English  

كتب نحو فلسفة للتاريخ

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

نحو فلسفة للتاريخ (كتاب)


كان لزاما على الفلسفة في تاريخنا المعاصر أن تمتّد إلى عمق مجالات العلم ، والتي من بينها العلوم الإنسانية و الاجتماعية فجاءت دراسة العلوم الإنسانية و الاجتماعية كثمرة لهذا الاهتّمام في محاولة للإجابة عن المشكلات التي يثيرها الواقع الإنساني و الاجتماعي ، و التي لم تجد إجابات شافية ووافية من جانب العلماء المتخصصين في دراسة الظواهر الإنسانية والاجتماعية ، ومن هنا أخذت الفلسفة على عاتقها دراسة وتحليل وانتقاد المناهج العلمية المتّبعة في دراسة الظواهر الإنسانية في زمن أصبحت فيه الطريقة العلمية في البحث و تحصيل المعرفة حول ظواهر الواقع المختلفة لغة مشتركة بين العلماء و الباحثين بمختلف تخصصاتهم ، وذلك اعتقادا منهم بأن تحقيق المعرفة العلمية الدقيقة والموضوعية و الشاملة حول الظواهر يعتمد في الأساس الأول على استناد الباحث إلى قواعد الطريقة العلمية ، و التزامه بخطواتها في تحصيل تلك المعرفة ، و صياغتها في نسق نظري ، وتأكده من صحة الصياغة النظرية وسلامتها المنطقية ومن هنا احتّلت معالجة الطريقة العلمية و مبادئها و استراتيجيتها وضعا مميّزا في مختلف الكتب و الأبحاث وخاصة تلك المؤلفات التي تعنى بمعالجة الظواهر الإنسانية و الاجتماعية وتوفير المعرفة العلمية الدقيقة حولها ، حيث اعتبرت الطريقة العلمية واحدة في معالجة تلك الظواهر شأنها في ذلك شأن باقي الظواهر الأخرى مع ضرورة توفير المرونة المنهجية بين موضوع البحث والإجراءات المنهجية التي يتّبعها الباحث في معالجتها دون أن تكون تلك المرونة بين الموضوع و أسسه المنهجية خاوية من مبدأ و حدة المنهج وعقلانيته التي تضفي بالضرورة إلى نتائج تستقر في شكل قوانين علمية تمتاز بالدقة و الضبط و الشمول .
ومن هنا يتبيّن لنا أن المنهج العلمي يبدو أكثر من ضرورة في نظر العلماء لتوجيه مسلك البحث وعمل الباحث على حد سواء ، واشتّد إيمان الفلاسفة بأهمية المنهج العلمي في الفترة الحديثة بعدما فتن الفلاسفة بالعقلانية التي مهد لها ديكارت محاولا أن يخلق طريقة منهجية للعقل تساعده على بلوغ حقيقة كل الظواهر، و تنتهي به إلى قانون رياضي وهذا التوجه الديكارتي يستند إلى الإيمان بحتمية الظواهر وانتظامها و اطّرادها ، و في غياب هذه الخصائص لا يمكن للباحث أن يلتزم بالمنهج العلمي ، ولا أن يبلغ القانون المنشود واستطاعت العلوم الطبيعية في الفترة الحديثة أن تحقّق نجاحات باهرة إثر التزامها بتطبيق المنهج العلمي في دراستها للظواهر الطبيعية ، وكان من واجب الباحثين في الظواهر الإنسانية و الاجتماعية الالتزام بالمنهج العلمي في دراستهم للواقع الإنساني أيضا حتى يسايروا حركة العلوم الطبيعية في النجاح الذي حقّقته ومن هنا بدأت المشاكل الفلسفية و العلمية تظهر على المناهج المعتمدة في دراسة الظواهر الإنسانية و الاجتماعية خاصة منها الظواهر التاريخية ، ذلك أن الاعتقاد السائد في الأوساط العلمية والفلسفية أن الظواهر الفيزيائيـة لا روح ولا إرادة لها و من هنا يمكن للباحث أن يمنهجها ، في حين تحتوي الظواهر التاريخية على خصائص تصّعب و أحيانا تمنع من تبني منهج علمي واضح لدراستها ، وإن أمكن تطبيق المنهج العلمي على الظواهر التاريخية. فهل سيؤدي هذا المنهج إلى بلوغ حقيقة هذه الظواهر ؟ ويمكن النظر إلى مشكلة المنهج في علم التاريخ من زوايا عديدة لا يمكن لبحثنا هذا أن يحتويها جميعا ، لذا آثرت أن أركز على جانب عقلانية المنهج ومدى قدرته على بلوغ الحقيقة في الظواهر التاريخية في ظل افتقار هذه الظاهرة لمصادرات المنهج التي آمن بها العلم الحديث ، ويمكن صياغة مشكلة بحثنا هذا على النحو التالي :
هل المناهج المتبعة في دراسة الظواهر التاريخية مناهج عقلانية تقودنا إلى الوقوف على حقيقة هذه الظواهر ؟ وهل استطاعت هذه المناهج أن تنتهي إلى قوانين تعكس قدرتها على التخلص من الطابع الفلسفي؟
ووجدت مجموعة من الدراسات التي تناولت هذه المشكلة ، ومن بينها دراسة كلود لفي ستروس في كتابه الانثروبولوجيا البنيوية، وأبحاث ميشال فوكو في كتـابه الكلمـات و الأشياء ، و ريكمان في كتابه منهج جديـد فـي الدراسات الإنسانية و كتاب جون بياجي المعنون بابستمولوجيا العلوم الإنسانية، دون أن أنسى بالذكر أبحاث جون ركس التي تظهر خاصة في كتابه مشكلات أساسية في النظرية الاجتماعية ، و كتاب يمنى طريف الخولي مشكلة العلوم الإنسانية. فهذه المؤلفات رغم قيمتها الفلسفية إلا أنها في نظري لا تزال تطرح المشكلة طرحا تقليديا، و تحاول أن توازن و تطابق بين الظاهرة التاريخية و الظاهرة الطبيعية ، كما تلح على إسقاط مصادرات المنهج و المتمثلة في الاطّراد و العلية و الحتمية ومبدأ التحقيق على الظاهرة التاريخية ، ضف إلى هذا أن هذه الدراسات كانت تتناول مشكلة المنهج في علم التاريخ بصفة عامة باعتباره علم إنساني ، فأردت من خلال بحثي هذا أن أبيّن مشكلة كل علم من التاريخ وفقا لخصوصيته ، و لأنني رأيت أن التبايّن شديد بين الظاهرتين الطبيعية و الإنسانية دفعني هذا الأمر إلى البحث عن زاوية أخرى قد تكون مخرج لمشكلة المنهج في علم التاريخ ، ولم يكن هذا المخرج سوى الاستناد إلى الابستومولوجيا المعاصرة خاصة بعد ظهور النظرية النسبية وحاولت أن أحتفظ بخصوصية الظاهرة التاريخية والمتمثل في غياب الاطّراد و الحتمية ومبدأ التحقيق متجاوزا المشكلة بإعادة النظر في بعض المفاهيم التي بقيّت بعض العقول الفلسفية تؤمن بها رغم أن النظرية النسبية ألغت كيانهـا ، كمـا أنني حاولت توجيه مشكلة التاريخ من مشكلة منهج إلى مشكلة مفاهيم جديدة يجب أن يتقمصها علماء التاريخ. وارجوا وان يكون كتابي هذا محاولة جادة لنقل التاريخ من مجاله العلمي إلى المجال الفلسفي.