اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد أن سكنت هاجر زوج سيدنا إبراهيم وابنها إسماعيل مكة، مرت قبيلة جرهم آنذاك بمكة فاتفقوا مع هاجر على أن يسكنوا معها ليؤنسوها ويكون الماء لها، فقبلت. ثم شب إسماعيل وتزوج امرأة من جرهم. وكانت منازلهم بمكة وماحولها، وكان إسماعيل عليه السلام قائماً بأمر البيت، فخلفه بعد وفاته ابنه نابت، ثم تولى الأمر بعد نابت أخواله من الجراهم ومعهم بنو إسماعيل ثم استقل مضاضة بن عمرو الجرهمي بأمر البيت.
واستمرت ولاية جرهم على الحرم فترة من الزمن، ثم ضعفت نفوسهم واستخفوا بحرمة البيت، واستحلوا الأموال التي تهدى إليه، وأكثروا المفاسد في الحرم، حتى يذكر أن رجلاً وامرأة يقال لهما اساف ونائلة وقعا في الفاحشة في البيت فمسخهما الله إلى حجرين.
فكان عدوانهم على حرمة الحرم دافعاً لبني بكر بن عبد مناة بن كنانة -وهم من ولد إسماعيل- أي يتحالفوا مع خزاعة على أن يقاتلوا جرهم ويخرجوهم من مكة.
وبعد أن هزم الجرهميون، وُليت خزاعة البيت الحرام وتوارثوا هذا الأمر مدة طويلة قيل ثلاثمائة عام، وقيل خمسمائة عام.
وكان أول من ولي البيت من خزاعة عمرو بن ربيعة (لحي) الذي رحل إلى بلاد الشام يعالج من مرض أصابه فوجدهم يعبدون الأصنام فأعجبته تلك العبادة فعاد إلى مكة بهُبل ودعا الناس إلى عبادته، فهو أول من غير دين العرب وبحر البحيرة وسيّب السائبة.
وقد بلغ عمرو بن لحي بين سائر العرب مبلغاً كبيراً من الشهرة بسبب هذه الاضافات الجديدة على العبادة وقيامه بإطعام الحجاج، وتوزيع الثياب عليهم من برد اليمن، مما جعل القبائل العربية تقبل على مكة وتتخذ كل قبيلة صنماً تضعه حول البيت تعظّمه.
ويُروى أن بني قيس عيلان بن مضر رغبت في البيت وخزاعة يومئذ تليه وطمعوا أن ينزعوه منهم فساروا إلى مكة في جمع لهام ومعهم قبائل من العرب وعلى قيس يومئذ عامر بن الظرب العدواني فخرجت إليهم خزاعة فاقتتلوا فانهزمت قيس عيلان.
وكذلك أغارت قوم من هوازن على بني ضاطر بن حبشية من خزاعة بعد عودة الهوازنيين من غارة على بني الملوح من قبيلة كنانة، ثم أغار بنو ضاطر وقوم من خزاعة على قوم من هوازن وقتلوا منهم رجالا.
كما أغارت هوازن على خزاعة وهم بالمحصب من منى فاقتتلوا وأوقعوا ببني العنقاء وبعض بني ضاطر من خزاعة.
الحجر الأسود أشرف حجر على وجه الأرض، وهو أشرف أجزاء البيت الحرام، ولذا شرع تقبيله واستلامه، ووضع الخد والجبهة عليه، وموضعه جهة الشرق من الركن اليماني الثاني الذي هو في الجنوب الشرقي وارتفاعه من أرض المطاف متر واحد ونصف المتر ولا يمكن وصفه الآن لأن الذي يظهر منه في زماننا ونستلمه ونقبله إنما هو ثماني قطع صغيرة مختلفة الحجم أكبرها بقدر التمرة الواحدة، وأما بقيته فداخل في بناء الكعبة المشرفة، ويروى أن القطع تبلغ خمس عشرة قطعة إلا أن القطع السبع الأخرى مغطاة بالمعجون الذي يراه كل مستلم للحجر وهو خليط من الشمع والمسك والعنبر موضوع على رأس الحجر.
كما وصفه محمد بن نافع الخزاعي حين رد القرامطة الحجر سنة 339هـ وعاينه قبل وضعه وقال: «تأملت الحجر الأسود وهو مقلوع، فإذا السواد في رأسه فقط، وسائره أبيض، وطوله قدر ذراع».
وقد مرّ على الحجر الأسود حوادث كثيرة أولها ما ذكره ابن إسحاق أنه عندما أخرجت قبيلتا خزاعة وكنانة قبيلة جرهم من مكة خرج عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي بغزالي الكعبة والحجر فدفنها في زمزم وانطلق، غير أنّ امرأة من خزاعة شاهدت عملية الدفن فأخبرت قومها فأعادوه إلى مكانه، وكانت هذه الحادثة سبباً في انتقال سدنة البيت لخزاعة.
وكانت قريش -وهم ولد النضر بن كنانة- آنذاك متفرقين في مكة وماحولها، واستمر هذا حالهم إلى عهد قصي بن كلاب الذي خطب حبى بنت حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعي، فتزوجها وكان أبوها يومئذ يلي الكعبة. فتمكن قصي بعد ذلك من ولاية البيت الحرام.
وقد اختلفت الروايات التاريخية حول كيفية انتزاع قصي ولاية البيت من خزاعة في ثلاث روايات:
1. يذكر ابن اسحاق أن قصياً[؟] عندما كثر ماله وانتشر ولده وعظم شرفه في مكة رأى بعد موت حليل أنه أحق من خزاعة في حكم مكة لأن قبيلته قريش هم قرعة ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهم السلام وصريح ولده، فحث أبناء كنانة وقريشاً على أن يتعاونوا معه في إخراج خزاعة وبني بكر من مكة، ثم أرسل إلى أخيه من أمه واسمه -رزاح بن ربيعة- يطلب من يد العون والنصرة في تلك المحاولة، وبالفعل أسرع إليه رزاح ومعه قومه من قضاعة إلى مكة لنصرة قصي في حربه مع خزاعة.
2. يذكر الأزرقي أن حليلاً رغب في قصي فزوجه من ابنته حبى وقد أنجبت لقصي عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبداً، فلما كبر حليل كان يعطى مفتاح البيت لابنته وكانت تعطيه هي لزوجها قصي فيفتح البيت، فلما حضرت الوفاة حليل وجد أن قصياً قد كثر ولده وانتشروا، فأوصى له بولاية البيت وأعطاه المفتاح، فلما علمت خزاعة بهذا أبت أن تترك ولاية البيت لقصي وأخذوا المفتاح من حبى فأسرع قصي إلى قومه قريش وبني كنانة واستنصرهم على خزاعة وأرسل إلى أخيه من أمه في بلاد قضاعة يستنصره على خزاعة.
3. يذكر أبوهلال العسكري أن حليل لما كبر استناب على ولاية البيت أبا غبشان سليم بن عمرو الخزاعي وأنه اجتمع يوماً مع قصي على شراب، فلما سكر اشترى منه قصي ولاية البيت بزق خمر وقعود، فكان يقال: "أخسر من صفقة أبي غبشان".
والروايات في مجملها تجمع على أن قصياً قد استعد لانتزاع ولاية البيت من خزاعة، وخرجت خزاعة لقتال قصي ومن معه من قريش وكنانة وحلفائه قضاعة، حيث اقتتلوا قتالاً شديداً بيوم الأبطح، حتى كثر القتلى في الفريقين وظهرت الغلبة لجيش قصي، ثم رأى الفريقان أن يتحاكما إلى رجل من العرب وهو سيد بني كنانة: يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فقضى بأن كل دم أصابه قصي من خزاعة موضوع يشدخه تحت قدميه، وأن ما أصابت خزاعة من جيش قصي ففيه الدية، وأن تترك خزاعة ولاية البيت وأمر مكة إلى قصي.