اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بينما كان الأخوة عُرُوجُ وخيرُ الدينِ في جيجلَ وصلتْ وفودٌ عديدةٌ منَ المدنِ الجزائريّةِ تطلبُ منهم تحريرَ مدنِهِمْ منَ الاحتلالِ الإسبانيِّ ومنَ الأمراءِ المحليّين المتعاونينَ معهُمْ. وكانَ أهمُّها وفدُ مدينةِ الجزائرِ التي تُمَثِّلُ مركزَ البلادِ، طلبَ هذا الوفدُ منَ عُرُوجَ القدومَ إلى مدينةِ الجزائرِ لطردِ الإسبانِ والاستيلاءَ بالأخضِّ على "حصنِ البنيون" أو "حصنِ الصخرةِ" الذي قامَ هؤلاءِ ببنائِه سنةَ 916هـ/1510م على جزيرةٍ صخريةٍ تقعُ على مسافةِ ثلاثمئةِ مترٍ أمام مدخلِ ميناءِ الجزائرِ، وكانَ مصدرَ إزعاجٍ واعتداءاتٍ مستمرةٍ ضدَّ سكانِ المدينةِ، وكانَ تمركُزُهُمْ فيهِ مكّنهمْ منَ التحكمِ بمدخلِ الميناءِ، فشلُّوا الفعاليّاتِ البحريَّة من تجارةٍ وصيدٍ وتنقُّلٍ، وضيّقُوا على السكانِ وفرضُوا عليْهِمُ الضّرائب. وعليْهِ خلَّفَ عُرُوجُ أخاهُ خيرَ الدينِ على جيجلَ، وقرّرَ المسيرَ نحوَ مدينةِ الجزائرِ في خمسمئةِ بحارٍ حسَبَ مذكراتِ خيرِ الدينِ، وتذكرُ المراجعُ العربيةُ أنّه خرجَ برّاً في ثمانمئةِ بحارٍ وشحنَ ستَّ عشرةَ سفينةً بالمدفعيةِ والذخيرةِ وأرسلَهَا معَ نصفِ جنودِهِ، وفي طريقِهِ انضمَّ إليْهِ خمسةُ آلافٍ منْ مقاتلي القبائل. وتنصُّ مصادرُ أُخَرُ أنَّه خرجَ في ثمانمئةِ بحارٍ، وأرسلَ أخاه خيرَ الدينِ بثماني عشرةَ سفينةً تحملُ ألفاً وخمسمئةِ مقاتلٍ؛ إلا أنَّ هذا القولَ يتعارضُ معْ ما أورَدَهُ خيرُ الدينِ في مُذَكّراتِهِ منْ أنَّه بقيِ في جيجلَ. وتوجَّهَ عُرُوجُ إلى شرشالَ أولاً فَفَتَحَهَا، وتركَ فيها حاميةً لحراستِهَا. ترى بعضُ المصادرِ أنَّ مسيرَهُ إلى شرشالَ أولاً كانَ بغيةَ تأمينِ مكانٍ للالتجاءِ إليْهِ وقتَ الشدّةِ، أو أنَّه كانَ ينتظرُ وصولَ بعضِ المهاجرين الأندلسيّين لضمّهم إليْهِ، أو انتظاراً لأخيهِ خيرِ الدينِ بعدما أرسلَ لهُ بضرورةِ الالتحاقِ بِهِ، وربّمَا إشهاراً لحملتِهِ حتى يلتحقَ بهِ رجالُ القبائلِ، وبكلِّ الأحوالِ يكسبُ وقتاً كافياً لدراسةِ الموقفِ بوضوح. يُجمعُ المؤرخون أنَّ عُرُوجَ حينَ دخلَ مدينةَ الجزائرِ سنةَ 921هـ/1516م استقبلَهُ أعيانُهَا ووجهاؤُهَا وأعدادٌ غفيرةٌ من أهلِهَا استقبالَ الفاتحينَ المنقذين، ورحّبُوا بهِ ترحيباً حاراً.
عندما كانَ عُرُوجُ في طريقِهِ إلى مدينةِ الجزائرِ غادرَ خيرُ الدينِ جيجلَ إلى تونسَ، وقدْ ذكرَ في مذكّراتِهِ على أنَّ سلطانَ تونسَ جاهرَ بعداوَتِهِمْ، إلاّ أنَّهُ عنْدَمَا رأى خيرَ الدينِ مقبلاً إلى عاصمتِهِ خشيَ على نفسِهِ، وتظاهرَ بالثناءِ عليْهِم، واعتذرَ عنْ تقصيرِهِ في عدمِ تزويدِهِمْ بالبارودِ، ويذكرُ خيرُ الدينِ أنّهُ تظاهرَ بانخداعِهِ بكلامِهِ، وتجوّلَ معهُ في المدينةِ، ثمَّ عادَ إلى المرسى قبلَ أنْ يقْفلَ راجعاً إلى جيجلَ برفقةِ أخيهِ إسحاقَ بعْدَمَا وجّهَ رؤساءَ البحرِ ومنهم بعضُ الرؤساءِ المشاهيرِ مثلُ: "كوردوغلو مصلح الدين ريس" و"دلي محمد ريس" بالتوجهِ للغزوِ في شرقِ المتوسطِ ونواحي قبرصَ فخرجُوا في سبعِ قطعٍ بحريةٍ، وصادفُوا في طريقِهِم بينَ قبرصَ ومصرَ الأسطولَ العثمانيَّ فتبعوهُ حتى دخلُوا ميناءَ الإسكندريةِ، وفي الأثناءِ كانَ السلطانُ سليمٌ الأولُ مُعسكِرَاً في القاهرةِ بعدَما أتمَّ فتح مصر. قابلَ السلطانُ سليمٌ بمصلحِ الدينِ واحتفى بهِ، وأمدَّهُ بعددٍ كبيرٍ من الجندِ وكميةٍ وفيرةٍ من معداتِ الحربِ، ليعودَ بها إلى الجزائر. والحقُّ إنَّ إرسالَ خيرِ الدينِ جزءاً من أسطولِهِ للغزوِ شرقَ المتوسطِ (وقد كانَ بإمكانِهِ الغزوُ غربَ المتوسطِ وبذا يبقى قريباً وجاهزاً للتدخلِ في أقربِ وقتٍ) في حين إنَّ جيشَهُ موزعٌ ما بينَ جيجلَ ومدينةِ الجزائرِ وعلى أبوابِ فتحٍ كبيرٍ مدعاةٌ للتساؤلِ، إلاّ أنْ يكونَ -وهوَ الأرجحُ- اتّفقَ معَ أخيهِ عُرُوجَ على إرسالِ بعثةٍ سرّاً إلى السلطانِ العثمانيِّ -وهو بعدُ في مصرَ- لطلبِ الإمدادِ بالعتادِ -وهو ما يحققُ لهما الاستقلالَ عن معونةِ صاحبِ تونسَ- وربّمَا ترتيبِ أمورٍ أبعدَ مدىً كإعلانِ الجزائرِ ولايةً عثمانيةً مثلاً، وذلكَ منْ دونِ إثارةِ حفيظةِ السلطانِ الحفصيِّ في تونسَ وقدْ تَوَجَّسُوا منه وتَوَجّسَ منهم وبدا منهُ الجفاءُ منذ الاحتفالِ البالغِ برسالةِ سليمٍ الأولِ وهداياه، وهذا ما يُفسِّرُ زيارةَ خيرِ الدينِ الوديَّةَ إليهِ ريثما تظهرُ نتيجةُ البعثةِ السريّةِ.