ظهرت بعض هذه القواعد والمناهج في فقه الصحابة والتابعين عند استدلالهم على آرائهم، ومناقشة آراء المخالفين لهم، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في الحوادث والوقائع الآتية:
- عندما اختلف الصحابة في توزيع الأراضي التي غنمها الفاتحون في العراق ناقش عمر بن الخطاب معارضيه، ثم تمسّك بضرورة الدفاع عن البلاد، وحاجة ذلك إلى موارد ثابتة، وأن هذه المصلحة عامة يجب تقديمها على المصلحة الخاصة للجنود المقاتلين، وموقف عمر هذا يستند إلى قاعدة أصولية راعاها التشريع في أحكامه، وهي تقديم المصلحة العامة عند التعارض.
- وتطبيقاً لهذا الأصل، وإعمالاً لتلك القاعدة الأصولية، منع الصحابة أبا بكر -رضي الله عنه- حين تولى الخلافة من التجارة، على أن تكون كفايته في بيت مال المسلمين؛ لأن النظر في مصالح المسلمين من المصالح العامة، فيجب تقديمها على مصلحته الخاصة في اتخاذ الحرفة التي يريدها والتجارة التي يرضاها.
- حينما تكلّم الصحابة في حد شارب الخمر استدل علي-رضي الله عنه-على حد شارب الخمر ثمانين جلدة، وهي واقعة لا نص فيها: (إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى، فيكون عليه حد المفتري) أي القاذف، وهو بهذا يقرر قاعدة من قواعد الاجتهاد، تصرف الشارع على وفقها، وراعاها في تشريع الأحكام، وهي قاعدة (إقامة مظنة الشيء مقام نفس الشيء، وإعطاء المظنة حكم المظنون)، وهي القاعدة التي أطلق عليها الأصوليون فيما بعد (سد الذرائع).
- واستدل ابن مسعود على أنّ عدة المتوفى عنها زوجها تكون بوضع الحمل، لقوله تعالى: "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن"، ولما عورض بقوله تعالى في سورة البقرة: "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً"، قرر قاعدة أصولية راعاها في اجتهاده، فقال:( أشهد أن سورة النساء القصرى -يعني سورة الطلاق- نزلت بعد سورة النساء الطولي -يعني سورة البقرة-)، ومعنى هذا القول أن النص المتأخر ينسخ النص المتقدم أو يخصصه.
وهكذا نجد أنّ الصحابة -رضوان الله عليهم- قد تقيًدوا في اجتهادهم بقواعد أصولية، وإن لم تكن بهم حاجة إلى تدوينها في ذلك الوقت.
المصدر: mawdoo3.com