مُبايعة أبي سعيد الخدريّ للنبيّ
كانت بيعة أبي سعيدٍ الخدريّ -رضي الله عنه- بيعةَ رجلٍ صادق الوعد، قويّ الإيمان، مُرابط العزيمة؛ فقد بايع النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- مع ستّة نفرٍ آخرين؛ على ألّا يخافوا في الله لومة لائمٍ، وألّا يخافوا شيئاً في سبيل الحقّ، وأن لا يميلوا ولا يحيدوا أبداً، فكانت مبايعةً شديدةً، إلّا أنّ سادسهم استقال منها، وبقي خمسة، كما ورد في الرواية التي يرويها الصحابيّ الجليل سهل بن سعد الساعديّ -رضي الله عنه-، وقد وفّى بها أبو سعيد الخدريّ طوال حياته.
جهاد أبي سعيد الخدريّ
برزت عزيمة أبي سعيدٍ الخدريّ -رضي الله عنه-، وشجاعته منذ صِغره؛ فقد عَرض نفسه على الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- راغباً في الجهاد مع المجاهدين، وهو ابن ثلاث عشرة سنةً، فلم تمنعه حداثة سِنّه، ونعومة ظِفره من أن يكون رِدءاً للرسول -صلّى الله عليه وسلّم-، وناصراً لدين الإسلام، وتلك هي التربية الإيمانيّة التي رُبِّيَ عليها الصحابة -رضي الله عنهم- منذ بداية عهدهم بالإسلام، إلّا أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- رَدّه؛ لصِغَر سِنّه، ويكشف هذا الموقف حُسن تربية الأنصار لأبنائهم على الوفاء بالبيعة للنبي عليه السلام بأنْ ينصروه، ويبذلوا في سبيل ذلك أنفسهم وأموالهم، كما يؤكّد على عمق الإيمان الذي سكن قلوبهم؛ فظهرت آثاره على مسارعتهم لإجابة منادي الجهاد، دون أنْ يفكّر أحدهم بالتّراخي أو التّخلف عن جماعة المسلمين.
خاض أبو سعيد الخدريّ -رضي الله عنه- الغزوات كلّها منذ أن قوِيَ عُوده في أحضان الإسلام، وغدا رجلاً كباقي الرجال؛ قويّاً، وشجاعاً، ورابطَ الجأش، ومُتحلِّياً بالصبر والأناة، حيث ورد ذلك في الحديث: (سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ، وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً)، وفيما يأتي موجزٌ عن جهاده -رضي الله عنه- في الغزوات:
- غزوة بني المصطلق: شَهِدَها أبو سعيد الخدريّ -رضي الله عنه-، وكانت سنة خمسٍ للهجرة.
- غزوة الخندق: شَهِدَها أبو سعيد الخدريّ -رضي الله عنه-، وقد روى بعض مشاهدها، حيث النبيَّ -صلّى الله عليه وسلّم- يحفر الخندق مع أصحابه -رضي الله عنهم-، والتراب على صدره الشريف، وصلّوا يومئذٍ صلاة الظُّهر، ثمّ أقام بلال للعصر، ثمّ للمغرب، ثمّ للعشاء، وكان ذلك قبل نزول صلاة الخوف.
- غزوة بني قريظة: شَهِدَها أبو سعيد -رضي الله عنه-، وحدّث عمّا جرى في نهايتها؛ من استشهاد سعد بن معاذ -رضي الله عنه-.
- غزوة الحديبية: شَهِدَها أبو سعيد -رضي الله عنه-، وروى شهودَه فيها.
- غزوة مؤتة: شَهِدَها أبو سعيد -رضي الله عنه-، وروى عن عودة جيش خالد بن الوليد -رضي الله عنه-.
- فتح مكّة: روى أبو سعيد -رضي الله عنه- ما كان فيها من أمر النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- للناس بالفِطْر: (إنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فأفْطِرُوا). .
- غزوة حُنين: شَهِدَها أبو سعيد -رضي الله عنه-، وذكرعِدّة مواقف، منها حديث ذي خويصرة الذي اعترض النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في قِسمة الغنائم بعد الغزو.
- غزوة تبوك: حضرها أبو سعيد -رضي الله عنه-، وحدّث عن مواقف شهدها، منها: المرور بالحِجر، وحديث السحابة، وعدد النفر الذين غدروا بالنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-.
مواقف أخرى لأبي سعيد الخدريّ
وردت مواقف لأبي سعيد -رضي الله عنه- في الدعوة إلى الله -تعالى-، ووصيّته للناس باتِّباع طريق الهدى كما جاء في الآثار عنه، ومن تلك الوصايا:
- الوصيّة بالخير: كان أبو سعيد -رضي الله عنه- يُوصي جموع المسلمين بالخير، والحرص عليه، ومن ذلك وصيّته لرجلٍ أتاه سائلاً الوصيّة منه، فأوصاه بالتقوى، والجهاد، وحَثّه على كثرة ذِكر الله -تعالى-، وتلاوة كتابه القرآن الكريم، وألّا يمتنع عن قولِ الحقّ في أيّ أمرٍ.
- العلم: كان أبو سعيد فيما يُروى عنه أعلم الصحابة -رضي الله عنهم- في الرواية عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-.
- تعليم القرآن الكريم: اهتمّ أبو سعيد الخدريّ -رضي الله عنه- بالقرآن الكريم اهتماماً عظيماً، كما كان نهج جميع الصحابة -رضوان الله عنهم-؛ فقد اعتنوا به أشدّ الاعتناء؛ فهو شفاءٌ للصدور، ونورٌ للقلوبِ، ومنهج للحياة، واطمئنان للأرواحِ، والحصن الدائم الذي لا ينتهي ولا يزول، فمكثوا عليه حِفْظاً، وتعلُّماً، وتطبيقاً، وتعليماً، وتفسيراً، وكان لأبي سعيد -رضي الله عنه- جانبَان في اهتمامِه بالقرآن الكريم، وهما:
- تعليم القرآن: إذ كان أبو سعيد -رضي الله عنه- من مُعلِّمي القرآن للأجيال؛ فكان له منهج خاصّ في تعليمه يعتمد على التدرُّج في تدريسه لتلاميذه، فذكر أحد تلاميذه -وهو أبو نضرة- أسلوبَه المُتألِّق في تعليم القرآن الكريم؛ فقد كان يُعلّمهم خمس آياتٍ في أوّل النهار، وخمس آياتٍ بالعَشيّ؛ مراعاةً لقدراتهم، وتحبيباً لهم في كتاب الله العزيز.
- تفسير القرآن: كان لأبي سعيد -رضي الله عنه- باعٌ في التفسير؛ فقد أخذ العلم عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، وعن كِبار الصحابة -رضي الله عنهم-، وتتلمذ على يدَيه الأئمّة العُظماء من كبار التابعين، كابن جُبير، والحسن البصريّ، والمُسيِّب، وغيرهم، ممّا يُؤكّد عنايته بالقرآن الكريم.
المصدر: mawdoo3.com