اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تتمثل التقنية في مجموع التقنيات التي يعتمدها الإنسان في حياته اليومية , من أجل تحقيق منافع مباشرة . إنها مجموع الوسائل والأدوات التي يخترعها الإنسان اعتماداً على النظريات العلمية . وتعبّر التقنية بهذا المعنى عن حاجة حياتية , تُلزم الإنسان بتعويض ضعفه الفيزيائي , في مواجهته لمخاطر الطبيعة الخارجية - الزلازل , البراكين , الفياضانات - والاخلية - الأمراض بكل أنواعها . لذلك فإن التقنية تعني - أيضاً - جملة المهارات والوسائل والطرق اليدوية والصناعية , من أجل الوقاية والصيانة والتسيير . أن جملة التقنيات هاته هي ما تنصبّ على دراسته التكنولوجيا .
لقد تطورت التقنية عبر الآف السنين , تطورت - أحياناً - بشكل بطيء , وأخرى بطريقة سريعة . وعموماً يمكن التمييز بين مرحلتين ممتدتين في تاريخ التقنية :
إن شعار " ديكارت " من أجل تملّك الطبيعة أمدّ الكشوفات العلمية والتقنية بطاقة إبداعية خلاقة , يعبّر عنها تتابع لثورات التقنية بدءاً من اختراع المحرك الانفجار مروراً باختراع الكهرباء إلى الثورة الإلكترونية المعلوماتية . وقد تضاعف حجم الاختراعات العلمية خلال القرن 18 إثر الثورة الصناعية ؛ حيث تزايد استعمال التقنيات , الأمر الذي تتابع بحدّة خلال القرن 19 , وهو قرن سيادة الآلة, بوصفها شرطاً للاقتصاد الحديث , فضاعف ذلك من اختراعات أخرى جديدة .
تعبّر التقنية من خلال تاريخها عن الإنسان ككائن ثقافي , يتخطّى صعوبات المعطى الطبيعي , لذلك عَدّ " شبنغلر" التقنية خاصّيّة مميزة للإنسان من غيره من الكائنات , فهي تعبّر عن دراسة مسبقة ومنظّمة لمآل الوجود الإنساني .
إن التقنية - بهذا المعنى - خطة للحياة , تتجاوز أن تكون مجرد ردّة فعل غريزي حيوي , كما هو الشأن عند الحيوان .
يجد الموقف المتفائل بالمستجدات العلمية والتقنية وبمستقبلها , يجد أصوله عند " ديكارت" ؛ أي منذ أن أصبحت بيّنة الصلة الوطيدة بين الإنسان العارف والإنسان الصانع , وأن المعرفة العلمية شديدة الارتباط بالتقدم التقني , بل إنها شرط إمكانه الأساس , ولعل تلك هي خاصّيّة التقنية والعلم الحديثين .
غير أن التفاؤل بالإنسان العارف - الصانع وبمستقبل الإنسان استناداً إلى التقدم التقني سرعان ما وضع موضوع سؤال إثر المآلات غير المتوقعة للكشوفات العلمية والتقنية , يتعلق الأمر بالمآلات السلبية التي وضعت ولا تزال تضع حياة الإنسان والأرض موضع خطر.
يعود أصل استشكال التقدم التقني إلى الفيلسوف الألماني " كارل ماركس " وذلك من خلال كشفه عن ظاهرة الاستلاب الملازم للاقتصاد الحديث كاقتصاد قائم على سيادة الآلة ؛ حيث تفصل الآلة العامل عن قواه الإبداعية , بقدر ما يفصل نظام الملكية في الاقتصاد البرجوازي العامل عمّا ينتجه . هذان المظهران يؤسّسان ظاهرة الاستلاب في عصر سيادة الالة . وقد تابع " سارتر " تحليل ظاهرة الاستلاب التي تنتهي بالعامل إلى أن يصبح مجرد أداة بين أدوات مفرغاً من قدراته الإبداعية . تستنفد قوى العامل في مجرد أداة بين أدوات مفرغاً من قدراته الإبداعية . تستنفد قوى العامل في مجرد تكرار لحركات رتيبة ضمن سياق نظام العمل المتسلسل - التايلورية - , حركات آلية دون اعتبار للعامل - الإنسان بوصفه طاقة نقدية وإبداعية خلاقة .
إن ما ضاعف الاهتمام بالآثار السلبية للتقدم التقني هو آثار التقنية الحربية على الوجود البشري والطبيعي , وذلك منذ مطلع القرن 20 ؛ حيث أصبحت الحرب - لأول مرة في تاريخ البشرية - حرباً كونية بفعل التقدم التقني . بل بفعل التقنية قطع التاريخ البشري مع المشكلات المحلية ؛ ليرتقي إلى مستوى المشكلات الكونية التي تتطلب حلاً كونياً , وقد لاحظ الفيلسوف البلجيكي " جلبير هوتوا " أن الحل الممكن في عصر سيادة التقنية هو الحل الذي تمليه التقنية نفسها , وهو حل " كلياني " يقدم نفسه كحل فعال , يتخطّى الاختلافات الثقافية والتقاليد , لكن ؛ لكي يُخضعها لمنطقة العدمي الإقصائي . فالتقنية تقدم نفسها كحل قطعي نهائي , يقوم على أنقاض حُرّيّة الاختيار وفسحة الممكنات .
إن خطر التقنية لا يطال الوجود الفيزيائي والرمزي للإنسان , بل يتخطاه إلى الوجود الاجتماعي والسياسي , كما بيّن ذلك الفيلسوف الفرنسي " إدغار موران " . فقد أصبحت المؤسّسة العلمية في صميم المجتمع تؤثّر فيه , وتوجّهه بقدر ما تؤثّر في بنية الاقتصاد , وتلعب أدواراً حاسمة في مجال السياسة , من خلال صناعة المواقف , وتحديد بنية التكتلات السياسية . وبذلك فإن القطاعات التالية : العلم - التقنية - المجتمع - الدولة هي في علاقى تداخل وتفاعل , تلعب فيه السيرورة العلمتقنية دوراً حاسماً .
إن حجم التدخل التقني في عصر سيادة التقنية يجعل أمر استقصاء جغرافياً امتدادت الهيمنة التقنية أمراً مستحيلاً ؛ أي أنها صارت هيمنة مطلقة , تقوّي الإنسان والثقافة والمجتمع والسياسة والاقتصاد , بل والطبيعة , بفعل ما أصبح يعترض حياة الأرض من خطر . الأمر الذي جعل الفيلسوف الفرنسي " ميشال سير" يطرح مسألة عقد طبيعي , يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والطبيعة في عصر سيادة التقنية .
يرى " سير " أن الأصل في تهديد التقنية للطبيعة يعود إلى التصور الديكارتي للعلم . فقد أسس المشروع الديكارتي لعلاقة تملّك وتحكّم , يظهر فيها العلم كشرط لعنف موضوعي ضد الطبيعة , غير أن الطبيعة اليوم وبفعل الإفراط في التدخل التقني لا تكشف عن نفسها كموضوع سلبي يرضخ لضربات التقنية , بل أصبحت تهدّدنا بأضعاف ما نهدّدها به , وصار بذلك قدرنا هو قدرها نفسه ؛ أي أن حياتنا مرتبطة بحياتها , وهذه وتلك رهينة بمصير علاقة التقنية بالطبيعة .
إن التقنية كخطر أمر واقع تؤكده الوقائع , غير أن البحث في مكمن خطر التقنية قاد الفيلسوف الألماني " مارتن هايدجر" إلى التمييز بين التقنية كوسائل وماهية التقنية ؛ أي التمييز بين المفهوم التقني للتقنية والمفهوم الميتافيزيقي لها . فخطر التقنية يكمن في ماهيتها المتمثلة في توقيف الكائن بقصد استثارته واستفساره .
إن التقنية تستفسر الكائن ؛ لأنها تفترض أن الكائن طاقة , تستفسره - إذن - بغرض الإفراج عن الطاقة الكامنة فيه , وتخزينها , ثمّ توزيعها بطرق مختلفة . يجد " هايدجر" أن التقنية - بهذا المعنى - هي أساس علم الطبيعة الحديث وليس العكس .
إن ماهية التقنية لا تقوّى الطبيعة - فقط - بافتراضها الطبيعة طاقة , بل تقوّى الإنسان - أيضاً -حيث يجد الإنسان نفسه رهن قوّة , تتخطاه , وتوظّفه ؛ إذ يسعى لتوظيفها , فتضع حداً لحريته المزعومة .
إن سيادة التقنية كظاهرة مميزة للعصر الحديث ترسّخت من خلال استقلالية التقنية ككائن , يتخطّى غايات الإنسان , لذلك لاحظ " جاك إيلول " أن التقنية تُنجز أعمالها ضمن منظومة التقنية ؛ أي وفقاً للمقتضيات الضرورية للتقنية نفسها ,
لهذا فإن حلول التقنية تكون بمعزل عن حل المشكلات المصيرية للحياة الإنسانية , وبالتالي , فبقدر ما هناك تقني هائل , بقدر ما تتضاعف المشاكل الحياتية للإنسان كالجوع والأمراض والحروب ...