English  

كتب مملكة غرناطة

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

مملكة غرناطة (معلومة)


مَملَكَةُ غِرنَاطَة أو إِمَارَةُ غِرنَاطَة أو الدَّولَةُ النَصرِيَّة أو دَولَةُ بَنِي نَصر هي آخرُ دولةٍ إسلاميَّة قامت في الأندلُس سنة 635هـ المُوافقة لِسنة 1237م على يد والي جيَّان وأرجونة مُحمَّد بن يُوسُف بن مُحمَّد الخزرجي المعروف بابن الأحمر، الذي أصبح أوَّل أُمراء هذه الدولة. تأسست مملكة غرناطة بعد انهيار الدولة المُوحديَّة في المغرب والأندلُس، وأخذت المُدُن الأندلُسيَّة الكُبرى تسقط تباعاً في أيدي النصارى، وتعرَّض الإسلامُ والمُسلمون لِخطر الزوال، فتصدَّى مُحمَّد بن الأحمر لِلغزوات المسيحيَّة بِقيادة فرديناند الثالث ملك قشتالة، بعد أن آلت إليه -أي لابن الأحمر- مُعظم أملاك مُحمَّد بن يُوسُف بن هود الذي قُتل في ألمرية، ولمَّا هُزم ابن الأحمر على يد القُوَّات القشتاليَّة، شعر أنَّهُ لابُدَّ أن يلتمس الوسيلة لِتأمين استمراريَّة حُكمه في ظل قُوَّة قشتالة التي تُهدِّدُه، وبِخاصَّةٍ أنَّ غزوات القشتاليين وصلت إلى ضواحي غرناطة نفسها، فمال إلى الاستسلام وأبرم مُعاهدة سلامٍ مع الملك القشتالي كان من أبرز بُنُودها: تبعيَّة غرناطة لقشتالة عسكريّاً، وأن يحكم غرناطة باسم ملك قشتالة علانيَّةً؛ ويكون عضواً في مجلس «الكورتيز» (مجلس حكام المقاطعات) وبهذا كان ملك قشتالة قد أتمَّ تبعية غرناطة له تماماً. وهكذا أخذت صُورة الوضع السياسي لِلدولة الإسلاميَّة الجديدة في الأندلُس تتوضَّح تحت حُكم مُحمَّدِ بن الأحمر، الذي اتخذ غرناطة عاصمةً لهُ بدلاً من جيَّان التي كانت واقعةً تحت تهديد النصارى المُستمر.

اجتمعت تحت ظلال هذه الدولة أشلاء الأندلُس المنهارة والتي انكمشت أطرافها فيما وراء نهر الوادي الكبير جنوباً، وشغلت شرقاً رُقعةً مُتواضعةً من جيَّان وبياسة وإستجَّة حتَّى البحر المُتوسِّط، ومن ألمرية وإلبيرة غرباً حتَّى مصب الوادي الكبير. وكانت هذه المملكة الصغيرة جديرةً بِأن ترث التركة الأندلُسيَّة، واستمرَّت بِفضل وعي حُكَّامها وسياساتهم المرنة زهاء مائتين وخمسين سنةً أُخرى كمُستودعٍ لِلحضارة الإسلاميَّة في الأندلُس، واضطلعت في الوقت نفسه بِذلك النضال القديم ضدَّ الممالك المسيحيَّة حتَّى لقيت مصرعها في النهاية. فقد استمرَّت مملكة قشتالة تبتلع البلاد التابعة لِغرناطة حتَّى حاصرها الملكان الكاثوليكيان فرديناند الثاني الأرغوني وإيزابيلَّا الأولى القشتاليَّة في جُمادى الآخرة 896هـ المُوافق فيه نيسان (أبريل) 1491م، وبعد سبعة أشهُرٍ من الحصار دبَّ اليأس في نُفُوس المُسلمين وانتشر الجوع وتفشَّت الأمراض في صُفُوفهم، فأبرم آخر الأُمراء الغالب بالله مُحمَّد بن عليّ مُعاهدةً مع الملكين الكاثوليكيين قضت بِتسليم المدينة، فدخلها القشتاليُّون يوم الإثنين 2 ربيع الأوَّل 897هـ المُوافق فيه 2 كانون الثاني (يناير) 1492م، وبِذلك سقطت غرناطة وسقطت الأندلُس نهائيّاً، وأُسدل الستار على التاريخ السياسي للمُسلمين فيها.

ولم تك مملكة غرناطة الأطولَ عُمراً بين دُول المُسلمين في الأندلُس فحسب، وإنما استطاعت أن تُحقِّق نجاحاتٍ وإنجازاتٍ حضاريَّةً باهرةً تُوازي نجاحات دُول الأندلُس التي سبقتها إن لم تتفوَّق عليها. وقد حقَّقت الاكتفاء الذاتي بشهادة الرحَّالة ابن بطوطة (04-1377م) الذي وصفها بالمملكة القويَّة رُغم المُناوشات المُستمرَّة مع الممالك المسيحيَّة المُجاورة، وبِالأخص قشتالة. ومن أبرز المعالم الحضاريَّة في هذه المملكة قلعة ومسجد وقصر الحمراء الذي يُعد أحد أروع المعالم المعماريَّة في العالم، بُني لِتلبية احتياجاتٍ مُتعدِّدةٍ، فهو على الصعيد العسكري قلعةً منيعة الأسوار استطاع أُمراء غرناطة بفضلها الحفاظ على مملكتهم من الأطماع العسكرية طيلة قرنين ونيفٍ، ومن جهةٍ أُخرى صُمم لِيكون دار الإمارة ومسجداً جامعاً كبيراً، كان في أوج ازدهار المملكة منبع العُلماء ومُلتقى الدارسين من بلاد الأندلُس والمغرب، وتخرج منه عُلماء كبارٌ من أبرزهم العلَّامة الإمام الشاطبي، إبراهيم بن موسى (ت. 790هـ/1388م) الفقيه الأصولي المجتهد.

التاريخ

الخلفيَّة: انهيار الدولة المُوحديَّة في المغرب والأندلُس

تُوفي الخليفة المُوحدي الناصر لِدين الله مُحمَّد بن يعقوب بن يُوسُف يوم الأربعاء 10 شعبان 610هـ المُوافق فيه 25 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1213م، فبدأت بوفاته بداية انهيار الدولة المُوحديَّة في المغرب والأندلُس، إذ جاء بعدهُ خُلفاء ضعاف لم يكونوا على مُستوى الأحداث الخطيرة آنذاك، أوَّلُهم ابنه أبو يعقوب يُوسُف الذي تلقَّب بِالمُستنصر بِالله، وكان أضعف من أن يتولَّى مقاليد الحُكُم في تلك الظُرُوف الحرجة. كان فتىً يبلغ السادسة عشرة من العُمر، مال إلى الدّعَة وانغمس في اللهو والترف، مولعاً بِتربية البقر والخيل، فترك تدبير شُؤون الحُكم لِأعمامه الطامحين ووُزرائه من ذوي الخلال السيِّئة، وأبعد الأندلُسيين الذين ساءهم ذلك الأمر مما عرَّضهم لِلاضطهاد والمُلاحقة، فسخطوا على المُوحدين. توزَّع الحُكُم في الأندلُس آنذاك بين ثلاثة من أعمام يُوسُف المُستنصر هم عبد الله في بلنسية ودانية وشاطبة ومرسية، وأبو الحسن في غرناطة، وأبو العلاء إدريس في قُرطُبة. وتُوفي المُستنصر وهو يلهو بين أبقاره، إذ هجمت عليه بقرة وضربته بِقرنيها في موضع القلب، فتُوفي لِساعته يومَ السبت 12 ذي الحجَّة 620هـ المُوافق فيه 6 كانون الثاني (يناير) 1224م.

مهَّدت وفاة يُوسُف المُستنصر الفُجائيَّة من دون عقبٍ لِأقاربه الذين كانوا يحُكمُون ولايات الدولة فُرصةً كبيرةً لِتحقيق أطماعهم، كما ظهر الخِلاف واضحاً بين أشياخ المُوحدين حول خلافته. ويقُولُ المُؤرِّخ عبد الواحد بن عليّ المُرَّاكشيّ إنَّهُ في سبيل الخُرُوج من هذا المأزق اختار هؤلاء المشايخ أبا مُحمَّدٍ عبد العزيز بن يُوسُف خليفةً كحلٍّ مُؤقتٍ ريثما يتفقون على خليفةٍ دائمٍ، في حين يقول كُلٌ من ابن خلدون وابن خلِّكان أنَّ من خلف يُوسُف المُستنصر كان أبا مُحمَّدٍ عبد الواحد بن يُوسُف. بِجميع الأحوال لم يمضِ شهران على اختيار الخليفة المُوحدي الجديد حتَّى ثار عليه ابن أخيه عبد الله والي مرسية وأعلن نفسه أميراً باسم «العادل في أحكام الله»، واعترف أخوه أبو العلاء إدريس والي قُرطُبة بِسيادته، ودخلت غرناطة ومالقة في طاعته، وأوعز إلى أنصاره في مُرَّاكش بِالثورة على الخليفة المُؤقَّت، فخُلع في 13 صفر 621هـ المُوافق فيه 7 آذار (مارس) 1224م، وقُتل بعد ثلاثة أيَّام. ثمّ عبر العادل إلى المغرب حيثُ أمضى أربع سنواتٍ يعمل على وأد الفتن الداخليَّة حتَّى سقط قتيلاً على يد بعض الثُوَّار، فخلفهُ أخوه أبو العلاء إدريس بِحُكم الدولةِ واتخذ لقب المأمون. ثُمَّ إنه شُغل في السنوات القلائل التالية بِالعمل على توطيد سُلطانه بِالمغرب، واستبدَّ بِالحُكم واستعمل العُنف المُثير، وقاد حركةً تجديديَّةً ألغى بِمُوجبها بعض النُظُم المُوحديَّة منها إبطال عصمة ابن تومرت المهدي ومحو اسمه من الخطبة والسكَّة، كما قتل نحو مئةٍ من مشايخ المُوحدين لِعللٍ مُختلفةٍ اتهمهم بها، وسمح لِجماعةٍ من النصارى القشتاليين بِبناء كنيسةٍ في مُرَّاكش. ونتيجة هذا كفَّر الشعبُ الخليفة الجديد، وسرت روح السخط بين القبائل، وأخذ الزُعماء المُتوثبون يترقَّبون الفُرص، واشتعلت نيران الثورة في المغرب، وفي تلك الأثناء أخذ سُلطان المُوحدين في الأندلُس يضطرب ويتداعى بِسُرعةٍ وينهار حُكمهم تباعاً.

ففي تلك الآونة ظهر في منطقة مرسية أميرٌ من سُلالة بني هود العائدة إلى عصر مُلُوك الطوائف يُدعى مُحمَّد بن يُوسُف بن هود، وسيطر على تلك المنطقة وتلقَّب باسم «المُتوكِّل على الله»، ودعا بِدعوةٍ جديدةٍ تُمثِّلُ روح الأندلُس الحقيقيَّة، وهي وُجُوب العمل على تحرير الأندلُس من نير الموحدين والنصارى معاً لا سيَّما بعد أن تحالف الخليفة المُوحدي إدريس المأمون مع ملك قشتالة وتنازل لهُ عن عددٍ من الحُصُون والقواعد، ومنح المسيحيين في أراضيه امتيازاتٍ خاصَّةً -كحق بناء الكنيسة في مُرَّاكش كما أُسلف- لقاء مُعاونة ملك قشتالة له على مُحاربة خُصُومه، فأسبغ هذا التحالف بين الموحدين والقشتاليين قُوَّةً خاصَّة على دعوة ابن هود، واندفع الأندلُسيُّون إلى الانضواء تحت لوائه، وأعلن ابن هود أنه يعتزم تحرير الأندلُس من سُلطان المُوحدين الذين لم يعودوا أهلاً لِلحُكم، وكذا من النصارى المُتوثبين لِطرد المُسلمين من البلاد، وأنَّهُ سيعمل على إحياء الشريعة الإسلاميَّة وسُننها، ودعا لِلخلافة العبَّاسيَّة، وكاتب الخليفة العبَّاسي المُستنصر بالله أبو جعفر منصور بن مُحمَّد بِبغداد وأعلن تبعيَّة الأندلُس لِلعبَّاسيين، فبعث إليه الخليفة المذكور بِالخلع والمراسيم. ولم يمضِ سوى قليلٍ حتَّى دخلت في طاعة ابن هود عدَّة من قواعد الأندلُس مثل جيَّان وقُرطُبة وماردة وبطليوس، ثُمَّ استطاع أن ينتزع غرناطة قصبة الأندلُس الجنوبيَّة من المأمون في سنة 628هـ المُوافقة لِسنة 1231م. وفي مُفتتح سنة 630هـ المُوافقة لِسنة 1233م، تُوفي المأمون وخلفه ابنه الفتى عبد الواحد الرشيد، واعترف بِخِلافته قسمٌ من الأندلُس الإسلامية مثل إشبيلية والجزيرة الخضراء مما زاد الأُمور تأجُجاً في البلاد حيثُ استمرَّ ابن هودٍ مدةً يخوضُ مع المُوحدين والنصارى معاركَ مُتعاقبة. في هذا الوقت الذي اندلعت فيه الثورات في رُبُوع الأندلُس الإسلامية كانت الممالك المسيحيَّة فيها تسيرُ بِخُطىً ثابتةً، وتتطلَّع بِأملٍ إلى حيازة كافَّة المُدن الأندلُسيَّة من أيدي المُسلمين مُستغلَّةً انهيار الجبهة الدفاعيَّة وتراجُع القُوَّة العسكريَّة المُوحديَّة وانهماك المُوحدين بِخلافاتهم الداخليَّة وحُرُوبهم الأهليَّة، فهاجم ألفونسو التاسع ملك ليون (1171–1230) مدينة قصرش سنة 622هـ المُوافقة لِسنة 1225م واستولى عليها، وأضحى الطريق مفتوحاً أمامهُ لِلانسياب إلى ماردة وبطليوس الواقعتين جنوبي قصرش، كما استولى على حصن منتانجش الواقع شماليّ ماردة أوائلَ سنة 627هـ المُوافقة لِأواخر سنة 1229م، ثم حاصر ماردة واقتحمها في شهر رجب سنة 627هـ المُوافق لِشهر أيَّار (مايو) 1230م، وفشل ابن هود الذي تصدَّى لهُ في إنقاذها، كما سقطت بطليوس في يده، وكان هذا النصر العسكري آخر عملٍ حربيٍّ قام به ألفونسو التاسع قبل وفاته. وإلى جانب ملك ليون كان ابنه فرديناند الثالث (الملقب بالقديس) (1199-1252) ملك قشتالة يُراقب بِحذرٍ وخشيةٍ تطوُّر الأوضاع في تلك المناطق بِفعل تأثيرها على مملكته لاسيَّما وأنَّ نطاق حركة مُحمَّد المُتوكِّل قد اتسع ودخلت مُعظم بلاد الأندلُس الإسلامية في طاعته الأمر الذي جعل منه كُتلةً قويَّةً مُتماسكةً يصعُب تدميرها. ولمَّا كانت نيران الحرب الأهليَّة مُضطرمةً في بلادُ المُسلمين، وابن هود يُقاتلُ الأُمراء والوُلاة المُوحدين لإدخالهم في طاعته، فقد أسرع الملك القشتالي لِاستغلال الفُرصة، وسيَّر قُوَّاته لِمُقاتلة ابن هود، فالتقى الجمعان في فحص شريش على ضفاف نهر وادي لكة، فانهزم المُسلمون رَغم تفوُّقهم العددي، وسار فرديناند بعد ذلك لاجتياح أُبَّدة فسقطت في يده بعد حصارٍ قصيرٍ سنة 631هـ المُوافقة لِسنة 1234م. وأوغل الملك القشتالي جنوباً حتَّى وصل فحص غرناطة مُدمِّراً القُرى ومُهلكاً الزرع في دربه، ثُمَّ عاد إلى الشمال وحاصر جيَّان غير أنَّهُ فشل في اقتحامها ففكَّ الحصار عنها بعد مضيّ ثلاثة أشهر وعاد أدراجه لِيكتشف وفاة والده، فتوجَّه إلى ليون على وجه السُرعة ليجلس على عرشها مكانه ويُوحّد بين مملكتيّ قشتالة وليون.

ظُهُور مُحمَّد بن يُوسُف بن نصر

لم يُدركِ الأُمراءُ المُسلمون مدى جديَّة الخطر المسيحي، فراحوا يتنافسون ويتحاربون الأمر الذي أتاح لِعدُّوهم التفوُّق عليهم. شعر ابن هود، بعد انهيار سُلطان المُوحدين في الأندلُس وبسطه سيادته على مُعظم البلاد، أنَّهُ غدا زعيم المسلمين الأندلُسيين الأوحد وقائد حركتهم في صراعهم مع النصارى والمسؤول عن حماية الأرض والشعب، لكن نافسهُ أبو جُميل زيَّان بن مُدافع الجذامي في بلنسية، غير أنَّ هذه المُنافسة في الشرق لم تُضايقه، إنما خشي من بُرُوز زعيمٍ آخر أخذ نجمه يسطع في أواسطِ الأندلُس وجنوبها بِسُرعةٍ ويظفر بِطاعة مدينةٍ بعد أُخرى، ذلك هو مُحمَّد بن يُوسُف بن نصر المعروف بابن الأحمر. يرجعُ ابن الأحمر في نسبه إلى سعد بن عُبادة الخزرجيّ الأنصاري أحد كِبار صحابة الرسول مُحمَّد، وُلد في مدينة أرجونة من حُصُون قُرطُبة في جهة الشرق عام 591هـ المُوافقة لِسنة 1195م، وهو عام الأرك. اشتهر بِعزمه وجُرأته في القتال ولمَّا كثُرت غزوات النصارى لِلمناطق الإسلامية في الأندلُس أخذ يدعو لِلم الشمل، فالتفَّ حولهُ الأنصار في أرجونة والمناطق المُجاورة لها، ودخلت في طاعته جيَّان وبسطة ووادي آش والحُصُون القريبة، وأيَّدتهُ قرمونة وقُرطُبة وإشبيليّة سنة 629هـ ثُمَّ عدلت قُرطُبة وإشبيليّة إلى طاعة ابن هود، كما دخلت في طاعته شريش ومالقة والحُصُون القريبة منها، وانضمَّ إليه كثيرٌ من المُسلمين الذين هجروا المناطق التي احتلَّها القشتاليُّون، وارتأى أن يستظل بِدعوة الحُكَّام المُسلمين الكبار، فدعا لِصاحب إفريقية السُلطان أبي زكريَّاء يحيى بن حفص، والخليفة العبَّاسي المُستنصر بالله أبو جعفر منصور بن مُحمَّد.

ومالبث ابن هودٍ أن شعر بِخُطُورة ابن الأحمر فقرَّر القضاء عليه، غير أنَّهُ انهزم أمامهُ في معركةٍ جرت بِالقُرب من إشبيليّة سنة 631هـ المُوافقة لِسنة 1234م. ويبدو أنَّ الزعيمين المُسلمين أدركا بعد ذلك خطر الحرب الأهليَّة بينهما، وأنَّ فرديناند الثالث المُتربِّص بكليهما هو المُستفيد الأوَّل، فمالا إلى التفاهم وعقدا صُلحاً اعترف فيه مُحمَّد بن الأحمر بِطاعة مُحمَّد بن هود مُقابل أن يُقرَّه هذا الأخير على جيَّان وأرجونة وبركونة وأحوازها. رأى فرديناند الثالث في تحالف الزعيمين خطراً عليه، فتدخَّل لِيُفرِّق بينهما، فهاجم منطقة جيَّان التابعة لابن الأحمر من جهة، وعقد صُلحاً مع ابن هود لِثلاثة أعوامٍ من جهةٍ أُخرى على أن يدفع لهُ هذا الأخير جزيةً سنويَّةً مئةً وثلاثين ألف دينار، ويتنازل لهُ عن بعض الحُصُون الواقعة في سلسلة جبال الشارات، ثُمَّ قفل عائداً إلى بلاده، واستولى في طريقه على حصن الأطراف وشنت إشتيبن، وثلاثين حصناً آخر. الواقع إنَّ غزوات فرديناند الثالث المُتوالية لِمناطق المسلمين في الأندلُس وعقده الاتفاقيَّات المُهدِّئة مع مُحمَّد بن هودٍ وسيطرته على حُصُون منطقة جيَّان ومدينة أُبَّدة لم تكن سوى مُقدِّماتٍ لِحدثٍ أخطرَ وأبعدَ مدىً كان يعمل على تحقيقه ألا وهو الاستيلاء على قُرطُبة لاسيَّما وأنَّ الأمر فيها فوضى وليس من يجمع الكلمة. أواخرَ ربيع الآخر 633هـ المُوافق فيه أوائلَ كانون الثاني (يناير) 1236م سار قسمٌ من الجيش القشتالي الذي استولى على أُبَّدة إلى منطقة أندوجر الواقعة شرقيّ قُرطُبة، واستطلع وضع المدينة وعلم أنَّها في وضعٍ سيِّءٍ وقد أُهملت وسائل الدفاع عنها، فطمع بالاستيلاء عليها. رأى القشتاليَّون أنَّ حيازة المدينة الكبيرة الحصينة ليس بِالأمر السهل، ولا بُدَّ لِتحقيقه من قُوَّاتٍ ضخمةٍ، فراسلوا ملكهم فرديناند الثالث يعلمونه بالوضع فأتاهم على وجه السُرعة تُلاحقه قُوَّاته من سائر الأنحاء. أرسل أهلُ قُرطُبة إلى ابنِ هودٍ -أميرهم الشرعي- يطلبون الغوث والإنجاد؛ وقدَّر هذا خطورة الموقف، وسار لِنجدة المدينة المحصورة، ولكنَّهُ علم في طريقه أنَّ جيش القشتاليين يفوقه في الأهبة والكثرة، ووصلهُ من جهةٍ أُخرى صريخ أبي جُميل زيَّان أمير بلنسية لِمُعاونته ضدَّ يعقوب (چايم) ملك أرغون الذي اشتدَّ في مُناوَأته وإرهاقه، ووعدهُ (أي وعد ابنَ هودٍ) بِأن ينضوي تحت لوائه [سقطت بلنسية بعدئذٍ عام 1238 بيد خايمي الأول (يعقوب) الأرغوني بحملةٍ صليبيةٍ باركها بابا روما عقب حصارٍ دام خمسَ سنين، وقيل قُتل وقتئذٍ ستون ألف مسلم، وعنى سقوطها فقدان التحكم بالساحل الشرقي]، ولاح لِابن هودٍ أنَّ السير إلى بلنسية أيسر وأجدى، فترك قُرطُبة لِمصيرها على أمل أن يصمد أهلها لِلدفاع عنها أو يستطيع إنقاذها فيما بعد. لبث حصار قُرطُبةَ بضعةَ أشهُرٍ حتَّى ضاق الحال بأهلها وفقدوا كُلَّ أملٍ في الغوث والإنقاذ، فاضطرُّوا إلى التسليم، ودخل النصارى قُرطُبة في 23 شوَّال 633هـ المُوافق فيه 29 حُزيران (يونيو) 1236م، ولم يلبثْ ابنُ هودٍ أن تُوفي بعد ذلك بِقليلٍ أوائل سنة 635هـ المُوافقة لِسنة 1237م في ثغر ألمرية في ظُرُوفٍ غامضة. أحدثت وفاة مُحمَّدِ بنِ هودٍ انعطافةً كبيرةً في تاريخ المُسلمين في الأندلُس ذلك الوقت، إذ كان حتَّى وفاته أقوى الأُمراء المُسلمين في جنوبيّ البلاد، فانهارت بِوفاته دولته التي كانت تُبشِّرُ بِبعثٍ أندلُسيٍّ جديد، وآل مُعظم تُراثه إلى مُحمِّدِ بن الأحمر أمير جيَّان وأرجونة.

قيام مملكة غرناطة

عند وفاة ابن هود بادر مُحمَّد بن يُوسُف إلى العمل لاجتناء تُراثه في الأنحاء الوُسطى. وكان ابن هود قد ولَّى على غرناطة عُتبة بن يحيى المُغيلي، وكان خصماً لِابن الأحمر يأمُرُ بِسبِّهِ على المنابر، وكان ظلوماً جائراً فلمَّا اشتدَّت وطأته على أهل غرناطة ثار عليه جماعةٌ من أشرافها، فهاجم أربعون رجُلاً منهم القصبة والقصر واقتحموها وسُيُوفهم مشهورة وقتلوا عُتبة وأعلنوا طاعتهم لِابن الأحمر، وبعثوا إليه يستدعونه. سار ابن الأحمر إلى غرناطة ودخلها أواخرَ رمضان سنة 635هـ المُوافق فيه شهر نيسان (أبريل) 1238م، وهو يرتدي ثياباً خشنةً، وحلَّةً مُرقَّعةً كثياب الصوفيَّة، ونزل بِجامع القصبة وأمَّ الناس لِصلاة المغرب بِفاتحة الكتاب و﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ أو ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وهو مُتقلِّدٌ سيفه، ثُمَّ خرج إلى قصر باديس والشُمُوع بين يديه ونزل فيه مع خاصَّته، وبِذا غدت غرناطة حاضرته ومقر حُكمه، وكان ذلك لِأشهُرٍ قلائلَ فقط من وفاة ابن هود، وماكاد يستقر في حاضرته الجديدة حتَّى عوَّل على ضم ألمرية وسحق ابن الرميمي -وزير ابن هودٍ وقاتلِه- فسار إليها في بعض قُوَّاته وحاصرها مُدَّة، فلمَّا اشتدَّ عليها الحصار غادرها الرميمي من جهة البحر بِأهله وماله في سفينةٍ خاصَّة، واستقرَّ بِمدينة تُونُس تحت كنف السُلطان أبي زكريَّاء يحيى بن حفص، ومَلَك ابن الأحمر ألمرية وامتدَّ بِذلك سُلطانه إلى سائر الشواطئ الجنوبيَّة. وكان من أعظم أعوان مُحمَّد بن يُوسُف في تلك المعركة التي انتهت بِتحقيق رياسته عشيرته أي بني نصر، وأصهاره بنو أشقيلولة. وهكذا نشأت مملكة غرناطة الصغيرة من غمر الفوضى التي سادت الأندلُس على إثر انهيار دولة المُوحدين، ولكنها كانت في حاجةٍ إلى الاستقرار والتوطُّد، وكان مُحمَّد بن يُوسُف يُواجه في سبيل هذه المُهمَّة كثيراً من الصعاب،. كانت الأندلُس مزَّقتها الحرب الأهليَّة شيعاً وانتثرت إلى حُكُوماتٍ ومناطقَ عديدةٍ، وكان ابن الأحمر يحظى بِتأييد جمهرةٍ كبيرةٍ من الأندلُسيين ولا سيَّما في الجنوب، ولم يكُ ثمَّة مايمنع من التفاف المُسلمين الأندلُسيين كُلِّهم حول لواء هذا الزعيم المُنقذ، ولكن روح التفرُّق والتنافُس كانت مُتأصِّلةً في نُفُوس المُتغلِّبين والطامعين، وكان أصاغر الحُكَّام والزُعماء يُؤثرون الانضواء تحت ألوية المُلُوك المسيحيين والاحتفاظ في ظلِّهم بِمُدُنهم وقواعدهم على مُناصرة ابن الأحمر والانضواء تحت لوائه. حدث ذلك بِنوعٍ خاصٍ في مرسية وشرقيّ الأندلُس، فقد ارتضى صاحب مرسية مُحمَّد بن عليّ بن هود وحُكَّام لقنت وأوريولة وقرطاجنة وجنجالة وغيرها أن يعقدوا الصُلح مع ملك قشتالة معترفين بِطاعته ويُؤدوا لهُ الجزية، وأن يبقوا مُتمتعين في ظلِّه بِحُكم مُدُنهم ومواردهم، وعلى إثر ذلك سُلِّمت مرسية ودخلها ألفونسو ابن فرديناند الثالث ملك قشتالة في احتفالٍ فخمٍ يومَ 10 شوَّال 640هـ المُوافق فيه 2 نيسان (أبريل) 1243م.

وكان فرديناند الثالث يرى في ابن الأحمر، بعد اختفاء ابن هود، زعيم الأندلُس الحقيقي والخصم الذي يجب تحطيمه. وكان ابن الأحمر من جانبه يُقدِّر خُطُورة المُهمَّة التي أُلقيت على عاتقه، وكان يعقد العزم على مُحاربة النصارى واستخلاص التُراث الإسلامي الأندلُسي من أيديهم؛ فماكاد يستقر في غرناطة حتَّى نشط إلى مُحاربة النصارى، وسار إلى قلعة مرطوش في قُوَّةٍ كبيرةٍ وضرب حولها الحصار سنة 636هـ المُوافقة لسنتيّ 1238 و1239م، ولكنَّ النصارى قدموا لِإنجادها بِسُرعة، واضطرَّ المُسلمون إلى رفع الحصار واشتبكوا مع الأعداء في معركةٍ أحرزوا النصر فيها. على أنَّ مثل هذه المعارك المحليَّة لم تك حاسمةً في سير الحوادث، وكان فرديناند الثالث يرقب نُهُوض هذه القُوَّة الأندلُسيَّة الجديدة بِعين التوجُّس ويتأهَّب لِمُقارعتها، فماكاد ينتهي من إخضاع الثُغُور الشرقيَّة والاستيلاء على مرسية حتَّى عمد إلى مُهاجمة ابن الأحمر، وبعث لِقتاله جيشاً ًقويّاً بِقيادة ولده ألفونسو، واستولى النصارى على حصن أرجونة وعدَّة حُصُونٍ وأماكنَ أُخرى من أملاك أمير غرناطة، ثُمَّ حاصروا غرناطة نفسها سنة 642هـ المُوافقة لِسنة 1244م، ولكنَّهم رُدُّوا عن أسوارها بِخسائرَ فادحة. وفي السنة التالية زحف القشتاليُّون على جيَّان وحاصروها حتَّى كادت تسقط في أيديهم. فلمَّا رأى ابن الأحمر تفوُّق النصارى وعبث المُقاومة آثر مُصانعة ملك قشتالة ومُهادنته، فسار إلى لقائه في مُعسكره وقدَّم إليه طاعته، واتفق على أن يحكم أراضيه باسمه وفي ظلِّه وأن يُؤدِّي لهُ إتاوةً سنويَّةً مئةً وخمسين ألف دينارٍ مُرابطي -وهو مبلغٌ شكَّل أهم مصادر دخل مملكة قشتالة في ذلك الوقت- وأن يُعاونه في حُرُوبه ضدَّ أعدائه فيُقدِّم إليه الجُند أينما طلب منهُ ذلك، وأن يشهد اجتماع مجلس قشتالة (مجلس حكام المقاطعات أو الكورتيز) بِاعتباره من الأُمراء التابعين لِلعرش، وسلَّم إليه جيَّان وأرجونة وبركونة وبيغ ووادي الحجارة وقلعة جابر والفرنتيرة لِعجزه عن الاحتفاظ بها، وفي مُقابل هذا الثمن الفادح عقد فرديناند الثالث صاحب قشتالة السلم مع ابن الأحمر لِمُدَّة عشرين سنة، وأقرَّهُ على ما بقي بِيده من القواعد والحُصُون. وهكذا أمنت غرناطة شرَّ العدوان حتَّى حين، وقبل ابن الأحمر أن يُضحِّي بِاستقلاله السياسي وهيبته الأدبيَّة احتفاظاً بِبلاده، وتطلُّعاً إلى ظُروفٍ أفضل يستطيع فيها النضال والصُمُود، وانصرف إلى تنظيم مملكته وتوطيد حُكمه الداخليّ.

قيام الدولة المرينيَّة وثورة الأندلُسيين

خِلال فترة التخبُّط التي أعقبت وفاة ابن هود وقيام مملكة غرناطة كانت أحداث المغرب تمخَّضت عن قيام دولةٍ جديدةٍ فتيَّةٍ هي الدولة المرينيَّة. ولم يلبث المرينيُّون أن هرعوا إلى الأندلُس لِنجدة إخوانهم، وبِخاصَّةٍ بعد مُهاجمة القشتاليين مدينة سلا سنة 660هـ المُوافقة لِسنة 1262م، ونهبها، الأمر الذي دفع أبا يُوسُف يعقوبَ بنَ عبدِ الحق سُلطانَ بني مرين على رفع راية الجهاد نحو الأندلُس. وممَّا ساهم في حث المرينيين على الجوازِ إلى الأندلُس تتابعُ سُقُوط مُدن المُسلمين في المنطقتين الشرقيَّة والوُسطى، ففي 27 رمضان 646هـ المُوافق فيه 23 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1248م، سقطت إشبيليّة بِيد النصارى، وتبعتها سائر المُدُن والحُصُون الإسلاميَّة الواقعة فيما بينها وبين مصب نهرِ الوادي الكبير مثل شريش وشذونة وقادس وشلوقة وغليانة وفارو (شنتمرية الغرب) وغيرها، وأخذت رقعة الدولة الإسلاميَّة تنكمش بِسُرعة. اضطرَّ ابن الأحمر -إيفاءً بِاتفاقيته مع ملك قشتالة- إلى بذل ما استطاع من العون الماديّ والأدبيّ لِلاستيلاء على إشبيلية، وتقول بعض الروايات الإسلاميَّة إنَه كان يرمي بِمُعاونة النصارى على هذا النحو إلى الانتقام من أهل إشبيلية لِخذلهم إيَّاه ونُكُولهم عن طاعته. ويبدو أنَّ ابنَ الأحمرِ لم يك يعتزم المضيّ في ذلك المسلك المُهين لهُ ولِلمُسلمين ولتُراثهم، فراودته نفسه بِضرورة كسر الأغلال التي صفَّدته بها مُحالفة النصارى، فلمَّا آنس ازدياد قُوَّته علت صرخته واستنجد بِالسُلطان المريني. والحقيقة إنَّ رسائل الأندلُسيين كانت تتواتر وتتتابع إلى أُمراء المغرب وأكابرهم تستنصرهم ممَّا تكابدهُ من عدوان الممالك المسيحيَّة، وكان عُلماء المغرب وخُطباؤها وشُعراؤها يبُثُّون دعوة الغوث والإنجاد، ومن ذلك قصيدةً مُؤثِّرةً وضعها أبو الحكم مالك بن المُرحَّل السبتي، وقُرئت في جامع القرويين بِفاس -عاصمة بني مرين- في أحد أيَّام الجُمُعة سنة 662هـ بعد الصلاة، وممَّا ورد فيها:

أمام هذا الواقع جهَّز السُلطان المريني حملةً عسكريَّةً قوامها ثلاثة آلاف مُقاتلٍ بِقيادة أبي معروف مُحمَّد بن إدريس بن عبد الحق المريني وأخيه عامر عبرت إلى الأندلُس سنة 661هـ المُوافقة لِسنة 1263م، فتقوَّى بها مُحمَّدُ بنُ الأحمر، واستطاع بِمُساعدتها أن يُجبر ألفونسو العاشر صاحب قشتالة على فكِّ الحصار الذي ضربهُ على غرناطة بعدما كان فاتحَ المُسلمين بِالعدوان، كما تمكَّن من أن يستردَّ بِواسطتهم مدينة شريش من أيدي النصارى، ولو إلى حين. خشي ألفونسو العاشر من صحوة المُسلمين وتدفُّق المُتطوعين المُجاهدين إلى الأندلُس الأمر الذي يُؤثِّرُ سلباً على خططه، فضاعف ضغطه على المُدُن الأندلُسيَّة الباقية ونجح في انتزاع إستجَّة حيثُ تنازل لهُ صاحبها، ابن يُونُس، عنها صيفَ سنة 662هـ المُوافقة لِسنة 1264م، وظهرت نيَّته واضحةً في الانقضاض على بقيَّة المُدُن والثُغُور، فاشتدَّ الخوف في سائر الأنحاء. استأنف الأندلُسيُّون رسائل الاستنجاد إلى أُمراء المغرب للمُبادرة لإمدادهم غير أنَّ المرينيين انشغلوا عن تلبية النداء ما دفع مُحمَّد بن الأحمر إلى استعمال ورقة المُسلمين المُدجَّنين واستغلال ثورتهم كعامل ضغطٍ ضدَّ ألفونسو العاشر.

والمُدجَّنون هُم المُسلمون الذين بقوا تحت حكم الممالك المسيحيَّة بعد سقوط مُدُنهم وقُراهم بأيدي النصارى، وقد آثروا البقاء بسببٍ أُسري، أو لِظُروفٍ اقتصاديَّةٍ أو اجتماعيَّة. [ومعظمهم من أهل البلاد الأصليين أي من أصولٍ غير عربيةٍ أو أمازيغيّةٍ (أو أحد أبوين على الأقل) وقد شهدت الأندلس ثوراتٍ عديدةً من قبلهم على حكامهم الجدد بسبب الفارق في السوية الحضارية والثقافية، والاضطهاد الذي مارسه أولئك الحكام عليهم، غالباً لفرض أحكامٍ جائرةٍ وتقييد حرياتهم، وهم على الأعم يتقنون اللغات المحلية الدارجة أكثر من العربية التي أضحت ذلك الوقت لغة المثقفين فقط، كما حُظرت كلغةٍ رسميةٍ للحكم والقضاء والدواوين في الممالك المسيحية الأندلسية]. تعرَّض الملك القشتالي لِثورةٍ شعبيَّةٍ عارمةٍ (ثورة المدجنين (1264-1266)) في جميع مُدن الأندلُس الواقعة تحت سيطرته سنة 663هـ المُوافقة لِسنة 1265م، واستولى الثائرون على عددٍ من المُدُن منها شريش وطريانة ولبلة ووادي آنة وشذونة ولوشة وبقيرة وقورية وغيرها، كما حاصر سُكَّان إشبيلية مقرَّ ألفونسو العاشر فيها [كانت إشبيلية منذ احتلالها (1248م) غدت عاصمة قشتالة]، لكنَّهُ تمكَّن من الفرار وغادر المدينة. نتيجة استفحال الثورة استنجد ألفونسو العاشر بالبابا كليمنت الرابع، وطلب منهُ العمل على حثِّ نصارى أوروپَّا بِتقديم مُساعداتٍ عاجلةٍ لِإنقاذ قشتالة، كما استعان بِالمُنظمات الدينيَّة العسكريَّة، وبِخاصَّةٍ فُرسان قلعة رباح، واتصل بِبعض المُتمرِّدين في غرناطة ومنهم بنو أشقيلولة بِمالقة ووادي آش، وشجَّعهم على الثورة على مُحمَّدِ بنِ الأحمر مع تقديم المُساعدة لهم، فاستجابوا لِه وشاركوه في حصار غرناطة بعدما تمكَّن من إخماد الثورة سنة 664هـ المُوافقة لِسنة 1265م. ومن المعروف أنَّ بني أشقيلولة، أصهار ابن الأحمر، كانوا أوَّل أمره حُلفاءَه، ثُمَّ انقلبوا عليه بِسبب مُنازعاتٍ على الحُكم. وهكذا فُوجئ مُحمَّد بن الأحمر بِالثورة عليه انطلاقاً من مالقة في الوقت الذي يستعد فيه لِصد هجمات القشتاليين المُحاصرين لِغرناطة، وراح يترنَّح تحت ضربات هؤلاء وهؤلاء في ظلِّ إحجام المرينيين عن تقديم مُساعدةٍ عاجلة، فأدرك عندئذٍ عدم قُدرته على صدِّ العدوان القشتالي وعدم تمكُّنه من إخماد ثورة بني أشقيلولة، فجنح إلى السلم وسعى لمُهادنة ألفونسو العاشر بالتنازل لهُ عن عددٍ كبيرٍ آخر من المُدن والحُصُون الأندلُسيَّة الهامَّة، منها شريش والقُليعة وغيرها. وهكذا فقدت الأندلُس مرَّة أُخرى عديداً مما تبقَّى من مُدنها وحُصُونها. وتعرَّض أميرُ غرناطة لِثورةٍ أُخرى قام بها أصهاره بنو أشقيلولة سنة 665هـ المُوافقة لِسنة 1267م بعد فشله في إيجاد حُلُولٍ مُلائمةٍ معهم بِشأن النزاع على حاكميَّة مالقة، فحاصر المدينة مرَّتين ولم يتمكَّن منها، وفي تلك الآونة عاود النصارى التحرُّك والتحرُّش بِالمملكة الإسلاميَّة حين هاجم ملك قشتالة الجزيرة الخضراء وعاث في أرباضها فساداً مما دفع الأمير المُسلم إلى التفاهم مع بني أشقيلولة وإقرار صهره أبا مُحمَّد على حُكم مالقة، والتماس المُساعدة من السُلطان المريني أبي يُوسُف يعقوب. ولكنَّ ابن الأحمر لم يعش لِيرى نتيجة هذه الدعوة إذ تُوفي بعد ذلك بِقليلٍ في 29 جُمادى الآخرة 671هـ المُوافق فيه 20 كانون الثاني (يناير) 1273م.

الحملات المرينيَّة لِإنقاذ الأندلُس

كان مُحمَّد بن يُوسُف قد عهد إلى ابنه، أبي عبد الله مُحمَّد بن مُحمَّد بن يُوسُف، بِولاية العهد، فلمَّا تُوفي حلَّ مكانه في إمارة المُسلمين، وهذا الرجل هو الذي وضع أُسس الدولة النصريَّة، ورتَّب رُسُوم المُلك، ووضع ألقاب خدمتها، ونظَّم دواوينها وجبايتها، فخلع عليها صفة المُلُوكيَّة. لُقِّب مُحمَّد الثاني بالـ«فقيه» لِعلمه وتقواه، وتمتع بِصفاتٍ حسنةٍ من قُوَّة العزم وبُعد الهمَّة وسِعة الأُفق والبراعة السياسيَّة، فقد تقلَّب في سياسته بين الممالك المسيحيَّة والدولة المرينيَّة من أجل الحفاظ على سيادته وسلامة أراضه، وكان عالماً يقرصُ الشعر ويُؤثر مجالسة العُلماء والأُدباء، وفي عهده انهارت الدولة المُوحديَّة تماماً واستتب الأمر لِبني مرين في المغرب.

أرسل مُحمَّد الفقيه، عقب ولايته بِقليل، وفداً من أكابر الأندلُس إلى السُلطان المريني أبو يُوسُف يعقوب بن عبد الحق، يحملُ رسالة استغاثةٍ مُؤثِّرة، فشرحوا لهُ حال الأندلُس من الضعف ونقص الأهبة، وتداعي الأعداء عليها، واستصرخوه لِلغوث والجهاد، وممَّا جاء في رسالة مُحمَّد الفقيه إلى أبي يُوسُف بعد الديباجة:

«تَطَوَّلَ عَلَينَا بِمَعلُومِ حِدِّك وَمَشهُودِ جِدِّك، قَد جَعَلَكَ الله رَحمَةً تُحيي عَيشَهَا بِجُيُوِشكَ السَّريعَة، وَخَلَّفَكَ سُلَّمًا إلى الخَيرِ وَذَرِيعَة، فَقَد تَطَاوَلَ العَدُوُّ النَّصرَانِيُّ عَلَى الإِسلَامِ، واهتُضِمَ جَنَاحَهُ كُلَّ الاهتِضَامِ، وَقَد استَخلَصَ قَوَاعِدُهَا وَمَزَّقَ بُلدَانُهَا، وَقَتَلَ رِجَالَهَا وَسَبَى ذَرَارِيهَا وَنِسَاءَهَا، وَغَنِمَ أَموَالَهَا. وَقَد جَاءَ بِإِبرَاقِهِ وَإِرعَادِهِ وَعَدَدهِ وَإِيعَادِه، وَطَلَبَ مِنَّا أَن نُسَلِّمَ لَهُ مَا بَقِيَ بِأَيدِينَا مِنَ المَنَابِرِ وَالصَّوَامِعِ وَالمَحَارِيبِ وَالجَوَامِعِ، لِيُقيمَ بِهَا الصُّلبَان، وَيُثبِّت بِها الأَقِسَّةُ وَالرُّهبَان. وَقَد وطَّأ الله لَكَ مُلكًا عَظِيمًا شَكَرَكَ الله عَلَى جِهَادِكَ فِي سَبِيلِه، وَقِيَامِكَ بِحَقَّهِ وَإِجهَادِكَ فِي نَصرِ دِينِهِ وَتَكمِيلِهِ، وَلَدَيكَ مِن نِيَّةِ الخَيرِ، فَابعَث بِاعِثَ بَعثِكَ إِلَى نَصرِ مَنَارِه، وَاقتِبَاسِ نُورِهِ، وَعِندَكَ مِن جُنُودِ الله مَن يَشتَرِيَ الجَنَّاتَ بِنفسِهِ. فَإِن شِئتَ الدُّنيَا فَالأَندَلُسِ قُطُوفُهَا دَانِيَة، وَجَنَّاتُهَا عَالِيَة، وَإِن أَرَدّتَ الآخِرَة بِهَا جِهَادٌ لَا يَفتَر، وَهَذِهِ الجَنَّة أَدخَرَهَا الله لِظِلَالِ سُيُوفِكُم، وَاحتِمَالِ مَعرُوفِكُم، وَنَحنُ نَستَعِينُ بِالله العَظِيمِ وَبِمَلَائِكَتِهِ المُسَوِّمِين، ثُمَّ بِكُم عَلَى الكَافِرِين. فَقَد قَالَ تَعَالَىٰ وَهُوَ أَصدَقُ القَائِلِين: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾». وافق السُلطان المريني على طلب الأندلُسيين ووعد مُحمَّداً الفقيه بِالعُبُور إلى الأندلُس، لكنَّهُ اشترط عليه أن يتنازل لهُ عن بعض الثُغُور الساحليَّة لِتنزل بها جُنُوده، فتنازل لهُ عن رندة وجزيرة طريف والجزيرة الخضراء، فكان الأمر كما حصل قبل نحو قرنين من الزمن عندما عبر أمير المُرابطين يُوسُف بن تاشفين إلى الأندلُس. وبعد أن هيَّأت التطوُّرات الداخليَّة في المغرب، من واقع وضع حد لِأطماع بني عبد الواد في تلمسان، أضحى بِإمكان أبي يُوسُف يعقوب بن عبد الحق التفرُّغ لِلجهاد في الأندلُس، فخرج من فاس سنة 673هـ المُوافقة لِسنة 1275م، وأرسل ابنه أبا زيَّان كطليعةٍ إلى الأندلُس على رأس قُوَّةٍ قوامها خمسة آلاف مُقاتل، فعبر البحر ونزل بِثغر طريف في شهر ذي الحجَّة المُوافق فيه شهر حُزيران (يونيو)، وتوغَّل في أراضي قشتالة حتَّى مدينة شريش، فعاث فيها وعاد إلى ثغر الجزيرة الخضراء فنزل فيها وانتظر عُبُور والده. وكان أبو يُوسُف يعقوب بن عبد الحق قد انتهى من استعداداته، فعبر إلى الأندلُس في صفر 674هـ المُوافق فيه آب (أغسطس) 1275م على رأس جيشٍ كثيفٍ ونزل في جزيرة طريف، فهرع مُحمَّد الفقيه إلى لقائه وانضمَّ إليه مع قُوَّاته، وكذلك فعل صهره مُحمَّد بن أشقيلولة الذي يبدو أنَّهُ أراد أن يستغل القُوَّة المرينيَّة لِإزاحة مُحمَّد الفقيه عن حاكميَّة غرناطة والحُلُول مكانه، ورُبما صدرت من ابن أشقيلولة في حق ابن الأحمر جفوة بِمحضر السُلطان يعقوب الأمر الذي أثار حفيظة العاهل الغرناطي، فارتدَّ إلى غرناطة وهو حذر.

وسار السُلطان المريني بِجيش المُسلمين إلى بسائط الفرنتيرة، فعاث فيها ثُمَّ توغَّل في أراضي قشتالة ووصل إلى حصن المُقوَّرة وأُبَّدة على مقرُبةٍ من شرقيّ قُرطُبة، فهبَّ القشتاليُّون لِلدفاع عن أراضيهم، وخرجوا في جيشٍ ضخمٍ بِقيادة الدون «نونيو گونزالس دي لارا» (بالإسبانية: Nuño González de Lara)‏، صهر الملك ألفونسو العاشر. وعندما علم السُلطان أبو يُوسُف بِذلك ارتدَّ إلى إستجَّة، ونشبت المعركة بين الطرفين في ظاهرها يوم السبت 15 ربيع الأوَّل 674هـ المُوافق فيه 8 أيلول (سپتمبر) 1275م، وأسفرت عن انتصار المُسلمين، وتكبَّد الجيش القشتالي كثيراً من القتلى كان من بينهم نونيو گونزالس دي لارا نفسه، وأرسل أبو يُوسُف يعقوب بِرأسه إلى مُحمَّدٍ الفقيه، فأرسله هذا الأخير إلى ألفونسو العاشر لِيتقرَّب منه ويستعين به ضدَّ السُلطان المريني، وقد ندم على استدعائه إلى الأندلُس. وقارن المُؤرخون المُسلمون هذه المعركة بِمعركتيّ الزلَّاقة (1086م) والأرك (1195م) بِفعل أنَّ الانتصار ثبَّت أقدام المُسلمين في الأندلُس بعد أن اهتزَّت، وأوقف اعتداءات النصارى، ولو إلى حين، كما كان أوَّل انتصارٍ باهرٍ يُحققه المُسلمون على النصارى مُنذُ معركة العُقاب (1212م). وفي 1 جُمادى الأولى المُوافق فيه 23 تشرين الأوَّل (أكتوبر)، خرج أبو يُوسُف غازياً من جديد، فتوغَّل في أراضي قشتالة حتَّى وصل إشبيلية فدمَّر أحوازها ولم يتمكَّن سُكَّانها من فعل شيء، ثُمَّ ارتحل المرينيُّون إلى مدينة شريش، فنالها ما نال إشبيلية من تدمير حتَّى خرج الرُهبان مُتوسلين سُلطان المُسلمين أن يكُفَّ عنهم، فقبل رجاءهم، ثُمَّ ارتحل عنهم مُحمَّلاً بِالغنائم والسبي، فمكث في الجزيرة الخضراء بِضعة أسابيع وعاد إلى المغرب في 30 رجب 674هـ المُوافق فيه 19 كانون الثاني (يناير) 1276م، وترك في الأندلُس قُوَّةً عسكريَّةً قوامها ثلاثة آلاف مُقاتل لِمُساعدة الأندلُسيين على ردِّ اعتداءات النصارى. والواقع إنَّ غزوات أبي يُوسُف يعقوب ضدَّ القشتاليين لم يكن لها من أثرٍ على وضع الطرفين المُتقاتلين، كما لم تُغيِّر من وضع الأراضي، ولم تكن سوى مُظاهرةٍ عسكريَّةٍ لِعرض القوَّة، كما أنَّ مُحمَّداً الفقيه ارتاب في نوايا السُلطان المريني، وبِخاصَّةٍ بعدما قرَّب إليه بني أشقيلولة وغيرهم من الثائرين على حُكمه، ومثِّل بِذهنه مصير مُلُوك الطوائف عندما قضى عليهم يُوسُفُ بن تاشفين بعد أن عبر لِإنجاد الأندلُس، فأرسل إلى أبي يُوسُف يعقوب يُعاتبه على تصرُّفه في حقِّه ويلتمس منه في الوقت نفسه المُساعدة على رد اعتداءات القشتاليين ضدَّ غرناطة، وطلب منه الصفح والعفو عمَّا بدر منه.

ردَّ أبو يُوسُف يعقوب على رسالة مُحمَّدٍ الفقيه بِرسالةٍ تتضمَّن استعداده لِلعودة إلى الأندلُس. وفعلاً خرج من عاصمته وعبر المضيق لِلمرَّة الثانية في 28 مُحرَّم 676هـ المُوافق فيه 26 حُزيران (يونيو) 1277م، وانضمَّ إليه أبناء أشقيلولة، فسار معهم لِغزو إشبيلية، فتوغلوا في أراضيها ووصلوا إلى أحوازها، فتصدَّى لهم ألفونسو العاشر. وجرى قتالٌ بين الطرفين على ضفَّة الوادي الكبير، أسفر عن انتصارٍ واضحٍ لِلمُسلمين. ثُمَّ ارتحل هؤلاء نحو الشرق وأرسلوا السرايا تغزو مُختلف النواحي وخرَّبوا حُصُوناً كثيرةً لِلقشتاليين. وحدث في غُضُون ذلك أن تُوفي أبو مُحمَّد بن أشقيلولة صاحب مالقة، وخلفه ابنه مُحمَّد، فسار على نهج أبيه في التقرُّب من المرينيين، فاجتمع بِالسُلطان المريني وتنازل لهُ عن مدينته، الأمر الذي زاد من مخاوف أمير غرناطة من تملُّك المرينيين لِلأندلُس كما تملَّكها المُرابطون من قبل، لا سيَّما وأنَّهُ كان يتطلَّع إلى ضم مالقة إلى مملكته بعد وفاة صاحبها أبي مُحمَّدٍ زوج أُخته. عمد الأمير الغرناطي إلى الحيلة والدهاء في سبيل انتزاع المدينة سالِفة الذِكر من المرينيين، فاتصل بواليها عُمر بن يحيى المُحلَّى واستماله وفاوضه على تسليمها إليه مُقابل خمسين ألف دينار، وتعويضه بِالمنكَّب وشلوبانية وهُما ثغران صغيران يقعان جنوبي غرناطة، فوافقه على ذلك. ولم يكتفِ مُحمَّد الفقيه بِذلك، بل ارتمى في أحضان ألفونسو العاشر ملك قشتالة، وارتبط معهُ بِمُعاهدة ولاءٍ لِدفع بني مرين عن مملكة غرناطة، ودعا الأمير يغمراسن بن زيَّان أمير تلمسان وخصم السُلطان المريني إلى الدُخُول في هذا الحلف. جاء ردُّ أبي يُوسُف يعقوب سريعاً ضدَّ هذا التحالف المُوجَّه ضدَّه، وبدأ في الاستعداد لِلعودة إلى الأندلُس، وعندما علم ألفونسو العاشر بِذلك أرسل أُسطُوله البحري فرابط في شرقيّ مضيق جبل طارق لِمنع وُصُول الإمدادات من المغرب إلى الأندلُس، فماكان من السُلطان المريني إلَّا أن استنفر المُدن البحريَّة بِالمغرب لِإعداد أساطيلَ لِلمُسلمين، ثُمَّ أبحر إلى الأندلُس وهزم السُفن القشتاليَّة هزيمةً كبيرةً وقتل منهم مقتلةً عظيمةً، وغنم منهم الكثير من الغنائم وأنزل جُنُوده في الجزيرة الخضراء واستعادها من أيدي القشتاليين الذين كانوا قد استولوا عليها لِصد المرينيين.

وتعرَّض المُجتمع القشتالي بُعيد ذلك لِحربٍ أهليَّةٍ، إذ ثار النُبلاء على ملكهم ألفونسو بِفعل مُحاولته القضاء على امتيازاتهم، كما ثار عليه ابنه شانجة (سانشو) طمعاً في انتزاع العرش منه، وقد خسر ألفونسو العاشر عرشه في هذا الصراع الذي دام عامين، فاستغاث بِالسُلطان يعقوب الذي استجاب لِطلبه، ونهض لِاغتنام تلك الفُرصة لِمُواصلة الجهاد وتصفية الحساب مع مُحمَّدٍ الفقيه بِشأن السيطرة على مالقة، فعبر إلى الأندلُس لِلمرَّة الثالثة في شهر ربيعٍ الآخر 681هـ المُوافق فيه شهر تمُّوز (يوليو) 1282م، فنازل السُّلطانُ قُرطُبة وغزا نواحيها، وبثَّ السَّرايا في أرجائها، وفعل مثل ذلك بِطُليطلة، حتى وصل حصن مجريط، وعاد لِامتلاء أيدي المُسلمين بِالغنائم وضيق مُعسكرهم بها. التفت أبو يُوسُف يعقوب بعد ذلك إلى انتزاع مالقة من يد مُحمَّدٍ الفقيه وتأديبه، فسار إليها على رأس جيشٍ كبيرٍ وأخضع الحُصُون التابعة لها. وجرت حول المدينة حربٌ شديدةٌ، وحوصرت نحو خمسين يوماً دون أن تسقط، ولمَّا رفض شانجة ملك قشتالة مُساعدة الأمير الغرناطي مال مُحمَّد الفقيه إلى التفاهم مع السُلطان المريني الذي خاف بدوره عاقبة التحالُفات المُتداخلة على أوضاع المُسلمين في الأندلُس، فمال إلى التفاهم أيضاً. وبعد أن عَقَد السُلطان يعقوب الصُّلح مع ابن الأحمر أرسل السَّرايا من الجزيرة الخضراء في العام الذي يليه، فأوغلوا وأثخنُوا، ثم غزا قُرطُبة وطُليطلة بنفسه، فافتتح عدَّة حُصُونٍ وأثخن في نواحيهما، وغزا ألبرت وأُبَّدة وبيَّاسة، وعاد إلى الجزيرة الخضراء مُحمَّلاً بِغنائمَ لاتُحصى، ثُمَّ عبر البحر إلى المغرب. وفي مطلع سنة 683هـ المُوافقة لِسنة 1284م، تُوفي ألفونسو العاشر، وصفا المُلك لِابنه شانجة، فعبر السُلطان المريني إلى الأندلُس لِلمرَّة الرابعة، يوم 5 صفر 684هـ المُوافق فيه 12 نيسان (أبريل) 1285م، وقام بِاجتياحٍ واسعٍ لِأراضي قشتالة وأنهك الجُيُوش المسيحيَّة إنهاكاً كبيراً. وسُرَّ مُحمَّد الفقيه لِهذا الاجتياح الواسع، وأرسل قُوَّةً عسكريَّةً اشتركت في العمليَّات على الأرض. كما تدخَّل الأُسطُول المريني في الحرب حيثُ طارد الأُسطُول القشتالي في مياه المضيق. أثارت هذه الحملة الكبيرة مخاوف الملك شانجة الذي رأى عُقم المُقاومة، فجنح إلى السلم وصالح المُسلمين على شُرُوطٍ مُغريةٍ، كما اتفق السُلطان المريني مع الأمير الغرناطي على ألا يتدخَّل في شُؤونه الداخليَّة، على أن تبقى قُوَّة عسكريَّة مرينيَّة في غرناطة بِصُورةٍ دائمةٍ لِلدفاع عنها. وبعد أن رتَّب أوضاع الأندلُس عاد أبو يُوسُف يعقوب إلى الجزيرة الخضراء ثُمَّ إلى المغرب حيثُ أدركه المرض، وتُوفي في مُحرَّم سنة 685هـ المُوافق فيه شهر آذار (مارس) 1286م، بعد حياةٍ حافلةٍ بِالجهاد في المغرب والأندلُس.

انهيار العلاقة مع المرينيين وقيام الاضطرابات في الأندلُس

خلف أبا يُوسُف يعقوب بن عبد الحق ابنه أبو يعقوب يُوسُف الناصر. وفي بداية عهده استمرَّت علاقته بِمُحمَّد الفقيه جيِّدة، وازدادت وُثُوقًا عندما تنازل لهُ عن وادي آش والأراضي التي كانت تحت حُكم بني مرين في الأندلُس، باستثناء الجزيرة الخضراء وطريف ورندة، وأرسل إليه شانجة ملك قشتالة وفدًا جدَّد اتفاق الصُلح الذي عقده مع والده. وفي سنة 690هـ المُوافقة لِسنة 1291م، نقض شانجة مُعاهدة الصُلح في ظُرُوفٍ غامضةٍ وهاجم ثُغُور مملكة غرناطة، فاضطرَّ أبو يعقوب يُوسُف أن يتدخَّل في شُؤون الأندلُس، وأرسل إليها الجُند والمُجاهدين، فردَّ الملك القشتالي بِأن أرسل أُسطُوله البحريّ إلى مياه المضيق لِقطع الطريق البحري بين العدوتين، فأرسل السُلطان المريني بِدوره أُسطُوله واشتبك مع القشتاليين، غير أنَّهُ تعرَّض لِلهزيمة، فأرسل أُسطُولًا آخر، وكان الأُسطُول القشتالي قد تعرَّض لِلإنهاك بِفعل المعركة البحريَّة، فآثر الانسحاب من مياه المضيق. وسُرعان ما عبر أبو يعقوب يُوسُف إلى الأندلُس وتوغَّل بِجيشه حتى أحواز إشبيلية، فعاث فيها ثُمَّ عاد إلى المغرب. توجَّس شانجة ملك قشتالة خيفةً من مشروعات السُلطان المريني، وحتَّى يُضعف موقفه ويحول دون اتحاد المُسلمين سعى إلى التفاهم مع مُحمَّدٍ الفقيه، فخوَّفه من ضياع مُلكه على يد المرينيين، واتَّفق معهُ على استعادة ثغر طريف على أن يكون من نصيب مملكة غرناطة، على أن تتنازل الأخيرة لِمملكة قشتالة عن 6 حُصُونٍ حُدوديَّة. نُفِّذت الخطَّة المُتفق عليها خِلال شهر رجب سنة 691هـ المُوافق فيه شهر حُزيران (يونيو) 1292م، فسقطت طريف في يد القشتاليين بعد أربعة أشهُرٍ من الحصار، ولمَّا طالب بها أمير غرناطة، رفض الملكُ القشتاليُّ تسليمها، واحتفظ بها لِنفسه، فأدرك مُحمَّد الفقيه عندئذٍ فداحة ما ارتكبه من خطأ حين وثق بِشانجة وعادى أبا يعقوب يُوسُف، فعبر البحر إلى المغرب سنة 692هـ المُو

المصدر: wikipedia.org