English  

كتب مآثر جهانكير

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

مآثر جهانكير (معلومة)


شخصيته وصفاته

يقول المؤرخ أحمد محمود السَّاداتي في كتابه «تاريخ المُسلمين في شبه القارَّة الهنديَّة وحضارتهم»: «لَوْلَا مِحْنَةَ الشَّرَابِ الَّتِي اِبْتُلِي بِهَا جِهَانكِير لَأَفَادَتْ الْهِنْدُ مِنْهُ خَيْرًا كثيرًا. فَلَقَدَّ كَانَ لِهَذَا السُّلْطَانِ الْكَثِيرِ مِنْ صَفَّاتِ أَبِيهِ الْعَالِيَةَ الَّتِي أَرَادَهَا لَهُ حِينَ حَرِصَ عَلَى تَزْوِيدِهِ بِالْكَثِيرِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْفَضَائِلِ فَنَهْجِ نَهْجِ التَّسَامُحِ الْمُطْلَقِ فِي حُكْمِهِ وَقُرْبٍ إِلَيْهِ الْمُسْلِمِينَ وَالهَنَادِكَةَ عَلَى السَّوَاءِ، وَلَاطَفَ الْأورُوپِّيَّيْنِ وَمُبَشِّرِيهُمْ حِينَ قَدَّمُوا إِلَيْهِ». ويقول المُؤرِّخ عبد المنعم النمر في كتابه «تاريخ الإسلام في الهند»: «وَمِنِ الْمُسَلَّمِ بِهِ بَيْنَ الْمُؤَرِّخِينَ أَنَّ جِهَانكِير لَمْ يَكُنْ فِي عَزْمِ أَبِيهِ وَقُوَّةَ شَخْصِيَّتِهِ، بَلْ كَانَ يَغْلَبُ عَلَيْهِ التَّرَدُّدَ وَالْاِسْتِسْلَاَمَ لِمَنْ يثق بِهِ، وَكَانَ مُفْرِطًا فِي شَرِبِ الْخَمْرِ وَتَعَاطَي الْأفيُونِ حَتَّى أَفَسَدَ صِحَّتِهِ فِي أَوَاخِرَ حَيَاتِهِ».

يعتبرُ عددٌ من المُستشرقين أنَّ جهانكير كان حاكمًا ضعيفًا غير مُؤهَّل لِتولِّي أُمور الدولة والعِباد. فعلى سبيل المِثال، شبَّه المُسشرق البريطاني هنري بڤريج جهانكير بِالإمبراطور الروماني كلوديوس، مُعتبرًا أنَّ كلاهما ضعيف، وكان تنصيب كُلٌ منهما على عرش دولته أمرٌ خاطئ، قائلًا بِأنَّهُ لو «نُصِّب جهانكير أمينًا على متحف التاريخ الطبيعي لكان رجُلًا أسعد ولقام بِدورٍ أفضل». كذلك، يصف السير وليم هوكينز، الذي زار البلاط المغولي سنة 1609م، جهانكير قائلًا: «بدأ سليم شاه بِخسارة بلاد الدكن بنفس السُرعة التي ضُمَّت بها على يد والده، المدعو أكبر پادشاه»، وفي هذا المجال قال الكاتب والرحَّالة البُندُقي نقولا منوتشي (بالإيطالية: Niccolò Manucci)، الذي عمل بِخدمة داراشُكوه حفيد جهانكير: «يصُحُّ القول فعلًا، أنَّ الأبناء يُبددون ما كسبه آباؤهم بِعرق جبينهم». يعتبر المُؤرِّخ الأمريكي جون ريتشاردز أنَّ ميل جهانكير لعدم الخروج من دائرة حياته الشخصيَّة بِالإضافة لِإدمانه شُرب الخمر وتدخين الأفيون يوميًّا، انعكس سلبًا على أدائه السياسي والعسكري، وجعلهُ من جُملة الحُكَّام المُتراخين.

ثقافته

يقول عبد الحي بن فخر الدين الحسني في كتابه «الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام»: «وَكَانَ جِهَانْكِير رَحِيمًا حَلِيمًا كَرِيمًا شَاعِرًا لَطَيْفَ الطَّبْعِ حُسْنَ الْمُعَاشَرَةِ ظَريفَ الْمُحَاضَرَةِ حُسْنَ الصُّورَةِ سَلِيمَ الذِّهْنِ بَاهِرَ الذَّكَاءِ فَصِيحَ الْعِبَارَةِ». صنَّف جهانكير كتابًا في أخباره، على غرار ما فعل آباؤه في الغالب، وضمَّنها الكثير من أعماله ومُشاهداته وسمَّاه «تزك جهانگيري» (بِالفارسيَّة: تزک جهانگیری) أي «يوميَّات جهانكير». يقول عبد المنعم النمر: «وَتَعْتَبِرُ يَوْمِيَاتُهُ مِنْ أَهُمْ مَا تَرَكَهُ، فَإِنَّ مُذَكِّرَاتٍ يَكْتُبُهَا الْمَلِكُ يَوْمًا، فَيَوْمًا، يُدَوِّنُ فِيهَا حوَادِثَهُ وَخَوَاطِرَهُ، وَيُكَشِّفُ لِلنَّاسِ مَا اِسْتَتَرَ عَنْهُمْ وَرَاءَ الْحُجُبِ الْمَلِكِيَّةِ لَتَعْتَبِرُ مَنْ أَمَتَّعَ مَا يُقْرَأُ، كَمَا تَعْتَبِرُ مِنْ أَهُمِ الْمُصَادَرُ لِمَعْرِفَةِ اِتِّجَاهَاتِ الْمِلْكِ وَنَفْسِيَّتِهِ، وَمِنْ خِلَالَهَا يُمْكِنُ لِلْقَارِئِ أَنْ يُعَيِّشَ مَعَهُ فِي حَرْبِهِ وَسُلَّمِهِ، فِي قَصْرِهِ الخاص وَمَعَ النَّاسِ، فِي لَهْوِهِ وَجِدِّهِ، فِي مَجَالِسَ الْحُكْمِ وَفِي مَيَادِينِ الصَّيْدِ يُطَارِدُ الْوُحُوشَ، وَيَدُونَ مُلَاحِظَاتُهُ عَلَيْهَا، وَمِمَّا يَزِيدُ هَذِهِ الْيَوْمِيَّاتِ قِيمَةً مَا دَوَّنَهُ مِنْ أَشْيَاءٍ تُؤْخَذُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُحَاوِلْ إِخْفَاءُهَا». ويقول أحمد محمود الساداتي: «وَيُؤَكِّدُ صِدْقُ رِوَايَتِهِ عُمُومًا، مَا كتبه مُعَاصِرُوهُ مِنَ الْأورُوپِّيِّينَ عَنْ هَذِهِ الْبِلَادِ حِينَ زَارُوهَا». ويقول عبد الحي الحسني: «صَنَّفَ كِتَابًا فِي أَخْبَارِهِ وُسْمَاِهِ تَزُكُّ جِهَانگِيرِي وَهُوَ مَقْبُولٌ مُتَدَاوَلٌ فِي أَيْدِي النَّاسِ». ومن مُصنَّفات جهانكير «پندنامه» بالفارسيَّة في أوراق عديدة، ضمَّنه نصائحه لأبنائه. وكان أديبًا شاعرًا. من أبياته بالفارسيَّة:

وتعريبه: «لا تولَّي وجهك عني ولو لِفترةٍ وجيزة، فبدونه استنشق نصف استنشاقٍ، كسرُ قلبك مرَّة واحدة يُساوي مائة دمٍ»، وهو بِذلك يتغزَّل بِنورجهان ويُظهر مدى حُبِّه وشغفه بها. وله أيضًا:

وتعريبه: «حان وقتُ شرب الخمر في حديقة الوُرُود، فشُرب الخمر يحلو عند تكدُّس الغُيُوم»، وفي ذلك إشارة إلى ما عُرف عن جهانكير من حُبِّه لِشُرب الخمر خاصَّةً في أواخر أيَّامه عندما اشتدَّ به المرض. وله أيضًا:

وتعريبه: «نحن الذين كتبنا الرسالة بِورقة الوردة، لعلَّ [ريحُ] الصبا يصلُ لها»، وهو شعرٌ غزليٌّ أيضًا مُوجَّه لِنورجهان وفيه إشارة إلى شغف جهانكير بزوجته ومحبَّته لها مُنذُ أيَّام الصبا، مُذ أن رآها خِلال سلطنة والده أكبر.

نزعاته الدينيَّة

ورث جهانكير عن والده مُلكًا مُستقرًّا ثابتًا واسع الأرجاء، لكنَّهُ وجد أيضًا ما أثاره أبوه من أبحاثٍ وأعمالٍ من الناحية الدينيَّة كانت موضع غضب الكثير من رعيَّته المُسلمين، ولم يكن جهانكير على شاكلة أبيه من هذه الناحية، فقد كان صحيح العقيدة في الإسلام، يحترم الدين وتعاليمه وعُلمائه، فحرص مُنذُ بداية حُكمه إلى إعادة الإسلام إلى مكانته في شبه القارَّة الهنديَّة وسارع إلى إبطال ما أثاره أبوه خلافًا للشريعة الإسلاميَّة، فألغى الدين الإلٰهي والأفكار التي قامت حوله، فهدأت بِذلك نُفُوس المُسلمين. وصف العالم الهندي أبو الحسن علي الحسني الندوي جهانكير بكونه لا يعدو أن يكون مُسلمًا ساذجًا سُنِّي العقيدة، ويرى نفسه مسؤولًا عن حماية عقائد المُسلمين والحفاظ عليها. وكان فيه نوعٌ من سلامة القلب وحُسن السيرة ورُسُوخ العقيدة، ولم يكن يُفكِّر إطلاقًا في تنفيذ دينٍ جديدٍ -كوالده-، إنَّما كان مُنصرفًا مثل جدِّه إلى الترف والبذخ وحياة اللهو.

ظهر في زمن جهانكير أحد أشهر العلماء المُسلمين من أهل السُنَّة والجماعة في الهند وهو أحمد بن عبد الأحد السرهندي والذي نشأ في نفس الوقت الذي كان يدعو فيه السلطان جلال الدين أكبر لِدينه الجديد، فأخذ يرقب الأحوال وبدأ يُنظِّم حركة واسعة لِمُعارضة هذا الدين، وبثَّ أتباعه في أنحاء البلاد، وكتب إلى قادة الجيش وكبار المُوظفين ممَّن يأنس فيهم الروح الإسلاميَّة من خطر هذا الدين على مكانة الإسلام والمُسلمين في الهند. ولم تظهر آثار دعوته إلَّا بعد موت أكبر. وينص بعض المُؤرِّخين على أنَّ جهانكير كان مُقرَّبًا من الشيعة وعُلمائهم، واتخذهم بطانة له، وكان لهم نُفُوذٌ قوِّيٌ في البلاط، وأنَّ عهد جهانكير كان مُمتازًا بالتأثير الشيعي في الجهاز الإداري على عكس عهد أبيه الذي كان يتميَّز بالتأثير الهندوسي، وقد حلَّت في عصر جهانكير العادات والتقاليد الشيعيَّة محل العادات الهندوسيَّة. وعندما اشتد حماس السرهندي في مُعارضة الدين الإلٰهي وما خلَّفهُ من آثارٍ وفي مُناهضة المذهب الشيعي، أمر بِالقبض عليه وسجنه في حصن كواليار، وتختلف المصادر في أسباب القبض عليه، فمن المُؤرِّخين من يذكر أنَّهُ قُبض عليه بِإيعازٍ من عُلماء الشيعة ورجال القصر الشيعة ذوي النُفُوذ في البلاط، بسبب اشتهاره في الرَّد على العقائد الشيعيَّة، ومن المُؤرِّخين من يذكر أنه اعتُقل خوفًا من انقلابه على الحُكُم في أحد الأيَّام. ولكنه سرعان ما عفا عنه، وابقاه بقربه. ويُشيرُ المؤرِّخُون أنَّ مُرافقة جهانكير لِهذا العالم أثَّرت فيه، فنشأت لديه نزعة دينيَّة، فاعتنى بِتعمير المساجد المُنهدمة من جديد، وشغف بِإقامة المدارس الدينيَّة، وأبطل القوانين المُعارضة لِلشريعة الإسلاميَّة، وعيَّن القُضاة والمُحستبين في مُختلف المُدن الهنديَّة، وما ظهر منه في سنة 1031هـ المُوافقة لِسنة 1622م بِمُناسبة فتح قلعة كانگرة من عواطفٍ إسلاميَّة، وإظهار شعائر الإسلام فيها. يقول جهانكير في كتابه «تُزك جهانكيري»: «فَخَرَّجَنَا يَوْمُ 24 مِنْ شَهْرِ دِي(1) لِلتَّفَرُّجِ وَالنُّزْهَةِ فِي قَلْعَةِ كَانگَرة، فَأَمُرْنَا أَنْ يُرَافِقَنَا القَاضِيَ وَمِيرَ عَدْلٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ، لِيُظْهَرُوا فِي هَذِهِ الْقَلْعَةِ شَعَائِرَ الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ، وَأَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، عَلَى سَبِيلِ الْإيجَازِ، وَوَصَلَنَا بَعْدَ سَيْرِ فَرْسَخٍ وَاحِدٍ إِلَى ذُروَةِ الْقَلْعَةِ، فَأَمَرَّتْ- بِتَوْفِيقِ اللهِ تَعَالَىٰ- بِالْأَذَانِ، فَأُذِّن، ثُمَّ أَلْقَيْتُ خُطْبَةً، وَأَمَّرْتُ بِذِبْحِ الْبَقَرَةِ- وَلَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ قَطُّ مُنْذُ بِناءِ هَذِهِ الْقَلْعَةِ- ثُمَّ خَرَرْتُ للهِ سَاجِدًا عَلَى أَنَّ وَفَّقَنِي إِلَى مَا لَمْ يُوَفِّقْ إِلَيْهِ أَيَّ سُلْطَانِ قَبْلَ، وَأَمَّرْتُ بِبِنَاءِ مَسْجِدِ وَاسِعِ فِي دَاخِلِ الْقَلْعَةِ».

المصدر: wikipedia.org