اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد سُقُوطِ القسم الشرقي من مملكة غرناطة بِأيدي النصارى، لم يبقَ في أيدي المُسلمين سوى القسم الغربي الذي يشمل مدينة غرناطة وأعمالها، فركَّز فرديناند الكاثوليكي ضغطه لِانتزاعه، والقضاء على دولة المُسلمين في الأندلُس. كان الملكان الكاثوليكيَّان رأيا أنَّ الوقت حان لِتسديد الضربة القاضية لِلوُجُود الإسلامي في الأندلُس، فأرسلا سفارةً إلى أبي عبد الله مُحمَّد بن عليّ يطلُبان منه تسليم ما بيده وفقاً لِاتفاقيَّة الصُلح المعقودة بين الجانبين، والتي تنص على أنَّهُ متى يتمُّ تسليم بسطة وألمرية ووداي آش إليهما يتنازل أميرُ غرناطة لهما عن القسم الواقع تحت يده. ويبدو أنَّهُما اكتفيا بِأن طلبا منهُ تسليم قُصٌور الحمراء، مقر المُلك والحُكم، وأن يبقى مُقيماً في غرناطة في طاعتهما وتحت حمايتهما، أُسوةً بما جرى في سائر نواحي الأندلُس. الواقع إنَّ فكرة الاستسلام كانت تلقى استنكاراً عامّاً في غرناطة، فما أن جمع الأمير الأعيان والكُبراء والأجناد والفُقهاء والخاصَّة والعامَّة وأخبرهم بما طلب منهُ العدوّ حتَّى أجمعوا أمرهم كُلِّهم على قتاله ومُدافَعَته عنهم بما أمكن حتَّى ينتصروا أو يهلكوا عن آخرهم، وتعاهدوا مع أميرهم أن يكونوا يداً واحدةً على قتال عدوِّهم. وأبلغ أبو عبد الله ملكَ قشتالة -على يد سفيره- بِأنَّهُ لم يعد لهُ القول والفصل في الأمر، وأنَّ المُسلمين يأبون كُلَّ تسليمٍ أو مُهادنةٍ ويُصمّمون على المُقاومة والدفاع، وبِهذا انتقل هذا الأمير بِسبب عزم شعبه من الاستكانة والمُهادنة إلى التحدِّي والمُقاومة، وصدحت صيحات الحرب والجهاد في مُختلف أرجاء غرناطة. والحقيقة إنَّ سرايا من الجُند المُسلمين خرجت تُعيثُ في الأراضي المسيحيَّة القريبة، وتمكَّنت من السيطرة على عددٍ من القُرى والحُصُون واسترجاعها -حتَّى حين- وأثارت هذه الانتصارات حميّة المُسلمين الخاضعين لِلنصارى في الضياع والقُرى، وبدأت بوادر الانتفاض والثورة تسري إلى وادي آش وما حولها، وتحمَّس الناس لِلقتال حتَّى النصر، ودعمهم أبو عبد الله بِالجُند والسلاح، وتمكَّن من إلحاق بعض الهزائم المُذلَّة بِالقشتاليين وأسْر المئات منهم ممَّا أثار غضب الملك فرديناند. أيقن فرديناند أنَّهُ لا بُدَّ لِاستتباب الأُمُور في المناطق الإسلاميَّة التي استولى عليها من الاستيلاء على غرناطة التي مازالت تُثيرُ بِمُثلها وصلابتها روح الثورة في البلاد المغلوبة، فقضى شتاء سنة 1490م يجمعُ جميع جُيُوشه ويستعد لِتوجيه الضربة القاضية إلى آخر ممالك المُسلمين في الأندلُس. أوائل سنة 1491م، خرج فرديناند في قُوَّاته مُعتزماً أن يُقاتل الحاضرة الإسلاميَّة حتَّى ترغم على التسليم، وزوَّد فرديناند جيشه بِالمدافع والعتاد الضخمة والذخائر والأقوات الوفيرة، وأشرف على فحص غرناطة الواقع جنوبيّ الحاضرة الإسلاميَّة يوم 12 جُمادى الآخرة 896هـ المُوافق فيه 23 نيسان (أبريل) 1491م، وعسكر على ضفاف نهر شنيل على قيد فرسخين من غرناطة وأرسل بعض جُنده إلى حُقُول البشرات التي تمُدُّ غرناطة بِالمُؤن، فأتلفوا زُرُوعها وهدموا قُراها، وأمعنوا في أهلها قتلاً وأسراً قاطعين بِذلك عن غرناطة مورداً من أهم مواردها.
وضرب فرديناند حول غرناطة حصاراً صارماً، وصمَّم على مُتابعته حتَّى يحتلها بِحد السيف أو تستسلم. وأنشأ المُحاصِرون في فحص غرناطة مُعسكراً تحوَّل إلى مدينةٍ سمُوها «سانتا في» (بالإسبانية: Santa Fe) أي العناية المُقدَّسة، ولفَظَهَا المُسلمون «شنتقي»، واتُخذت مركزًا لِقيادة العمليَّات العسكريَّة. وكان مُقاتلون من غرناطة يخرجون لِشلِّ مُخططاتِ النصارى وإفشالِها، على رأسهم مُوسى بن أبي الغسَّان الذي نُسجت حول شجاعته الأساطير. دام الحصار سبعة أشهرٍ صمد خلالها الغرناطيُّون، وفشلت كُلَّ مُحاولات الاقتحام المُتكرِّرة. ومع بداية شهر مُحرَّم سنة 897هـ المُوافق فيه أوائل شهر تشرين الثاني (نوڤمبر) 1491م، ونتيجة اليأس وانتشار الجوع وتفشِّي المرض، اجتمع أبو عبد الله مُحمَّد بن عليّ مع أعيان المدينة والقادة واتخذوا قرار تسليم المدينة، عارض القائد موسى بن أبي الغسَّان القرار وخرج من الاجتماع مُغاضِباً، فأرسلوا الوزير أبا القاسم بن عبد الملك لِلتفاوض مع الملك الكاثوليكي. انتهت المُفاوضات بِالتوقيع على مُعاهدة التسليم في 12 صفر 897هـ المُوافق فيه 12 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1491م، والتي تنصُّ على: تسليم غرناطة إلى الملك فرديناند، وتأمين المُسلمين على أنفُسهم وأموالهم وأعراضهم، واحتفاظهم بِشريعتهم وقضائهم ونُظُمهم تحت إشراف الحاكمٍ المسيحيٍّ، وتأمين حُريَّة الدين والشعائر والحفاظ على المساجد والأوقاف، وألا يدخُلَ مسيحيٌّ إلى مسجدٍ أو دارِ مُسلمٍٍ، وأن يسير المُسلم في ديار النصرانيَّة آمنًا لايحملُ علامةً مُميزةً، وأن يُسمح لمن أراد من المُسلمين العُبُور إلى المغرب في سُفن القشتاليين لِمُدَّة ثلاثة أعوامٍ دون مُقابل، وألا يُجبرَ مُسلمٌ أو مُسلمةٌ على التنصُّر، وأن يُعاملَ الحاكمُ المسيحي المُسلمين بِالرفق والعدل، وأن يخرج الأمير مُحمَّد بن عليّ من قصر الحمراء لِيُقيمَ حيثُ يشاء في مُمتلكاته، وأن يُوافق البابا على الوثيقة. ويُروى أنَّ أبا عبد الله مُحمَّد بن عليّ لمَّا أتمَّ المُعاهدة دخل مجلسهُ وأعلم الأعيان والأكابر والقادة بِما حدث، فساد صمتٌ أليمٌ وعلا اليأس وُجُوه الحاضرين، فصاح قائلًا: «اللهُ أَكبَر لَا إِلَهَ إِلَّا الله، مُحَمَّد رَسُولُ الله، وَلَا رَادَّ لِقَضَاءِ الله. تَاللهِ لَقَد كُتِبَ لِي أَن أَكُونَ شَقِيّاً، وَأَن يَذهَبَ المُلكَ عَلَى يَدِي»، وصاح الحاضرين على إثره: «الله أكبر ولا رادَّ لِقضاء الله»، وكرَّروا جميعاً إنَّها إرادةُ الله ولتكن، وأنَّهُ لا مفرَّ من قضائه ولا مهرب، وأنَّ شُرُوط ملك النصارى أفضل ما يُمكن الحُصُول عليه. وفي يوم الإثنين 2 ربيع الأوَّل 897هـ المُوافق فيه 2 كانون الثاني (يناير) 1492م فُتحت أبواب غرناطة لِيدخُلها موكب الملكين فرديناند وإيزابيلَّا ومعهم الجُند والرُهبان والقساوسة، ورفعوا فوق بُرج الحمراء صليباً فضياً كبيراً وبِجانبه علميّ قشتالة والقدِّيس يعقوب بن زبدي. وغادر في اليوم نفسه أبو عبد الله مُحمَّد بن عليّ قصره مع أهله وتوجَّه إلى أندرش في جبل البشرات المُطل على غرناطة، وقد حُدِّدت هذه القرية مكاناً لِإقامته تحت إشراف القشتاليين.
وكان أبو عبد الله سلَّم مفاتيح الحمراء إلى فرديناند، وأوصاه لِآخر مرَّةٍ أن يكون عادلاً ورحيماً مع المُسلمين، ثُمَّ ارتدَّ إلى طريق البشرات حيثُ تقول الرواية إنَّ أبا عبد الله أشرف أثناء مسيره في شِعبِ تلِّ البذول على منظر غرناطة، فوقف يُسرّح بصره في البلاد التي وُلد وترعرع فيها والتي كانت لِلمُسلمين طيلة قُرُونٍ طويلةٍ، فلم يتمالك نفسه وبكى بُكاءً مُرّاً، فصاحت به أُمُّه عائشة:
وتعرف الرواية الإسپانيَّة تلك الأكمة التي كانت مسرحاً لِذلك المنظر باسمٍ شاعريٍٍّ مُؤثِّرٍ هو «منفذ زفرة المُسلم الأخيرة» (بالإسبانية: Puerto del Suspiro del Moro) وأضحت فيما بعد من المعالم السياحيَّة لِلمنطقة. وبعد أشهُرٍ قليلةٍ على إقامته في أندرش، باعت الملكة إيزابيلَّا تلك القرية التي سمحت له بالإقامة فيها، فأدرك عندئذٍ أنَّ الملكة لم تعد تُريده في البلاد، فعبر مضيق جبل طارق إلى مليلية في المغرب واستقرَّ في فاس عاصمة الدولة الوطاسيَّة مع أهله وأولاده مُعتذراً عمَّا أسلفه مُتلهفاً على ما خلَّفه، وفي ذلك يقول مُخاطباً السُلطان أبو زكريَّاء مُحمَّد الشيخ المهدي: «... وَمَاالذِي يَقُولُ مَن وَجهِهِ خَجِل، وَفُؤَادِهِ وَجِل، وَقَضِيَّتُهُ المَقضِيَّةُ عَنِ التَنَصُّلِ وَالاعتِذَارِ تَجِل. بَيدَ أَنِّي أَقُولُ لَكُم مَا أَقُولُهُ لِرَبِّي، وَاجتِرَائِيَ عَلَيهِ أَكثَر، وَاجتِرَامِيَ إِلَيهِ أَكبَر، اللهُمَّ لَا بِريءَ فَأَعتَذِر، ولَا قَوِيَّ فَأَنتَصِر، لِكِنِّي مُستَقِيلٌ مُستَنِيلٌ، مُستَعتِبٌ مُستَغفِرٌ، وَمَاأُبَرِّئُ نَفسِيَ، إِنَّ النَّفسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ... عَلَى أَنِّي لَاأُنكِرُ عُيُوبِيَ، فَأَنَا مَعدَنُ العُيُوب، وَلَاأَجحَدُ ذُنُوبِيَ فَأَنَا جَبَلُ الذُّنُوب، إِلَى الله أَشكُو عُجرِيَ وَبَجرِيَ وسَقَطَاتِيَ وَغَلَطَاتِيَ...». عاش أبو عبد الله مُحمَّد بن عليّ بقيَّة أيَّامه في فاس وتُوفي فيها سنة 940هـ المُوافقة لِسنة 1534م. وبِسُقُوط غرناطة سقطت الأندلُس نهائيّاً، وأُسدل الستار على تاريخ المُسلمين السياسي فيها. ومن أشهر المراثي التي نُظمت في رثاء الأندلُس عقب سُقُوط غرناطة بِقليلٍ رثاءٌ طويلٌ مُؤثِّرٌ لِشاعرٍ أندلُسيٍّ مجهولٍ يبدو أنَّهُ عاصر محنة المُسلمين من بدايتها حتَّى نهايتها، وقد أُرِّخ مخطوطه في شهر شعبان 897هـ المُوافق فيه شهر حُزيران (يونيو) 1492م، ومن بعض ما جاء فيه: