English  

كتب فكرة العالم عند الكرامية

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

فكرة العالم عند الكرامية (معلومة)


ذهب ابن كرام، كما حكى أبو الفتح الشهرستاني وفخر الدين الرازي، إلى أن الله أحدي الذات أحدي الجوهر فذاتية الله وجوهريته واحدة، وهذا الذاتية والجوهرية الواحدة جسم، وجسم لا كالأجسام، فالله هو الجسم في ذاته وفي جوهره، وما عدا الله وما سواه فليس جسماً على الإطلاق. والجسم هو الموجود، وهو القائم بنفسه أو بذاته، ولقد آمن ابن كرام بأن هناك جسماً ولا جسم، أو بأن هناك جسماً وفعلاً، وكان لابد له أن يدرج الله تحت أحد هذين القسمين فاعتبر الله جسماً والموجودات لا أجسام، بل أفعال.

فلقد عد ابن كرام المادة واحدة أي جسماً واحداً، فليس في العالم إلا الأجسام بأعراضها، ومحال أن يكون الله عرضاً، وهذا يعني أن الوجود واحد، فليس هناك عالم من جهة وإله من جهة أخرى، بل وحدة وجود كاملة وتامة، فالوجود جسم واحد هو الله، وما عدا ذلك أفعال وأعراض ليست هي الله لكنها تخلق وتفنى في الله. وهذا هو ما ذهب إليه هشام بن الحكم إذ رأى أن الوجود كله جسم، بما في ذلك الألوان والطعوم والروائح، فإذا أخذنا في الاعتبار أن ابن كرام ومعه ابن الحكم، يعدون الله جسماً متناهياً، أدركنا أن ذاته محل للحوادث، من حيث أن أي جسم مردود إلى جسمية الله، أو أن الأجسام المتعددة والمختلفة في العالم ذرات وأجزاء بالنسبة إلى الجسم الكبير - أي جسم الله على حسب زعمهم - الذي تجتمع فيه وتفترق، فتكون ذات الله مخالطة لما في العالم من قاذورات ونجاسات وما شاكل ذلك. ولقد ذكر ابن حزم في هذا الصدد على لسنا حال محمد بن الحسن بن فورك أن الكرامية تقول: "أن الله تعالى يفعل كل ما يفعل في ذاته، وأنه لا يقدر على إفناء خلقه كله، حتى يبقى وحده كما كان قبل أن يخلق. وقالوا أيضاً: أن كلام الله تعالى أصوات وحروف هجاء مجتمعة كلها أبداً لم تزل ولا تزال".

لقد ذهب ابن كرام إلى أن أقوال الله وإرادته وإداركاته للمرئيات وإدراكاته للمسموعات وملاقاته للصفحة العليا من العالم، أعراض حادثة فيه، وهو محل لتلك الحوادث الحادثة فيه. هذا ما قرره لنا الإمام عبد القاهر البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق. أما أبو الفتح الشهرستاني فقد ذكر أن الكرامية ترى أن ما يحدث في ذات الله، فإنما يحدث في ذاته بقدرته، وما يحدث مبايناً لذاته فإنما يحدث في ذات الله بواسطة الأحداث. والخلق عبارة عن القول والإرادة و"الإحداث هو الإيجاد والإعدام الواقعان في ذاته بقدرته من الأقول والإرادات، والمحدث ما باين ذاته من الجواهر والأعراض". فالكرامية، كما هو واضح، تفرق بين الخلق والمخلوق والإيجاد والموجودات، والموجد وكذلك بين الإعدام والمعدوم، فالخلق إنما يقع بالخلق والخلق يقع في ذاته بالقدرة، والمعدوم إنما يصير معدوماً بالإعدام الواقع في ذاته بالقدرة ففي ذاته سبحانه حوادث كثيرة: الأخبار عن الأمور الماضية والكتب المنزلة على الرسل والقصص والوعد والوعيد، والأحكام والتسمعات والتبصرات أي ما يجوز أن يسمع ويبصر. تقول الكرامية: "أن معبودهم محل للحوادث، وأن أقواله وإرادته وإدراكاته للمرئيات، وإدراكاته للمسموعات، وملاقاته الصحفة العليا من العالم، أعراض حادثة فيه، وهو محل لتلك الحوداث الحادثة فيه وسموا (أي الكرامية) قوله تعالى للشيء "كن" خلقاً للمخلوق، وأحداثاً للمحدث وإعداماً للذي يعدم بعد وجوده، ومنعوا من وصف الأعراض الحادثة فيه بأنها مخلوقة أو مفعولة أو محدثة".

فالشيء لا يكون ولا يفسد إلا من خلال حوادث تقع في ذات الله سبحانه، بحيث لا يحدث في العالم جسم أو عرض إلا بعد حدوث أعراض كثيرة في ذات الله، منها:

  1. إرادته لحدوث ذلك الحادث.
  2. قوله لذلك الحادث "كن" على الوجه الذي علم الله حدوثه عليه.
  3. رؤية تحدث فيه، يرى بها ذلك الحادث، وإن لم تحدث فيه الرؤية لم يره.
  4. استماع يحدث فيه يسمع به ذلك الحادث، وإن لم يحدث فيه ذلك التسمع لم يسمعه.

ومن جهة إعدام الشيء فلابد لأجل ذلك من:

  1. إرادة الله لعدم ذلك وهي بالطبع إرادة محدثة.
  2. قوله لمن يريد عدمه كن معدوماً أو افن، ففي الله إذن حوادث، أحداث ما يحدث وإعدام ما يعدم.

ولقد ذهبت الكرامية إلى أن الحوادث وإن كانت تحدث في ذات الله، إلا أن حدوثها لا يوجب لله تعالى وصفاً وليست هي نفسها صفات له. فيذكر الشهرستاني عن الكرامية أنهم أجمعوا على أن الحوادث لا توجب لله تعالى وصفاً ولا هي صفات له، فتحدث في ذاته هذه الحوادث من الأقوال والإرادات والتسمعات والتبصرات... ولا يصير بخلق هذه الحوادث محدثاً ولا خالقاً، وإنما هو قائل بقائليته وخالق بخالقيته ومريد بمريديته، وذلك قدرته على هذه الأشياء.

والواقع أن آراء الكرامية في نظرتها إلى العالم، يمكن عده جسماً واحداً، وهو قديم أزلي لا أول له، وليس هناك فرق بين الخالق والمخلوق. ويتحدث الكرامية عن حدوث العالم والحوادث في ذات الله، لكن بنظرة أعمق كانت ستاراً يخفي وراءه حقيقة القول بقدم العالم. ذلك أن التأثير الأفلاطوني واضح تماماً، وهو القول بقدم الهيولى المطلقة الخالية عن الأعراض بادئ الأمر، ثم بعد ذلك حدثت الحوادث (الأعراض) في هذه الهيولى. فالكرامية جعلت الله سبحانه وتعالى أشبه بالمادة المطلقة عند أفلاطون، وحدوث الحوادث بمثابة حدوث الأعراض في المادة المطلقة. وهذه النقطة تؤدي إلى نقطة هامة، وهي أزلية العالم وقدمه. فإذا كان الله جسماً كبيراً - على حسب اعتقاد الكرامية - ومن حيث أنه لا يوجد شيء خارج هذا الجسم ومن حيث أن هذا الجسم قائم بذاته وموجود بذاته، ليس عن شيء ومن حيث أن أحداً لم يتدخل في إيجاد هذا الجسم الكبير، لأنه موجود بصفة دائمة، ولما كانت الحوادث كلها، وهي المكونة لجوهر هذا الوجود، تحدث داخل الجسم، لهذا كله فإن العالم قديم بالضرورة ولا أول له. ولذلك فلا يصح القول بأن هذا الجسم مخلوق لأنه لا يصح القول بأن الله كذلك. ومعلوم أن الكرامية قد سوت بين الجسم الكلي والله وعدت هذا الأخير جسماً كبيراً يشتمل على سائر الموجودات الأخرى، ويضاف إلى ذلك أن العالم أبدي إذ أن فناءه ممتنع، إلا إذا عدم الله ذاته، لأن الكون والفساد يلحق بالجوهر والجوهر لا يخلو من الحوادث، ولو خلى الجوهر عن ما يحدث فيه لكان في ذلك فناء للجوهر ذاته. ويبين الشهرستاني هذه النقطة فيقول: ومن أصلهم أن الحوادث التي يحدثها (الله) واجبة البقاء حتى يستحيل عدمها، إذ لو جاز عليها العدم لتعاقبت على ذاته الحوادث ولشارك الجوهر في هذه القضية، وأيضاً فلو قدر عدمها فلا يخلو أما أن يقدر عدمها بالقدرة وبإعدام يخلقه في ذاته، ولايجوز أن يكون عدمها بالقدرة، لأنه يؤدي إلى ثبوت المعدوم في ذاته بالقدرة من غير واسطة إعدام، ولجاز حصول سائر المعدومات بالقدرة، ثم يجب طرد ذلك في الموجود حتى يجوز وقوع موجد محدث في ذاته وذلك محال عندهم، ولو فرض إعدامها بالإعدام لجاز تقدير عدم ذلك بالإعدام فيتسلسل، فارتكبوا لهذا التحكيم استحالة عدم ما يحدث في ذاته.

ولقد ذهب ابن تيمية إلى أن الجهمية رأت ذلك قبل هشام بن الحكم والكرامية، لكن هذا الرأي يحتاج إلى إعادة نظر، ذلك أن الجهمية لا تقول بوحدة الوجود البتة، بل لقد كان نفيها للصفات الإلهية بدافع من تنزيه الله عن كل الأشياء الحادثة، وابن تيمية هو الذي حاول بكل جهده أن يرد إلى جهم بن صفوان ومن تبعه القول بوحدة الوجود، ويرد إليه كذلك القول بما نادت به الثنوية والدهريون وغيرهم ويكفي أن ذكر أصلين للجهمية حتى يتضح خطأ هذا الرأي.

  • الأصل الأول: أن الله ليس متمكناً في السماء.
  • الأصل الثاني: أنه ليس فوق الكرسي وفوق العرش.

فهذان الأصلان يوجبان تماماً مخالفة الله للحوداث وتنزيهه عن كل ما يخالفه. وحتى إذا أضاف ابن تيمية أصلاً ثالثاً: أنه في كل مكان، فإن هذا لا يدل على جسمية الله البتة، بل يدل على أنه سبحانه غير متمكن في مكان محدد، أو أنه في جهة من الجهات. وقد يتفق معهم كذلك، أو بمعنى أدق قد يتفقون معه في أن لكل محدث علماً لكن الاتفاق في ناحية كهذه لا يدل على أن جهماً ذهب إلى ما ذهبت إليه الكرامية فيما بعد. كذلك فإن العالم على ضوء مذهب الكرامية أصبح إلهياً فقد أتحدت الطبيعة النورانية بالطبيعة العنصرية وأصبحتا شيئاً واحداً، فهنا وحدة وجود تامة، لذلك فإن الطبيعة تقوم بما يقوم الإله، فلها القدرة على الخلق والإبداع والتصوير، وهذه الطبيعة حية ويجب أن تكون كذلك، فيها ولادة وفناء، وفيها حركة وسكون، ومنها تنشأ الموجودات وفيها تنمو وإليها ترد عند فنائها. وبالجملة فإن أحوال الموجودات الظاهرة أمام الحس كلها بمثابة عوارض وأحداث داخل الجوهر المادي الذي هو الأصل في وجود الموجودات والأشياء.

المصدر: wikipedia.org