اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
سمي شهر الله المُحَرَّم بهذا الاسم من باب التشريف له، والتأكيد على أنَّ الله -تعالى- هو الذي حرَمَّه فلا يستطيع أحد تحليله، وشهر الله المحَرَّم هو أفضل الأشهر الحُرُم، وقد روي عن أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه-: (أنَّه سأَلَ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- قال: أيُّ الرِّقابِ أَزْكى، وأيُّ الليلِ خَيرٌ، وأيُّ الأشهُرِ أفضَلُ؟ فقال له: أَزْكى الرِّقابِ أَغْلاها ثَمنًا، وخَيرُ الليلِ جَوفُه، وأفضَلُ الأشهُرِ شَهرُ اللهِ الذي تَدْعونَه المُحرَّمَ)، وقال ابن رجب: إنّ المقصود من ذلك أفضل الأشهر بعد رمضان.
وقد سميت الأشهر الأربعة الحُرُم بهذا الاسم لأنَّه لا يجوز فيها الغزو والقتال، أمّا بالنسبة للاسم القديم لشهر المُحَرَّم فهو صفر الأوّل؛ لتميّزه عن صفر الثاني الذي عُرف به، وكان يُعرف صفر و المُحَرَّم معاً بالصفرين، أمّا عند قدماء العرب وبعض علماء اللغة فقد عُرِّف بلفظ الموجب، واسمه عند الجاهليين كان صفر الأوّل، أمّا اسم المُحَرَّم فقد أطلق عليه في الإسلام؛ لأنّه كان في البداية صفةً له لحرمته ثمَّ غلب عليه الاسم وأصبح علماً له، وقد سُميّ بذلك أيضاً لأنّه الحروب كانت تُحَرَّم فيه، ولأنّ الله -تعالى- عندما لعن إبليس، وأنزله إلى الأرض؛ حرَّم عليه الجنّة، وكان ذلك في هذا الشهر.
يختلف فضل شهر المُحَرَّم نفسه، عن فضل الأعمال الصالحة فيه، وتوضيح ذلك فيما يأتي:
اتّفق المسلمون في السنة السادسة عشر للهجرة على أنَّ أول الأشهر الهجرية هو شهر الله المُحَرَّم، وكان ذلك في عهد أمير المؤمنين الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وقد أُدخِلَت عليه الألف واللاّم دون غيره من الشهور كما بيّن ذلك النَحَّاس، ويتبيّن فضل شهر الله المحرم من إضافته إلى الله -تعالى- كقول: ناقة الله، وبيت الله؛ فهي إضافة تشريف وتفضيل، وقد ذكر الله -تعالى- الأشهر الحُرُم في كتابه العزيز في قوله: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهورِ عِندَ اللَّـهِ اثنا عَشَرَ شَهرًا في كِتابِ اللَّـهِ يَومَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ مِنها أَربَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدّينُ القَيِّمُ فَلا تَظلِموا فيهِنَّ أَنفُسَكُم)، قال الإمام القرطبي: إنّ اختصاص الأشهر الأربعة الحُرُّم بالنهي عن ظلم النفس فيها هو من باب التشريف لها؛ لأنّ الظلم مُحَرَّم في جميع الأشهر، وذهب إلى هذا القول أكثر أهل التأويل.
وذهب ابن عباس إلى أنّ النهي يشمل الاثني عشر شهراً، وهذا قول السعدي أيضاً؛ أي أنَّ الضمير في قوله -تعالى-: (فَلا تَظلِموا فيهِنَّ أَنفُسَكُم)، يعود للإثني عشر شهراً التي هي مقادير العباد ولهم أن يستغلوها بطاعة الله -تعالى- وشكره، ويَحذروا من ظلم أنفسهم فيها، ويُحتمل أن يكون الضمير عائداً للأشهر الأربعة الحُرُم؛ لزيادة التأكيد على تحريم ظلم النفس فيها عن ظلم النفس في الأشهر الأخرى، وقد ذُكِر شهر الله المُحَرَّم في السنّة النبويّة أيضاً في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَومَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَواتِ والأرْضَ، السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثٌ مُتَوالِياتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ الذي بيْنَ جُمادَى وشَعْبانَ).
وقال ابن كثير إنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أضاف رجب إلى مُضَر ليتبيّن أنّ المقصود هو رجب مُضَر لا رجب ربيعة؛ أي الشهر الذي بين جمادى وشعبان، وليس الذي بين شعبان وشوال أي رمضان، وبذلك تكون الأشهر الحُرُم أربعة واحد منها منفرد وهو رجب، الذي حُرِّمَّ في وسط السنة ليتمكّن الناس من زيارة البيت الحرام آمنين، وخاصّةً من يأتي من جزيرة العرب ليتمكّن من الرجوع إلى بلده آمناً، وثلاثة أشهر متتالية وهي ذو القعدة، وذو الحِجَّة، ومُحَرَّم، وقد حُرِّمَّ ذو القعدة لأنَّه شهر قبل الحج ليتمكّن الناس من أداء مناسك الحج والعمرة في وقت التوقّف عن القتال، و حُرِّمَّ ذو الحِجَّة ليتمكن الناس من أداء مناسك الحج فيه، وحُرِّمَّ بعده شهر الله المُحَرَّم ليتمكن الحُجّاج من العودة إلى بلادهم آمنين.