اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
إنَّ الرثاء غرض شعري قديم، وقد انتقل إلى بلاد الأندلس، فعمل شعراؤها على تطوير مفهومه والتوسع به، حتى ظهر بالشكل الذي نعرفه، فلم يتوقف عند رثاء الأحباب، والأقارب، والملوك، بل توسع ليشمل رثاء المدن والدول، فعند سقوط المدن الإسلامية في يد النصارى، وتعرض المسلمين للطردٍ والتشريد، أدرك شعراء الأندلس هول المصيبة وأخذوا ينظمون القصائد التي تستنهض عزائم الملوك لأخذ الثأر، وبعد أن فشل الملوك في الحفاظ على مدنهم، بدأ الشعراء برثاء مدنهم وممالكهم ودولتهم التي غُلبوا فيها، حتى صار رثاء المدن والمماليك فناً شعرياً قائماً بذاته في الأدب الأندلسيّ.
نظم أبو البقاء الرندي قصيدة رثاء الأندلس، التي تعتبر من أشهر المراثي على الإطلاق، وهي ليست مجرد مرثية لمدينة معينة كقصائد غيره من الشعراء، بل كانت لوحة عظيمة تتغنى بالأندلس كلها، فكتب قصيدته ليستنصر أهل العدوة من المرينيين، عندما بدأ ابن الأحمر في التنازل عن عدد من القلاع والمدن لصالح ألفونش من أجل إرضائه، وقد عُرفت القصيدة أيضاً بنونية أبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس، والتي يبدؤها بقوله:
لِـكُلِّ شَـيءٍ إِذا مـا تَمّ نُقصان
هِـيَ الأُمُـورُ كَما شاهَدتُها دُوَل
وَهذهِ الدارُ لا تُبقي عَلى أَحدٍ
تُمزق الدهر حتماً كل سابغةٍ
وينتضي كلّ سيف للفناء ولوْ
أين الملوك ذوي التيجانِ من يمنٍ
وأين ما شادهُ شدادُ في إرمٍ
وأين ما حازه قارُونُ من ذهبٍ
والناظر في القصيدة يجد ما تحمله من دلالاتٍ عميقةٍ وألفاظٍ سهلةٍ، دون تكلّف أو اصطناع، فقد كان يقصد من ذلك أن تصل قصيدته إلى كل إنسان يرفض الذل والهوان، وقلبه معلق بوطنه، يرفض نسيانه أو استبداله حتى لو أُجبر على مغادرته، فيقول:
وماشياً مرحاً يلهيه موطنهُ