوعات، ومتحرّر من حدود ذاته الضيّقة، ومقترب من الجماهير، وواقف على همومها وتطلّعاتها، ومؤمن بضرورة التغيير نحو الأفضل. وكلّ ذلك يكفل لتجربته الروائيّة جاذبيّة إضافية تكتسب من ورائها مقروئيّة واسعة، وتستفزّ القرّاء إلى تبنّي رؤية أكثر اتّساعًا تنشط معها قوى الوعي والفعل.
إنها غوصٌ حميمٌ غنائي سردي في شخصيةِ النبي محمد، نبي الإسلام، حيث تتجسدُ البطولةُ في المفرداتِ الإنسانيةِ الطفوليةِ الأولى، وتنمو بشكلٍ درامي صدامي مع الواقعِ والآخرين، في نأيهِ عن عبادةِ الأحجار والتحامه بالمغمورين من البشر، وببذور المعرفة والنضال، وفي تساؤلاتهِ وبحثهِ عن طريقٍ متحضرٍ لجماعةٍ غارقةٍ في التخلفِ والتمزق.
هي لحظاتهُ الدراميةُ المتفجرةُ وثورته.
هي روايةُ محمد الإنسان، في حبهِ لخديجة، ونمو علاقتِهما وسط الوثنيين، المعادين، وفي عملِهما المشتركِ المضني المتصاعد.
ويتجسدُ من جهةٍ مضادةٍ الوثني الأناني الإستغلالي المتخلف، الذي يريدُ كرسياً وملكاً فوقَ رقابِ البشر، ويستعينُ بكلِ شيءٍ لوقفِ التقدمِ والحرية ودولة الجمهور.
محمد ثائراً
تعتدلُ الأسواقُ حين يمر.
يتطلعُ الباعةُ إلى موازينهم جيداً. تعتدلُ الأسعارُ ويتجرأ الفقراءُ، ويحترمُ الرجالُ نساءهم، ويختبئ اللصوصُ والدجالون في أوكارهم، وتزهرُ غيومُ العصافير على الشجر، وتتدفق كتبُ الأمصار بأخطاء الولاة، فيندفع رجالٌ على خيولهم أو أبلهم لا توقفهم الصحارى والسيول والذئاب والصعاليك والأمراء، يقتحمون أبوابَ الإمارات العالية، وينزعون سياطَ الحراس ويحررون الخدمَ من الأحباس، ويسحبون الولاة للمحاكم والأسواق، ويعرضونهم لصفعات الناس ، وكلماتهم القاسية..
يقحمون رؤوسَهم في خزائنهم، يدققون في الأرقام والمعادن النفسية، والرخيصة، يأخذون الكثيرَ وينثرونه على المساكين، ويتطلع أؤلئكَ الفقراءُ في أزقتهم المعتمة لهؤلاء البدو الغرباء ذوي الثياب الرثة، يحولون النقدَ الثمين مثل مطر مضيء رخيص ينهمرُ على العشش.
يرون أبوابَ الولاة الثمينة تـُهدمُ وتنفتحُ دارُ الإمارة للمتسولين والنساء والمجلودين في الحقول والمسروقين في أهراء القمح، وتتكاثر الحشودُ على الولاة.
حين يظهر عمرُ بدرتهِ في الطرقاتِ والأسواق والحارات، يختفي المتسولون وباعةُ الغش، وتمشي النساء باحترام، وترتاح حيواناتُ الحمل من صناديق ثقيلة وأحمال متعبة، ويوقف المتحدثون خطبهم الطويلة عن الفضيلة، ويتجه الرجالُ للحقول ويتركون مجالس الثرثرة.
ويبعث الحطابون والمزارعون والنساء والعراةُ من وراء الصحارى بخطاباتهم لأمير المؤمنين ينتقدونه على عدم عنايته بهم، ويتطلع بعضُ الصحابة في الرسائل بغضب، في حين يدقق فيها عمر، ويسألُ، ويكتبُ، ويرسل رجالاً مصنوعين من عظام الفضيلة والجرأة السميكة، يقتحمون مخادعَ الولاة النائمين ويجرجرونهم عن المحظيات، ويعرضونهم لسياط العامة، ويستبدلونهم برجالٍ آخرين من التراب، ويحملون خزائنهم ويلقونها في بيت المال، حيث حشدٌ من العبيد والخدم السابقين، حراساً غلاظاً على كل درهم.
عمر بن الخطاب شهيداً
من رأى عهداً للحب والحنو والمساعدة مثل عهدي؟ اسألوا الأباطرة الذين رحلوا ووسعوا المقابر، اسألوا الغاضبين الذين قُتلوا! انظروا العاصمة التي تخلو من الحرس والشرطة والمشعوذين والمخبرين والشحاذين! ولكن بعض النفوس الصغيرة لا تحبني، يريد لكل هؤلاء الفقراء أن يزهدوا في الدنيا بل لا بد أن يفرحوا ويأكلوا في الموائد العامرة، وينتشوا بالحياة!
عثمان بن عفان شهيداً
تنامُ العيونُ وتهجعُ الأجسادُ، وهو لا ينامُ ولا يستريحُ، في الأزقةِ المتربةِ، في خيامِ القادمين من الأمصار، في الأسواقِ الناعسةِ والضاجةِ بالصراخ، يرونه..
اسمهُ مثل عاصفةٍ على الأشرار، يسترخي الفلاحون تحت الأشجار، وترتاح حيواناتُ الجر، وتتوقف الفوائدُ المجحفة، وتقلُ الأرباحُ النهمةُ، وتسالمُ جيوشُ الفتوحِ السكانَ والزرعَ، وتغمغمُ القصورُ والبيوتُ الكبيرة بالشكوى.
يوجهُ الرسلَ والأمراءَ والدعاة:
- اذهبْ لمصر واعدْ السلام وأخمدْ الفتنة.
- أذهبْ إلى اليمن وأحمِ الرعاة.
- أذهبْ إلى الكوفةَ وأسألْ الناسَ عن واليهم.
- أمضِ إلى البحرين ووزعْ الفيءَ على الفقراء.
يتأملُ الليلَ والنهارَ، ويغسلُ بيتَ المال من أثر الذهب والفضة، ويجلسُ ليأكلَ وجبتَهُ الشحيحة.
يتساءلُ: هل سيتركونني أعملُ ونقفز على مستنقعات الدم؟
هل سوف ينسى كبارُ رجالات قريش الماضي والكراسي؟!
علي بن أبي طالب شهيداً
تتوجه هذه الرواية بأسلوبٍ عصري مختلف لحدثٍ تاريخي شهير.
إن مأساة الحسين تتحول هنا إلى حراك شعبي واسع مع غياب جسد الحسين نفسه.
فالرأس التي تُحملُ على أسنة الرماح نحو مقر الخلافة حيث زعامة القهر تحرك الجمهور ليقرأ واقعه الذليل، وتحملُ هذه الرأسَ عدة شخصيات، وتدخل مدناً، وتلتحم بمنولوجات شخصية وحوادث فردية وجماعية، حتى تتشكل دائرة واسعة من الأحداث والصراعات والحوارات.
لكن الرواية كفنٍّ عصري لا تكتفي بعالم من الأحداث التاريخية الحقيقية، بل تمزجها بخيال فني، يوسع من تغلغلها في الشخصيات التاريخية المحورية، فتوجدُ الشخصية الشعبية المتحولة كمحور كبير، فيتمازج المتخيل بالحقيقي، وما هو شعبي كفاحي متوارٍ يغدو في مقدمة اللوحة، وما هو تاريخي فوتوغرافي يتراجع للوراء ليكون خلفية الرواية، ليتغلب الشعري على النثري، وتغدو الرواية جزءً من ملحمة الصراع في بداية التاريخ الإسلامي.
إن تراجيديا التاريخ الإسلامي تتحقق هنا على صعيد الرواية كحوارات صراعية بين شخصياتها المحورية.
إنه عمل روائي من نوع جديد.
الحسين شهيداً
Be the first one to Rate, Review and Quote from the book
E-books are complementary and supportive of paper books and never cancel it. With the click of a button, the e-book reaches anyone, anywhere in the world.
E-books may weaken your eyesight due to the glare of the screen. Support the book publisher by purchasing his original paper book. If you can access it and get it, do not hesitate to buy it.
Publish your book now for free
We require cookies for this site to function. Please enable them to continue.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
By using this website, you consent to us collecting cookies to provide you with a better user experience,
more details.
You cannot browse the site since you refused the use of cookies, as the site relies primarily on them to work.
Intellectual property is reserved for the authors mentioned on the books and the library is not responsible for the ideas of the authors
Old and forgotten books that have become past to preserve Arab and Islamic heritage are published,
and books that their authors are accepted to published.
The Universal Declaration of Human Rights states: "Everyone has the right freely to participate in the cultural life of the community, to enjoy the arts and to share in scientific advancement and its benefits.Everyone has the right to the protection of the moral and material interests resulting from any scientific, literary or artistic production of which he is the author".