اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كانت غزوة حُنين بعد فتح مكّة المكرمة، واستسلام القبائل المجاورة ما عدا بعض القبائل التي أبت أن تستسلم، وإنّما جمعت الحشود وقرّرت المسير إلى حرب المسلمين؛ وعلى رأس هذه القبائل قبيلتيّ هوازن وثقيف، ومن انضم إليهم من بطون العرب كقبيلة جشم، ونصر، وسعد بن بكر، ومجموعة من بني هلال، وقد ونزلوا في وادي أوطاس بقيادة مالك بن عوف، الذي جعل النّاس تأخذ معها أموالها، وأولادها، ونساءها إلى الحرب، ليكون ذلك دافعاً للجنود لحمايتهم، لكنَّ الخبير في الحروب دريد بن الصمة، لم يؤيّد هذه الفكرة، بل رأى أنَّ المنهزم لا يردّه شيءٌ، وإنّما يتسبّب بفضيحة أهله وماله دون حاجة، والنّصر لا يحتاج إلا للرّجل القوي المقاتل بسيفه، ولكنّ مالك بن عوف لم يأخذ بنصيحته.
أرسل الرسول -صلى الله عليه وسلم- أبا حدرد الأسلمي ليتابع أخبار العدو، ويدخل فيهم، ويقيم بينهم حتى يعلم علمهم، وينقل أخبارهم إليه، وبالمقابل أرسل قائد الأعداء مالك بن عوف عيوناً لاستكشاف حال المسلمين، لكنَّهم عادوا له متفرّقين خائفين، وقد خرج الرسول -صلى الله عليه وسلم- من مكة المكرمة ومعه اثنا عشر ألف مقاتلٍ؛ عشرة آلاف ممّن كانوا معه في فتح مكة، وألفان من حديثي الإسلام من أهل مكة، ويصف ما حدث عشية الغزوة حديث سهل بنِ الحنظليَّةِ فيقول: (أنهم سارُوا مع رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يومَ حُنينٍ فأطنَبوا السَّيرَ حتى كانت عشيةً، فحضرتِ الصلاةُ عند رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، فجاء رجلُ فارسٍ فقال: يا رسولَ اللهِ، إني انطلقتُ بين أيديكم حتى طلعتُ جبلَ كذا وكذا، فإذا أنا بهوازنٍ على بكرةِ آبائهِم بظُعُنهم ونعَمِهم وشائِهم اجتمعُوا إلى حُنينٍ، فتبسَّم رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- وقال: تلك غُنَيمةُ المسلمين غدًا إن شاء اللهُ تعالى، ثم قال: مَن يحرسُنا الليلةَ؟ قال أنسُ بنُ أبي مَرثدٍ الغَنويُّ: أنا يا رسولَ اللهِ).
كان بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- قد نظروا إلى عِظم جيش المسلمين وكثرته، وقالوا: "لن نغلب اليوم"، ولكنَّ هذا الكلام لم يكن يُعجب الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقد شقّ عليه، وقد وصل هذا الجيش المسلمين العظيم إلى حنين، ولكنَّ مالك بن عوف وجيشه كانوا قد سبقوا المسلمين بالوصول وجهّزوا لهم الكمين، وترصّدوا لهم في المداخل، والطرق، والأخباء، والشِّعاب، والمضايق، وقد أمرهم مالك أن يبدؤوا المسلمين بالقتال ويرشقوهم بالنّبال، فما أن انحدر جيش المسلمين إلى الوادي حتى تفاجؤوا بكتائب العدو وقد اشتدّوا عليهم شدّة رجلٍ واحدٍ، فأخذوا بالرجوع والانسحاب، لكنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- تدارك الموقف ووقف في جهة اليمين وقال: (إليَّ أيُّها النَّاسُ، هَلُمُّوا إليَّ أنا رسولُ اللهِ، أنا مُحمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ)، فبقي معه أهل بيته والقليل من المهاجرين.
أظهرت الحرب شجاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو يقود بغلته يسابق بها الأعداء وهو يقول: (أنَا النبيُّ لا كَذِبْ، أنَا ابنُ عبدِ المُطَّلِبْ)، وأمر عمّه العبّاس أن ينادي الصّحابة؛ لأنّه كان يتمتّع بصوتٍ جهوريٍّ، فنادى بأعلى صوته وردَّ عليه الصحابة فقالو: "لبيك لبيك"، ثمّ توجّه النّداء إلى الأنصار خاصّة، ثمّ إلى الخزرج، فعادت كتائب المسلمين، وتجالد الفريقان من المسلمين والمشركين مجالدةً شديدةً، وحمي وطيس المعركة حتّى أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبضةً من التراب في يده وقذفها في وجوه الأعداء، فلم يبقَ شخصٌ منهم إلا مُلئت عيناه بالتراب، وكان ذلك سبباً في انسحابهم وهزيمتهم هزيمةً كبيرة، فقد قُتل سبعون من قبيلة ثقيف وحدها، وأخذ المسلمون ما كان معهم من الأسلحة والأموال كنوعٍ من الغنائم.
وصف الله -تعالى- الأحداث التي حدثت في معركة حنين بقوله: (لَقَد نَصَرَكُمُ اللَّـهُ في مَواطِنَ كَثيرَةٍ وَيَومَ حُنَينٍ إِذ أَعجَبَتكُم كَثرَتُكُم فَلَم تُغنِ عَنكُم شَيئًا وَضاقَت عَلَيكُمُ الأَرضُ بِما رَحُبَت ثُمَّ وَلَّيتُم مُدبِرينَ* ثُمَّ أَنزَلَ اللَّـهُ سَكينَتَهُ عَلى رَسولِهِ وَعَلَى المُؤمِنينَ وَأَنزَلَ جُنودًا لَم تَرَوها وَعَذَّبَ الَّذينَ كَفَروا وَذلِكَ جَزاءُ الكافِرينَ)، ولكنَّ المعركة لم تنتهِ عند هذا الحدّ؛ لأنَّ المسلمين قد طاردوا الأعداء الذين تفرّقوا إلى ثلاثة أماكن على النّحو الآتي:
وقد وزّع النبي -صلى الله عليه وسلم غنائم حنين بعد أن انتهى من غزوة الطائف، فأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بجمع الغنائم وحبسها بمنطقة الجعرانة، وأمَّن عليها مسعود بن عمرو الغفاري، وقُسّمت بعد الانتهاء من غزوة الطائف، وقد بلغت أربع آلاف أوقية من فضة، وأربعةً وعشرين ألفاً من الإبل، وأكثر من أربعين ألفِ شاة.