اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
السُّلطَانُ الأَعظَم والخَاقَانُ المُكرَّم خُسرو گیتی پناه أَبُو الفَتح نُورُ الدِّين مُحمَّد خان سَلِيم جِهَانكِير پادشاه غازي بن مُحمَّد أكبر بن مُحمَّد همايون الگوركاني (بالفارسية: السُلطَانُ الأَعظَم والخَاقَانُ المُكرَّم خسرو گیتی پناه ابوالفتح نورُالدِّین مُحمَّد خان سَلِیم جهانگیر پادشاه غازی مُحمَّد أكبر بن مُحمَّد همايون گورکانی، وبالأردية: السُلطَانُ الأَعظَم والخَاقَانُ المُكرَّم خسرو گیتی پناه ابوالفتح نورُالدِّین مُحمَّد خان سَلِیم جهانگیر پادشاه غازی مُحمَّد أكبر بن مُحمَّد همايون گورکانی) (17 ربيع الأوَّل 977هـ - 17 صفر 1037هـ المُوافق فيه 30 آب (أغسطس) 1569م - 28 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1627م) المعروف اختصارًا بِنُور الدين جهانكير أو نُور الدين مُحمَّد جهانكير أو جهانكيرشاه أو نورُ الدين مُحمَّد سليم، هو رابع سلاطين دولة المغول الهندية الذين حكموا شبه القارة الهندية طيلة 300 عام، وقد حكم البلاد من سنة 1014هـ المُوافقة لِسنة 1605م إلى سنة 1037هـ المُوافقة لِسنة 1627م. معنى اسمه «جهانكير» هو «فاتح العالم» أو «قاهر العالم»؛ ورث عن والده دولة مُترامية الأطرف، ووقَّع مُعاهدةً تجاريَّةً مع شركة الهند الشرقيَّة الإنگليزيَّة واعدًا تُجَّارها مُعاملة تفضيليَّة، فاتحًا بِذلك شبه القارَّة الهنديَّة على مصراعيها لإنگلترا لِأوَّل مرَّة.
استكمل جُهُود والده في تطوير الدولة المغوليَّة، واشتهر بِكونه سُلطانًا عادلًا رحيمًا مُطلق التسامُح مع رعاياه، فكان يُتابع شكاوى المظلومين بِنفسه، فجعل سلسلةً من الذهب، مربوطة بسبعة أجراس، يدُقُّها المُشتكي فينزل السُلطان لِيحقق مظالم الناس بِنفسه، كما أصدر دُستُورًا من 12 وصيَّة أسَّس بها نظام دولة لِلصحَّة وتوطيد الأمن، وشجَّع العُلُوم والآداب والفُنُون، فازدهرت الحياة الفكريَّة والثقافيَّة في عهده، كما كان لزوجته نورجهان دورٌ كبيرٌ في إدارة الشُؤون التنظيمية والنسائيَّة في عصره. وكان جهانكير نفسه شغوفًا بِالمعرفة، وعلى درجةٍ عاليةٍ بِالثقافتين الفارسيَّة والتُركيَّة، واشتهر بِالإضافة إلى ذلك، بِالشجاعة والجُرأة. شابت علاقته بِوالده أكبر عدَّة شوائب خِلال حُكم الأخير، وتطوَّرت الأُمُور بينهما إلى حد الصراع بِسبب عصيان جهانكير في أواخر عهد أكبر، غير أنَّ وفاة أبناء الأخير جميعهم، وبقاء جهانكير وحده لِيرث العرش المغولي، رأبت الصدع بين الطرفين. وعلى العكس من والده، نشأ جهانكير نشأةً إسلاميَّة صافية، فلم يكن إيمانه مُتضعضعًا أو ضعيفًا كأبيه، فشبَّ مُسلمًا سليم العقيدة، على مذهب أهل السُنَّة والجماعة، يحترم العُلماء ويُكرِّمُهم. وعلى الرُغم من عدل جهانكير وميله إلى التسامُح كما أُسلف، إلَّا أنَّ دولة مغول الهند شهدت ثورات مُتعددة وفي أماكن مُتفرِّقة طيلة عهده، ما أعاقها عن المضي في الفُتُوح والتوسُّع كما كان الحال في عهد أبيه أكبر، فأمضى مُعظم الوقت وهو يعمل على وأد الفتن حتَّى وافاهُ الأجل أثناء عودته من إحدى حملاته العسكريَّة، وكان لهُ من العُمر نحو 58 سنة.
جُسِّدت شخصيَّة جهانكير في الكثير من الروايات واللوحات والأفلام السينمائيَّة، ومنها الفيلم الهندي الشهير «مُغَل أعظم»، الصادر سنة 1960م، بِالإضافة إلى العديد من الأفلام الأُخرى. كما ترك جهانكير أثرًا مُهمَّا على الصعيدين التاريخي والفني هو كتاب «تُزك جهانكيري» الذي سار فيه على نهج جد أبيه ظهير الدين بابُر في الـ«بابُر نامه» في تدوين الأحداث السياسيَّة التي وقعت خِلال عهده وإرفاقها بِالمُنمنمات البديعة التي تُصوِّرُ أبرز الوقائع، على أنَّ الكتاب المذكور يختلف عن سابقه في أنَّ جهانكير أرفقه بِآرائه وتوجُّهاته الشخصيَّة في مجاليّ السياسة والفن، كما ضمَّنهُ معلوماتٌ عن أُسرته وعن آبائه وأجداده.
وُلد جهانكير يوم 17 ربيع الأوَّل 977هـ المُوافق فيه 30 آب (أغسطس) 1569م، لِلسُلطان جلال الدين أكبر ومريم الزمان جودا باي الهندوسيَّة ابنة أمير جيبور «بيهار مال كاشهورها». كان جلال الدين أكبر قبل مولد جهانكير قد بلغ الثامنة والعشرين من عُمره ولا يبقى أحد من أولاده حيًّا، فكان يتوجَّه إلى الصالحين ويلتمس منهم أن يدعوا له بولد، لِرغبته الشديدة في ولدٍ يرثُ الحُكم من بعده، وممن كان يتبرَّك بهم الشيخ سليم بن بهاء الدين الجشتي، الذي بشرَّهُ بِثلاثة أولاد، فنذر أكبر أن يُفوِّض أمر تربية أوَّل مولود له تحت عناية الشيخ، ولما حان أوان الوضع أرسل أكبر زوجته إلى دار الشيخ (الواقعة على سفح جبل «سكري» بالقرب من مدينة أغرة) فسمَّاه بعد ميلاده «مُحمَّد سليم» تيمنًا بِالشيخ المذكور. وبنى في مكان إقامة الشيخ مدينة وجعلها عاصمة له مبالغة في التبرك بِالأرض، وسماها فاتح پور سكري.
تلقَّى جهانكير في صغره تربية دينية، فحينما بدأ يشدو في القراءة والكتابة أمره والده أن يذهب إلى بيت الشيخ «عبد النبي أحمد الكنكوهي» ويدرس عليه الحديث. وأخذ عن الشيخ «صدر جهان الپهانوي» وحفظ عنه أربعين حديثًا، وسمع الحديث كذلك من الشيخ «محمد سعيد الهروي» الشهير بميركلان، وقرأ عليه شيئًا من العلم بِأمر من والده. وتثقَّف بِالثقافتين الفارسيَّة والتُركيَّة، كما حصَّل الكثير من المعارف الهندية. يرى المُؤرِّخون أنَّ تربية جهانكير مع تأثير الشيخ سليم الجشتي قد وجهَّته وجهة مُغايرة لِوجة والده، فكان صحيح العقيدة في الإسلام، يحترم العُلماء ويُكرِّمهم. وأنَّهُ امتاز بِسلامة الفطرة والذكاء والنُبُوغ، وسنحت له فُرصة مُخالطة مُختلف طبقات الناس بأن تنشأ لديه ملكة التعرُّف على طبائع الناس وخصائصهم. وتُشير المصادر إلى أنَّ أكبر قد وضع ابنه جهانكير تحت رعاية بعض المُبشِّرين النصارى لِيُجرِّب أثر التعاليم المسيحيَّة في عقليَّة طفل صغير غير مُتعصِّب، لكنَّ التجربة فشلت، إذ لم يؤثر أي شيء في إيمانه. شارك جهانكير في الأحداث السياسيَّة في سنٍ مُبكرة، فقد حاول والده أكبر أن يُهيِّء ابنه لِتحمُّل المسؤوليَّة، فعيَّنهُ في منصب قائد عشرة آلاف وهو في سن السابعة أو التاسعة، واصطحبه معه في حملته على كابُل في سنة 989هـ المُوافقة لِسنة 1581م وفي سن الثانية عشرة، ورقَّاه إلى منصب قائد اثني عشر ألفًا في سنة 993هـ المُوافقة لِسنة 1585م وهو في سن السادسة عشرة.
أشار جهانكير في مُذكَّراته أنَّهُ كان بينه وبين والده شيءٌ من الجفاء، حيثُ كان يحُس بِعدم حُبِّه له كما يُحبُّ أخويه الأصغرين مُراد ودانيال. يرى بعض المُؤرِّخين أنَّ شُعُوره هذا قد يكون أحد أسباب ثورته على والده في سنة 1009هـ المُوافقة لِسنة 1600م، حيث نصَّب نفسه سُلطانًا في مدينة الله آباد حين كان والده مشغولًا بِفُتُوحات الجنوب، ويُشير آخرون إلى أنَّ السبب في ثورة جهانكير ضد أبيه هو تحريض بعض الأُمراء الهندوسيين الحاقدين على "أكبر"، وهناك من يعتقد أنَّ جهانكير كان يشعر بِضُعف شخصيَّته والحاجة إلى إثبات ذاته وأنَّهُ لا يقل عن أبيه قُوَّةً وعظمة وقُدرةَ على أن يبني لِنفسه مُلكًا بِحدِّ السيف.
عاد "أكبر" من الجنوب مُسرعًا لِيُواجه تمرُّد إبنه جهانكير، وبعث جيشًا ضد ابنه بِقيادة أبي الفضل بن مُبارك -أحب خُلصاء أكبر إلى نفسه-، أدرك جهانكير أنَّهُ لا شكَّ سيُهزم إن واجه أبا الفضل في معركةٍ مكشوفة، ولهذا دبَّر خطَّةً لاغتيال أبي الفضل نُفِّذت بِنجاحٍ، فأدَّى مصرعه إلى إثارة ثائرة "أكبر"، ولكنَّهُ كان قادرًا على أن يكبح جماح نفسه في مثل هذه الظُروف العصيبة، ورأى أن يجب التغلُّب على تمرُّد جهانكير بِكُلِّ الطُّرق السلميَّة وإلَّا تعرَّضت سلطنته كُلُّها لِلضياع، فكبت آلامه وبعث إلى ابنه رسولًا استطاع أن يقنع جهانكير بِالعودة إلى طاعة أبيه. وفي رواية أخرى ذكرها مُؤرِّخ الدولة المغوليَّة «صمصام الدولة شاه نواز خان» في كتابه «مآثر الأُمراء» أن جهانكير كان يقول: «لِقَد لَقَّنَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ وَالِدِي أَنَّ خَاتِمَ النَّبِيَّيْنَ مُحَمَّدًا كَانَ أْفْصَحَ النَّاسِ وَأَنَّ الْقُرْآنَ مِنْ تَأْلِيفِهِ، وَلِذَلِكَ أَوََعَزَتْ إِلَى "نَرْسِنكه دَيْو" عِنْدَ عَوْدَةٍ أَبِي الْفَضْلُ مِنَ الْجَنُوبِ، أَنْ يَقْتُلَهُ، وَكَانَ وَالِدِيٌّ - بَعْدَ ذَلِكَ - تَابَ مَنْ هَذِهِ الْعَقِيدَةِ». وظهر في البلاط حزبٌ قويٌّ يُنادي بِرفع خسرو بن جهانكير، ولهذا بقي جهانكير -بالرغم من تأكيدات أكبر له- يوجس خيفة من أبيه فشهر السِّلاح مرَّةً أُخرى ضدَّ أبيه، فعزم أكبر هذه المرة أن يزحف بِنفسه على ابنه، إلا أن وفاة والدته حميدة بانو بيگم وابنه دانيال في سنة 1013هـ وفق 1604م أثَّرت على نفسيَّة أكبر، وعكف على مُحاولةٍ جديدةٍ لِلتفاهم مع ابنه جهانكير، فراسله مرَّة أُخرى ودعاه إلى ترك الخصام وأكَّد أنَّهُ هو وارثُ كُل شيءٍ من بعده ولا داعي لِإسالة الدماء، ونجح أكبر في إقناع ابنه بالعودة إلى طاعته، فذهب إلى أبيه نادمًا ولكن هذه المرة اعتقلهُ أكبر حتى توسَّط من أجله عدد من سيِّدات البلاط ورجاله، فأطلق سراحه وذلك بعدما مرض أكبر مرض الموت، وظهرت في القصر اتجاهات قويَّة نحو إبعاد جهانكير عن العرش وإسناده إلى خسرو بن جهانكير، ولكن حال دون ذلك حُسن تدبير جهانكير الذي قدم إلى أبيه مُستتيبًا ما بدر من عصيانٍ في السابق، فصفح عنهُ وراح يُزوِّده بِنصائحه قبل وفاته.
ويرى المُؤرِّخ عبد العزيز سُليمان نوَّار أنَّ وضع أكبر لِجهانكير تحت رعاية المُبشرين النصارى كما أُسلف، جعلته ينشأ مهزوز الشخصيَّة مُضطرب الوجدان زائغ العقيدة، وممَّا زاد اضطراب شخصية جهانكير في الضياع أنَّ أكبر نفسه كان لا يثق كثيرًا في الأديان والمُعتقدات، فعاش جهانكير في ضياعٍ نفسيٍّ لا يستطيع أن يفر منه إلَّا بِواسطة الخمر والأفيون، التي أصابته بمركب العظمة وخور العزيمة، ويرى أنَّ طبيعة الأعمال التي قام بها خلال ثورته ضدَّ أبيه تُثبت أن شخصيَّته كانت مهزوزة ومُتناقضة.
تُوفي السُلطان جلالُ الدين أكبر في 30 جُمادى الأولى 1014هـ المُوافق فيه 13 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1605م، مُتأثرًا بِالزحار، فاستُدعي جهانكير لِيخلفه على عرش البلاد، فوصل إلى العاصمة أغرة يوم الخميس 8 جُمادى الآخرة 1014هـ المُوافق فيه 17 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1605م، وبايعه الأُمراء والوُزراء والقادة وكبار الأعيان، وتلقَّب بِلقب «الپادشاه الغازي نُوُر الدين مُحمَّد جهانكير»، وكان في الثامنة والثلاثين من عُمره. ورث جهانكير عن والده دولة واسعة الأرجاء مُثبَّتة الدعائم، ساعدت الأعوام الخمسون التي قضاها أبوه في الحُكم، مع حُسن سياسته، على توطيدها، فعزم على انتهاج هذه السياسة، وقد وعد مُنذُ اللحظة الأولى أن يعمل على حماية الإسلام ورفعة شأنه، فأبطل كثيرًا من المُكُوس التي كانت تُثقلُ كاهل الشعب، وأمر بِصُنع سلسلة من الذهب تتصلُ بِعددٍ من الأجراس في غُرفته تحمل إليه إذا دقَّت مُلتمش كُلِّ مظلومٍ أو صاحب شكاية.
كان الشاهزاده خسرو الابن الأكبر لجهانكير طامعًا في المُلك ويُنافس أباه عليه، وقد التفَّ حوله في آخر أيام جلال الدين أكبر حزبٌ قويّ في البلاط، ورشَّحُوه لِتولِّي عرش المغول بعد جدِّه، ولكنهم لم يُوفقوا في مسعاهم. ومع ذلك فقد أتى خسرو إلى القصر بعد تولِّي جهانكير العرش، فعفا عنه وأكرمه، ولكنَّه وضعه في الإقامة الجبريَّة بِقلعة أغرة لِيستبقيه تحت عينيه.
تمكَّن خسرو من الفرار في يوم 28 ذي القعدة 1014هـ المُوافق فيه 6 نيسان (أبريل) 1606م، وذلك بعدما تشجَّع بِما التف حوله من الأمراء النافذين في الدولة. واتجه إلى الپُنجاب، ورافقه ثلاثُمائة وخمسون من رجاله، واستطاع بِمُساعدة بعض الحُكَّام أن يُكوِّن جيشًا من اثني عشر ألف جُندي، كما انضم إليه گورو أرجونا زعيم السيخ وأمدَّهُ بِالأموال، وهُناك أعلن الثورة على أبيه، وزحف نحو مدينة لاهور وحاصرها، وما إن علم جهانكير بذلك أرسل جيشًا لِقتاله، ثم أقبل عليه بِنفسه، وهُزم خسرو، وحاول الهرب، ولكن أُلقي القبض عليه وحُمل إلى الأسر، وقتل جهانكير أتباعه ومثَّل بهم، وعلى رأسهم گورو أرجونا، وقد أثارت عملية قتل هذا الزعيم طائفته التي رفعته إلى مرتبة القدِّيسين.
لم يفُتّ الأسر في عضُد الشاهزاده خسرو، فاستمال نفرًا من حُرَّاسه لِيتآمروا معه على قتل السُلطان، وبعد علم جهانكير بِتدبيرهم، أمر بقتل المُتآمرين، دون ابنه الذي سُملت عيناه. وبقي في محبسه حتى مات في سنة 1031هـ المُوافقة لسنة 1622م.
ضمَّ السُلطان جلال الدين أكبر البنغال في سنة 983هـ المُوافقة لِسنة 1571م، وجعلها إحدى صوبات دولته، لكنَّهُ لم يسحق قُوَّة الأفغان فيها، وكانت النتيجة توالي الانتفاضات على الحُكم المغولي لِلحُصُول على الاستقلال، كما كثُر توالي الحُكَّام على تلك البلاد وقُصر إقامة كُلُّ واحدٍ منهم بها، ممَّا زاد من اضطراب الأحوال. وكان أوَّل كبار أُمراء الأفغان الذين أشهروا العصيان على المغول: موسى خان بن عيسى البوروبهوياني، فقد بقي هذا الأمير خالعًا لِلطاعة مُنذُ أواخر سنيّ أكبر حتَّى أوائل عهد جهانكير، فجرَّد عليه حملةً عسكريَّةً بِقيادة إسلام خان الجشتي، الذي تمكَّن من إخضاعه وقبض عليه وزجَّهُ في السجن يوم 19 ربيع الآخر 1019هـ المُوافق فيه 10 تمُّوز (يوليو) 1610م. وفي سنة 1021هـ المُوافقة لِسنة 1612م، عاود الأفغان الثورة بِقيادة أميرٍ آخر يُدعى عُثمان خان اللوحاني، فعاد جهانكير وأرسل على الثُوَّار القائد إسلام خان، فسار الأخير على وجه السُرعة من مدينة جهانكيرنگر إلى حسنفور الواقعة شمال مدينة «بوقاي نگر»، عاصمة الأمير الثائر. وحاصر المغول المدينة المذكورة، واشتبكوا مع قُوَّات عُثمان خان فهزموها، وهرعت قبائل الپشتون المُجاورة إلى خلع طاعة عُثمان والدُخُول تحت جناح السُلطان المغولي. وفرَّ عُثمان خان إلى منطقة سيلهت حيثُ بقي لديه بعض الحُلفاء من شُيُوخ القبائل مثل أنور خان وبايزيد الكرَّاني السيلهتي ومحمود خان. وفي يوم 2 شوَّال 1020هـ المُوافق فيه 7 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1611م، سقطت «بوقاي نگر» بِيد المغول، وتبعها إعلان بعض حُلفاء عُثمان خان خُضُوعهم لِلسُلطان المغولي، فما كان أمام الأمير الأفغاني إلَّا مُتابعة الهرب حتَّى بلغ سيلهت الجنوبيَّة وأعلن نفسه حاكمًا عليها، وأخذ يُعد العُدَّة لِحرب المغول مرَّةً أُخرى. ولم يسكت جهانكير عن هذا الأمر، فأرسل الرجال والعتاد إلى إسلام خان من مُختلف أنحاء السلطنة، وأمرهُ بِالقضاء على عُثمان خان وكسر شوكة الأفغان في البنغال. فسار إسلام خان على رأس جيشٍ مُكوَّنٍ من 500 فارس و4,000 راجل من حملة البنادق وأعدادٌ كبيرة من الفيلة الحربيَّة، يُرافقه بعض أبرز القادة المغول أمثال إفتخار خان التُركماني وشجاعت خان ومهابت خان، فهزموا مُقدِّمة الأفغان بِسُهُولة، وتابعوا سيرهم حتَّى التقوا بِالجيش الرئيسي على ضفَّة إحدى الأنهار يوم 10 مُحرَّم 1021هـ المُوافق فيه 12 آذار (مارس) 1612م، واشتبك الجمعان في قتالٍ ضارٍ أُصيب فيه عُثمان خان بِسهمٍ في عينه أفقده البصر، فحمله أتباعه وانسحبوا به هاربين على أمل إنقاذه، لكنَّهُ لم يلبث أن فارق الحياة مُتأثرًا بِجراحه. بعد هذه الهزيمة، انكسرت شوكة الأفغان في البنغال وأُقرَّت الأُمُور في هذه البلاد من جديد. واستطاع السُلطان جهانكير، بِحُسن سياسته، أن يستقطب زُعماء الثُوَّار، فعفا عنهم وقلَّد بعضهم مناصب في الدولة ولا سيَّما الجيش، فركنوا إلى الطاعة وتفانوا في خدمة سُلطانهم الجديد، وتجنَّبت الدولة المغوليَّة شُرُورهم.
عندما اعتلى جهانكير عرش المغول، قرر أن يتابع ما بدأه والده جلال الدين أكبر بالسيطرة على إقليم ميوار، حيثُ لم يُحقِّق أكبر نجاحًا كبيرًا فيه، واستطاع الأمير الهندوسي المهرانا پرتاپ اقتطاع أجزاء واسعة من هذه الولاية واستقلَّ بها. وقد خلفه على حكم الإقليم ابنه «أمار سينگه الأوَّل» الذي واصل تحديِّه لِلسلطنة المغوليَّة، فأرسل جهانكير إليه جيشًا بقيادة ابنه الشاهزاده «پرويز ميرزا » في سنة 1014هـ المُوافقة لِسنة 1605م («معركة ديوار »)، إلَّا أنَّهُ لم يُحقِّق نجاحًا يُذكر، وانسحب من ميوار. وفي سنة 1017هـ المُوافقة لِسنة 1608م أرسل جهانكير حملة أُخرى بِقيادة «مهابت خان »، واستطاع أن يُطارد أمار سينگه، وأجبره على الالتجاء إلى التلال والمُرتفعات لِلاحتماء بها، ولكنَّهُ لم يُحقق نصرًا حاسمًا.
وفي سنة 1023هـ المُوافقة لِسنة 1614م أرسل جهانكير حملة ثالثة بقيادة ابنه الشاهزاده خُرَّم مُحمَّد، فاستطاع بِمهارته أن يُحرز أكثر من نصر، وأن يتَّبع الراجپوت في فرارهم، وأن يأسر عائلات كثيرة من قادتهم. واضطرَّ أمار سينگه أن يطلب إيقاف القتال وأعلن خُضُوعه لِنُفوُذ المغول، وطلب الصُلح، ودخل في مُفاوضات مع الشاهزاده خُرَّم من أجل إحلال السلام انبثق عنها توقيع اتفاقية صُلح في سنة 1024هـ المُوافقة لِسنة 1615م تضمَّنت ما يلي:
تولَّى بعد ملك عنبر الحبشي في الدكن «ياقوت الحبشي»، فأعلن الحرب على المغول، فأرسل لهُ جهانكير جيشًا وذهب هو إلى كشمير لِلاستشفاء ولِيقضي فيها بعض الوقت كما هي عادة السلاطين، وهُناك عاوده مرض ضيق التنفُّس بِشكلٍ أكثر شدَّة، فعادوا به، ولكن اشتدَّت به العلَّة وتُوفي في الطريق يوم 17 صفر 1037هـ المُوافق فيه 28 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1627م وكان لهُ من العمر نحو 58 سنة، وامتدَّ حُكمه اثنين وعشرين عامًا. ودُفن في المقبرة المعروفة باسمه «مقبرة جهانكير» في لاهور.
وصف عبد الحي بن فخر الدين الحسني المُتوفَّى في سنة 1341هـ في كتابه «الهند في العهد الإسلامي» مقبرة جهانكير فقال: «وَمِنْهَا مَقْبَرَةُ جِهَانْكِير بْن أكْبَر شَاه، الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 1037هـ بِشَاهَدرَه، عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ لَاهُورٍ، بَنَاهَا وَلَدُهُ شَاهجِهَان مِنْ حُمُرِ الْحِجَارَةِ وَبِيْضُهَا، عَلَى رَبْوَةٍ كَبِيرَةٍ، مُرْتَفِعَةٍ مِنْ حُمُرِ الْحِجَارَةِ، وَفَرَشُوهَا بِأَنْوَاعِ الْحِجَارَةِ الْحَسَنَةِ، لَا يُكَادُ يُوجَدُ لَهَا نَظِيرٌ، وَبَنَوْا قَبْرَهُ عَلَى ضِفَّةِ رَبْوَةٍ صَغِيرَةٍ، دَاخِلَ بِنَاءٍ عَالٍ، مِنَ الْأَحْجَارِ الثَّمينَةِ، كَالْْعَقِيقِ، وَاللَّاَزَوَرْدَ، والنيلم، وَالسُّلَيْمَانِيَّ، والزهرمهره، وَالْمَرَجَانِ، وَالْإِبْرِيَّ وَغَيْرَهَا، وَهَذَا مِمَّا لَا يُوجَدُ لَهُ نَظِيرٌ».
يقول المؤرخ أحمد محمود السَّاداتي في كتابه «تاريخ المُسلمين في شبه القارَّة الهنديَّة وحضارتهم»: «لَوْلَا مِحْنَةَ الشَّرَابِ الَّتِي اِبْتُلِي بِهَا جِهَانكِير لَأَفَادَتْ الْهِنْدُ مِنْهُ خَيْرًا كثيرًا. فَلَقَدَّ كَانَ لِهَذَا السُّلْطَانِ الْكَثِيرِ مِنْ صَفَّاتِ أَبِيهِ الْعَالِيَةَ الَّتِي أَرَادَهَا لَهُ حِينَ حَرِصَ عَلَى تَزْوِيدِهِ بِالْكَثِيرِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْفَضَائِلِ فَنَهْجِ نَهْجِ التَّسَامُحِ الْمُطْلَقِ فِي حُكْمِهِ وَقُرْبٍ إِلَيْهِ الْمُسْلِمِينَ وَالهَنَادِكَةَ عَلَى السَّوَاءِ، وَلَاطَفَ الْأورُوپِّيَّيْنِ وَمُبَشِّرِيهُمْ حِينَ قَدَّمُوا إِلَيْهِ». ويقول المُؤرِّخ عبد المنعم النمر في كتابه «تاريخ الإسلام في الهند»: «وَمِنِ الْمُسَلَّمِ بِهِ بَيْنَ الْمُؤَرِّخِينَ أَنَّ جِهَانكِير لَمْ يَكُنْ فِي عَزْمِ أَبِيهِ وَقُوَّةَ شَ