English  

كتب وراء السطور

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

ما وراء الأسطورة (معلومة)


ستناي عند القفقاسيين هي الأرض-الأم والمرأة-الوطن، فهي كالطبيعةِ تجدِّد شبابها كلَّ عام، وتنجبُ الأطفال دون أن تتأثر عذريتها أو طهارتها، وقد وضعت الأسطورةُ نهرًا فاصلاً بينها وبين الراعي لتأكيد أن الحبَلَ تمَّ بلا دنس، فهي أنجبتْ بطلاً أسطوريًا فلا بدَّ أن تكون طريقة الحمل وطريقة الولادة غير عاديتين، فالأرض ليست سوى جسد ستناي، والحجر الذي حملَ بداخله ساوسروقة هو رحمُ ستناي باعتبارها الأرض الأم.

ثم جاء دور الحداد تليبش ليقوم بتعميد الطفل وصقلِ جسده بقوة، فطبيعة البلاد الجبليةِ قاسيةٌ وباردة، تقتضي تربيةَ الطفل تربيةً قاسيةً تصقل جسدَه وتجعله صلبًا كالحديد، وهذه التربيةُ يجيدها رجلٌ قاسٍ كالحداد لا امرأةٌ حنونة كستناي.

إن الأسطورة التي منحتْ ساوسروقة القوةَ والصلابةَ منحتْهُ أيضًا ركبةً ضعيفةً ليموت بسببها، وليشترك في ذلك مع غيره من الأبطال الذين لا يسلَمون من نقطة ضعف، مثل: آخيل وكعبه، وشمشون وشعره، ولولا نقاطُ الضعف لبقي هؤلاء الأبطال أحياءً إلى اليوم، لكن الأسطورة أدركتْ ذلك وسدَّت النقصَ بنقطة ضعف.

كان ساوسروقة بطلاً حربيًا عندما حارب العمالقةَ الذين يهدِّدون شعبه، وبطلاً رعويًا عندما قتل الوحوشَ المرعبة التي تسبِّبُ خسائر في المواشي، لكن أهمَّ إنجازاته كان سرقة النبيذ مع بذور الكرمة من الآلهة، فهذا الإنجازُ جعله بطلاً زراعيًا يعلِّم الناسَ زراعةَ الكرمة والاعتناء بها، ويعلِّمهم صنعَ النبيذ ليستفيدوا من محصول العنب صيفًا وشتاءً، وهذه السرقةُ البطوليةُ كانت رمزًا لانتقال المجتمع من البداوة الرعوية إلى الحضارة الزراعية، فصار ساوسروقة بطلاً حضاريًا يهبُ البشر الشراب الذي يزيدهم قوةً وشجاعة، ويعطي أرواحهم أجنحةً من فرح.

وهنا تظهر المفارقةُ بين الميثولوجيا القفقاسية وغيرها من الميثولوجيات، وتحديدًا في موضوع الخمر، فالإله اليوناني ديونيزوس كان أولَ من زرع العنب وصنعَ الخمر عندهم، وكانت تقام له احتفالاتٌ في الربيع والخريف، ومن هذه الطقوس نشأَ الشعرُ والمسرحُ اليوناني بنوعيه الكوميديا والتراجيديا، وازدهرَ الرقصُ والموسيقى والفنون، أي أن الإغريقَ كانوا يستخدمون الخمرَ للوحي الشعري والإلهام الموسيقي ولغيرها من مجالات الإبداع، وهذا يتوافقُ مع ذوقهم الراقي وحضارتهم التي لم يعرف العالمُ مثلها، أما في الميثولوجيا القفقاسية فلا نجد استخدامًا للخمر إلا كمحرِّضٍ للشجاعة والجرأة، ودافعٍ للخوض في المعارك وسط تلك الجبال المرعبةِ المليئةِ بالوحوش وقطَّاع الطرق. والقفقاسيون، حتى اليوم، يشربون لكي يتصارعوا ولا يشربون لكي يتنادموا، وهذا ما يؤكِّده تأخرهم في الآداب والفنون عن باقي الشعوب.

إن تضحيةَ ستناي بحياتها لأجل حياة ابنها ساوسروقة، لم تكن سوى انتقالٍ للمجتمع من سلطة المرأة الحاكمة إلى سلطة الرجل الحاكم، والذي نعرفه اليوم باسم النظام الأبوي أو البطريركي، فهذا المجتمعُ الذكوريُّ المحاربُ أصبح بحاجةٍ إلى البطلِ المُخلِّص ساوسروقة أكثر من حاجته إلى الأم الحنونة ستناي، فحكمَ عليها بالموت، لكنها بقيتْ حيَّةً في الأدب، مثلها مثل الربة السومرية (ليليت).

المصدر: wikipedia.org