اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يعد "الفارابي" من أوائل الفلاسفة العرب الذين أدركوا قيمة اللغة وضرورة الإحاطة بها لامتلاك ناصية العلوم المختلفة. وعرف الباحثون والمهتمون بالفكر الفلسفي الإسلامي "الفارابي" ، وأدركوا مكانته وأثره في علم الخالدين من أسلافنا بما ترك لنا من مآثر في التراث الفلسفي العربي في مجالاته ومناحيه من فلسفة إلهية، وطبيعية وسياسية وأخلاقية ومنطقية، لكنهم لم يعرفوه كعالم لغوي استطاع أن يطوع اللغة لسائر الأغراض المنطقية والفلسفية والعلمية .
ارتحل "الفارابي" من موطنه إلى بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، عندما بلغ الأربعين من عمره عام 300 هجرية، وكانت بغداد آنذاك مركزاً للحضارة العربية، فعكف على دراسة الطب والموسيقى والفلك والرياضيات وتعلم اللغة العربية وتبحر في النحو والبلاغة وتتلمذ على يد "ابن السراج ", المعروف بتوفيقـه بين مدرستي الكوفة والبصرة في النحو واتصل بالأدباء واللغويين في عصره كالتوحيدي والسجستاني، وأتاح له ذلك ثقافة لغوية عميقة انعكست آثارها على ما تركه لنا من مؤلفات طوع فيها العربية لأنماط مختلفة من المعرفة , بحيث باتت مفرداتها لا يستعصي عليها معنى من المعاني في علوم عصره ومعارفه (36).
كما تلقى الفلسفة والمنطق على يد جهابذة هذا العصر أمثال "يوحنا بن جيلان"، و"متـي بن يونـس"، اللذين ترجما أكثر كتب التراث اليوناني، حتى تمخضت حياته في عاصمة الخلافة عن نشاط فكري لامع في حقول التأليف والشرح والترجمة في شتى فروع الحكمة والمنطق والسياسة والأخلاق، ليس هذا فحسب , بل إن مصنفاته الفلسفية والمنطقية يبدو فيها الأثر الواضح للعلم اللغوي ككتاب "الألفاظ المستعملة في المنطق" ، و كتاب "التنبيه على السعادة "، و كتاب "أيساغوجي"، وكتاب "القياس الصغير"، ثم كتاب "الحروف " , الذي يعد موسوعة لغوية عميقة المعنى .
حاول الفارابي أن يقوم بدور المصلح ما بين المناطقة والنحاة , فقد سمع بالجدل الذي دار بين "متي بن يونس" و" أبو سعيد السيرافي" , عن الادعاءات الكونية التي أفصح عنها مؤيدوا المنطق حينما أعطوا للنحو مكانة ثانوية ؛ حيث كان في بغداد في ذلك الوقت , وكان يعرف مناصري ذلك الجدل : وقد درس معه "يحي بن عدي" تلميذ "متي" , وكانت تربطه علاقة علمية وثيقة مع شيخ "أبو سعيد السيرافي" وهو " أبو بكر بن السراج " ؛ حيث كما ذكرنا من قبل أن الفارابي "كان يتلقى عليه النحو ، وأنهما اتفقا علي ضرورة الاستفادة من قواعد المنطق في خدمة النحو " , قال ابن أبي أصيبعة :" وفي التاريخ أن الفارابي كان يجتمع بأبي بكر بن السراج فيقرأ عليه صناعة النحو وابن السراج يقرأ عليه المنطق .." . وحسب أحد المصادر أخطأ ابن السراج في جمهرة من النحويين وعنفه صاحبه بشدة : " فقال قد ضربتني يا أبا اسحق وأدبتني وأنا تارك ما قد درست مذ قرأت هذا الكتاب يعني كتاب سيبويه , لأني تشاغلت عنه بالمنطق والموسيقي , والآن أنا أعاود" .
ومهما يكن صدق هذه الرواية , فليس من شك في أن النحويين كانوا ينظرون للمنطق والنحو علي أنهما متضادان , بينما حاول الفارابي أن يؤسس العلاقة بين العلمين , وقد ساعده علي ذلك معرفته الواسعة باللغة العربية واطلاعه علي اللغة الإغريقية جعله يعي الفروق بين اللغات , وقد اشتغل فعلاً بمقارنتها مع بعضها من وجهة نظر عالم المنطق ؛ حيث إن المعاني التي تعبر عنها اللغات المتنوعة كونية , بيد أن الطريقة التي تعبر لغة معينة عن هذه المعاني تكون مختلفة .
علاوة علي أن مصاحبته لابن السراج النحوي كانت تمثل جزءاً أساسياً من برنامجه , الذي كان يهدف إلي عقد المصالحة بين العلمين وتجنب الأخطاء التي اقترفها "متي بن يونس" في جدله مع " أبي سعيد بن السيرافي" , وعندما سأل "أبو سعيد " "متي بن يونس" , عن معاني حرف الجر " في " في اللغة العربية , فإن جهله بالعبارات المتنوعة التي يستخدم فيها الحرف "في" في اللغة العربية قد أبطل ادعاءاته بالمصداقية الكونية للمنطق .
وكان الفارابي يود أن يبين أن ادعاءات الفلاسفة له ما يسوغه طالما أن نفاذ بصيرتهم إلي قواعد العبارات , ربما أسهم في دراسة اللغة العربية . ولكي يؤسس لهذا الادعاء وهو ملائمة المنطق لدراسة النحو , فقد طور نظرية أصل اللغة من وجهة نظر عالم المنطق , وقد كشف فيها عن إدراكه للفروقات ذات العلاقة بين اللغات بوجه عام , وبين اللغة الإغريقية واللغة العربية بوجه خاص . وبخلاف " متي بن يونس" , الذي كان يرغب في الاستحواذ علي الحقل المعرفي الجديد ذي الأصول الإغريقية , كان هدف الفارابي أن يدمج الحقلين ببعضهما بمستوي أعلي . وترتبط هذه السمة في تفكير الفارابي من غير شك بمبدأ الكونية لديه وقناعته بأن المنطق لا بد أن يتعامل مع شئ ما يتخطي مجال أية لغة معينة ويكون مشتركاً بين جميع اللغات .
ومن بين الأسئلة اللغوية التي كانت تشغل بال الفارابي , كما كانت تشد اهتمام مفكري عصره , تلك الأسئلة التي عكستها المناظرة التي كانت بين "أبي سعيد" و"متي بن يونس ". ولم تكن هذه المناظرة التي انتصر فيها "أبو سعيد " علي "متي" مناسبة لبلوغ الصراع أشده بين البيان منهجاً ورؤية وبين المنطق الوافد علي الثقافة العربية الإسلامية , منهجاً ورؤية . إنها كانت إعلاناً عن بلوغ الصراع أوجه بين منطق البيان ومنطق البرهان . لقد كان لا بد إذاً من بناء تصور شامل يتم في إطاره , وبالاستناد إليه ترتيب العلاقة بين المنهجين والرؤيتين : بين النحو والمنطق من جهة , وبين الفلسفة والملة من جهة أخري , وتلك هي المهمة المضاعفة التي اجتهد الفارابي في القيام بها .