اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد تمام السيطرة على مصر، انصرف نور الدين محمود إلى ما كان يجري في الطرف الشرقي لِمملكته من أُمُور. إذ تُوفي يوم 22 ذي الحجَّة 565هـ المُوافق فيه 7 أيلول (سپتمبر) 1170م أخوه قُطب الدين مودود أمير الموصل، فتنازع ولداه عمادُ الدين، وهو البكر، وقد تعرَّض لِمُؤامرةٍ بِهدف إبعاده عن الحُكم لِأنَّهُ كان مُتوافقًا في الرأي مع عمِّه نور الدين محمود ومُتزوجًا من ابنته، وسيف الدين غازي الذي سانده وزيره فخرُ الدين عبد المسيح، وأرملة قطب الدين مودود. وكان أن اتجه عمادُ الدين إلى حلب لِطلب مُساعدة عمِّه، وشكى لهُ تحكيم فخر الدين عبد المسيح وما جرى لِإبعاده عن منصبه الحق. والواقع أنَّ نور الدين محمود أنِف من ازدياد نُفُوذ عبد المسيح وتحكُّمه بِأُمُور الموصل على حساب ابن أخيه سيف الدين غازي، وشقَّ عليه إبعاد عماد الدين عن خلافة والده، لِذلك قرَّر التوجُّه إلى الموصل لِتسوية المُشكلة، وأرسل إلى الخليفة العبَّاسي الحسن أبي مُحمَّد المُستضيء بِأمر الله يشرح لهُ الهدف من هذا التوجُّه مُؤكدًا شرعيَّته، وأنَّهُ يقصد بيته وبيت والده كونه كبيره ووارثه. وعبر نور الدين الفُرات عند قلعة جعبر في شهر مُحرَّم سنة 566هـ المُوافق فيه شهر أيلول (سپتمبر) سنة 1170م قاصدًا الرقَّة، وكانت من أملاك أخيه سيف الدين غازي، فأذعن نائبها وسلَّمهُ إيَّاها. ثُمَّ تابع زحفه نحو الموصل، فانتزع الخابور كُلُّه، وأخذ نصيبين، ثُمَّ توجَّه إلى سنجار وحاصرها، ووفد عليه أثناء الحصار عددٌ من أُمراء الموصل يستحثونه على القُدُوم إليهم، مما يدل على الانقسام الداخلي في الموصل حول سياسة عبد المسيح، وأشاروا عليه بِترك سنجار، إلَّا أنَّهُ أصرَّ على أخذها، فشدَّد الحصار عليها حتَّى سقطت في يده، فأعطاها إلى ابن أخيه عماد الدين الذي كان يُرافقه في هذه الحملة، ووصلت إليه أثناء الحصار خُلعة الخليفة وإذنه بِدُخول الموصل والجزيرة الفُراتيَّة. وتابع نور الدين زحفه باتجاه الموصل وأرسل إلى ابن أخيه سيف الدين غازي يُوضح لهُ أنَّ الهدف من حملته حفظ المدينة، وإبعاد فخر الدين عبد المسيح عن ولاية المُسلمين بِوصفه مسيحيًّا، بِالإضافة إلى أنَّ تصرُّفاته الخشنة نفَّرت منه الأُمراء. والواقع أنَّ عبد المسيح كان عاجزًا عن الوُقُوف في وجه نور الدين، فاضطرَّ لِلجُنُوح إلى السِّلم، واشترط على نور الدين بقاء الموصل بيد سيف الدين غازي، وأن يُعطيه الأمان لِنفسه وأهله، ويمنحه قطاعًا. استجاب نور الدين لِهذه المطالب، ودخل الموصل في شهر جُمادى الأولى سنة 566هـ المُوافق فيه شهر كانون الثاني (يناير) سنة 1171م، واتخذ عدَّة إجراءات تنفيذيَّة لِترتيب أوضاعها، فأقرَّ سيف الدين غازي على الموصل وجزيرة ابن عُمر، وولَّى مملوكه سعد الدين كمشتكين نائبًا عنه في القلعة، وأمر سيف الدين غازي بِالعودة إليه في تدبير الأُمُور، وانتزع حرَّان ونصيبين والخابور والمجدل من إمارة الموصل وأقطعها لِأُمراء عسكره، ثُمَّ عاد إلى الشَّام مُصطحبًا معه فخر الدين عبد المسيح حيثُ أقطعهُ إقطاعًا كبيرًا. غيَّرت هذه الترتيبات الإداريَّة، التي نفَّذها نور الدين محمود، في الوضع الجُغرافي لِإمارة الموصل، كما تراجع نُفُوذها القيادي بعد أن خسرت بعض البلاد التي اقطتعها منها نور الدين، فخضعت لهُ خُضُوعًا تامًّا، وأضحى سيف الدين غازي مُجرَّد حاكمٍ تابعٍ له، يعمل تحت إشراف نائبه كمشتكين صاحب السُلطة الفعليَّة. وتدليلًا على هيمنته على الإمارة، فقد أُعلنت الخِطبة في جميع مساجد الموصل وأعمالها لِنُور الدين محمود وضُربت السكَّة باسمه.